السبت، 31 ديسمبر 2016

المجامع المسكونية الكنسية.





المجامع المسكونيّة 
1- تنعقد بسبب ظهور بدعة أو أنشقاق يؤثر على الإيمان الكنسى.
2 - يتم عقد المجمع المسكونى بدعوة من الإمبراطور المسيحي.
3 - تحضره غالبية أساقفة الكنيسة - شرقاً وغرباً، بحيث يتم تمثيل كامل للكنيسة الجامعة ككل.
4 - يقرر المجمع حاكماً جديداً أو يستقر على رأى لم يتفق عليه من قبل.
أهم المجامع المسكونية
1ـ مجمع نيقية سنة 325 م.
وهو المجمع الذي أدان آريوس ونحلته.
2ـ مجمع القسطنطينيّة 381 م.
3ـ مجمع أفسس سنة 431 م.
وهو المجمع الذي أدان نسطوريوس.
4ـ مجمع أفسس الثاني سنة 449 م.
وهو المجمع الذي لا تعترف به الكنائس الغربية.
5ـ مجمع خلقيدونية سنة 451 م.
 وهو المجمع الذي لا تعترف به الكنائس الشرقية، وهو الذي أحدث شرخاً في الكنيسة، فانفصلت بعده كنيسة الاسكندرية عن القسطنطينية وروما.
كما أدان هذا المجمع اليعاقبة.

1 ـ مجمع نيقية (325 م) عقد المجمع بناء على تعليمات من الامبراطور قسطنطين الأول لدراسة الخلافات في كنيسة الإسكندرية بين آريوس واتباعه من جهه وبين الكسندروس الأول (بابا الإسكندرية) واتباعه من جهة أخرى حول طبيعة يسوع هل هي نفس طبيعة الرب ام طبيعة البشر.
 أنكر آريوس أزلية يسوع فاعتقد بأنه كان هناك وقت لم يكن يسوع موجودا فيه, واعتبره رفيعا بين مخلوقات الله ومِنْ صُنْعِهِ, كما اعتبر أن الروح القدس من صُنْعِ الله أيضا. بينما أكد الكسندروس الأول (بابا الإسكندرية) علي أن طبيعة المسيح هي من نفس طبيعة الله وتغلب رأي الكسندروس الأول (بابا الإسكندرية) بالاقتراع ورفض آريوس واثنين من القساوسة باصرار التوقيع وحرقت كتب آريوس وسمي مذهبة ببدعة اريوس

2 ـ مجمع القسطنطينيةالتأم المجمع المسكوني الثاني في القسطنطينية سنة 381، بناء على دعوة الامبراطور ثيوذوسيوس الكبير.
 وعلى الرغم من المشاكل الكثيرة والتعقيدات المتعدّدة التي حصلت بسببه, ومنها ان أبرشيات الغرب بما فيها روما لم تُدعَ إلى المشاركة فيه, اعتبره القديس غريغوريوس واحداً من أربعة مجامع يحترمها ويجلّها كما يحترم ويجلّ الأناجيل الأربعة المقدسة.
 جدّد آباء المجمع المئة والخمسون التزامهم بعقيدة نيقية, غير أنهم اضافوا بعض التعديلات الطفيفة على دستور الإيمان مثل عبارة:"لا فناء لملكه" وذلك دحضاً لبدعة أبوليناريوس أسقف اللاذقيّة الذي قال إن مُلْك المسيح يدوم ألف سنة.
أبوليناريوس هذا الذي كان صديقا لأثناسيوس الكبير تطرّف في دفاعه عن الأرثوذكسية ضد الاريوسية،

3 ـ مجمع أفسوس (432 م)في السنة ال 4311 دعا الامبراطور ثيوذوسيوس الثاني إلى مجمع مسكوني عُقد في افسس, المدينة التي كانت تكرم العذراء مريم لدرجة العبادة, حضره مئتا أسقف أعلنوا جميعا موافقتهم على رسالة كيرلس التي بعثها إلى نسطوريوس, ومما جاء فيها: " اننا نعترف بأن الكلمة صار واحدا مع الجسد, إذ اتحد به اتحادا شخصيا. فنعبد الشخص الواحد الابن والرب يسوع المسيح. اننا لا نُفرق بين الله والإنسان ولا نفصل بينهما وكأنهما اتحدا الواحد بالآخر اتحاد كرامة وسلطة... ولا ندعو الكلمة المولود من الله مسيحا آخر غير المسيح المولود من امرأة. وانما نعترف بمسيح واحد هو الكلمة المولود من الآب وهو الذي اتّخذ جسداً.
النسطورية
فتح نسطور بُعيد انتخابه بطريركا على القسطنطينية في العام 4288، باب الجدال على مصراعيه حين ابى ان يُطْلق على العذراء مريم لقب " والدة الإله"، وكان هذا اللقب الكتابي والمستعمل حرفيا عند اوريجنس قد دخل في العبادة الشعبية.
 ولد نسطوريوس في مرعش في سوريا على الفرات, وترهّب في انطاكية, ودرس في مدرستها على ثيوذورس اسقف مصيّصة الذي علّم ان " الله الكلمة اتخذ إنسانا كاملا من نفس عقلية ونفس إنسانية موجودة معها "، وكان يقول ب"تماسٍ" بسيط بين الطبيعتين.
 اعتنق نسطوريوس نظريات معلّمه وأيد كمال ناسوت المسيح, غير انه شدّد كثيرا على التمييز بين ناسوته ولاهوته معتبرا ان مريم ولدت طبيعة المسيح الإنسانية وليس طبيعته الإلهية, وقال بأن تسميتها ب"والدة الإله " تعني امرين اثنين: إما ان يسوع ليس إنسانا كاملا، وهذا ما كان يقوله أبوليناريوس, واما انه اله مخلوق, وهذا ما كان يقوله آريوس.

4 ـ أفسس الثاني (449 م) / خلقيدونية (451 م) وفق للكنائس الشرقيّة (السريانية والأرمنيّة والقبطية) المجامع المسكونية الأربعة هي; مجمع نيقية, مجمع القسطنطينية الأول, مجمع أفسس، مجمع أفسس الثاني.
مجمع خلقيدونية:
 وفق للكنيستين الرومانيّة والبيزنطيّة يرون أن مجمع خلقيدونية هو المجمع المسكوني الرابع وأحد المجامع المسكونية السبعة.
انعقد مجمع خلقيدونية سنة 451م.
يُعتبر من أهمّ المجامع، إذ نجم عن هذا المجمع انشقاقٌ أدّى إلى ابتعاد الكنائس الشرقيّة smilee رمز تعبيري السريانية والأرمنيّة والقبطية) عن الشركة مع الكنيستين الرومانيّة والبيزنطيّة الذين يرون أن مجمع خلقيدونية المجمع المسكوني الرابع وأحد المجامع المسكونية السبعة.
الكنائس الشرقيّة ترى مجمع أفسس الثاني هو المجمع المسكوني الرابع،
والشرقية الارثوذكسيه هي التي تعرف أيضا باسم miaphysites أو "غير خلقيدونيين.
هذا وقد عقد المجلس في 449.
 كلا الطرفين يدعون انهم "التدريس الأرثوذكسي الحقيقي". وكانت هذه بداية الانشقاق بين الارثوذكسيه الشرقية وبقية المسيحية.



الخميس، 29 ديسمبر 2016

بين الموقف الروسي والموقف الإيراني في سورية: آفاق المرحلة المقبلة.




بين الموقف الروسي والموقف الإيراني: آفاق المرحلة المقبلة.
وجهة نظر.


لقد تناولَتْ بعض وسائل الإعلام موضوع "تخبط العلاقة" بين روسيا وإيران، متسائلة عن آفاق العلاقة بين الدولتين في المرحلة المقبلة في ما يتعلق بـ"الساحة" السورية. فإلى أي حد يمكن اعتبار مثل هذه الأحاديث معبرة عن واقع العلاقة بين الدولتين؟
 
أظن أنه من الصعب الحكم الآن على ذلك بسبب تعقد الوضع وتعدد المشاريع والمصالح واللاعبين على الساحة السورية، بخاصةٍ أننا في انتظار ما سيرسو عليه موقف الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة الأميركية. لكن يمكن الحديث عن بعض المعطيات التي يمكن لها أن تضيء إلى حدٍ ما على احتمالات المستقبل.
 
أولاً، إن ما يجمع الروس والإيرانيين هو علاقة تحالفية دعماً للنظام في سوريا في مواجهة قوى المعارضة.
 
ثانياً، أن هذه العلاقة قد يحرص عليها الطرفان، إضافة إلى وجود مصالح اقتصادية مشتركة بين الدولتين.
لكن ما يريده الروس من سوريا غير ما يريده الإيرانيون.
 
الروس يريدون مصالحهم في سوريا، والتي كانت متحققة بنسبةٍ كبيرة مع النظام السوري الحالي. وهي متحققة الآن بنسبةٍ أكبر بكثير. بل هم اليوم من يقرر في سوريا ويعلن ما يريد نيابةً عن النظام، ولا أحد يستطيع الاعتراض على ذلك، كون استمرار النظام إلى اليوم مدين إلى المساعدات الروسية، بل إلى دخول روسيا الحرب مباشرة في سوريا.
 
والذي كان يقف في مواجهة ذلك هي المعارضة السورية، ربما بسبب دعم الروس للنظام، وربما لأسبابٍ إضافية أخرى، منها طبيعة المصادر التي كانت المعارضة تحصل منها على المساعدات.
 
بعد معركة حلب، تغير الموقف. فهو من ناحية أدى إلى تحقيق نصرٍ كبير لصالح النظام. لكنه من ناحية ثانية، وبعد الحديث عن معارضة الروس لاستمرار المعركة باتاجاه إدلب، وبعد الانفتاح الروسي الكبير تجاه العديد من قوى المعارضة، بما فيها الكثير من الفصائل الإسلامية، باستثناء جبهة فتح الشام وداعش، وبعد السعي الروسي لإحياء مسار التسوية السياسية بين الأفرقاء المتحاربة انطلاقاً من قرار مجلس الأمن رقم 2254، والذي يشير بشكل واضح إلى مرجعية بيان جنيف واحد عام 2012، والذي يشير إلى حكومة انتقالية وتعديلات دستورية، ثم انتخابات تشريعية يشترك فيها سوريو الخارج أيضاً وبإشراف من هيئات دولية..
 
إن هذا التوجه الروسي يبدو معتدلاً جداً بعد ما حققه الروس على الأرض على المستوى العسكري.. وبالتالي قد يجعل المعارضة السورية تغيّر نظرتها إلى الدور الروسي الذي كان بإمكانه أن يفرض ما هو أكثر تشدداً بكثير في موضوع التسوية السياسية.
 
وهذا يعني أن بإمكان الروس ضمان مصالحهم مهما كانت طبيعة التسوية وأحجام القوى المتخاصمة في الداخل، وتجعل جميع الأفرقاء بحاجة إلى هذا الدور، وعدم قدرة أيٍ منهم على الاعتراض عليه. أيّ أن بإمكان الروس المحافظة على مصالحهم بصرف النظر عن التركيبة الحاكمة في سوريا.
وأظن أن هذه نقطة الخلاف الأساسية بين وضع الروس ووضع الإيرانيين في سوريا.
فالإيرانيون على العكس من ذلك.
 
أولاً، لأن الإيرانيين يحاولون وضع اليد بالكامل على سوريا، لذلك فهم يصرون على استكمال المعركة العسكرية في إدلب وبقية المناطق.
 
وثانياً، لأن المصلحة الإيرانية لا يمكن أن تكون مضمونةً إلا من خلال الأسد بالذات، وهذه ليست حال الروس.
 
وبالتالي فإن التسوية التي تناسب الروس، والذين يجدون مصلحةً أكبر لهم من خلال إشراك المعارضة بشكل وازن، ودون استبعاد أي طرف في المعادلة السورية (باستثناء النصرة وداعش)، وهذا ما يجعل الوضع المستقبلي في سوريا أكثر انفتاحاً على احتمالات الاستقرار الطويلة، وبالتالي ضمان مصالحهم على المدى البعيد. نجد أن تسويةً كهذه لا تناسب الإيرانيين. 
 
ما يناسب الإيرانيين هو تحقيق الغلبة، وفرض تسوية سياسية تعكس هذه الغلبة، وهي بالضرورة ذات بعد طائفي أقلّوي، رغم كل الحديث عن الممانعة والتحرير، وبالتالي ستكون تسوية مفتوحة على احتمالات اضطرابات مقبلة وحروبٍ جديدة.
 
إذا صحت هذه الافتراضات، فيمكن القول بأن مرحلة التقاطع بين الاستراتيجية الروسية وتلك الخاصة بإيران قد شارفت على النهاية. وهي المرحلة التي كان يسعى فيها الطرفان إلى الحفاظ على النظام، وتحقيق نصرٍ عسكري على قوى المعارضة.
 
ويبدأ الافتراق مع الاكتفاء الروسي بذلك من أجل فرض تسوية سياسية يشارك فيها الجميع، بينما سيسعى الإيرانيون إلى متابعة المعركة (التي ستكون مستحيلة دون الدعم الروسي، فكيف في حال معارضة الروس لذلك؟)، كما سيسعى الإيرانيون إلى فرض تسوية سياسية تهمش قوى المعارضة للنظام أكثر من السابق.
 
طبعاً في هذه المقاربة نوع من الاختزال، بسبب وجود لاعبين آخرين، أهمهم الأتراك، والذين يبدو أن ما يجمعهم بالروس أكثر بكثير مما يجمع الإيرانيين بهم (أي بالروس). إضافة إلى الدور الأميركي الذي لا يمكن لنا أن نتنبأ به بشكل معقول إلا بعد استلام الإدارة الأميركية الجديدة مقاليد الحكم في الدولة العظمى الأولى في العالم.

(عن الفيس بوك)
29/12/2016


حوار في الميتافيزيقا؛ محمد الحجيري.

#مد16 مشاركة في حوار
على صفحة أحد الأصدقاء، وتعليقاً على منشور حول الموضوع الإيماني، حصل نقاش تضمن الكثير من التعليقات والآراء المتباينة، اتخذ بعضها الطابع السجالي.
 شاركت بالتعليق الوارد أدناه، وأنشره على صفحتي للحفظ وكنوعٍ ربما من نرجسية الذاكرة، مع الإشارة بأن أحد المشاركين في النقاش قد قام بتفنيد بعض ما جاء في هذا التعليق، ولا أدري هل هو محق في كل ما قاله أم في البعض منه فقط..
.. أظن بأن الكثير من الموضوعات والمفاهيم (الإيمانية) قد تم التوصل إليها نتيجة الحاجة النفسية لذلك. والوعي البشري القلق، افترض حلولاً تجلب له السكينة، ثم حاول بعقله إثبات حقيقتها:
فانوجاد الإنسان في مواجهة حتمية الموت، جعله يفترض حياةً بعد الموت. (وللتوضيح، أنا لا أنفي وجود حياةٍ بعد الموت، ولا أؤكد ذلك، وربما لم يكن ذلك من أولوياتي في البحث. فأنا أعيش كما يجب أن أعيش، أو أحاول ذلك، ككائن أخلاقي لا يحق له الإضرار باحد.. وبعد ذلك ليكن ما يكون: وجود حياة ثانية أم عدم وجودها..).
والتعرض للظلم، جعلنا نفترض عدالةً بعد الموت. (وأيضاً أنا لا أنفي ولا أؤكد).
وكل ما نعجز عن تحقيقه نفترض نيله في حياة ثانية.
وبدايةً، هذا الإنسان العاقل، ربما كان الوحيد الذي طرح سؤالاً عن أصل الكون ومن أين جاء؟
افتراض وجود خالق لهذا الكون يريح، معرفياً، وكونه يمكن أن يكون تفسيراً لكل الافتراضات السابقة.
لكن السؤال العقلي، بعيداً عن الإيمان المسبق، هل هناك خالق؟
طبعاً هناك احتمالان: إما أن يكون هناك خالق. وإما ألا يكون هناك خالق.
وأظن أن كلاً من الاحتمالين، سيواجه تحديات منطقية ومترتبات لا يمكن للعقل الإجابة عنها. أو هو يستطيع الدفاع عنها بحجج متساوية، وهذا ما قال به كانط في كتابه "نقد العقل المحض" والذي يعتبر فيه بأن العقل ليس الأداة الصالحة للبحث في هذه المسائل.
أما في حال وجود علة أولى في هذا الكون، فأظن بأن الإجابة الأكثر تماسكاً حتى اليوم هي الإجابة التي قدّمها أرسطو. والعلة الأولى عند أرسطو هي علة غير خالقة: فلا شيء من لا شيء. ثم لأن الخلق من عدم تفترض تغيراً في العلة الأولى، على الأقل تغير الإرادة. فلا تعود علة أولى، ثم يجب أن يكون الكامل غير متغير ولا تتغير معرفته بتغير العالم الذي يسوده التحول الدائم.
السؤال هو: لماذا طرح الإنسان هذا السؤال؟ أظن لأن ذلك يشكل حاجة نفسية له. وبدايةً هي حاجة معرفية مرتبطة بطبيعة الإنسان المتسائل.
أما الإجابة المستوحاة من باسكال المعتمدة على قانون الاحتمالات، فلا أظن أن لها علاقة بالإيمان الحقيقي. أن أؤمن لأن ليس في ذلك خسارة، أو لأن الخسارة ستكون أقل من الخسارة في حال ثبت العكس: أي أن الخسارة في حالة الإيمان بوجود خالق، ثم تبيّن عدم صحة هذا الاعتقاد، ستكون أقل من الخسارة في حالة عدم الإيمان بوجود خالق ثم التبيّن بأن الخالق موجود.
أولاً، أظن أن هذا إيمانٌ متهافت.
ثانياً، حتى لو كان شخص غير مؤمنٍ، ثم تبيّن وجود خالق. فلِمَ تكون هناك مشكلة؟؟
هذا يذكّرني بتساؤلٍ لأمين معلوف يقول فيه: ألله الذي خلقني ضعيفاً، هل سيحاسبني على ضعفي في يومٍ من الأيام؟؟
ولنفترض بوجود إله، ولم أتمكن بعقلي من التوصل إلى ذلك. فهل سيحاسبني الله على محدودية قدرتي العقلية التي عجزت عن التوصل إلى ذلك؟
في كل الأحوال، أظن بأن الإنسان الإنسان، لن يتغير سلوكه مهما كانت الاحتمالات. (إلا في موضوع الطقوس والعبادات، والتي أعتبرها غير أساسية في هذا السياق).
الإيمان يجلب الراحة. وهذا جيد.
والإيمان قد يكون المصدر الأساسي للأخلاق عند الكثيرين. وهذا أيضاً جيد. ونجد أفلاطون يدعو إلى إقناع الناس بوجود خالق وحساب بعد الموت كنوع من التربية الأخلاقية لعموم الناس.
لكن هذا لا يوازي أيّ أهمية على مستوى الأدلة.
هذه ستبقى أحجية على مستوى العقل. وأظن أن استخدام العقل في هذا المضمار، هو نوع من الآلية الدفاعية عن إيمان سبق توصل العقل إليه. وقد يسميه البعض بالعقل التبريري وليس العقل المكتشف.
أرى أن هذا الكوكب يتسع للجميع. ولكل وجهة نظره التي يرى العالم من خلالها. ما يجمع الناس هو اشتراكهم في الإنسانية. ومن طبيعة الأمور أن يختلف الناس في قناعاتهم. لكن المرض كل المرض، هو محاولة إلغاء الآخرين. حتى لو كنت متأكداً من فكرتي، فهذا لا يبرر لي إلغاء "المخطئين".

#مد16 مشاركة في حوار..(2)زميلنا العزيز ..:
 معك حق في القول بأن تعليقي لم يكن مناقشةً للمنشور (...) . وذلك يعود ربما لموقف خاص بي حول فهمي للحوار، هو أقرب إلى التعارف منه إلى الإقناع أو الاقتناع: أطلع على الرأي الآخر وأبدي رأياً.
 وأنا أبديت رأياً، هو ليس لي، لكني أتبناه: وهو موقف كانط القائل بأن العقل ليس الأداة الصالحة للبحث في الميتافيزيقا.
ولو اعتبرتُ الحجة (في المنشور) قاطعةً، لكان لا معنى لرأيي المذكور. لكن ما أقدره لدى  صديقنا هو احترامه لحق الاختلاف، وهذا ما لا نجده كثيراً عند أصحاب المعتقدات، أكانت دينية أم سياسية أم أخلاقية..
 ولو كان لي أن أبدي رأياً سريعاً في الموضوع، لقلت بأن الحديث عن الحاجة في العبارات الواردة في المنشور لا تحمل نفس المعنى. (ملاحظة: ورد في المنشور مدار النقاش بأن الحاجة إلى الطعام والشراب تثبت وجودَهما، وكذلك الحاجة إلى العبادة تثبت وجود المعبود..)
 فالحاجة إلى الطعام والشراب هي حاجة بيولوجية، تعني أن استمرار الحياة ما كان ممكناً لولاهما. يعني أنهما ضروريان للحياة ولا يُستغنى عنهما.
 أما الحاجة إلى المعبود أو إلى العبادة، فلها معنى آخر. واستمرار الوجود غير مقترن بذلك. هي "حاجة" نفسية ومعرفية. وبظني أن ذلك ناشئ من طبيعة الإنسان المتسائلة، والعارفة التي رأت الكون فتساءلت: من أين جاء؟ واكتشفت الموت والعجز عن تحقيق العدل فافترضت حياةً وعدالةً بعد الموت. وهذا "الافتراض"، لا أقول عنه بأنه صحيح أو خاطئ، وإن كان لديّ ترجيح ما، لكن أقول بأن العقل لا يستطيع إدراكه.
 وتاريخ العبادات يرجح أن ذلك كان يتم بسبب هذه الحاجة النفسية: فمن كان يعبد مظاهر الطبيعة كان يحسب اعتقاداته صحيحة، بينما لا أحد يرى ذلك الآن. الحقيقة هي أن من طبيعة الوعي البشري أن يطرح هذه الأسئلة. لكن حقيقة الأجوبة تختلف باختلاف المعتقدين.
 (إضافة: أظن بأن القول بأن الحاجة إلى الطعام يثبت وجود الطعام، ناتج عن قياس أرسطي مضمر مفاده: لا حياة بغير وجود الطعام، والحياة موجودة، إذاً الطعام موجود. لكن هذا لا ينطبق على القضية الأخيرة. فلا نستطيع القول بأنه لا حياة بغير وجود عبادة.. مفهوم الحاجة يختلف بين القضيتين الأولى والثانية.. وهذا كان له تسمية محددة في منطق أرسطو)
أما في ما يتعلق بأرسطو، فبظني أن جوابه هو الرأي الأكثر تماسكاً من الناحية المنطقية، وهو قوله بقِدم العالم. لأن القول بحدوث العالم يطرح إشكاليات كثيرة تعرفها ويعرفها كل من له إلمام بتاريخ علم الكلام: هل الخالق يتغير حين يخلق العالم وحين يعلم الجزئيات والتغيرات فيه..؟ نظرية أرسطو كانت بمنأى عن هذه الصعوبات المنطقية واحتمال الوقوع في التناقض.
لكن هل نظرية أرسطو هي حقيقة علمية؟ بالتأكيد لا.
أصل الكون سيبقى لغزاً أمام العقل البشري. فلا هو يستغني عن طرح سؤال العلّة: من أين جاء الكون؟ ربما بسبب من عادة ذهنية كما يرى هيوم، لأنه يرى بأن كل ما يحدث ينتج عن مسببٍ سابق له..
وهو إذا افترض علّة مسببة كان أمام مشكلتين: ما علّة هذه العلّة؟ وهي ما أجاب عنها أرسطو بأنه لا يمكننا الاستمرار في الأسباب إلى ما لانهاية.. ولا أجد مبرراً مقنعاً لهذه الإجابة إلا التخلص من المأزق.
وثانياً ما هي العلة التي جعلت العلة الأولى تتبدل وتخلق العالم بعد أن لم يكن؟
في كل الأحوال، أظن بأن تاريخ الإجابات عن هذه الأسئلة هي تاريخ اهتمام الإنسان بهذه المشكلة، وتطورها مرتبط بتطور معارفه. لكن السؤال هو: لماذا يطرح الإنسان هذه الأسئلة، ويقبل عنها بعض الإجابات التي نجدها اليوم لا تستحق عناء التفنيد؟ ربما هو شعوره الملازم بالحاجة إلى ذلك، وتطورت إجاباتُه بتطور قدرته عبر العصور في الإجابة على تلك التساؤلات.
إنه الوعي الشقي الذي يخلق التفاؤل لأنه بحاجة إليه. والذي يفترض الإجابات لأنه بحاجة إلى "الحقيقة". وهذه الإجابات تعبر عن مكوّن أساسي من إنسانية الإنسان، إن لم يكن من حيث بلوغُ الحقيقة، فمن حيث انهمامُه بهذه الموضوعات.
وهي أجوبة راقية، حتى ولو كانت وهميّة، بشرط ألا تكون مدخلاً لاضطهاد الآخرين، أو سوق الناس إلى الجنة بالعصا.
أن تقتنع أنك على صواب، وبأنك وحدك الحاصل على الخلاص، فلا ضير في ذلك، شرط ألا يؤدي بك ذلك إلى ادعاء تكليف إلهي بمحاسبة الناس الآن وهنا، أو ربط حقوق المواطنين بناء على ما يعتقدون، وهو ما تجاوزه العالم الغربي (الكافر) منذ قرون، بينما ما زالت الأمور في مجتمعاتنا ودولنا على ما نعلمه جميعاً.
ما أقدّره عند المحاور، ليس أين نختلف وأين نتفق، بل أننا نتفق على أنه يحق لنا الاختلاف.


في الإيديولوجيا. محمد الحجيري.



في الإيديولوجيا
ليس المقصود هنا الدخول في تعريفات المصطلح: الإيديولوجيا أو علم الأفكار.
المؤدلج بعامةٍ هو الشخص الذي ينحاز إلى رؤية الأمور من خلال وجهة نظر منظومة معيّنة، دينيّة أو سياسية أو عقائدية بشكل عام..
 لقد كانت في الثمانينيات وما قبلها تُعتبر مِيزةً ويشعر صاحبها بالفخار والتمايز. ثم فجأةً، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية وتعثر الكثير من المشاريع الحالمة التي كان آخرُها الإسلام السياسي، أصبحت الإيديولوجيا تُهمةً، وتعرّضت لأعنف الهجمات، نذكر من تلك الهجمات ما قام به المفكر على حرب في كتاباته في مرحلة التسعينيّات، التي عادت وخفّت حدّتُها في كتاباته اللاحقة..
المؤدلج صاحب معرفة متمايزة وصاحب موقف.
 المشكلة في رأيي أن الموقف كان يطغى على المعرفة ويسطّحها، ويحوّلها إلى كلمات جوفاء لا يعرف صاحبها ماذا تعني ولا ماذا يقصد بها.
 وإذا عرف فكانت معرفته مشوّهة وخاضعةً لموقفه المسبق. والأمثلة على ذلك كثيرة وموجودة لدى كل الأطراف: من الماركسيين الذين لا يعرفون ماركس. والإسلاميين الذين لا يعرفون من الإسلام إلا أنه هو الحل وأن كل مشاكلنا بسبب الابتعاد عنه، إلى القوميين الذين لا يعرفون كثيراً عن تعقيدات المجتمعات وعن معطيات العصر السياسية والطرق الأنسب للتقريب بين هذه المجتمعات..
 كان الجميع تقريباً يعيش داخل نظرياته في أحسن الأحوال، وداخل كلمات كبيرة لا يعرف معناها غالباً، وفي كل الأحوال بعيداً عن الفهم الموضوعي للواقع، وعن فهم الفكر الذي ينتمي إليه وعن فهم الآخرين الذين يشاركونه أو ينافسونه الحيّز المجتمعي المستهدَف.
كنا نختار الانتماء قبل أن نعرف. ثم ندافع عما لا نعرفه، ونهاجم ما لا نعرفه.
 لفت انتباهي منذ أشهر تعليقٌ لأحد الزملاء الأساتذة أننا نشرح للطلاب نظرية أحد الفلاسفة بطريقة فيها الكثير من التعسّف ليكون الردُّ عليها سهلاً ومريحاً.
وبعد الاطلاع على نصّ ذلك الفيلسوف وجدت أن كلام ذلك الزميل كان محقاً إلى درجةٍ كبيرة.
مع الإيولوجيا أم ضدّها؟
باختصار، أنا لست مع أنصاف المواقف. لكن علينا أن نعرف مع ماذا وضد ماذا.
 في مرحلة المعرفة أو التعرّف على الآخر المختلف أو الخصم، يجب أن نمارس الرقابة على الذات العارفة لتعرف من موقع المتعاطف والمتفهّم، ثم بعد أن نعرف بهدوء وبموضوعيّة يمكن لنا أن نتخّذ موقفاً نقدياً ومعارضاً.
 وفي مرحلة التعرّف على الذات، يجب أن نفعل ذلك بذهنيّة نقديّة حذرة، وبانفتاح على الإفادة من كل الإيجابيات لدى الآخر المختلف. وأن نبقى مستنفِري الحس النقدي على قناعاتنا لتطويرها باستمرار. فلا تطوّر إلا باكتشاف الخطأ وتجاوزه.
 بدلاً من أن نحدّد موقعنا بدايةً، ثم نرى الأمور انطلاقاً من ذلك الموقع. علينا أن نرى الأمور باقصى ما نستطيع من الحياديّة، ثم نحدّد موقفنا بناءً عليه.
 هذا يذكّرنا بموضوعة العربة والحصان.


وبعد. هل الأفعال تشبه الأقوال؟
 أدّعي أنني أحاول.
محمد الحجيري
 29/12/2015

الأربعاء، 28 ديسمبر 2016

محنة لبنان: الثنائيات الخانقة والتسويات الهشّة؛ علي حرب.



محنة لبنان: الثنائيات الخانقة والتسويات الهشّة
علي حرب


يتساءل كُثُر، في لبنان، وسط الاضطرابات المتفاقمة والمخاوف المتعاظمة، أمَا من سبيل للخروج من المأزق الخانق الذي يضعنا بين فكّي الكماشة: الصراعات الطائفية المحتدمة في الداخل، والتدخلات السافرة من الخارج، من جانب القوى الفاعلة في لبنان، بثالوثها العربي والاقليمي والدولي. هنا مقاربة للمسألة على وقع ما استجد من تطورات وتداعيات على المسرح، بعد تفاقم ظاهرة الإرهاب وتداعياتها السلبية، بل القاتلة، على الوضع اللبناني.
البلد الاستثنائي
لبنان بلد صغير تم انشاؤه، قبل عقود، لكي يتركب من فسيفساء من الطوائف، لكل واحدة منها هويتها الدينية أو المذهبية، كما لها ولاؤها أو تحالفها مع مرجعها الثقافي أو السياسي أو المالي أو الأمني في الخارج.
هذه التركيبة التعددية هي التي جعلت من لبنان بلداً استثنائياً، من حيث كونه نموذجاً للتنوع أو مختبراً للتعايش أو منبراً لحرية التفكير والتعبير. من المفارقات في هذا الخصوص أن تعددية الطوائف هي التي وقفت وراء الديموقراطية اللبنانية، وليس احترام حق الآخر في الاختلاف. فاللبنانيون ليسوا عشّاق الحرية، كما يقدّمون أنفسهم، أو كما يرى إليهم بعض العرب الذين يحسدونهم على الفردوس الليبيرالي الذي ينعمون في اجوائه.
لكنْ، ما كان ميزةً في ما مضى، قد بات آفة، بعدما أصبح كل فريق، في الداخل، يعطي الأولوية لعلاقته بمرجعه في الخارج، على حساب علاقته بشركائه في الوطن، وهي علاقة تزداد توتراً وسوءاً، بقدر ما تحتدم الصراعات على المسرح العربي والاقليمي.
هكذا صار الولاء للخارج هو الأولى، بحيث بات اللبناني، وليس إسرائيل، هو العدو الأول للبناني، كما تشهد لغة الخطب المشحونة بمشاعر الكره والعداء، بين الطوائف المتنابذة والقوى المتعارضة. من هنا بات الحوار بين الأخوة في الدين او الشركاء في الوطن أصعب وأكثر تعقيداً من الحوار بين العرب وإسرائيل، بقدر ما بات الصراع بينهم أدهى وأخطر.
المساواة بالمفاسد
بالإضافة إلى هذه المشكلة الكيانية، هناك مشكلة سياسية تجسدت في كون الساسة الذين تعاقبوا على حكم البلد، منذ نشأته، قد فشلوا في ادارته، ولم يحسنوا تطوير صيغته الديموقراطية، المدنية، إذ كان الهاجس، في أكثر الأحيان، هو التنافس والتسابق، لا من أجل الخير العام والمصلحة المشتركة، بل من أجل حصد الغنائم والمكاسب، سواء باللعب على الوتر الطائفي، أو بانتهاك الأنظمة والقوانين، عبر هدر الأموال ونهب الثروات. من هنا كانت القاعدة الذهبية في لبنان دوماً المساواة في المكاسب والمفاسد.
ليس هذا وحسب، بل إن الساسة أطاحوا المحاولة الاصلاحية التي تحققت في أيام الرئيس فؤاد شهاب (1958 - 1964)، بقدر ما أمعنوا في تشويه ما ورثه لبنان عن فرنسا، وتخريبه، تماماً كما أمعنت الأنظمة العربية، ولا سيما تلك التي استولت على لبنان، في مسخ ما ورثته عن عهود الاستعمار، وتخريب ما يخصّ عناوين الحداثة وشعاراتها. هذا ما جعل الرئيس الراحل ينعت الساسة في لبنان بأنهم "أكَلَة الجبنة". هذا في زمنه، أما اليوم فقد ازدادت الأحوال سوءاً وفساداً، كما تشهد التجارة بالأغذية والأدوية الفاسدة التي تجري أعمالها بتغطية من الساسة أو بسكوتهم عليها. فكيف يمكن إذاً لهؤلاء أن يحاربوا "داعش" وهم الوجه الآخر لها، لأن من يفسد في الأرض هو شريك لمن يسفك الدماء، في تدمير القيم وخراب الدول؟!
مفاعيل المقاومة
ثم برزت المشكلة الكبرى، بعد انتقال المقاومة الفلسطينية إلى العمل، انطلاقاً من لبنان، بدعم من الدول العربية التي كانت تنظر إلى نجاح لبنان وازدهاره بعين الحسد والعداء، مما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية بصيغتها الأولى بين مسيحيين ومسلمين (1975-1976). بذلك فقد لبنان قراره المستقل، وصار بلداً معلّقاً، بعدما استولت عليه القوى من داخل وخارج، بجيوشها وأحزابها، أو بمنظماتها وميليشياتها، من عهد عرفات إلى عهد حافظ الأسد، وصولاً إلى الانتداب الإيراني على لبنان، عبر وكيله الشيعي: "حزب الله".
وهكذا، كان اللبنانيون غافلين عما يتمتّعون به من حريات، وفي الاخص مَن كانوا منهم لا يعترفون بالكيان اللبناني من أصحاب المشاريع القومية واليسارية، الأمر الذي حوّله "ساحة" سائبة ومفتوحة، لكل داعية مشعوذ أو مناضل مخرّب، بذريعة الدفاع عن القضايا المقدسة والشعارات الخادعة او المشبوهة، وكانت الحصيلة انفجار حروب أهلية بدأت منذ عقود ولم تنتهِ فصولها بعد.
بالطبع، تراجع الكثيرون ممّن كانوا في صفّ العروبة واليسار، بعد هذا الدمار الذي أصاب لبنان ليطرحوا شعار: "لبنان هو أولاً"، بأرضه ودولته ومؤسساته وجيشه، الأمر الذي يعطي صدقية للراحل الكبير، الشاعر سعيد عقل، الذي بالغ في حب لبنان حتى تأليهه بقدر ما كان يؤلّه نفسه، لكنه جسّد بإبداعه وبعد نظره، الحلم اللبناني وكان آية من آيات لبنان العظمى التي ساهمت في صنع أسطورته ومجده. لكن البعض لا يزال يفكر وكأن شيئاً لم يحدث. أذكر أنني عندما شاهدتُ متظاهرين يساريين، في شارع الحمراء، يريدون إغلاق مقهى "ستاربكس"، بحجّة أنه فرع من شركة اسرائيلية، قلت في سري: فليتقّ هؤلاء كارل ماركس، لأن سياساتهم ساهمت في تخريب لبنان، وما استرجعت ذرة من فلسطين، تماماً كما أن من أتى بعدهم يساهم في تدمير سوريا، من دون استرجاع ذرّة من الأراضي المحتلة.
الحرب على الإرهاب
هكذا قُبض على لبنان منذ العام 1969، ومُنع من أن يعود إلى وضعه الطبيعي كبلد مستقر وآمن. ثم زادت الأمور سوءاً، بالانتقال إلى الحرب الأهلية بصيغتها الثانية بين المعسكرَين السنّي والشيعي، على كل المستويات السياسية والإيديولوجية والأمنية، ولا سيما بعد انخراط "حزب الله" في القتال إلى جانب النظام السوري.
وما الحرب على "داعش" وأخواته إلا وجه من وجوه ذلك الصراع الذي يحتدم في لبنان وسوريا كما في العراق واليمن، بين الكتلتين: الشيعية بقيادة إيران، والسنّية بقيادة السعودية وتركيا.
خلقت هذه الحرب مشكلة جديدة للبنان تُضاف إلى سابقاتها، هي الحرب على الإرهاب. صحيح أن الإرهاب مورِس، منذ عقود، في البلد الذي كان يسمّى "سويسرا الشرق"، سواء بخطف أجانب، أو بتفجير السفارات، أو باغتيال الشخصيات، لكنه تحوّل الآن إلى معضلة كيانية، كما تشهد العمليات بين الجيش اللبناني والمنظمات الإرهابية على الحدود اللبنانية - السورية، إذ هي تورّط لبنان في النزاع السوري، فيما هو يريد أن ينأى بنفسه عنه.
لذا لا يجدر تبسيط الأمور. فإذا كان الإرهاب يحتاج دحره إلى سنوات، كما يعترف قادة التحالف الدولي المؤلف من عشرين بلداً، فكيف يمكن للبنان أن يتغلب عليه؟! كذلك لا يجدر تبسيط الأمور بإخفاء البعد الطائفي للحرب على الإرهاب. صحيح أن العالم السنّي، الرسمي، ممثلاً بالأزهر والسعودية، يعلن بصورة قاطعة أنه مع الحرب ضد تنظيم "داعش" وأخواته، لكن ذلك لا يخفي مشاعر الخوف لدى الجمهور العريض من أهل السنّة الذين يقفون من الحرب على "داعش" موقفاً ملتبساً. هذا إذا كنا لا نريد دفن رؤوسنا في الرمال.
الاستعمار الديني
لا ينخدعن أحد بأن هناك فريقاً قوياً يعلن دعمه للجيش في حربه على "داعش" و"النصرة"، فيما هو لا يعترف أصلاً بلبنان. نحن إزاء ضدّين هما وجهان لعملة واحدة، بقدر ما يتواطآن ضد البلدان العربية، بإغراقها في الفوضى والعنف لتفكيك دولها وتمزيق نسيجها الوطني.
من المضحكات أن البعض يعتبر الحرب على "داعش" ضرورية من أجل منع الجهاديين من إقامة إمارةٍ في شمال لبنان، في حين أن الجهاد الشيعي، بدعمٍ من النظامَين الإيراني والسوري، قد أقام إمارته منذ أكثر من ربع قرن، ممّا جعله يتعامل مع لبنان كأنه مُلكُه الذي يتصرّف به كما يشاء.
لكن لا ينبغي تبسيط الأمور من وجهٍ ثالث. فالصراعات الجارية مركّبة بقدر ما هي ملتبسة ومتداخلة. هناك صراع طائفي بين سنّة وشيعة، لكنه مغلّف بصراعٍ له طابعه القومي، إذ هو صراع بين عرب وغير عرب. فإيران، مثالاً، هي في النهاية، دولة عريقة لها لغتها وتقاليدها وثقافتها، لذا فهي وإن إعتنقت الإسلام، بنسخته الشيعية، فإنها حوّلته الى دين قومي. بهذا المعنى، فالشيعة العرب الموالون لإيران والمرتبطون بمشروعها الاستراتيجي، هم جاهلون بقدر ما يتناسون هذا البعد الوطني، الحاضر في عقول الإيرانيين بصورة لاشعورية، وأحياناً بصورة صريحة وسافرة.
هذا ما تشهد به تصريحات القادة والجنرالات الإيرانيين الذين رقصوا طرباً عند سقوط مدينة صنعاء في قبضة عاملهم وعميلهم عبد الملك الحوثي وجماعته، والذين لا يتركون فرصة إلا ويعلنون فيها أن حدود إيران تبدأ في طهران وتنتهي عند شواطئ لبنان. لعلّ ما يقومون به الآن هو ثأرٌ تاريخيّ يجيء كردّ فعل، بعد أكثر من ألف عام، على خروج العرب من جزيرتهم بمشروعهم الديني، لكي يستعمروا الشعوب التي سيطروا عليها باسم القرآن والإسلام. وتلك هي فضيحة الوحدة الإسلامية التي تعامل دعاتها ولا يزالون، ماضياً وحاضراً، مع من تجمعهم بهم عقيدة التوحيد بلغة الهيمنة والاستعمار او الغطرسة والاستكبار او الثأر والاستقواء.
من التبسيط، من جهة رابعة، قول بعض السنّة في لبنان بأن أهل السنّة هم المستهدفون. المستهدف في رأيي هو العالم العربي بجميع دياناته وطوائفه، بمن فيهم شيعة إيران الذين سيكتشفون، بعد فوات الاوان، ما جرّته وتجرّه سياساتهم من سوء العواقب على المصائر.
العجز والاستهداف
لا يصح الكلام على المشكلة اللبنانية من دون الكلام على العالم العربي، ما دامت معضلة لبنان هي، في وجه من وجوهها، مشكلة عربية. والعالم العربي هو اليوم في أسوأ أحواله. إذ هو فريسة للتطرف الديني والعنف الجهادي، كما هو فريسة للحروب الأهلية المركّبة، الطائفية والعرقية والسياسية. نحن إزاء عالم مشلول وعاجز عن إدارة شؤونه وتطوير أوضاعه باستخدام لغة العصر ومفاهيمه أو قيمه ووسائله. ما يجري هو العكس بالتمام، بعدما تمّ الانقلاب على الثورات التي قامت بها الأجيال الجديدة ضد الطغيان والفساد، سواء من جانب القوى القديمة المضادة لأي تغيير أو اصلاح أو تحديث، أو من جانب القوى الأصولية التي ركبت الموجة الثورية وحاولت استغلالها لترجمة مشروعها الذي يُنتج كل هذه الدماء وكل هذا الدمار.
التورّط والتواطؤ
إذا كان العالم العربي يشهد على عجزه، فإنه مُستهدَف من الخارج، بتوسل قوى في الداخل، وعلى ما يتعامل معه اللاعبون على "ساحته" من الدول الكبرى والقوى الفاعلة: أميركا وروسيا، إيران وتركيا، ومن يرتبط بها في الداخل العربي من الجماعات والأحزاب والميليشيات.
لذا لا يصح الحديث عن الوضع العربي، من دون التطرق إلى الوضع العالمي، لأن الأزمة العربية هي وجه من وجوه الأزمة العالمية، تماماً كما أن مشكلة لبنان هي وجه من وجوه المشكلة العربية. من الطبيعي أن يكون الأمر كذلك في عصر تتشابك فيه المصالح والمصائر بقدر ما تتعولم المشكلات والهويات، وربما المكتسبات والخيرات.
هكذا فإن مشكلة لبنان هي جزء من المشكلة العالمية. لكن العالم ليس على ما يُرام. نحن إزاء نظام عالمي فقد  مشروعيته في إدارة الشأن الإنساني والكوكبي، كما تشهد السياسات والاستراتيجيات للاعبين والفاعلين على المسرح، إذ هي تتسم بسمات ثلاث: التخبّط، والتورّط، والتواطؤ.
الخلق والخرق
في ظلّ وضع مأزوم وبائس كهذا الوضع الذي يتسم، عربياً، بالشلل والعجز والتردي، كما يتسم عالمياً بالتورط والتواطؤ، ما الذي في إمكان اللبنانيين ان يفعلوه للخروج من النفق أو المستنقع؟!
لا شك أن الحلول ليست سهلة بل هي معقّدة وشبه مستحيلة، ما دام الأمر خرج من يد اللبنانيين وباتوا أسرى لعبة هي أكبر منهم؟ مع ذلك، لا مهرب من أن نفكر في ابتكار الحلول، إذا لم نشأ أن نحكم على أنفسنا بالعجز المطبق والجهل الفاضح. ولا حلول من دون قدرة فذة على الخلق والخرق، بخلق وقائع تغيّر المعطيات، بقدر ما تترك أثرها الفعال والبناء في تغيير خريطة المشهد وعلاقات القوة.
المخرج إذا بقي عقلاء في لبنان، بل إذا بقي لبنانيون في لبنان، أن نحسن قراءة الوضع المتشابك بمختلف أبعاده العربية والإقليمية والدولية. وقراءتي في هذا الخصوص ألخّصها بالبنود الآتية:
- لا احد يساعد اللبنانيين على حل أزمتهم، إذا كانوا هم أنفسهم لا يسعون إلى ابتكار الحلول. تفيد التجارب أنه كلما تقارب اللبنانيون وتواصلوا، ضعف أثر التدخلات من الخارج. وبالعكس. من هنا ما عادت تجدي استراتيجيا الاستقواء بالخارج لاستضعاف الشريك في الداخل، إذ هي لا تنتج سوى الدمار المتبادل.
- لا نعوّلنّ كثيراً على العرب لحل مشكلة لبنان، لأن العاجز أو المستبد لا يحل لك مشكلتك، بل هو يتخذك رهينة في انتظار حل مشكلته، مما يجعله يساهم في تأزيم الأوضاع لا في حلها.
- بداية الحل المُعجِز هو التفكير والعمل على تفكيك المنظمات والإمارات المسلّحة على اختلافها. فلا جدوى من محاربة هذه الإمارة الجهادية بالسكوت على أخرى أو بدعمٍ منها. فالتنظيمات المسلّحة، الخارجة على قوانين الدولة، يستدعي واحدها الآخر ويخدمه أو يتغذّى منه بقدر ما يستمدّ بقاءه من وجوده.
- يقتضي الحل تشكيل اقتناعات جديدة بحيث يعترف الواحد بأنه يخطئ ولا يملك الحقيقة، وإلاّ وقع في خطأ مضاعف، ومارس جهلاً مركّباً بالذات والآخر والواقع، لكي يدمر جسور التواصل مع النظراء والشركاء. مثل هذا الاقتناع يعني كسر إرادة التملك والقبض والتحكم. فلبنان ليس ملكاً لأحد، ولا سيما أولئك الذين يستضعفون الدولة ويستقوون على شركائهم بقوة السلاح.
- لا حلول من دون كسر أنماط التفكير السائدة والمستهلكة التي تعيد إنتاج الأزمة بشكلها الأسوأ. من هنا يحتاج الحل إلى خيال خلاّق يجترح إمكانات جديدة للعمل الوطني تُبتكَر معه صيغ جديدة، مرنة، مركّبة، يجد فيها كل فريق قسطه ويمارس دوره في بناء المجتمع وتقدمه.
- لا نعوّلنّ كثيراً على مجلس النواب الذي فقد صدقيته وبات دوره تعطيل الحلول، بدلاً من السعي لإنتاجها. من هنا المسؤولية التي تحملها الشخصيات والهيئات والقوى الوسطية والمستقلة، وكل فاعليات المجتمع المدني بحيث يكون لها دورها الفعال في كسر إحتكار الشأن الوطني من هذا الفريق أو ذاك، وفي تفكيك المتاريس الإيديولوجية والخنادق السياسية التي تعطل الحلول، عبر المشاركة في المناقشة العمومية بأوسع مجالاتها ومختلف دوائرها وميادينها. بذلك لا تقتصر الحوارات على الذين يتباحثون في الغرف المغلقة، بل تشمل كل مَن هو قادر على أن يُساهم في رأي او موقف أو اقتراح، لفتح كُوّة في الجدار المسدود. إن المجريات والتطورات تجاوزت الثنائية القائمة في لبنان بين الفريقَين المتصارعين السنّي والشيعي، إذ هي أعجز من أن تنتج حلولاً أو أن يترك لطرفيها تقرير مصير مجتمع بأسره، إلا إذا نفد رصيد لبنان من وجود أناس قادرين على إبتداع حلول لإخراجه من مأزقه الخانق.
خلاصة القول
لا نتوقعن حلولاً للمشكلات بصورة حاسمة، فالحلول، إذا وجدت، هي أشبه بتسويات موقتة، قد تولّد مشكلات اخطر وأكثر استعصاء، فكيف ونحن نندرج في واقع متدفق وفائق بقدر ما هو سيّال ومتسارع، لا ينتج سوى أنصاف الحلول وأشباهها. الدرس عند مَن يحسن استخلاص العبرة، هو التخفّف من المزاعم المثالية والادعاءات الطوباوية التي تترجم تألهاً وعبثاً أو جنوناً وتوحشاً. لست لأتشاءم. ولكن لم تعد تجدي المعالجات والتدابير بالعقليات والأفكار القديمة أو السائدة. فمفاهيمنا لقضايا الهوية والحرية والدولة والديموقراطية تحتاج إلى إعادة النظر والبناء، وفي الأخصّ مفهومنا للمشترك الوطني أو للمشترك الإنساني، عبر صوغ أنظمة وقوانين تكسر إرادة القبض والتملك، بقدر ما تأخذ في الاعتبار ما يسفر عنه تطور الحياة المعاصرة من الحقول والمجالات أو القوى والبدائل أو القيم والوسائل.

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2016

Emmanuel Levinas, le philosophe de l’éthique et du caractère sacré de la vie



Emmanuel Levinas, le philosophe de l’éthique et du caractère sacré de la vie