الأحد، 14 أغسطس 2016

السيد محمد حسن الأمين: قادرون على صنع حداثتنا الخاصة/ حاوره وسام الأمين.


السيد محمد حسن الأمين: قادرون على صنع حداثتنا الخاصّة
حاوره: وسام الأمين       
     (جنوبية)
     http://janoubia.com/2016/08/12/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%AF-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%82%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D9%88%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B5%D9%86%D8%B9-%D8%AD%D8%AF/ 


    اعتبر المفكر الاسلامي الراحل نصر حامد أبو زيد ان كل شيء ولد مختنقا في مجتمعاتنا بسبب انّ الحداثة الوافدة التي تمّ تمزيقها اشلاء في الوعي التحديثي، فتمّ تقبّل الشّكل التقني فقط وتم رفض الأساس العلمي للتقنية بكل مكوّناته من عقلانية وعلمانية، فقبلت الديمقراطية بدون أساسها وهي حرية الفرد، ولم يحدث الفصل بين السلطات لارتباط مفهوم السلطة بمفاهيم قرووسطية مثل «الراعي» و«الحامي».

مثل هذا الكلام الذي يوجّه نقداً لموضوع الحداثة عموماً وفي العالم العربي والإسلامي خصوصاً، هو – برأي العلامة والمفكّر الاسلامي السيد محمد حسن الأمين-” من المقولات التي تردّدت وتتردّد باستمرار، ولا أظن أن حامد أبو زيد رحمه الله قدّم جديداً في هذا الأمر باستثناء إشارته أنه تم استيراد الحداثة إلى الشرق دون استيراد روح الحداثة الغربية بطبيعة الحال، ونحن نوافق على أن ما يسمّى بصيغ حديثة للاجتماع العربي والإسلامي هي صيغ مستلهمة في كثير من جوانبها من الحداثة الغربية ونقرَّ بأن الجانب المستورد من الحداثة هو الجانب التقني الاستهلاكي والذي قبل الكلام على روح الحداثة الغربية وصلتها بحداثتنا، يجب أن نتوقف عند اعتبار هذه الحداثة في مجتمعنا ليست سوى عملية نقل سطحي ومباشر لمنجزات الحداثة الغربية يتجلى أكثر ما يتجلى في استيراد منجزات هذه الحداثة ولا يشارك على الأقل في استلهام وسائل إنتاجها في أوطاننا وفي بلادنا. هذا فضلاً عن أنّ ما سميناه بروح الحداثة وقيمنا تبدو غير قابلة للاستيراد لأنها تتعلق بمنظومتي قيم وأفكار مختلفتين اختلافاً ليس يسيراً.

ويوضح السيد الأمين فكرته في هذا المجال قائلا انه “لو أردنا أن نضرب مثلاً على ذلك لتناولنا موضوع الديموقراطية التي ورد ذكرها في الإشكالية التي طرحها المفكر الراحل حول السؤال من أن الشرق أو العرب والمسلمون ربما استطاعوا أن يستولدوا في بعض نظمهم السياسية بعضاً من أشكال الديموقراطية الغربية، وهنا أود أن أشير إلى أن القيم التي تستند إليها الأنظمة الديموقراطية في الغرب هي قيم متولّدة من تطورات الاجتماع الاقتصادي والصناعي التي تفترض وجود آلية ديموقراطية ليس بوصفها ديموقراطية كقيمة إنسانية وأخلاقية بقدر ما هي ضرورة مادية، وإذا قامت الديموقراطية فهي لن تقوم استجابة لمثل هذه الضرورات فحسب، أي التطوّر العلمي والصناعي في الغرب، بل تقوم إذا قيّض لها أن تقوم على قاعدة القيم الدينية والأخلاقية وهي المنظومة التي يقوم عليها الفكر الإسلامي والفكر القومي، ولكي أوضح أكثر فإنني استطرد قائلاً بأن العدالة الاجتماعية في الغرب هي ثمرة تطوّر يستلزم بالضرورة إنتاج النظم الديموقراطية، أما في الشرق وعبر التاريخ الإسلامي كله تقريباً، فإن العدالة كانت تشكّل في بعض مراحل التاريخ مظهراً لأخلاقية الحاكم واستثنائيته في استخدام مفهوم الشورى في الإسلام، وبالتالي، فإن قيمة الديموقراطية بوصفها إطاراً ضرورياً للعدالة الاجتماعية كانت باستمرار تحت رحمة الصدف، أعني صدفة أن يكون الحاكم أو الخليفة شخصية استثنائية وقادرة على إرساء القيم الفاضلة في المجتمع وعلى رأسها العدالة”.

 
ويصل السيد الأمين لنتيجة أن “ما سلف يفسّر ظاهرة الخلل الذي يعتري نماذج الحداثة عموماً في اجتماعنا العربي والإسلامي، فلا أنظمتنا تستند إلى ديموقراطية تمليها تطورات نوعية في مجال التنمية وفي مجال السياسة، وفي الوقت نفسه لا تملك هذه الأنظمة التشبّع الضروري بقيم العدالة وديموقراطية التي تمليها القيم الدينية الإسلامية فهي إذن ليست حداثة شكلية فحسب، وإنما هي مظهر مشوّه لما يدعى أنه حداثة، فما زال عنصر الاستبداد واستناد النظم إلى شرعية القهر والغلبة هو السائد في اجتماعنا السياسي حتى يومنا هذا، بل يمكن القول أن ما تشهده المنطقة من انفجارات دموية طائفية وعرقية ليست سوى تراكم لهذا التاريخ الطويل من الجمود والتكرار المتشابه في إعادة إنتاج الأنظمة والقوانين، مما يستدعي بنظرنا قيام نهضة يتم تأسيسها على وعي جديد ومختلف، أبرز ما يتضمنه هذا الوعي في نظري هو أن الحداثة ممكنة، ولكن لا على أساس النقد الشكلي لمظاهر الحضارة الغربية وقيمها، ولا على أساس الانفصال الكامل عن هذه الإنجازات، بل أنه لا بد من حداثة تجمع إلى ذلك قيم ومفاهيم الاجتماع الإسلامي عبر ثقافة تتمكن من أن تمارس فعل التفكيك والنقد واستخلاص القيم العملية للتجدّد الحضاري الإسلامي، وإذ ذاك لا تعود الاشكالية التي طرحها حامد أبو زيد واردة، فهو يطلب تلبُّس روح الحداثة الغربية ظنّاً منه أنها الوسيلة الوحيدة لامتلاك حداثة عربية وإسلامية، وأنا أعتقد وأؤكد ما لم يكن لحادثتنا روحها الخاصة والمستقلة والمستلهمة من تراثنا الغني بعد تحليله ونقده فإننا بدون ذلك لن نتمكن من تحقيق الحداثة المرتجاة”.
وبالنهاية يَنقُض السيد الأمين افكار بعض الحدثاويين فيقول انه “يجب أن نتخلص من عقدة الدين بوصفه لدى الكثيرين بأنه سدّ مانع من إنتاج أي شكل من أشكال الحداثة، علماً ان جوهر ما يقوم عليه الإسلام يتضمن كل المفردات من حرية وديموقراطية وحقوق الإنسان وحق الفرادة والمسؤولية الفردية وغيرها من القيم التي تشكل مصدراً لاستلهام نهضة جديدة يمكن أن ندرجها تحت عنوان “التجدّد الحضاري”، وهذا لا يعني بحال من الأحوال إلغاء القيم الدينية، بل تعزيزها وإتاحة التوسع في مفاهيمها على النحو الذي لا يعود فيه الدين عقدة تحول دون التطلع إلى إنجاز هذه الحداثة الضرورية للاجتماع الإسلامي وخاصة في هذا العصر”.

تعليق:
يرى العلاّمة محمد حسن الأمين بأن:
"جوهر ما يقوم عليه الإسلام يتضمن كل المفردات من حرية وديموقراطية وحقوق الإنسان وحق الفرادة والمسؤولية الفردية وغيرها من القيم التي تشكل مصدراً لاستلهام نهضة جديدة يمكن أن ندرجها تحت عنوان “التجدّد الحضاري”، وهذا لا يعني بحال من الأحوال إلغاء القيم الدينية"

وطروحات الأمين تحتاج إلى الكثير من النقاش.
لو كان الاجتماع الإسلامي يفهم الإسلام كما يفهمه العلاّمة الأمين، ولو كان هذا الاجتماع يبدي من الاستعداد للانفتاح على الـ "هناك" المختلف ليستفيد من تجارب الإنسانية، لما كانت مشكلة، ولكان الاجتماع الإسلامي في أحسن حالاته.
هل يكون الحل بالعمل على تعميم هذا الفهم للإسلام وانتظار النتائج؟
الإسلام الذي يحلو للسيد الأمين وصفه على طريقته، يتم فهمه بطرائق بالغة التعدد، وفي غالبيتها لا تشبه فهم السيد الأمين له.
إلى جانب الإسلام الذي يتحدث عنه الأمين، وربما قبله، والأكثر انتشاراً منه، هناك إسلام "الردّة".. والتشدد وعدم الاعتراف بحق الاختلاف..
السؤال: هل إذا ما أردنا أن نطالب بحق الفرد في الحرّية، التي يتحدث نصر حامد أبو زيد عن غيابها، هل نحن إذّاك محكومون بالعودة إلى النصوص لإثبات أن تلك الحرية موجودة ومكفولة؟
وهل نحن محكومون بسقف ما تقدمه لنا تفسيرات وتأويلات النصوص؟
وكيف يمكن الوصول إلى علمنة أو "دنيوة" أمورنا الدنيوية، وترك الأمور الدينية إلى الخصوصيات الفردية التي لا تلزم القوانين ولا التشريعات التي يجب أن تكون مواضعةً بين الناس؟
وأظن بأن السيد الأمين ليس بعيداً عن هذه الغاية، وذلك ما تشير إليه الكثير من الأحاديث التي يدلي بها. لكن هل الوصول إلى ذلك يكون بالعودة الدائمة للبحث عن مسوّغ لها في النصوص وتأويلاتها؟
أين مصدر القوة وأين مصدر الضعف في الوسيلة التي يقترحها السيد الأمين؟ أي العودة لتأصيل المفاهيم التي نشعر بالحاجة إليها في واقعنا المعاصر؟
وهل يمكن السير بالتوازي والسعي في أكثر من ساحة ومجال للوصول إلى تلك المبادئ التي لا يمكن أن تستقيم أمورنا بدونها على ما أدعي: علمنة الدولة والقوانين والمؤسسات، الحريات والعدالة والاعتراف بحق الاختلاف واحترامه...؟؟


(محمد الحجيري)

 
 

ليست هناك تعليقات: