الأربعاء، 31 مايو 2017

حول ترجمة النص الفلسفي.




حول ترجمة النص الفلسفي


يقول الدكتور عبد السلام بنعبدالعالي في مقالة له عن ترجمة النصوص الفلسفية (لم أتمكن من العثور عليها كاملةً بسبب تعطيل الرابط الذي اقتبست عنه الفقرة المنشورة أدناه) بأنه "ما دامت علائقنا بالنصوص [الفلسفية] الكبرى علائق لا تتعدى الفضول المعرفي، فإننا سنظل نتوهم أن تملّك تلك النصوص يتحقق بمجرد نقلها إلى لغتنا دون بذل جهد متواصل لانفصالنا عنها، وإذكاء حدة التوتر بيننا وبينها."
.

ـ الأستاذ في الجامعة اللبنانية الدكتور جمال نعيم يرى بإن النقل هو " نشاط فلسفي بامتيار. إنّ نقل الفلسفة لهو فلسفة، لهو قراءة أخرى في النّص المنقول وإعطاء وجهة نظر فيه، وفي اللغة المنقول اليها. لذا، نرى أنّ النصوص الفلسفيّة لم تنقل بعد، بهذا المعنى، الى لغتنا العربيّة. وعندما تُنقل بهذا المعنى تُحلَّ تلقائيًّا المشكلة التي يتكلّم عليها كاتبنا."
ـ  لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، هل إن هذه الـ(ـنا) في انفصالـ(ـنا) عن النص المترجَم الذي يدعو إليه بنعبدالعالي هي "نا" إنسانية وكونية، أم إن لها خصوصية ثقافية؟ وهل "التوتر" الذي تتبناه (إذا وافقتَ على التوصيف) هو نفسه التوتر الذي يتحدث عنه بنعبدالعالي؟
ـ يجيب الدكتور نعيم بأن "هذه الـ "نا"، عندما نكون في النّشاط الفلسفي، هي بالضرورة (نا) إنسانيّة وكونيّة، هي (نا) كليّة، هي (نا) يونيفرساليّة. لا معنى للفلسفة الا عندما تكون يونيفرساليّة حتى لو انطلقت من مشكلات تخص شعبًا بعينه أو أمّةً بعينها؛ لأنّ الفيلسوف يجيب عن أسئلة العقل بما هو كذلك،  وهو الذي يعرف أن يُعالج مشكلات أمّته وخصوصيّاتها بطريقة كليّة يونيفرساليّة. الفلسفة لا تكون الا كونيّة عالميّة تخص البشريّة جمعاء، وإلا تحوّلت الى أيديولوجيا. أمّا بالنسبة الى التوتر الذي أتبنّاه فهو، كما يبدو، يختلف عمّا يتبنّاه كاتبنا؛ لأنّه، كما يبدو، يتحوّل الى مثقف ذي رسالة نضاليّة. وهذا ما يجعله مختلفًا عن الفيلسوف. فهذا الأخير يهدف الى التغيير، لكن بشكلٍ غير مباشر، من خلال تغيير طريقة التفكير. همّه إغناء القول الفلسفي العالمي، وهمّه إراحة العقل بما هو كذلك. ومن ثمّ يأتي المثقف ليستفيد من نهر الفلسفة الجاري والذي يجب أن يبقى جاريًا؛ لأنّ المشكلات الفلسفيّة تتغيّر باستمرار، ولا يمكن لأي فلسفة، مهما علا شأنها، أن تختم الفلسفة، أن تضع حدًّا للنشاط الفلسفي. ما يهمّ الفيلسوف كفيلسوف هو جريان النّهر، أمّا ما يهمّ المثقف فهو الغَرْف من النّهر لتغيير مجتمعه نحو الأفضل.

ـ نسأل الدكتور نعيم، أين يمكن أن نصنف كتابات الجابري أو نصر حامد أبو زيد انطلاقاً من وجهة النظر التي تعبر عنها؟
ثم، ألم يكن الدافع الحقيقي لما كتبه أفلاطون هو دافع براغماتي سياسي تمظهر بتعبيرات بالغة التجريد، لكنها في حقيقتها كانت مسكونة بالهم السياسي لعصره ولمجتمعه بحثاً عن إيجاد حل لمشكلة الحكم؟


ــ د. نعيم: بما أنّ كتابات الجابري وأمثاله ـ يجيب الدكتور نعيم ـ  لم تتحوّل الى أقوال عالميّة بسبب أنّها بقيت تُعالج مشكلات محلّيّة، لم تستطع أن تُحوّلها الى مشكلات عالميّة، فإنّها لم تصل الى مرتبة القول الفلسفي الذي يتوجّه الى الانسان بما هو إنسان وليس الى إنسانٍ بعينه مهما كان عدده كبيرًا. ومن البيّن أنّ هناك فرقًا بي :
نقد العقل المحض
ونقد العقل العربي
ليس بالتّسمية على أهمّيتها، بل بالمضمون وطريقة المعالجة.
بالنسبة الى النقطة الثانية: لا شكّ أن أفلاطون انطلق من مشكلات زمانه ومجتمعه، لكنّه عرف كيف يبدع قولًا فلسفيًّا بامتياز، يتوجّه الى الجميع، حتى لو كانت له من وراء ذلك، مآرب سياسيّة خاصة به. هنا عظمة الفيلسوف عندما يبدع فلسفةً عالميّة مع أنّه ينطلق في غالبيّة الأحيان من مشكلات محليّة. لنفترض أنّ إنسانًا لم يسمع بديكارت ولم يعرف القرن الذي وُلد فيه ولم يعرف أنّه مؤلف كتاب تأملات في الفلسفة الأولى. وهذا الانسان وجد هذا الكتاب منزوعًا عنه الغلاف في مكتبة قديمة بحيث تعذّر عليه معرفة اسم الكاتب والزمن الذي ألّف فيه كتابه والظروف التي عاشها وكان يستجيب لها...الخ، ومن ثمّ قرأ الكتاب. ألا يجد عند قراءته للكتاب أنّه يتوجّه اليه بالصميم وأنّه يجيب عن أسئلة يطرحها العقل بطبيعته وأنّه حقق نوعًا من راحة للعقل وإن كانت مؤقتة. بهذا المعنى نستطيع الحكم على أعمال المفكرين العرب الذين لم يتحوّلوا الى فلاسفة عالميّين. وكان موسى وهبه يقول: إنّنا لا نجد جابريّين ومحموديّين وأبي زيديين، كما نجد سارتريّين ونيتشويّين وديكارتيين.
لذا، بقي الجابري وأمثاله مثقفين بامتياز ولم يرتقوا الى مستوى الفلاسفة الكبار. حتى كلمة مفكّر لا تنطبق على هؤلاء في نظر دولوز؛ لأنّهم لم يغيّروا في ما يعنيه التفكير، لم يساهموا في ابتداع صورة جديدة للفكر. فالمفكر ليس هو الكاتب، وإنّما هو من يجيب عن سؤال: ماذا يعني أن نفكّر اليوم؟ بطريقة مختلفة. والفيلسوف هو من يجيب عن هذا السؤال بطريقة مختلفة ويبدع الأفاهيم المناسبة لصورة الفكر الجديدة.

الخميس، 25 مايو 2017

في مناهج علم الاجتماع.



نقد المنهج التفسيري الحتمي عند دوركايم:
ـ إن العلوم الانسانية في سعيها المتواصل إلى التحرر من قيود الإرث الفلسفي التأملي ظلت على الرغم من ذلك عاجزةً عن استيفاء شرط ما يسمى بالموضوعية والحتمية والقدرة على التنبؤ، ويمكن إرجاع ذلك  لأسبابٍ مبدئيةٍ تتصل بطبيعة الظواهر الانسانية المبحوثة ذاتِها، لأن الظاهرة الانسانية ظاهرةٌ مركبة أو معقدة إن صح القول، حيث إن الظواهر والأفعال الانسانية هي ظواهر واعية إرادية لا تتكرر ولا تخضع للإطراد أو التكرار، وهذا شرطٌ من شروط التحقق من صحة النظرية العلمية.
ثانياً، إن تعقد الظاهرة الاجتماعية وتداخل العوامل العديدة المؤثرة فيها يجعل من الصعب كيف يؤثر كل عامل بمفرده على تلك الظاهرة، وكيف يتأثر هذا العامل  ببقية العوامل: النفسية والدينية والثقافية والاقتصادية وغيرها.
يقول أحد المفكرين بأن المؤرخين الذين يختلفون في تحديد الأسباب التي أدت إلى الواقع الحالي، كيف لهم أن يتنبأوا بما سيحدث في المستقبل؟ بمعنى أن تعقيد الأسباب التي تؤدي إلى الظاهرة الاجتماعية تجعل من شبه المستحيل تحديد أهمية كل عامل من هذه العوامل أو الأسباب.
ثالثاً، إن مجرد معرفة ما ستؤول إليه الظاهرة الاجتماعية، قد يكون سبباً في تغيير مسارها: على سبيل المثال، إذا كان  ماركس يقول بأن التفاوت الطبقي بين العمال وأصحاب رأس المال الممسكين بالسلطة سيؤدي إلى ثورة العمال والاستيلاء على السلطة بأنفسهم، فإن مجرد معرفة هذه النتيجة قد تدفع بالنظام الرأسمالي إلى تغيير سلوكه وتفادي هذه النتيجة التي كانت تعتبر حتميةً.
مثال آخر للتوضيح، إذا استطاع علماء الاقتصاد التوقع بانخفاض أسعار الذهب لأسبوع ثم ارتفاعه في الأسبوع التالي. ألا تؤدي هذه المعرفة ذاتها إلى تبدل في سلوك المواطنين بما يغير في النتيجة التي كان قد تم التنبؤ بها؟؟
المنهج التأويلي التفهمي.
 وهذا ما أدى إلى انتقاد استعمال المنهج التفسيري في علوم الإنسان لأنه لا يلائم خصوصية الظاهرة الواعية الحرة المتغيرة...
علوم الروح وعلوم المادة:
 نجد هذا النقد بشكل جليّ في تصور الفيلسوف الألماني فلهلم ديلتاي الذي يقيم تمييزاً بين علوم الطبيعة من جهة، وما يسميه علوم الروح من جهة أخرى: فالأولى موضوعها الطبيعة الخارجية المعزولة عن الذات، والثانية موضوعها الذات الإنسانية الواعية الحية. واختلاف الموضوع يفرض اختلاف المنهج. لذلك يقول دلتاي: "إننا نفسر الطبيعة، ونفهم الإنسان". أي إن منهج التفسير إذا كان مناسباً لدراسة الظاهرة الطبيعية، فهو ليس مناسباً لدراسة الظاهرة الإنسانية التي ينبغي أن تخضع لمنهج الفهم والتأويل.
يقوم المنهج التفهمي-التأويلي على إدراك المقاصد والنوايا والغايات التي تصاحب الفعل والتي تتحدد بالقيم التي توجهه. ويتم النفاذ إلى هذه الدلالات بواسطة التأويل. وهنا تحضر الذات بقوة في عملية الفهم والتأويل كذات عارفة، لكنها في نفس الوقت كذات متعاطفة ومتوحدة ومشاركة ومتفهمة لموضوعها. وهو في ذلك يخالف ما ذهب إليه دوركايم باستبعاد العامل الذاتي ومحاولة دراسة الظواهر الاجتماعية كأشياء..
ماكس فيبر:
يُعتَبر ماكس فيبر من أكبر العلماء الألمان الذين أسهموا في إنشاء علم الاجتماع من خلال دراسته للأفعال والسلوكات الإنسانية بشكل يختلف عن دراسة الظواهر الطبيعية، وهنا يأخذ فيبر بعين الاعتبار موقع الذات العارفة في دراسة الظواهر الاجتماعية باعتبارها ظواهر غائية ومحدودة بهدف مقصود وبحوافز ممكنة وتقبل أن تكون موضوع تأويل تفهمي. وماكس فيبر في هذه السوسيولوجيا التفهمية يفترض أنه بإمكاننا أن نجد في ذواتنا دوافعَ كلِ فردٍ إنسانيّ، وبالتالي فمهمّة السوسيولوجيا هي الفهم بواسطة تأويل الفعل الاجتماعي لتتمكن بعد ذلك من تفسير وتفهم المعنى الذي يعطيه الإنسان لسلوكه.
إن موقف الفهم الذاتي التأويلي الذي يقر به ماكس فيبر، يعتبر أن الظاهرة الانسانية ظاهرةٌ جدُّ معقدة وبالتالي فتطبيق المنهج التجريبي إزاء هذه الظاهرة صعب المنال.
وإذا كانت الظاهرة الفيزيائية تعتمد في دراستها على التفسير والتنبؤ فإن الفعل الإنساني عكس ذلك، يخضع للتأويل والفهم الذي يساعدنا على فهم مقاصد ودلالات وغايات الفعل الإنساني التي تحددها الذات..
إن الظاهرة الاجتماعية تختلف عن الظاهرة الطبيعية التي تتميّز بالثبات وبالوجود الخارجي المستقل عن الإنسان، فالظاهرة الاجتماعية ظاهرةٌ معقدة يتداخل أكثرُ من عامل في تحديدها، كما أنها ظاهرةٌ واعيةٌ يتدخّل فيها عنصر الوعي البشري ويؤثر فيها، وهذا ما يراه أيضاً كارل بوبر ويعتبره سبباً إضافياً يحُول دون الحتمية والقدرة على التنبؤ الذي تدعيه العلموية والمنهج التفسيري.

الفعل الاجتماعي:
وفقاً لمنظور فيبر وتعريفه للفعل الاجتماعي، لا بدّ من فهم السلوك الاجتماعي أو الظواهر الاجتماعية على مستويين، المستوى الأول أن نفهم الفعل الاجتماعي على مستوى المعنى للأفراد أنفسهم، أما المستوى الثاني فهو أن نفهم هذا الفعل الاجتماعي على المستوى الجمعي.
 ولكي نفهم الظاهرة الاجتماعية لا يمكن استبعاد النظر إلى دوافعِ الفرد ونواياهُ واهتماماتِه والمعاني الذاتية التي يعطيها لأفعاله والتي تكمن خلف سلوكه، أي أنه لابد من فهم معنى الفعل أو السلوك على المستوى الفردي ومن وجهة نظر الفرد نفسه صاحب هذا السلوك وبنفس الطريقة لابد من النظر إلى النوايا والدوافع والأسباب والاهتمامات التي تكمن وراء سلوك الجماعة التي يعتبر الفرد عضواً فيها. أي أنه لابد من فهم الفعل الاجتماعي على المستوى الجمعي ومن وجهة نظر الفرد كعضو في جماعة. إذاً لابد لنا من أخذ هذين المستويين في الاعتبار عند دراستنا وتحليلنا لفهم وتفسير الفعل الاجتماعي الإنساني للفرد سواءٌ من خلال مواجهته للظواهر الاجتماعية بنفسه أو من خلال مشاركته للجماعات الاجتماعية التي ينتمي إليها.
إن الفعل لا يصبح اجتماعيا إلا إذا ارتبط المعنى الذاتي الذي يعطيه الفرد للفعل بسلوك الأفراد الآخرين. وهنا تركز نظرية الفعل الاجتماعي على الأسلوب الذي يتفاعل به الأفراد فيما بينهم من جهة وفيما بينهم وبين المجتمع من جهة أخرى وعلى الدور الذي يلعبه الفعل الاجتماعي في تكوين البنى الاجتماعية.
تسعى النظرية التفهمية مع ماكس فيبر إلى فهم الظاهرة المجتمعية باستخلاص دلالات أفعال الأفراد ، واستكشاف معانيها ومقاصدها وغاياتها ونواياها. والدليل على ذلك كتابه عن الراسمالية حيث بيّن بأن الأخلاق الكالفينية البروتستانتية هي التي ساهمت في نشأة الرأسمالية، والدليل على ذلك، الأفعال السلوكية: كحب العمل، وحسن التدبير، والادخار، والاهتمام بتراكم الثروات، والابتعاد عن الزهد والتقشف والانطواء السلبي الذي نجده في الديانة الكاثوليكية.

توليفة: الموقف التوفيقي:
يقول الفيلسوف البلجيكي جان لادريير (Jean Ladrière) باستحالة دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة موضوعية علمية؛ لأن هذه الدراسة تغفل الجوانب الذاتية، ولا تعنى بدراسة المقاصد والقيم والغايات التي ترتبط بتصرفات الفاعلين وسلوكياتهم داخل المجتمع. ومن ثم، يكون التركيز - هنا- على التفسير في ضوء الحتمية أو الجبرية الاجتماعية، وتهميش دور الفهم في رصد دلالات الفعل الإنساني.
وفي المقابل إذا اعتمدنا التوجه الثاني (المنهج التفهمي) في دراسة السلوك الإنساني، يكون الموقف الذاتي سبباً لفقدان الموضوعية التي تسعى كل دراسة علمية إلى تحقيقها.
 ومن هنا، يصعب على الباحث السوسيولوجي أن يكتفي بمنهج واحد ويستغني عن الآخر. وبالتالي، يستحيل تطبيق التجريب العلمي على الظاهرة الإنسانية. لذا، لابد من البحث عن بديل جديد أو علمية أخرى تتجاوز نطاق العلمية التجريبية، كأن تكون علمية مرنة تتلاءم مع مرونة العلوم الإنسانية. وبالتالي فإن جان لادريير يدعو إلى تدشين صورة مغايرة وبديلة للعلمية، والسعي نحو إيجاد أداة أصيلة جديدة لمقاربة العلوم الإنسانية بصفة عامة، والعلوم الاجتماعية بصفة خاصة.
 لكن لايمكن تبني هذا الطرح حتى يتم استكشاف هذا العلم البديل، والتحقق من هذه العلمية المغايرة، وتبيان خطواتها النظرية والتطبيقية، وإلا سنكون عدميين. ويعني هذا أنه لابد من التوفيق بين المنهجين: التفسيري والتفهمي لدراسة الظواهر الاجتماعية حتى يتحقق لنا بديل علمي إنساني جديد.



الاثنين، 22 مايو 2017

ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺕ؛ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺃﻣﻴﻦ.




ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺕ
ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺃﻣﻴﻦ
22 أيار 17

-1 ﺗﻌﺮﻳﻒ ﺑﺎﻟﺘﺄﻣﻼﺕ :
ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ” ﻣﻦ ﺭﻭﺍﺋﻊ ﺍﻟﻤﺆﻟﻔﺎﺕ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻃﻼﻕ ، ﻭﻫﻲ ﺑﻼ ﺭﻳﺐ

 ﺃﻫﻢ ﺃﺟﺰﺍﺀ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ﻭﺃﺟﺪﺭﻫﺎ ﺑﺎﻻﻋﺘﺒﺎﺭ . ﻭﻧﻈﺮﺓ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺎﻭﻟﺘﻬﺎ ، ﻭﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻴﻨﺘﻬﺎ ﺗﻘﻨﻌﻨﺎ ﺑﺄﻧﻬﺎ ﺃﻭﻓﻰ ﻣﺎ ﺃﻟﻒ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﺑﻮﺟﻪ ﻋﺎﻡ ، ﻭﺃﺑﺪﻉ ﻣﺎ ﻛﺘﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ، ﻭﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻮﺟﻪ ﺧﺎﺹ ، ﻛﻤﺎ ﻳﺸﻴﺮ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻨﺺ ﺍﻟﻜﺎﻣﻞ ﻟﻌﻨﻮﺍﻥ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ”: ﺗﺄﻣﻼﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ، ﻭﻓﻴﻬﺎ ﻳﺒﺮﻫﻦ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﺧﻠﻮﺩ ﺍﻟﻨﻔﺲ .
ﻧﺸﺮ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ” ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ” ﺳﻨﺔ 16411 ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻼﺗﻴﻨﻴﺔ ، ﺩﻭﻥ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ، ﻭﻛﺎﻥ ﻗﺼﺪﻩ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻛﻤﺎ ﻳﺤﺪﺛﻨﺎ ﻫﻮ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﻥ ﻳﻘﺼﺮ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﺩﻭﻥ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ، ﺇﺫ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺍﻟﺘﺰﻡ ﻓﻲ ﺷﺮﺡ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﻴﺔ ﺳﺒﻴﻼً ﻗﻞّ ﺳﺎﻟﻜﻮﻩ ، ﻭﺑَﻌُﺪ ﻋﻦ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﻤﺄﻟﻮﻑ ﺑﻌﺪﺍً ﻛﺒﻴﺮﺍً .
 
ﻭﺭﺃﻯ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻥ ﻳﻘﺪﻡ ﻟﻠﺘﺄﻣﻼﺕ ﺑﺮﺳﺎﻟﺔ ﺇﻫﺪﺍﺀ ” ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﻤﺪﺍﺀ ﻭﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﺑﻜﻠﻴﺔ ﺃﺻﻮﻝ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻤﻘﺪﺳﺔ ﺑﺒﺎﺭﻳﺲ ” ﻳﺴﺄﻟﻬﻢ ﻓﻴﻬﺎ ﺃﻥ ﻳﺆﻳﺪﻭﺍ ﺁﺭﺍﺀﻩ ، ﻭﻳﺒﻴّﻦ ﻟﻬﻢ ﺃﻥ ﻣﻨﻬﺠﻪ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ، ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻤﺎ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﻣﻨﻬﺞ ” ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﻴﻦ ” ﻣﻦ ﺍﺧﺘﻼﻑ ﻋﻤﻴﻖ ، ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺍﻥ ﻳﻨﺼﺮ ﺍﻟﻌﻘﻴﺪﺓ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ ﺑﺒﺮﺍﻫﻴﻦ ﻗﺎﻃﻌﺔ .
 
ﺃﻟﻒ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﻫﺬﺍ ﻟﻴﻌﺮﺽ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻣﺬﻫﺒﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻋﺮﺿﺎً ﻋﻠﻤﻴﺎً ﻣﻨﻈﻤﺎً ، ﻭﻳﻼﺣﻆ ﺃﻥ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﻛﺎﻥ ﻳﺤﻴﻞ ﻣﻦ ﺃﺭﺍﺩ ﺍﻟﻮﻗﻮﻑ ﻋﻠﻰ ﺟﻤﻠﺔ ﻧﻈﺮﺍﺗﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭﺣﺪﻩ ، ﺩﻭﻥ ﺳﺎﺋﺮ ﻛﺘﺒﻪ ، ﺻﺤﻴﺢ ﺃﻧﻪ ﻗﺪ ﺃﻭﺭﺩ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻘﺴﻢ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ﻣﻦ ﻛﺘﺎﺏ ” ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻬﺞ ” ﻭﻟﻜﻨﻪ ﻋﺮﺿﻬﺎ ﻫﻨﺎﻙ ﻋﺮﺿﺎً ﺳﺮﻳﻌﺎً ﻭﻣﺴﻬﺎ ﻣﺴﺎً ﺭﻓﻴﻘﺎً ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻳﻘﺼﺪ ﻓﻴﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻌﻤﻖ ﻭ ﺍﻻﺳﺘﻘﺼﺎﺀ . ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﺮﺽ ﻧﻔﺴﻪ ﻻ ﻳﻔﻬﻢ ﺣﻖ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﺮﺟﻮﻉ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ . ﻭﺻﺤﻴﺢ ﻛﺬﻟﻚ ﺃﻥ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻦ ﺃﺑﻮﺍﺏ ﻛﺘﺎﺏ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻳﺒﺤﺚ ﻓﻲ ﺃﺻﻮﻝ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ، ﻭﻫﻮ ﻟﻬﺬﺍ ﻛﺎﻥ ﺃﺩﺧﻞ ﻓﻲ ﺑﺤﻮﺙ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﺃﻭ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ، ﻟﻜﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺃﻳﻀﺎً ﻻ ﻳﺘﻴﺴﺮ ﻓﻬﻤﻪ ﺟﻴﺪﺍً ﺇﻻ ﺑﻌﺪ ﻗﺮﺍﺀﺓ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﺃﻣﺎ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻓﻬﻮ ﻣﺤﺎﻭﺭﺓ ﻧﻘﺪﻳﺔ ﺑﻴﻦ ﺃﺷﺨﺎﺹ ﻣﺨﺘﻠﻔﻲ ﺍﻵﺭﺍﺀ ، ﻭﻻ ﻧﺪﺭﻱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺤﻘﻴﻖ ﻣﺎ ﻗﺼﺪ ﺇﻟﻴﻪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﺘﻬﺎ ، ﻭﺇﺫﻥ ﻓﻴﺠﺐ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﺎﺣﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ﺃﻥ ﻳﻠﺘﻤﺴﻬﺎ ﺃﻭﻻً ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺮﺟﻊ ﺍﻷﻭﻝ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺎﺏ

 ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ :
 ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺇﻧﻤﺎ ﺗﺒﺪﺃ ﺑﺎﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ، ﺃﻱ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻷﻭﻟﻰ ، ﻭﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﻋﺒﺎﺭﺓ ﻋﻦ ﺩﺭﺍﺳﺔ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ، ﻭﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﺒﺼﺮ ﻓﻲ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﻭﺣﺴﺐ ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺃﻳﻀﺎً ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﺼﻮﺹ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﻧﻈﺮﺗﻪ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻟﺠﻤﻴﻊ ﻣﺎ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺃﻥ ﻳﻌﺮﻓﻪ ﻟﺘﺪﺑﻴﺮ ﺣﻴﺎﺗﻪ ، ﻭﺣﻔﻆ ﺻﺤﺘﻪ ، ﻭﺍﺧﺘﺮﺍﻉ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻔﻨﻮﻥ ، ﻭﻟﻜﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻜﺎﻣﻠﺔ ﻟﻴﺴﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺠﺪﻫﺎ ﻛﻞ ﺷﺨﺺ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺪﻭﻥ ﺗﺄﻣﻞ ، ﻭﻻ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﻑ ﺍﻟﻤﻜﺘﺴﺒﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﻭﺍﻟﻤﺤﺎﺩﺛﺔ ، ﻭﺍﻟﻘﺮﺍﺀﺓ ، ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﻌﻠﻞ ﻭﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻷﻭﻟﻰ ﺍﻟﺘﻲ ﻳُﺴﺘﻨﺒﻂ ﻣﻨﻬﺎ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺴﺘﻄﺎﻉ ﻣﻌﺮﻓﺘﻪ . ﻭﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﺤﺪﺙ ﻋﻨﻬﺎ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻫﻨﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻋﻴﻨﻬﺎ : ﻓﺈﻧﻨﺎ ﺇﺫﺍ ﻭﺿﻌﻨﺎ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﺍﺳﺘﻄﻌﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﺴﺘﻨﺒﻂ ﻣﻨﻬﺎ ﺳﺎﺋﺮ ﻣﺎ ﻋﺪﺍﻫﺎ : ” ﺭﺃﻳﺖ ﺃﻥ ﻭﺟﻮﺩ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻷﻭﻝ ، ﻭﺍﺳﺘﻨﺒﻄﺖ ﻣﻨﻪ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺘﺎﻟﻴﺔ : ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺇﻟﻬﺎً ﻫﻮ ﺧﺎﻟﻖ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ، ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻫﻮ ﻣﺼﺪﺭ ﻛﻞ ﺣﻘﻴﻘﺔ ، ﻓﺈﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺨﻠﻖ ﺃﺫﻫﺎﻧﻨﺎ ﺑﺤﻴﺚ ﺗﻜﻮﻥ ﻋﺮﺿﺔ ﻟﻠﺨﻄﺄ ﻓﻴﻤﺎ ﺗﻘﺮﺭ ﻣﻦ ﺃﺣﻜﺎﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺘﺼﻮﺭﻫﺎ ﺗﺼﻮﺭﺍً ﻭﺍﺿﺤﺎً ﺟﺪﺍً ﻭﻣﺘﻤﻴﺰﺍً ﺟﺪﺍً . ﺗﻠﻚ ﻫﻲ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺻﻄﻨﻌﺘﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﻼﻣﺎﺩﻳﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﻴﺔ ، ﻭﻣﻨﻬﺎ ﺍﺳﺘﻨﺒﻄﺖ ﺑﺘﻤﺎﻡ ﺍﻟﻮﺿﻮﺡ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺠﺴﻤﺎﻧﻴﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻔﻴﺰﻳﻘﻴﺔ ، ﺃﻱ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻙ ﺃﺟﺴﺎﻣﺎً ﻣﻤﺘﺪﺓ ﻃﻮﻻً ﻭﻋﺮﺿﺎً ﻭﺍﺭﺗﻔﺎﻋﺎًَ ، ﻭﺃﻥ ﻟﻬﺎ ﺃﺷﻜﺎﻻً ﻭﺗﺘﺤﺮﻙ ﻋﻠﻰ ﻫﻴﺌﺎﺕ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ

 ﻗﺪ ﻛﺎﻥ ” ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﻮﻥ ” ﻳﻌﺮّﻓﻮﻥ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﺑﻤﺎ ﻋﺮّﻓﻬﺎ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﺣﻴﻦ ﻗﺎﻝ ﺇﻧﻬﺎ ” ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻤﻮﺟﻮﺩ ﺑﻤﺎ ﻫﻮ ﻣﻮﺟﻮﺩ ” ، ﺃﻱ ﺃﻧﻬﺎ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺑﺎﻟﺨﺼﺎﺋﺺ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻳﺔ ﻟﻠﻮﺟﻮﺩ ﻟﻜﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺼﻮﺭ ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﻲ ﻟﻠﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻻ ﻳﻘﺒﻠﻪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ، ﺇﺫ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﻋﻨﺪﻩ ﻫﻲ ﺃﻥ ﻧﺘﺒﻴﻦ ﻣﺘﻰ ﻳﺴﻮﻍ ﻟﻨﺎ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ، ﻭﺑﻌﺒﺎﺭﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ﺇﻧﻤﺎ ﺗﻬﺘﻢ ﺑﺎﻟﺬﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺮﻑ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﺮﺭ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻤﺎ ﺗﻬﺘﻢ ﺑﺎﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳُﻌَﺮﻑ ﺃﻭ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻮﺟﻮﺩﺍً .

 ﻭﻣﺎ ﺩﺍﻡ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻳﺤﺪﺩ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻨﺎﻭﻟﻬﺎ ، ﻓﻼ ﺑﺪ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻳﻤﻴﺰﻫﺎ ﺑﻌﻼﻣﺔ ﺫﺍﺗﻴﺔ ﺗﺤﻤﻞ ﻃﺎﺑﻊ ﺍﻟﺬﺍﺕ ﺍﻟﻌﺎﺭﻓﺔ ، ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﻛﺬﻟﻚ ﻓﺎﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻋﻨﺪﻩ ﻫﻲ ﺃﺷﺪ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﻳﻘﻴﻨﺎً ، ﻭﻫﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻧﺴﺘﻴﻘﻦ ﻣﻦ ﻧﺘﺎﺋﺠﻪ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻧﺴﺘﻴﻘﻦ ﻣﻦ ﻧﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻷﺧﺮﻯ ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻳﻀﻔﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻳﻘﻴﻨﻬﺎ ﻟﻴﺲ ﻫﻮ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﻣﻮﺿﻮﻋﻬﺎ ، ﺑﻞ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﻠﻜﻪ ﺍﻟﺬﻫﻦ ﻓﻲ ﻃﻠﺒﻬﺎ ، ﻭﻧﺤﻦ ﻧﻘﺮﺃ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ” ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ” : ” ﻟﻴﺲ ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﺠﻨﺲ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ ﻃﺮﻕ ﻣﻔﺘﻮﺣﺔ ﻟﻠﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻴﻘﻴﻨﻴﺔ ﺳﻮﻯ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺤﺪْﺱ ﺍﻟﺒﺪﻳﻬﻲ ﻭﺍﻻﺳﺘﻨﺒﺎﻁ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻱ ﺍﻟﻠﺬﻳﻦ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ ﺍﻟﻤﻨﻬﺞ

 ﻭﺍﻟﻤﻨﻬﺞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﺪﺩ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﻨﻬﺞ ﺍﻟﺬﻱ ﻭﺻﻞ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺑﻤﻼﺣﻈﺔ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﺍﻟﺬﻫﻨﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻴﺎﺕ ، ﻓﻘﺪ ﻻﺣﻆ ﺃﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻴﺎﺕ ﺍﺳﺘﺪﻻﻻﺕ ﺻﺤﻴﺤﺔ ﻻ ﻧﺠﺪﻫﺎ ﻓﻲ ﻏﻴﺮﻫﺎ ، ﻭﻗﺮﺭ ﺃﻥ ﻣﻦ ﻣﺮّﻥ ﺫﻫﻨﻪ ﻋﻠﻰ ﻋﻤﻠﻴﺎﺕ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻴﺎﺕ ﺃﺻﺒﺢ ﺃﻫﻼً ﻟﻠﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻷﺧﺮﻯ ، ﻷﻥ ﻣﻨﻬﺞ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﻣﻮﺭ .

 ﻭﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ” ﺍﻟﻘﻮﺍﻋﺪ ﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﻌﻘﻞ ” ﻭ ” ﺍﻟﻤﻘﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻨﻬﺞ ” ﺑﻴﺎﻥ ﻟﻠﻤﻨﻬﺞ ﺍﻟﺪﻗﻴﻖ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﺘﻮﺧﺎﻩ ﻃﺎﻟﺐ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ .

 ﻭﺇﺫﻥ ﻓﺎﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻋﻠﻢ ﺩﻗﻴﻖ ﻳﻤﻜﻦ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻗﻀﺎﻳﺎﻩ ﺑﻴﻘﻴﻦ ﺭﻳﺎﺿﻲ ، ﻭﻗﺪ ﺻﺮﺡ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺘﺒﻬﺎ ﻓﻲ 15 ﺇﺑﺮﻳﻞ ﺳﻨﺔ 1630 ﺃﻧﻪ ﺍﻫﺘﺪﻯ ﺇﻟﻰ ” ﺍﻟﺴﺒﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﺮﻫﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﻴﺔ ﺑﺒﺮﺍﻫﻴﻦ ﻫﻲ ﺃﻛﺜﺮ ﺑﺪﺍﻫﺔ ﻣﻦ ﺑﺮﺍﻫﻴﻦ ﺍﻟﻬﻨﺪﺳﺔ ” ، ﻭﻫﻮ ﻳﻘﻮﻝ ﻓﻲ ﻣﻮﺿﻊ ﺁﺧﺮ : ” ﺛِﻖْ ﺃﻧﻪ ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﺷﻲﺀ ﺇﻻ ﺍﻋﺘﻘﺪ ﺃﻧﻪ ﻭﺍﺿﺢ ﻛﻞ ﺍﻟﻮﺿﻮﺡ ﻟﻠﻨﻮﺭ ﺍﻟﻔﻄﺮﻱ ﻭﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺒﺮﻫﻦ ﻋﻠﻴﻪ ﺑﺮﻫﻨﺔ ﺩﻗﻴﻘﺔ ” , ﻭﺇﺫﻥ ﻓﺎﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻫﻲ ﻋﻠﻢ ﻳﻌﺎﺩﻝ ﻓﻲ ﻳﻘﻴﻨﻪ ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻬﻨﺪﺳﺔ ﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﺰﺩ ﻋﻠﻴﻪ ، ﻭﻫﻲ ﺃﻛﺜﺮ ﻳﻘﻴﻨﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﻬﻨﺪﺳﺔ ، ﻷﻥ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺍﻛﺘﺸﺎﻓﻬﺎ ﻗﺒﻞ ﺃﻥ ﻳﺮﻓﻊ ﺍﻟﺸﻚ ﻋﻦ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻴﺎﺕ ” . ﻭﻟﻬﺬﺍ ﻇﻦ ﺍﻟﺸﻜﺎﻙ ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ ﺃﻥ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻣﺮ ﻏﻴﺮ ﻣﻤﻜﻦ ، ﻭﻛﺜﺮﻭﻥ ﺣﺘﻰ ﻳﻮﻣﻨﺎ ﻫﺬﺍ ﻳﻈﻨﻮﻧﻪ ﻣﺴﺘﺤﻴﻼً ، ﻣﻊ ﺃﻥ ﺷﺄﻧﻪ ﻛﺸﺄﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﻴﺔ ، ﺇﺛﺒﺎﺗﻪ ﻣﻴﺴﻮﺭ ﺟﺪﺍً ، ﻭﻳﻘﻴﻨﻪ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻳﻘﻴﻦ ﺑﺮﺍﻫﻴﻦ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻴﺎﺕ .. ” ﻭﺇّﺫﻥ ﻓﺎﻟﺒﺮﺍﻫﻴﻦ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﻴﺔ ﺃﻛﺜﺮ ﻳﻘﻴﻨﺎً ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺮﺍﻫﻴﻦ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻴﺔ .

 ﻭﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻋﻨﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻫﻲ ﻋﻠﻢ ﻣﻨﻬﺠﻪ ﻫﻮ ﻋﻴﻦ ﻣﻨﻬﺞ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻴﺎﺕ ، ﺑﻞ ﺇﻧﻬﺎ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﻳﻘﻴﻨﺎً ، ﻷﻧﻬﺎ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺨﺎﻟﺼﺔ ﺃﻛﺜﺮﻫﺎ ﺇﻣﻜﺎﻧﺎً ﻟﻠﺒﺮﻫﻨﺔ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ ، ﻓﻮﺟﻮﺩ ﺍﻟﻠﻪ ، ﻭﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺬﻫﻦ ، ﻭﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﻳﻤﻜﻦ ﺇﺛﺒﺎﺗﻬﻤﺎ ﺑﺪﻗﺔ ﺭﻳﺎﺿﻴﺔ ، ﺯﺩ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﻌﻘﻠﻬﺎ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﻦ ﻳﻬﺘﻤﻮﻥ ﺑﺒﺮﺍﻫﻴﻨﻬﺎ ﺍﻫﺘﻤﺎﻣﺎً ﻛﺎﻓﻴﺎً ﻭﻳﻨﻈﺮﻭﻥ ﻓﻲ ﺃﺩﻟﺘﻬﺎ ” ﺑﺄﺫﻫﺎﻥ ﻗﺪ ﺗﺠﺮﺩﺕ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻮﺍﺱ ” . ﻭﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﻫﺬﺍ ﻟﻢ ﻳﺮ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺩﺍﻋﻴﺎً ﺇﻟﻰ ﻣﻨﺎﻗﺸﺔ ” ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ” ﺃﻭ ﻣﺮﺍﺟﻌﺘﻬﺎ ، ﻓﻤﺎ ﺩﺍﻣﺖ ﺗﺤﺘﻮﻱ ﻋﻠﻰ ﺑﺮﻫﻨﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻟﻠﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﻴﺔ ﻓﻘﺪ ﺍﻧﺘﻬﻰ ﺍﻷﻣﺮ ﻭﻻ ﺣﺎﺟﺔ ﺇﻟﻰ ﺯﻳﺎﺩﺓ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﺧﺎﺿﺖ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﻣﺴﺎﺋﻞ ، ﻭﻗﺪ ﺍﻋﺘﻘﺪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺃﻥ ﻣﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎﻩ ﻭﺣﺪﻫﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﺍﻟﺼﺤﻴﺤﻴﺔ ، ﻭﺃﻧﻪ ﻻ ﺣﺎﺟﺔ ﺑﺎﻟﻨﺎﺱ ﺇﻟﻰ ﻣﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﺑﻌﺪﻫﺎ ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻴﺴﻮﺭ ﻟﻐﻴﺮﻩ ﺃﻥ ﻳﻬﺘﺪﻱ ﺇﻟﻰ ﺑﺮﺍﻫﻴﻨﻬﺎ ، ﻭﻫﻮ ﻳﻘﻮﻝ : ” ﺃﺭﻯ ﺃﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﻦ ﺃﻧﻌﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﻨﻌﻤﺔ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻌﻤﻠﻮﻩ ﻗﺒﻞ ﻛﻞ ﺷﻲﺀ ﻓﻲ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻣﻌﺮﻓﺔ ﺃﻧﻔﺴﻬﻢ ؛ ﻭﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻷﻣﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺗﻔﻘﺖ ﻋﻠﻴﻪ ﺟﻤﻬﺮﺓ ﺍﻟﻨﺎﻇﺮﻳﻦ ، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻭﻓﻘﻨﻲ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺃﺑﻠﻎ ﻓﻴﻪ ﻣﺎ ﻳﺮﺿﻴﻨﻲ ﺗﻤﺎﻡ ﺍﻟﺮﺿﺎ ” .

 ﻭﻟﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻤﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﺎ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ﺗﺴﻴﻄﺮ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﺍﻟﻮﺻﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ، ﻓﻬﻲ ﻟﻴﺴﺖ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻭﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻓﺤﺴﺐ ، ﺇﻧﻤﺎ ﻫﻲ ﺇﻋﺪﺍﺩ ﻟﻠﻤﻌﺮﻓﺔ ، ﻭﻟﻠﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﺨﺼﻮﺹ .

‏( ﺝ ‏) ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ :
ﻭﻟﻨﻠﻖ ﺍﻵﻥ ﻧﻈﺮﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻠﻜﻪ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﺗﺄﻣﻼﺗﻪ .
 ﺧﺼﺺ ﺗﺄﻣﻠﻪ ﺍﻷﻭﻝ ﻟﻨﻈﺮ ﻣﻴﺘﺎﻓﻴﺰﻳﻘﻲ ﻣﺪﺍﺭﻩ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻓﻲ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﺓ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻘﻀﻲ ﺑﺎﻧﺘﻬﺎﺝ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﺸﻚ ، ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﺗﻤﻬﻴﺪﺍً ﻟﻠﻔﻠﺴﻔﺔ ، ﻭﻟﻜﻲ ﻧﻔﻬﻢ ﻣﻨﻬﺠﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻧﺘﺒﻴﻦ ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﺟﻌﻠﺘﻪ ﻳﺪﻋﻮﻧﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻧﺼﻄﻨﻊ ﺍﻷﻧﺎﺓ ، ﻭﻧﺘﻮﻗﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﻜﻢ ، ﻭﻧﺮﻓﺾ ﺍﻟﺘﺼﺪﻳﻖ ﻟﻤﺎ ﻳُﻠﻘَﻰ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﻣﻦ ﺃﻗﻮﺍﻝ ﻭﺁﺭﺍﺀ ﺣﺘﻰ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﻨﻬﺎ ﺷﺪﻳﺪ ﺍﻟﺮﺟﺤﺎﻥ ، ﻓﻼ ﻧﺴﻠﻢ ﺑﺄﻥ ﺷﻴﺌﺎً ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻧﺘﺒﻴﻦ ﺑﺎﻟﺒﺪﺍﻫﺔ ﺃﻧﻪ ﻛﺬﻟﻚ : ﻷﻥ ﺑﺪﺍﻫﺔ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﻫﻲ ﻣﻌﻴﺎﺭ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺃﻧﻬﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﻌﻼﻣﺔ ﺍﻟﻤﻤﻴﺰﺓ ﻟﻠﻤﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﺼﺤﻴﺤﺔ ﺍﻟﻤﺒﺮﺃﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﻭﺍﻟﺰﻟﻞ .

 ﻭﻳﻠﺨﺺ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺗﺄﻣﻼﺗﻪ ﻓﻴﻘﻮﻝ : ” ﻗﺪﻣﺖُ ، ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻷﺩﻟﺔ ، ﺍﻷﺳﺒﺎﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻌﻞ ﻓﻲ ﺍﺳﺘﻄﺎﻋﺘﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﺸﻚ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻤﻮﻡ ﻓﻲ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺟﻤﻴﻌﺎً ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﺼﻮﺹ ﻓﻲ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ، ﻋﻠﻰ ﺍﻷﻗﻞ ﻣﺎ ﺩﻣﻨﺎ ﻟﻢ ﻳﺘﻴﺴﺮ ﻟﻨﺎ ﻣﻦ ﺃﺳﺲ ﺃﺧﺮﻯ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﺳﻮﻯ ﻣﺎ ﺗﻴﺴﺮ ﻟﻨﺎ ﺣﺘﻰ ﺍﻵﻥ . ﻏﻴﺮ ﺃﻥ ﺷﻜﺎً ﻋﺎﻣﺎً ﻛﻬﺬﺍ ، ﺇﻥ ﻟﻢ ﻳﻈﻬﺮ ﻧﻔﻌﻪ ﺃﻭﻝ ﺍﻷﻣﺮ ، ﻟﻪ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻧﻔﻊ ﻋﻈﻴﻢ ﺟﺪﺍً ، ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺇﻧﻪ ﻳﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻤﻜﻦ ، ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ ﺃﻥ ﻧﺸﻚ ﺃﺑﺪﺍً ﻓﻲ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺪ ﻧﻬﺘﺪﻱ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻌﺪ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻬﺎ ﺻﺤﻴﺤﺔ ” .

 ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻧﺠﺪ ﺍﻟﺬﻫﻦ ﻳﺴﺘﻌﻤﻞ ﺣﺮﻳﺘﻪ ﺍﻟﺨﺎﺻﺔ ﻓﻴﻔﺘﺮﺽ ﺃﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻘﻊ ﻟﻪ ﻋﻦ ﻭﺟﻮﺩﻫﺎ ﺃﺩﻧﻰ ﺷﻚ ﻫﻲ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﻣﻌﺪﻭﻣﺔ ، ﻟﻜﻦ ﻳﺘﺒﻴﻦ ﺃﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻤﺘﻊ ﺇﻃﻼﻗﺎً ﺣﻴﻨﺌﺬ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﻮ ﻧﻔﺴﻪ ﻏﻴﺮ ﻣﻮﺟﻮﺩ ، ﻭﻫﺬﺍ ﺃﻣﺮ ﻓﻴﻪ ﻛﺬﻟﻚ ﻧﻔﻊ ﻋﻈﻴﻢ ، ﻓﺈﻧﻪ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻮﺟﻪ ﻳﺘﻴﺴﺮ ﻟﻪ ﺃﻥ ﻳﻤﻴﺰ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﺼﻪ ، ﺃﻱ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﺺ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺬﻫﻨﻴﺔ ، ﻣﻦ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺨﺺ ﺍﻟﺠﺴﻢ

 ﻟﻜﻦ ﻗﺪ ﻳﺘﻮﻗﻊ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻘﺮﺍﺀ ﻣﻨﻲ ﺃﻥ ﺃﻭﺭﺩ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻮﺿﻊ ﺃﺩﻟﺔ ﻹﺛﺒﺎﺕ ﺑﻘﺎﺀ ﺍﻟﻨﻔﺲ ، ﻭﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺫﻟﻚ ﺃﺭﻯ ﻟﺰﺍﻣﺎً ﻋﻠﻲّ ﻫﺎﻫﻨﺎ ﺃﻥ ﺃﻧﺒﻬﻬﻢ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻨﻲ ﺣﺎﻭﻟﺖ ﺃﻻ ﺃﻛﺘﺐ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ﻛﻠﻬﺎ ﺷﻴﺌﺎً ﺇﻻ ﻭﻟﺪﻱّ ﻋﻨﻪ ﺑﺮﺍﻫﻴﻦ ﺩﻗﻴﻘﺔ ﺟﺪﺍً ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻭﺟﺪﺕ ﻧﻔﺴﻲ ﻣﻀﻄﺮﺍً ﺇﻟﻰ ﺍﺗﺒﺎﻉ ﺗﺮﺗﻴﺐ ﺷﺒﻴﻪ ﺑﺎﻟﺘﺮﺗﻴﺐ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺼﻄﻨﻌﻪ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻬﻨﺪﺳﺔ ، ﻭﻫﻮ ﺗﻘﺪﻳﻢ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻮﻗﻒ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺒﺤﺚ ﻋﻨﻬﺎ ﻗﺒﻞ ﺍﺳﺘﻨﺘﺎﺝ ﺃﻱ ﺷﻲﺀ ﻣﻨﻬﺎ . ”

 ﻭﺃﻭﻝ ﻭﺃﻫﻢ ﻣﺎ ﻳُﻄﻠﺐ ﻟﻠﺘﺤﻘﻖ ﻣﻦ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺑﻘﺎﺀ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺃﻥ ﻧﻜﻮّﻥ ﻋﻨﻬﺎ ﺗﺼﻮﺭﺍً ﻭﺍﺿﺤﺎً ﺻﺮﻳﺤﺎً ﻭﻣﺘﻤﻴﺰﺍً ﻛﻞ ﺍﻟﺘﻤﻴﺰ ﻋﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺘﺼﻮﺭﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻟﺪﻳﻨﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ : ﻭﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﺻﻨﻌﺘﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻤﻮﺿﻊ ، ﻭﻳﻄﻠﺐ ﻓﻀﻼً ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻧﻌﺮﻑ ﺃﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺘﺼﻮﺭﻫﺎ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﻭﺗﻤﻴﺰ ﺻﺤﻴﺤﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﻣﺎ ﻧﺘﺼﻮﺭﻫﺎ ؛ ﻭﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﻟﻢ ﺃﺳﺘﻄﻊ ﺇﺛﺒﺎﺗﻪ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ﻭﻳﻠﺰﻡ ﺃﻳﻀﺎً ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﺪﻳﻨﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺠﺴﻤﻴﺔ ﺗﺼﻮﺭ ﻣﺘﻤﻴﺰ ، ﻳﻘﻮﻡ ﺑﻌﻀﻪ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ، ﻭﺑﻌﻀﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻠﻴﻦ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﻭﺍﻟﺴﺎﺩﺱ ” .

 ﻭﻳﻠﺰﻡ ﺃﺧﻴﺮﺍً ﺃﻥ ﻧﺴﺘﺨﻠﺺ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻛﻠﻪ ﺃﻥ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﺘﺼﻮﺭ ﺑﻮﺿﻮﺡ ﻭﻧﻤﻴﺰ ﺃﻧﻬﺎ ﺟﻮﺍﻫﺮ ﻣﺘﺒﺎﻳﻨﺔ ، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﻧﺘﺼﻮﺭ ﺍﻟﺬﻫﻦ ﻭﺍﻟﺠﺴﻢ ، ﻫﻲ ﺣﻘﺎً ﺟﻮﺍﻫﺮ ﻣﺘﻤﻴﺰ ﺑﻌﻀﻬﺎ ﻋﻦ ﺑﻌﺾ ﻓﻲ ﻭﺍﻗﻊ ﺍﻷﻣﺮ ؛ ﻭﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﺍﻧﺘﻬﻴﺖ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ ، ﻭﻣﻤﺎ ﻳﺆﻳﺪﻩ ﺃﻳﻀﺎً ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﻧﻨﺎ ﻻ ﻧﺘﺼﻮﺭﻫﺎ ﺇﻻ ﻏﻴﺮﻣﻨﻘﺴﻤﺔ ، ﺫﻟﻚ ﺃﻧﻨﺎ ﻻ ﻧﺴﻨﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻧﺘﺼﻮﺭ ﻧﺼﻒ ﺃﻱ ﻧﻔﺲ ، ﻛﻤﺎ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﻧﺘﺼﻮﺭ ﺍﻟﻨﺼﻒ ﻷﺻﻐﺮ ﺟﺴﻢ ﺑﻴﻦ ﺍﻷﺟﺴﺎﻡ ، ﻭﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺤﻮ ﻧﺘﺒﻴﻦ ﺃﻥ ﻃﺒﻴﻌﺘﻬﻤﺎ ﻟﻴﺴﺘﺎ ﻣﺘﺒﺎﻳﻨﺘﻴﻦ ﻓﺤﺴﺐ ﺑﻞ ﻫﻤﺎ ﻣﺘﻀﺎﺩﺗﺎﻥ ﺑﻮﺟﻪ ﻣﺎ ، ﻭﻟﻢ ﺃﺯِﺩْ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﻓﻲ ﻣﻌﺎﻟﺠﺔ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ : ﻷﻥ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻣﺎ ﻳﻜﻔﻲ ﻹﻓﻬﺎﻡ ﺍﻟﻨﺎﺱ ، ﺑﺪﺭﺟﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺿﻮﺡ ﻻ ﺑﺄﺱ ﺑﻬﺎ ، ﺃﻥ ﻓﺴﺎﺩ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﻓﻨﺎﺀ ﺍﻟﻨﻔﺲ ، ﻭﻟﻤﻠﺊ ﻗﻠﻮﺑﻬﻢ ﺑﺎﻷﻣﻞ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻤﻮﺕ ؛ ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻷﻥ ﺍﻟﻤﻘﺪﻣﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﺴﺘﻨﺘﺞ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﻘﺎﺀ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺗﻌﺘﻤﺪ ﻋﻠﻰ ﺷﺮﺡ ﺍﻟﻔﻴﺰﻳﻘﺎ ﺑﺄﺳﺮﻫﺎ : ﺃﻭﻻً ﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺃﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺠﻮﺍﻫﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻤﻮﻡ ، ﺃﻱ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻮﺟﺪ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻣﺨﻠﻮﻗﺔ ﻟﻠﻪ ، ﻏﻴﺮ ﻗﺎﺑﻠﺔ ﻟﻠﻔﺴﺎﺩ ﺑﻄﺒﻴﻌﺘﻬﺎ ، ﻭﺃﻧﻬﺎ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻨﻘﻄﻊ ﻋﻦ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﺃﺑﺪﺍً ، ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻣﻨﻊ ﺍﻟﻠﻪ ﻧﻔﺴﻪ ﻋﻮﻧﻪ ﻋﻨﻬﺎ ﻓﺄﺣﺎﻟﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻌﺪﻡ ؛ ﺛﻢ ﻟﻤﻼﺣﻈﺔ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﻤﻮﻡ ﺟﻮﻫﺮ ﻭﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺫﻟﻚ ﺃﻳﻀﺎً ﻻ ﻳﻔﻨﻰ ؛ ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ، ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻫﻮ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﺍﻷﺟﺴﺎﻡ ﺍﻷﺧﺮﻯ ، ﻟﻴﺲ ﻣﺮﻛﺒﺎً ﺇﻻ ﻣﻦ ﺃﻋﻀﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﻫﻴﺌﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﻭﻣﻦ ﺃﻋﺮﺍﺽ ﺃﺧﺮﻯ ﺗﺸﺎﺑﻬﻬﺎ .

 ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻓﻠﻴﺴﺖ ﻛﺎﻟﺠﺴﻢ ﻣﺆﻟﻔﺔ ﻣﻦ ﺃﻋﺮﺍﺽ ، ﻭﻟﻜﻨﻬﺎ ﺟﻮﻫﺮ ﻣﺤﺾ : ﻓﻤﻬﻤﺎ ﺗﺘﻐﻴﺮ ﺟﻤﻴﻊ ﺃﻋﺮﺍﺿﻬﺎ ، ﻭﻣﻬﻤﺎ ﺗﻜﻦ ﻣﺜﻼً ﻧﺘﺼﻮﺭ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﻭﺗﺮﻳﺪ ﻭﺗﺤﺲ ﺃﺷﻴﺎﺀ ﺃﺧﺮﻯ .. ﺇﻟﺦ .. ﻓﻠﻦ ﺗﺼﻴﺮ ﺷﻴﺌﺎً ﺁﺧﺮ ؛ ﻓﻲ ﺣﻴﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﻳﺼﻴﺮ ﺷﻴﺌﺎً ﺁﺧﺮ ﻣﺘﻰ ﺗﻐﻴﺮ ﺷﻜﻞ ﺑﻌﺾ ﺃﺟﺰﺍﺋﻪ ، ﻭﻳﻠﺰﻡ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﻓﻨﺎﺀ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﺃﻣﺮ ﻣﻤﻜﻦ ﻣﻴﺴﻮﺭ ، ﺃﻣﺎ ﺫﻫﻦ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺃﻭ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﺒﺎﻗﻴﺔ ﺑﻄﺒﻴﻌﺘﻬﺎ ” .

 ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﺑﻴﻨﺖُ ﺑﺒﻌﺾ ﺍﻹﺳﻬﺎﺏ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻠﻮﺡ ﻟﻲ ﺃﻫﻢ ﺩﻟﻴﻞ ﺍﺳﺘﺨﺪﻣﺘﻪ ﻹﺛﺒﺎﺕ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻠﻪ ، ﻭﻟﻜﻨﻲ ﻟﻢ ﺃﺭﺩ ﺃﻥ ﺍﺳﺘﺨﺪﻡ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻮﺿﻊ ﺗﺸﺒﻴﻬﺎﺕ ﻣﺸﺘﻘﺔ ﻣﻦ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺠﺴﻤﻴﺔ ، ﻟﻜﻲ ﺃﺑﻌﺪ ﺃﺫﻫﺎﻥ ﺍﻟﻘﺮﺍﺀ ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﻓﻲ ﻭﺳﻌﻲ ﻋﻦ ﺍﺳﺘﻌﻤﺎﻝ ﺍﻟﺤﻮﺍﺱ ﻭﺍﻻﺗﺼﺎﻝ ﺑﻬﺎ ، ﻭﻟﺬﻟﻚ ﺭﺑﻤﺎ ﺑﻘﻴﺖ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﻣﺴﺎﺋﻞ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻏﺎﻣﻀﺔ ‏( ﺃﺭﺟﻮ ﺃﻥ ﺃﻭﺿﺤﻬﺎ ﺗﻮﺿﺤﻴﺎً ﺗﺎﻣﺎً ﻓﻲ ﺭﺩﻭﺩﻱ ﻋﻠﻰ ﺍﻻﻋﺘﺮﺍﺿﺎﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻭﺟﻬﺖ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻣﻨﺬ ﻓﺮﻏﺖ ﻣﻦ ﺗﺤﺮﻳﺮﻩ ‏( ، ﻭﻣﻨﻬﺎ ﺍﻟﻤﺴﺄﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻭﺭﺩﻫﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﻠﻲ : ﻛﻴﻒ ﺃﻥ ﻓﻜﺮﺓ ﻣﻮﺟﺪ ﻛﺎﻣﻞ ﺇﻃﻼﻗﺎً – ﻭﻫﻲ ﻓﻜﺮﺓ ﻧﺠﺪﻫﺎ ﻓﻴﻨﺎ – ﺗﺸﻤﻞ ﻗﺪﺭﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﻴﺔ ، ﺃﻱ ﺗﺸﺎﺭﻙ ﺑﺎﻟﺘﺼﻮﺭ ﻓﻲ ﻗﺪﺭ ﻣﻦ ﺩﺭﺟﺎﺕ ﺍﻟﻮﺟﻮﺩ ﻭﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﺑﺤﻴﺚ ﻳﻠﺰﻡ ﺃﻥ ﺗﺼﺪﺭ ﻋﻦ ﻋﻠﺔ ﻛﺎﻣﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻃﻼﻕ ؟ ﻭﻫﺬﺍ ﻣﺎ ﺃﻭﺿﺤﺘﻪ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺮﺩﻭﺩ ﺑﺈﻳﺮﺍﺩ ﺍﻟﺘﺸﺒﻴﻪ ﺑﺂﻟﺔ ﻓﻲ ﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﺒﺮﺍﻋﺔ ﻭﺍﻻﺗﻘﺎﻥ ﺗﺮِﺩُ ﻓﻜﺮﺗﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺫﻫﻦ ﺻﺎﻧﻊ ﻣﺎ ؛ ﻓﺈﻧﻪ ﻛﻤﺎ ﺃﻥ ﻣﺎ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﻣﻦ ﺇﺗﻘﺎﻥ ﻣﻮﺿﻮﻋﻲ ﻻ ﺑﺪ ﻟﻪ ﻣﻦ ﻋﻠﺔ ﻣﻌﻴﻨﺔ ﺇﻣﺎ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻋﻠﻢ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺼﺎﻧﻊ ﺃﻭ ﻋﻠﻢ ﻭﺍﺣﺪ ﻏﻴﺮﻩ ﺗﻠﻘﻰ ﻫﻮ ﻋﻨﻪ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ، ﻓﻜﺬﻟﻚ ﻳﻤﺘﻨﻊ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﻠﻪ ، ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻓﻴﻨﺎ ، ﺃﻻ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺫﺍﺗﻪ ﻋﻠﺔ ﻟﻬﺎ .“

 ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ﺃﻗﻤﺖُ ﺍﻟﺪﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﺼﻮﺭﻫﺎ ﺗﺼﻮﺭﺍً ﻭﺍﺿﺤﺎً ﺟﺪﺍً ﻭﻣﺘﻤﻴﺰﺍً ﺟﺪﺍً ﻫﻲ ﻛﻠﻬﺎ ﺻﺤﻴﺤﺔ ، ﻛﻤﺎ ﺃﻭﺿﺤﺖ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺃﻭ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ، ﻣﻤﺎ ﺗﻠﺰﻡ ﻣﻌﺮﻓﺘﻪ ﺿﺮﻭﺭﺓً ﻟﺘﻮﻛﻴﺪ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ . ﻭﻟﻔﻬﻢ ﺍﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻠﻮﻫﺎ ﻓﻬﻤﺎً ﺻﺤﻴﺤﺎً ﻟﻜﻦ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻥ ﻳﻼﺣﻆ ﺃﻧﻲ ﻻ ﺃﻧﻈﺮ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻄﻴﺌﺔ ﺃﻱ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﺬﻱ ﻳُﻘّﺘﺮﻑ ﻓﻲ ﻃﻠﺐ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺸﺮ . ﺑﻞ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻘﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻭﺗﻤﻴﻴﺰ ﺍﻟﺤﻖ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺎﻃﻞ ﻭﻟﻴﺲ ﻗﺼﺪﻱ ﺃﻥ ﺃﺗﻜﻠﻢ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﻓﻲ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﻫﻲ ﻣﻦ ﺷﺄﻥ ﺍﻹﻳﻤﺎﻥ ﺃﻭ ﺳﻠﻮﻙ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ، ﺑﻞ ﻓﻲ ﺍﻷﻣﻮﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﺼﻞ ﺑﺎﻟﺤﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﻌﻘﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻦ ﻣﻌﺮﻓﺘﻬﺎ ﺑﻤﻌﻮﻧﺔ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﺍﻟﻄﺒﻴﻌﻲ ﻭﺣﺪﻩ ” .

 ﻭﻳﺘﺤﺪﺙ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﻋﻦ ﻣﺎﻫﻴﺔ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ، ﺛﻢ ﻳﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻦ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻭﺟﻮﺩﻩ ﻭﻫﻮ ﻳﺴﺘﻨﺪ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﻴﺎﺭ ﺍﻟﺒﺪﺍﻫﺔ ، ﻓﻴﺮﻓﺾ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﺃﻥ ﻳﻀﻔﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﺎﺩﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻮﺍﺹ ﺇﻻ ﺍﻹﻣﺘﺪﺍﺩ ، ﺃﻱ ﺧﺎﺻﺔ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻓﻲ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻣﻤﺘﺪﺍً ، ﻭﻻ ﻳﻘﺒﻞ ﺇﻻ ﺍﻟﺤﺮﻛﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥ ، ﻭﻳﻨﻜﺮ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﻗﺖ ﻧﻔﺴﻪ ﺟﻤﻴﻊ ” ﺍﻟﺼﻮﺭ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻳﺔ ” ﻭ ” ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﺍﻟﺨﻔﻴﺔ ” ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﻭﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻥ ﻳﺘﺤﺪﺙ ﻋﻨﻬﺎ ﺍﻟﻔﻼﺳﻔﺔ ” ﺍﻟﻤﺪﺭﺳﻮﻥ ” .

 ﻭﻗﺪ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﻫﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﻼﺣﻆ ﺃﻥ ” ﻧﻴﻮﺗﻦ ” ﺣﻴﻦ ﻗﺎﻝ ﺑﻤﺒﺪﺃ ” ﺍﻟﺠﺎﺫﺑﻴﺔ ﺍﻟﻌﺎﻣﺔ ” ﻗﺪ ﺃﺩﺧﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻠﻮﻡ ﻣﺎ ﻳﺸﺒﻪ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﺨﻔﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺫﻫﺐ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﻘﺮﻭﻥ ﺍﻟﻮﺳﻄﻰ ، ﻭﻗﺪ ﺧُﻴّﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺃﻭﻝ ﺍﻷﻣﺮ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﻨﻴﻮﺗﻮﻧﻲ ﻗﺪ ﻇﻔﺮ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺴﺒﻴﻞ ﺑﻨﺼﺮ ﺣﺎﺳﻢ ، ﻭﻟﻜﻦ ﻣﻨﺬ ﻇﻬﻮﺭ ” ﺃﻳﻨﺸﺘﻴﻦ ” ﻗﺪ ﺻﺎﺭ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺩﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺎً ﻣﻦ ﺟﺪﻳﺪ ، ﻛﻤﺎ ﻗﺎﻝ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﻳﻦ .

 ﻭﻳﻨﺒﻐﻲ ﺃﻻ ﻧﻨﺴﻰ ﺃﻥ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻋﺎﻟﻢ ﺭﻳﺎﺿﻲ ، ﻭﺃﻥ ﺍﻟﻤﺜﻞ ﺍﻷﻭﻟﻲ ﻟﻠﺒﺪﺍﻫﺔ ﻋﻨﺪﻩ ﻫﻮ ﺍﻟﺒﺪﺍﻫﺔ ﺍﻟﺮﻳﺎﺿﻴﺔ ، ﻓﻬﻮ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻟﻮﺍﺿﺤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻜﻮﻥ ﻓﻲ ﺃﺫﻫﺎﻧﻨﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻠﻪ ، ﻓﻴﺠﺪ ﺃﻥ ﺷﺄﻧﻬﺎ ﻛﺸﺄﻥ ﻓﻜﺮﺓ ﺍﻟﻤﺜﻠﺚ ، ﻭﻣﻦ ﺛﻢ ﻳﻌﻮﺩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﺮﻫﻨﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻗﺎﻡ ﺑﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻭﻳﻨﻘﻠﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﻔﻜﺮﻱ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪ ، ﻣﻨﺘﻬﻴﺎً ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻘﻀﻴﺘﻴﻦ : ” ﻣﺠﻤﻮﻉ ﺯﻭﺍﻳﺎ ﺍﻟﻤﺜﻠﺚ ﻳﺴﺎﻭﻱ ﻗﺎﺋﻤﺘﻴﻦ ، ﻭ ” ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻮﺟﻮﺩ ” ﻫﻤﺎ ﻗﻀﻴﺘﺎﻥ ﻣﺘﻌﺎﺩﻟﺘﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ .

 ﻭﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺮﻭﺭﻱ ، ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ ، ﺃﻥ ﻧﺘﺎﺑﻊ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﺗﻔﺎﺻﻴﻞ ﻣﺬﻫﺒﻪ ، ﻓﻬﻮ ﻳﻜﺘﻔﻲ ﻫﻨﺎ ﺑﺒﺴﻂ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻟﻤﺎ ﺍﻧﺘﻬﻰ ﺇﻟﻴﻪ ، ﺑﻌﺪ ﺃﻥ ﻳﺒﻴّﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺒﺪﻥ ، ﻗﺮﺭ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻣﺘﺤﺪﺓ ﺑﻪ ﺍﺗﺤﺎﺩﺍً ﻭﺛﻴﻘﺎً ، ﻭﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻻﺗﺤﺎﺩ ﺃﻣﺮ ﻭﺍﻗﻊ ﺗﺸﻬﺪ ﺑﻪ ﺍﻟﺘﺠﺮﺑﺔ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺪﺓ ، ﻭﻛﻞ ﺍﻣﺮﺉ ﻻ ﺑﺪ ﻣﺘﻨﺒﻪ ﺇﻟﻰ ﺃﻧﻪ ﻳﺠﻤﻊ ﻓﻲ ﺫﺍﺗﻪ ﺑﻴﻦ ﻃﺒﻴﻌﺘﻴﻦ ﻣﺘﺒﺎﻳﻨﺘﻴﻦ ، ﺟﺴﻤﺎﻧﻴﺔ ﻭﻧﻔﺴﺎﻧﻴﺔ : ﻭﻫﺬﺍ ﺃﻣﺮ ﻭﺍﻗﻊ ﻻ ﺳﺒﻴﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﻨﺎﺯﻋﺔ ﻓﻴﻪ .

 ﻭﻳﺨﺘﺘﻢ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺗﺄﻣﻼﺗﻪ ﻣﺒﻴﻨﺎً ﺃﻥ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﻭﺟﻮﺩ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻟﻤﺎﺓ ﻭﺍﻷﺟﺴﺎﻡ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺘﺎﻧﺔ ﻭﺍﻟﻮﺿﻮﺡ ﺑﻤﻨﺰﻟﺔ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻭﺇﻟﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻠﻪ .

 ﻭﻳﻘﻮﻝ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻧﻔﺴﻪ ﻓﻲ ﺗﻠﺨﻴﺺ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ ﻣﺎ ﻳﻠﻲ ” ﻭﺍﻧﺘﻬﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺄﻣﻞ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ ﺑﺘﻤﻴﻴﺰ ﻓﻌﻞ ﺍﻟﻔﻬﻢ ﻣﻦ ﻓﻌﻞ ﺍﻟﻤﺨﻴﻠﺔ ، ﻭﺃﺻﻒ ﻋﻼﻣﺎﺕ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺘﻤﻴﻴﺰ ، ﻭﻓﻴﻪ ﺃﺑﻴّﻦ ﺃﻥ ﻧﻔﺲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻣﺘﻤﻴﺰﺓ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﺣﻘﺎً ، ﻭﺃﻧﻬﺎ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻭﺍﺣﺪﺍً ﻭﻓﻴﻪ ﺃﺑﺴﻂُ ﺟﻤﻴﻊ ﺿﺮﻭﺏ ﺍﻟﺨﻄﺄ ﺍﻟﻨﺎﺷﺌﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻮﺍﺱ ، ﻣﺒﻴﻨﺎً ﺍﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﻻﺟﺘﻨﺎﺑﻬﺎ ، ﻭﺃﻭﺭﺩ ﺃﺧﻴﺮﺍً .

 ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺴﺘﻨﺘﺞ ﻣﻨﻬﺎ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻟﻤﺎﺩﻳﺔ ، ﻻ ﻷﻧﻨﻲ ﺃﺭﻯ ﻟﻬﺎ ﻓﺎﺋﺪﺓ ﻛﺒﻴﺮﺓ ﻓﻲ ﺇﺛﺒﺎﺕ ﻣﺎ ﺗﺜﺘﺒﺘﻪ – ﺃﻋﻨﻲ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢَ ﻣﻮﺟﻮﺩ ﻭﺃﻥ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﺃﺟﺴﺎﻣﺎً ، ﻭﻣﺎ ﺷﺎﺑﻪ ﺫﻟﻚ ﻷﻥ ﺇﻣﻌﺎﻥ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻴﻬﺎ ﻳﻄﻠﻌﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻬﺎ ﻟﻢ ﺗﺒﻠﻎ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺘﺎﻧﺔ ﻭﺍﻟﺒﺪﺍﻫﺔ ﻣﺮﺗﺒﺔ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻮﺻﻠﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻣﻌﺮﻓﺔ ﺍﻟﻨﻔﺲ ، ﻭﺑﻬﺬﺍ ﺍﻻﻋﺘﺒﺎﺭ ﺗﻜﻮﻥ ﺍﻷﺩﻟﺔ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ ﺃﻭﺛﻖ ﻭﺃﺑﻴَﻦ ، ﻣﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﻘﻊ ﻟﻠﺬﻫﻦ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﻣﻌﺮﻓﺔ ". ﻭﻫﺬﺍ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻗﺼﺪﺕُ ﺇﻟﻰ ﺇﺛﺒﺎﺗﻪ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﺍﻟﺴﺘﺔ ، ﻭﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﻫﺬﺍ ﺃﻏﻔﻠﺖ ﻫﺎ ﻫﻨﺎ ﻣﺴﺎﺋﻞ ﺃﺧﺮﻯ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺗﻜﻠﻤﺖ ﻋﻨﻬﺎ ﻋَﺮﺿﺎً ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﺳﺎﻟﺔ ."

 ﺇﻥ ﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺁﺛﺎﺭﺍً ﺑﻌﻴﺪﺓ ﺍﻟﻤﺪﻯ ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ، ﻛﺎﻧﺖ ﺁﺭﺍﺀ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺑﻤﺜﺎﺑﺔ ﺛﻮﺭﺓ ﻓﻜﺮﻳﺔ ﻫﺎﺋﻠﺔ ، ﺑﻞ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺤﻘﻖ ﺃﻛﺒﺮ ﺛﻮﺭﺓ ﻓﻠﺴﻔﻴﺔ ﻋﺮﻓﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﻨﺬ ﺃﻳﺎﻡ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺍﻟﻴﻮﻧﺎﻧﻲ ” ﺳﻘﺮﺍﻁ ” ﺣﺘﻰ ﻋﻬﺪ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻲ ” ﻛﺎﻧﻂ ” ﻭﻗﺪ ﺟﺎﺀﺕ ﺍﻟﻤﺜﺎﻟﻴﺔ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺑﺪﻋﻬﺎ ” ﻛﺎﻧﻂ ” . ﻭﻛﺬﻟﻚ ﺍﻟﻤﺜﺎﻟﻴﺔ ” ﺍﻟﻜﺎﻧﻄﻴﺔ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ ” ‏( ﻋﻨﺪ ” ﻓﺸﺘﻪ ” ﻭ ﺷﻮﺑﻨﻬﻮﺭ ” ﻣﻮﺍﻓﻘﺘﻴﻦ ﻟﺒﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﻤﺜﺎﻟﻴﺔ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻧﺘﺎ ﻗﺪ ﺍﺧﺘﻠﻔﺘﺎ ﻋﻨﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺘﺎﺋﺞ ﺍﻟﻮﺍﻗﻌﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﻧﺘﻬﺖ ﺇﻟﻴﻬﺎ ، ﻭﻟﻘﺪ ﺭﺃﻯ ” ﺷِﻠْﻨﺞ ” ﺍﻥ ﺍﻟﻄﺎﺑﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﻴﺰ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﺤﺪﻳﺜﺔ ﻫﻮ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺑﻴﻦ ” ﺍﻟﻤﺘﻨﺎﻫﻲ ” ﻭ ” ﺍﻟﻼﻣﺘﻨﺎﻫﻲ ” ﻭﺃﻥ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻗﺪ ﻋﺒّﺮ ﻋﻦ ﺍﻟﺜﻨﺎﺋﻴﺔ ﺗﻌﺒﻴﺮﺍً ﻋﻠﻤﻴﺎً ، ﻭﻣﺎ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻨﻘﺪﻳﺔ ﺇﻻ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺪﺃﺕ ﺑﺪﻳﻜﺎﺭﺕ ، ﻭﻳﺒﺪﻭ ﻣﻔﻜﺮﻭ ﺍﻷﻟﻤﺎﻥ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻣﻴﺎﻟﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﻗﺒﻮﻝ ﻧﻈﺮﻳﺔ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ، ﻭﻫﻢ ﻳﺠﻠﻮﻥ ﺍﻟﻔﻴﺴﻠﻮﻑ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ، ﻭﻳﺮﻭﻥ ﻓﻴﻪ ﻣﺜﺎﻝ ﺍﻟﻤﻔﻜﺮ ﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﺍﻟﻌﻤﻴﻖ . ﻭﻣﻦ ﺃﺷﻬﺮ ﻣﻦ ﺗﺄﺛﺮﻭﺍ ﻓﻲ ﻋﺼﺮﻧﺎ ﻫﺬﺍ ﺑﻔﻠﺴﻔﺔ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﺍﻟﻔﻴﻠﺴﻮﻑ ﺍﻷﻟﻤﺎﻧﻲ ” ﺇﺩﻣﻮﻧﺪ ﻫﻮﺳّﺮْﻝ ” ﻭﻫﻮ ﻧﻔﺴﻪ ﻳﻌﺘﺮﻑ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﻬﻞ ﻛﺘﺎﺑﻪ ” ﺗﺄﻣﻼﺕ ﺩﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ” ﺑﺄﺛﺮ ﺩﻳﻜﺎﺭﺕ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﻳﻘﻮﻝ ﺑﺼﺪﺩ ﻣﺬﻫﺒﻪ ﻓﻲ ” ﺍﻟﻔﻴﻨﻮﻣﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ” : ” ﺭﺑﻤﺎ ﺻﺢ ﺃﻥ ﻧﺴﻤﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﺩﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ، ﻭﺇﻥ ﻛﻨﺎ ﻗﺪ ﺍﺿﻄﺮﺭﻧﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻧﻄﺮﺡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﻘﺮﻳﺐ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻟﻠﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ﻣﻦ ﻓﺤﻮﻯ ﻣﻌﺮﻭﻑ ، ﻭﺫﻟﻚ ﻷﻧﻨﺎ ﺑﺴﻄﻨﺎ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺗﻴﺔ ﺑﺴﻄﺎً ﻗﺎﺋﻤﺎً ﺑﺬﺍﺗﻪ ” . ﻭﻻ ﻧﺰﺍﻉ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻓﻲ ﺃﻥ ﻓﻴﻠﺴﻮﻓﻨﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﺼﺪﺭ ﺇﻟﻬﺎﻡ ﻗﻮﻱ ﻟﻔﻠﺴﻔﺎﺕ ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻇﻬﺮﺕ ﺁﺛﺎﺭﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻷﺟﻴﺎﻝ ﺍﻟﻼﺣﻘﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﻐﺮﺏ ﻭﺍﻟﺸﺮﻕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺴﻮﺍﺀ .

 ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ : ﺍﻟﺘﺄﻣﻼﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻷﻭﻟﻲ ﻟﺪﻳﻜﺎﺭﺕ

السبت، 20 مايو 2017

فلسفة الجمال والفن لدى هيجل – سليمان السلطان





فلسفة الجمال والفن لدى هيجل – سليمان السلطان




وحده الخيال – ذلك الشباب الأبدي – يستطيع أن يجمع بين المثالي والحقيقي في قيادة عجلته، وهذا، في الفن أو في الفلسفة، هو انتصار الرؤيا الغنية بالخيال
الكسندر اليوت
 من منظور الفلسفة المثالية المطلقة
1- مقدمة عامة
في المنطقة الممتدة من جنوب فرنسا إلى شمال أسبانيا التي عرفت بـ(الفرانكو – كانتويرية)، تمّ اكتشاف عدد كبير من الكهوف سكنها الإنسان في العصر الحجري القديم، لقب بإنسان الكهف، لقد زُخرفت جدران هذه الكهوف برسوم كائنات حيوانية مثل الجاموس والرّنة، وبرسوم كائنات أخرى خيالية، هي عبارة عن تأليف من فصائل حيوانية مختلفة، كأنها رسوم “سريالية” محضة! وقد “أنقسم الدارسون الأوائل لرسوم الكهوف إلى فريقين، فريق يرى بأن هذا الفن قد أنجز لغايات فنية جمالية بحتة” وفريق آخر، وهو الذي ساد في الدراسات الأنثروبولوجية، يرى بأنها “أدوات  سحرية استخدمت في طقوس تستهدف السيطرة على الطرائد والإيقاع بها، وذلك استناداً إلى مبدأ السحر التعاطفي[1]
وإن أمكننا أن نختلف حول الغاية من وراء هذه الرسوم، فلا يمكننا أن نختلف على جمالها، فقد حرص من رسمها على إظهارها بأشكال جميلة مزخرفة الألوان، وتم تصويرها في حراك نابضّ بالحياة يعبر عن نشاط الصيد، وهو النشاط الرئيسي لإنسان الكهف آنذاك… فكأنه يسعى إلى تخليد ذكراه، وترسيخ وجوده، من خلال رسومات جميلة، وأقبل على ذلك تلقائياً من دون تصنع أو تكلف…!
هنا يكمن جوهر الجمال والفن…  تعبير تلقائي عن روح الإنسان وخلوده، يدفعه إلى ذلك غريزة قارّة في طبيعته البشرية التي تنحو به إلى التعبير عن ذاته تعبيراً جمالياً، فيقوم بإيداع هذه العاطفة في المادة المحسوسة، لكي تبقى بعد أن يفنى. وهذا ما سنشهده واضحاً وجلياً في فلسفة هيجل في الجمال والفن.
2- معالم في فلسفة الفن و الجمال إلى عصر هيجل
قبل أن أمضي قدماً في إلقاء الضوء على فلسفة الجمال والفن لدى هيجل، أرى أن من المهمّ الوقوف على بعض الآراء في فلسفة الجمال و الفن، لعل هذا يعيننا على فهم إسهامات هيجل في هذا الشأن عندما يأتي الحديث عن مفهوم الفن والجمال لديه.
رغم أن الإنسان أهتم بالفن منذ القدم، إلا أنه لم يتأمل جوهر الفن تأملاً فلسفياً إلا في عصر متأخر، ويمكن تفهم هذا على ضوء مسيرة الفكر الإنساني، فالفن – أولاً وأخيراً – نشاط عملي، والتأمل دوماً يأتي بعد النشاط، فإن كانت الفلسفة هي الدهشة التي تحدثها فينا كما يقول الفيلسوف مارتن هيدجر، فإن الفن هو التعبير الرمزي عن هذه الدهشة…!
ورغم شبه الاتفاق بين الفلاسفة على أن جوهر الفن هو الجمال إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك حول جوهر هذا “الجمال”: أقصد الإجابة على ما هو الجميل؟ وما هي الشروط التي ينبغي توفرها في “الشيء” حتى يحق لنا أن نقول عنه جميلاً؟ وهل لابدّ أن يكون الجميل خيراً؟ وغير ذلك من الأسئلة التي تم تناولها في الفلسفة…!
عرُف المجال الذي يحاول أن يجيب على هذه التساؤلات بالاستطيقا (أو فلسفة الجمال) Aesthetics، وهي مفردة يرجع أصلها إلى اللغة اليونانية القديمة، وتعني المعرفة الحسية أو الصورة الأولية لها، وأول ما صاغ هذا الاسم هو “الكسندر بومجارتن” في بداية القرن الثامن عشر، وذلك في كتابه “تأملات فلسفية في موضوعات تتعلق بالشعر”، و”بومجارتن” ربط الفنون بالمعرفة الحسية، وهو رأي شاع بعد ذلك كما سنرى في طرح هيجل عن الجمال لاحقاً.
يعرف معجم “لالاند” فلسفة الجمال على أنها “علم موضوعه الأحكام التقويمي الذي ينطبق على التفريق بين الجميل والبشع[2]بهذا نعلم بأن فلسفة الجمال هو علم معياري تماماً مثل المنطق أو علم الأخلاق، ولكن ما يجعله أشد عسراً هو موضوعاته التي لا تتسم بالتقنين الموضوعي، بل إنها ذاتية، كما أنها هذه الأحكام مرهونة بخصوصية الثقافة والتاريخ، رغم أن بعض الأعمال الفنية القديمة مثل الإلياذة أو الرامايانا لا تزال تثير إعجابنا وتشدنا، وهو أمر يدلّ على وجود تناقض في صميم طبيعة الجمال بصفة عامة وجمال الفن بصفة خاصة…  ولعل هذا هو ما يصعب من مهمة من يخوض هذه المسألة لأن هذه الطبيعة الخالدة لبعض الأعمال الفنية تجعل من إصدار الأحكام التقيمية شديدة الصعوبة، فالفن مقيد بالسياق الثقافي التاريخي، وفي ذات الوقت محمل بزخم “روحاني” يتجاوز التاريخ والثقافة حتى يبدو كأنه أرث للإنسانية جمعاء.
تضاربت الآراء في تعريف (الجميل) واختلفت مشارب الفلاسفة في ذلك، كل على حسب نسيجه الفكري، هيراقليطس الذي تصور الكون صيرورة لانهائية بين أضداد متصارعة رأى أن الجمال هو الانسجام الذي ينظم الكون في هذا الصراع الدائم، ويشير الأستاذ ف. أسموس إلى “أن الفكرة الأساسية التي طوّرها هيراقليطس في ميدان علم الجمال تقول إن الجمال هو تعبير عن انسجام الأضداد[3] ولا غرابة أن ينحو الفن منحى الجمال في الكون، فتغدو الفكرة المركزية فيه هو  التضاد كما نرى ذلك واضحاً في التراجيديا الإغريقية.
كما أن سقراط (أو بالأحرى سقراط أفلاطون) تساءل في محاورة “هيبياس الأكبر” عمّا هو الجميل؟ ثم أخذ ينتقل بأسلوبه الحواري الشهير من فكرة إلى أخرى حول الجمال، وهي أفكار على ما يبدو كانت شائعة في الفكر الإغريقي آنذاك، فتساءل إن كان الجميل هو المتناسب المنسجم أو هو الخير العادل أو هو النافع الصالح؟… وفي سياق حواره مع “هيبياس” خلص إلى نتيجة مفادها بأن من الصعب أن نبت في مسألة الجميل، لذا ختم المحاورة بمثال يقول: “الأشياء الجميلة صعبة”، رغم أنه في محاورة “فيليبوس” بدا أنه يؤيد الرأي القائل بأن الجميل هو المتناسب المنسجم بوصفة درجة وسيطة بين الرزانة والحكمة[4]… “
ونجد لدى تلميذه أفلاطون آراءً أوضح في الجمال والفن، وإن لم تكن تامة الوضوح، يرى أفلاطون بأن الفنون تكتسب جمالها وفقاً لمقدار محاكاتها للطبيعة، والتي هي في الأساس محاكاة ناقصة تشدو إلى عالم “المُثل” – عالم العقل المطلق لدى أفلاطون، لذا هذا يجعل الفن “تقليد التقليد” لدى أفلاطون، ولعلّ هذا يفسر لنا حملته الناقدة للفنانين، و طردهم من “الجمهورية”، ولم يبق إلا على أنواع معينة من الشعر لغرض التربية والتعليم،  ورغم أن تلميذه أرسطو الفيلسوف الأبرز ذهب إلى نفس الرأي فيما يتعلق بأن جمال الفن هو محاكاة للطبيعة إلا أنه أسند له دوراً ريادياً في تطهير النفوس من الانفعالات الضّارة.
ولم تصل لنا حقاً نظرية في الجمال والفن تستحق الإشادة بعد هذين الفيلسوفين حتى ظهور كتابه “نقد مَلَكة الحكم”” لعمانويل كانط” في أواخر القرن الثامن عشر، ويعتبر كانط بحق مؤسس فلسفة الجمال في العصر الحديث.  لقد نظر كانط إلى الجمال من خلال “الحكم” الذي نصدره على الجميل، وهو حكم يتميز عن الحكم العلمي (كما بسطه في كتاب “نقد العقل المحض”) وعن الحكم الأخلاقي (كما بسطه أيضاً في كتاب “نقد العقل العملي”)، فالقضية الجمالية ليست أخلاقية ولا معرفية، ولكن بالأحرى قضية ذوقيّة مرهونة بالذاتي والجمالي الذي يحقق الاستحسان لدينا، ذلك عندما نتمعن في شيء جميل من دون أن يرتبط هذا غائياً بأي نفع خارجي، يقول كانط: “لكي نميّز الشيء هل هو جميل أو غير جميل، فإننا لا نعيد تمثل الشيء إلى الذهن من أجل المعرفة بل إلى مخيلة الذات (ربما مرتبطة بالفهم) وشعورها باللذة والألم، وبالتالي ليس منطقياً، بل جمالي ، ونعني بذلك أن المبدأ الذي يعيّنه لا يمكن أن يكون إلا ذاتياً[5] ، رغم ذلك – كما  يخبرنا كانط – لأحكام الذوق صفة كلية تتسم بالحس المشترك بين البشر، إن لم يكن من حيث موضوع الجمال، فهو بالتالي في الحكم الذوقي ذاته لأننا “نستطيع أن نطلق بحق تسمية الحس العام على الذوق أكثر من تسميته الحس السليم، وأن ملكة الحكم الجمالية هي أكثر جدارة من ملكة الحكم العقلية بحمل اسم حس مشترك[6] لأن “الذوق إذاً هو مَلَكة الحكم قبلياً على قابلية تبليغ المشاعر المرتبطة بتمثل معطى (من دون وساطة مفهوم)”[7]
رأى البعض بأن فلسفة كانط متناقضة، لأنه يصف الحكم الجمالي بالذاتي، وفي ذات الآن يصفه بالكلي العام، ولعلّ كانط – في رأيي – لم يوفق كل التوفيق في الاستدلال عقلياً على ذلك إلا أن رأيه هذا الذي بدا متناقضاً هو أدنى إلى الواقع المعاش، فضلاً على أنه لم يزعم قط بأن الحكم لجمالي هو حكم عقلاني: فالفن ينبع من الذات إلا أنه يتواصل مع الذوات البشرية الأخرى متجاوزاً مساق الزمان والمكان، بل لعلّ البشر يشتركون في التعاطي مع كثير من القضايا الجمالية أكثر من تعاطيهم مع القضايا الميتافيزيقية والأخلاقية والدينية، فتهفو نفوس البشر – إن لم يكن كلهم، فعلى الأقل عمومهم – إلى نضارة الورود، ووضاءة النجوم في السماء، ورخيم الغناء، وطيب النغم، بل أن عمر جمالية بعض الأعمال الفنية أقدم من بعض النظريات العلمية التي تزعم اليقين والكلانية، فلا نزال نقرأ الإلياذة ونطرب لجماليتها مثلاً، رغم أنها ترجع إلى القرن العاشر قبل الميلاد، ولكن من منّا الآن يعول على نظرية بطليموس في الفلك التي أخذت تتلاشى كنظرية علمية منذ القرن السادس عشر، وقد تم استبدلت بالنظام الكوبرنيكي منذ القرن الثامن عشر، فغدت أثراً في تاريخ العلوم وحسب!.
خاضّ بعد كانط بعض الفلاسفة الألمان في فلسفة الجمال أبرزهم شلنج إلا أن هيجل يعتبر الأهم والأكثر شمولية في تناول المسألة الجمالية، ولهذا كان لفلسفته أثر مهم في الفكر الغربي.

3- الفلسفة المثالية الألمانية
لأن الفلسفة المثالية هي فلسفة بالغة التجريد، تعتبر من أكثر الفلسفات صعوبة، وغموضاً ، وتنوعاً ، رغم ذلك هي الأثرى في الطرح الفلسفي، ولعل هذا يرجع إلى عمقها في تصور الواقع.  ورغم ذلك يمكن ردها إلى مبدأ واحد، هو تصورها لحقيقة الأشياء والموضوعات، بل الواقع ذاته، إذ أنه من صنع العقل، بمعنى أن عمل العقل يتمثل في تجريد الظاهر في الخارج، وكشف الجوهر المتعالية للواقع الحقّ.
كل الفلاسفة المثاليين يدينون إلى أفلاطون بصورة من الصور، ويمكننا القول بأنه هو الأب الروحي للفلسفة المثالية، ولفظ “المثالية” اشتق أساساً من فلسفته في “المُثل”، فأفلاطون، مجادلاً السفسطائيين التي أنكروا ثبوت الحقيقة المطلقة، قال بأن الموجودات الجزئية المادية في العالم ليست إلا انعكاساً عن عالم متعالٍ آخر هو عالم المُثل، فالأحصنة التي نشاهدها بأعيننا ونلمسها بأيدينا – على سبيل المثال – هي انعكاس عن “الحصان” الكامل في عالم المُثل… وهكذا، هذا العالم قائم بذاته، لا يتأثر أو يفسد بعلمنا النسبي، كما كان الفلاسفة السفسطائيون يشيعون بين الناس، بحكم أن “الإنسان هو مقياس كل شيء” على حسب تعبير بروتاجوراس.
رغم ذلك، الفلسفة المثالية هي بضاعة ألمانية صرفة في الفلسفة الحديثة، وبدايتها نجدها في فلسفة كانط النقدية، رغم أن كانط لا يعتبر فيلسوفاً مثالياً، ولكنه بالأحرى عقلانياً، وإن قال بخواء التصورات العقلية المجردة التي لا تتضافر معها تجربة حسيّة…  يذهب كانط في كتابه الشهير “نقد العقل المحضّ” إلى القول بأن العالم الظاهري – كما هو العالم الباطني للأشياء – ليس هو العالم الموضوعي الذي يمثل الحقيقة، فقد يكون الظاهر عالماً مخادعاً، فظواهر الأشياء التي تتلقاها حواسنا ليست بالضرورة صادقة، فالعلوم قد كشفت لنا عن أخطاء كثيرة لحواسنا المبدئية، مثلاً لقد اكتشفنا الآن بأن أعتى المواد صلادة  ليست إلا عبارة  عن ذرات لا ترى بالعين المجردة، وهي في حقيقتها طاقة كامنة، ولم يكن في مقدورنا أن نقف على مثل هذه “الحقائق” إلا عند مشاركة آليات العقل القبلية لفهم هذه المعطيات الحسية، فالمبادئ الثلاثة الرئيسية وفقاً لفلسفة كانط وهي الزمان والمكان والعلية هي إطارات عقلية قائمة في صميم العقل، وليس موجودة خارجه، فالمعرفة الحقّيقية – إذنْ- هي المعرفة التي تحتوي عليها القضايا التركيبية، التي يمكن الاستدلال عليها من خلال العقل قبلياً، وفي ذات الوقت، يمكن التأكد منها بواسطة التجربة الحسية.
من هنا، استبعد كانط إمكانية معرفة “الشيء في ذاته” معرفة يقينية، ولكن بحكم أن فلسفته أعلت من شأن العقل، على أساس أن معطيات الحس لا يمكن بنفسها أن تكوّن معرفة إلا من خلال العقل ذاته، فقد فتح هذا مجالاً خصباً للفلاسفة للخوض في كنه العالم، ولتجاوز فلسفة كانط ذاتها، والبحث في معرفة “الشيء في ذاته”، وكان فتشه هو أول هؤلاء الفلاسفة، فقد رأى أن ثنائية النظرية المعرفية لدى كانط مربكةً، وتحدث تناقضاً ما بين الذات العارفة والموضوع المعروف.
رأى فتشه أن الحل يكمن في تبني النزعة الوحدوية متأثراً بدراساته حول فلسفة اسبينوزا الذي أخذت تدلف إلى الفكر الألماني بقوة بعد أن أصدر ياكوبي كتابه “مذهب اسبينوزا”، على هذا الأساس يمكن تجاوز أزمة ثنائية الذات والموضوع، لذا قال فشته بأن الحقيقة الأولية هي “الأنا الخالصة”، وهي ليس الأنا الشخصية ولكنها جنس عام يشمل الجنس البشري كله، ومن هذه الأنا المتصورة في العقل يستنبط فتشته سلسلة متصلة من المقولات والقوانين الصورية للحقيقة، وهي مقولات وقوانين تنطبق على مادة التجربة ذاتها، وبالتالي تصبح مادة التجربة ضمنياً محايثة للأنا، ويلغي فتشه بذلك كل مادة وموضوع. ولكي يشَرْعِن على أمكانية المعرفة خارج الذات، قال بوجود مقابل للأنا هو (اللاأنا)، وهي تعني لدى فتشه الموضوع مقابل “الأنا”/الذات، والتناقض من الناحية المنطقية الذي قد يظهر لنا من أول وهلة سينتفي، إذا عرفنا بأنهما ينتميان إلى تصور فكري مختلف، فالأنا تنتمي إلى الملكوت المثالي، بينما اللاأنا إلى ملكوت الواقع، و”صحيح أن لفظة مقابلة التي تُعبّر عن علاقة اللاأنا بالأنا تشير فعلاً إلى علاقة منطقية، ولكنها تشير أيضاً إلى علاقة صراع دينامية بين ميول تتواجه وتتصادم وتسعى إلى حذف بعضها بعضاً[8] هذه العلاقة  الدينامية تفسراً لنا العالم تفسيراً مثالياً رغم ذلك تحافظ على فروض الواقع المتغير.  بيد أن الصراع الذي يحدث بين الأنا واللاأنا على الأقل في العقل الفلسفي هو صراع كُتب فيه للأنا أن تنتصر ، ونرى في هذا لبنة للجدل الديالكطيقي الذي أصبح مركزياً في فلسفة هيجل، غير أن هذا هو ما جعل فتشه محطاً للنقد لمن أتوا بعده مثل شلنج وهيجل، فالأنا هنا هي “أنا” هدامة، تقضي وتمحو كل شيء، ولا تدع مجالاً لأي مفهوم آخر، فلا توجد أخلاق ولا قيم ولا جمال، لأن الكل لابد أن يذوب في الأنا في نهاية المطاف، ونجد نفسنا عندئذٍ في عدمية هي عدمية الأنا، وهذا الأمر كذلك هو ما دفع هيجل إلى تبني جدلية دينامية تسمح لمجالات أخرى في الظهور مع المحافظة على فكرة الوحدوية كما سنرى لاحقاً.
شلنج هو أكبر فيلسوف ألماني مثالي بعد فشته، وفلسفته لا تخرج عن فلسفة فتشه من حيث موقفها من العالم الخارجي، رغم ذلك كرس فلسفته للتصدي للأنا الهدامة الفتشية، فبدأ فلسفته لذلك من الطبيعة ذاتها، ثم قال بمبدأ وحدة الهوية، فجوهر الأشياء هو الواحد، وهو المعرفة الذاتية التي لا يقوم شيء خارجها، وهذه الهوية ليس هي جوهر الكون وحسب، ولكن أيضاً صورته وقانونه من هنا أصحبت الطبيعة جزءاً لا يتجزأ من (هوية) العالم، وهكذا نقضي على الحرب التي شنها فتشه بين الذات والموضوع، ولكن ليس تماماً[9]إذ أن هذا هو ما نجح فيه هيجل!
4- فلسفة هيجل الميتافيزيقية
تعتبر فلسفة هيجل ذروة ما بلغته الفلسفة المثالية في ألمانيا، فهي أشمل من أطروحات أستاذه فتشه وزميله شلنج، رغم أنه استعان بأطروحاتهما، فقد كان مهتماً بأطروحاتهما الفلسفية ومطلعاً عليهما اطلاعا تاماً، حتى أن أول كتاب نشر له كان عنوانه “في الفرق ما بين نسق فيتشه ونسق شلنج في الفلسفة[10]
لقد ولد هيجل في سنة 1770 م من أسرة تنتسب إلى الطبقة الوسطى، هاجرت عائلته من إقليم كرنيتا في النمسا لأسباب دينية واستقرت في إقليم اشفابن جنوبي ألمانيا، فقد لاقت عائلته اضطهاداً دينياً لأنها تنتمي إلى المذهب البروتستنتي.  تلقى تعليماً عالياً في صغره، فأبوه كان موظفاً عالي الرتبة، درس هيجل اللاهوت والفلسفة في معهد توبنجن، ولكنه لم يمارس مهنة القسيس كما كان ينبغي، بل انتقل في سنة 1793 م إلى برن ومن ثم إلى فرانكفورت للعمل بوظيفة مربٍ لأبناء العائلات الثرية.
بعد ذلك، أنتقل إلى يينا في سنة 1801 للالتحاق بفتشه وشلنج، وكانت محطة مهمة في حياة هيجل الفلسفية، فقد دشن فلسفته فيها من خلال إلقاء محاضرات تعتبر لب فلسفته المعروفة في التاريخ وظاهريات الروح،  وبدا نجم هيجل في تصاعد، وبعد بضعة سنين ذاع صيته في ألمانيا كلها وأصقاع أخرى من أوربا، وتجمهر حوله التلاميذ والإتباع، وأضحت فلسفته تمثل مدرسةً فلسفيةً بعد أن بلغت شهرته أوجها في مرحلة مقامه في “برلين” سنة 1818م، ولكن لم يطل به المقام، إذ مات في سنة 1831م بداء الكوليرا في ذات المدينة.[11]
لعل أفضل تشبيه نستطيع أن نشبه به فلسفة هيجل هو الهيكل المشيّد البناء، والشاهق الطول، والمنسجم الأبعاد، فمذهبه هو عبارة عن نسق متكاملة، ولا مشاحة أن يهتم هيجل هذا الاهتمام ببناء فلسفة على هذا الأساس المتقن، إذ إن الفكر الذي لا يصاغ بهذه الصورة النسقيّة لا يعتبر فلسفة علمية لدى هيجل الذي يقول: “وما لم تشكل الفلسفة نسقاً فإنها لن تكون نتاجاً علمياً[12].
مذهب هيجل هو عبارة عن ثالوث فلسفي، كل حلقة من هذا الثالوث ينقسم بدوره إلى ثالوث فرعي، وتنقسم هذه بدورها إلى حلقات فرعية أخرى[13]، وهكذا تنقسم فلسفته في إطارها العام إلى ثلاث حلقات رئيسية هي: المنطق، وفلسفة الطبيعة، وفلسفة الروح، وتنسجم هذه التقسيمات والحلقات مع منطق فلسفة هيجل الجدلية.
المنطق في مذهب هيجل الفلسفي هو مقولة الفكرة في ذاتها (وهي القضية)، وفلسفة الطبيعة هي الفكرة في الآخر أي في تخارجها إلى الموضوعات (وهي النقيض)، والقسم الأخير من الثالوث الهيجلي هو الروح المطلق، إذ أنها (المركب) الذي يتكون من القضية ونقيضها، وتتجلى الروح المطلق فيه عن نفسها في العالم عائدةً إلى ذاتها بعد أن فارقتها في مرحلة النقيضة.  هذا ما يعرف بالديكالطيق الهيجلي، وأضحى له شأناً عظيماً في فلسفة التاريخ، إذ صور التاريخ في صيرورة دينامية تسير على هدى هذا المنهج.
تنطلق فلسفة هيجل بدايةً من المنطق، لأنه هو ” علم الفكرة في وسطها الفكري الخالص “… أي أنه ” علم الفكر: بقوانينه وأشكاله المتميزة ” (موسوعة العلوم الفلسفية – ص 79) الذي يهتم بمقولات ونشاطات العقل من حيث أنه هو ذاته، وعلى هذا الأساس يؤكد هيجل على أنه لا ينبغي أن ” يُفهم على أنه يعني منهجاً أو صورة، بل على أنه يعني الشمول الذي يتطور ذاتياً لقوانينه، وأشكاله الخاصة، وهذه القوانين هي عمل الفكر نفسه، وليست مجرد واقعة حقيقية يكشفها، ولابدّ أن يخضع لها[14].
وطالما أن المنطق هو مقولة الفكرة في ذاتها، فإن الطبيعة هي الفكرة في الآخر، وهي تتلمس ذاتها في العالم الواقعي ، إذ أنها “تتخارج من أجل أن تصل إلى إنتاج الحياة الواعية، ومن ثم إلى أن تدخل في نفسها وتستبطن في فكرة الإنسان[15] في النهج الديكالطيقي، الطبيعة هي  المرحلة الثانية، وهي نقيضة القضية الأولى (الفكرة/العقل)، على أنه لا ينبغي أن ننظر لمفهوم الطبيعة هنا على أنها خروج عن الفضاء الفكري والروحي، فالطبيعة ليست إلا الفكرة، ولكنها في تخارجها عن ذاتها، ففلسفة هيجل لم تهتم بالمادة في الطبيعة، وإنما بفكرة الطبيعة، بخلاف العلوم التجريبية، وكان هيجل يحرص على أن لا يزاحم الفيلسوفُ العالِمَ الطبيعي في حقله المعرفي.
وفي فلسفة الروح، وهي المرحلة الأخيرة من الثالوث الهيجلي، نصل إلى مربط الفرس في فلسفة هيجل في ما يتعلق بمبحثنا هذا، لأن الروح المطلق تتمثل في الفن، وكذلك في الدين والفلسفة، وهذه هي ذات” فينومينولوجيا الروح التي يرينا فيها هيغل الوعي وهو يترقى رويداً رويداً من الإشكال الابتدائية للإحساس وصولاً إلى العلم، ثم المنطق حيث يتحدد التصور في ذاته، ثم فلسفة الطبيعة التي تشير إلى اللحظة التي يغدو فيها الروح غريباً عن نفسه، وأخيراً فلسفة الروح التي تبين عن عودة الروح إلى ذاتـه في القانون والأخلاق والدين والفلسفة، فالمذهب إذن ملحمة رحيبة للروح “تجربة” كما يقول هيغل نفسه[16].
هذه الملحمة تشبه ملحمة الأوديسة، التي يغترب فيها الملك “عوليس” في رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر، ثم يعود بعد غياب طويل إلى وطنه وزوجه، فالفكرة في تخارجها عن ذاتها للطبيعة، تشعر بالاغتراب، والحنين إلى العودة إلى ذاتها تارة أخرى، ولكنها هذه المرة، لا تعود كفكرة في ذاتها كما في المرحلة الأولى، بل تعود محملة بعلوم عن الآخر، فتتحوّل روحاً مطلقاً، لأن الروح لا يمكن أن تستقل بإدراك ذاتها وحسب، ولكن لابد لكي تبلغ أوجها أن تدرك الآخر، وعودة الفكرة إلى ذاتها حينئذٍ هو تجلٍّ للروح المطلق بكل جلالها وعظمتها، ولا غرو أن تكون هذه محط فلسفة هيجل كلها في فلسفة الحضارات الإنسانية من تاريخ وقانون وأخلاق وفن ودين.
وتنقسم فلسفة الروح إلى ثلاث حلقات فرعية تندرج – كما قلنا آنفاً – إلى الثالوث الرئيسي من فلسفة هيجل المطابق للمنهج الديكالطيقي. (1) الروح الذاتية مضمونها هو العقل البشري منظوراً إليه نظرة ذاتية على أنه عقل الذات الفردية. أما في (2) الروح الموضوعية، فهي تبدأ بالخروج من ذاتها إلى الآخر في الخارج، هو عالم الموضوع، ولكنه ليس بالعالم المادي، بل هو العالم الروحي (الفكري) – أي عالم المؤسسات والتنظيمات: القانون والأخلاق والدولة. ويتحد الذاتي مع الموضوعي فيشكلان (3) الروح المطلق التي تمثل الروح البشري في تجلياتها في الفن والدين والفلسفة، وهذه المراحل لا ينبغي أن تفهم على أنها مراحل زمنية، ولكنها بالأحرى منطقية، إذ تُستنبط كل حلقة من الأخرى استنباطاً منطقياً.
5- فلسفة هيجل في الجمال والفن
فلسفة الجمال والفن لدى هيجل مشتقة من فلسفته الميتافيزيقية، وفي مقدور من أطلع عليها – ولو لماماً – أن يتكهن بفلسفته في الجمال، هيجل يستهل فلسفة الجمال من خلال فلسفته في الروح المطلق التي تنشأ من التضاد ما بين المتناهي واللامتناهي، كمركب عن الفكرة في ذاتها والطبيعة في تخارجها – أي القضية ونقيضها، “فالروح يعقل التناهي بالذات بوصفه نفيه، فيدرك عن هذا السبيل اللامتناهي، وما حقيقة الروح المتناهي هذه سوى الروح المطلق، فالروح المطلق هي تلك الكلية هو الحقيقة العليا[17]، والجمال الفني هو موضوع للمتناهي، وهكذا يصبح جزءاً لا تجزأ من هذه الجدلية التي تحدث ما بين المتناهي واللامتناهي، ويتمخض عنها الروح المطلق.
وهناك رابطة أخرى ما بين الجمال الفني والروح المطلق، وهي رابطة الوعي بالحقيقة، فـ”أن الجمال بالنظر إلى أنه نمط معين لتظهير الحقيقة وتمثيلها، يعرض نفسه من كل جانب للفكر المفهومي، متى ما كان هذا الفكر يمتلك حقاً القدرة على صوغ المفاهيم[18]، وجمال الفن من هنا يتلاقى مع الروح المطلق بحكم أنهما يشتركان في دائرة واحدة هي دائرة الوعي بالحقيقة…!
فمكانة الفن في النسق الهيجلي الفلسفي تقبع في مرحلة الروح المطلق من فلسفة الروح، وهي آخر عماد في ثالوثه الفلسفي كما سبق أن ذكرناها، ويشترك مع الفن في هذه المنزلة الفلسفة والدين، لأنهم جميعاً يمارسون فعلهم على موضوع المطلق والحقيقة العليا.
5-1 ماهيـة الفن
يعرّف هيجل الفن بأنه تجسد الفكرة (المضمون الروحي) في المادة أو الشكل، “وتكمن مهمة الفن في التوفيق بين هذين الجانبين: الفكرة وتمثيلها الحسي بتشكيل كلية حرة منهما[19] مقدار  تطابق الفكرة مع الشكل هو الذي يحقق درجة سمو الفن، ولكي يحقق هذا، لابد أن يشتمل على عدّة شروط: أولاً: لابدّ أن يكون المضمون الذي ينبغي تمثيله صالحاً للتمثيل فنياً، ثانياً: لا يجوز أن يشتمل مضمون الفن على شيء مجرد، وثالثاً: يجب أن يكون الشكل والصورة عيّنيين في الجوهر ويتلاقيان وينسجمان مع بعضهما البعض، وهذا التطابق هو ما يكوّن “المثال”… عليه، يؤكد هيجل بـ”أن الفكرة والتمثيل يتطابقان في الفن الأكثر رقياً على نحو موافق للحقيقة، بمعنى أن الشكل الذي تتجسد فيه الفكرة هو الشكل الحقيقي في ذاته، وأن الفكرة التي يعبر عنها تشكل بدورها التعبير عن حقيقة[20]
وتشكلُ “المثال” في الفن الراقي هو الذي يقصيه عن التلبس بمفاهيم أخرى قد يتلاقى مع بعض أوجهها، مثل الرغبة وما تنطوي عليها من اللذة والألم، وهما من دواعي المادة، فالفن لا يرتكز على “الرغبة” وإن تلاقى معه في اهتماماته بالحسي، إذ أن الرغبة تنحو إلى الأشياء في الطبيعة مدفوعةً بشهوتها للاستهلاك بخلاف الفن الذي لا يخضع لرسم الاستهلاك، وبالتالي النزعة الفنية لدى البشر منزهة عن الحسية النفعية.
ولا يعني هذا – طبعاً – بأن الفني يلغي الحسي إلغاءً تاماً، أو أنه ينشد الفكر المحض أو الكلاني (إذ أن هذه هي مهمة الفلسفة)، بل هو يكتفي بتجلي الفكر بالظاهر الحسي، من هنا يخبرنا هيجل بأن الفن يحتل “منتصف الطريق بين الحسي المحض والفكر المحض، يمثل الحسي بالنسبة إلى الفن لا المادية المباشرة والمستقلة، مادية النبات والحجر والحياة العضوية على سبيل المثال، وإنما المثالية التي لا يجوز الخلط أصلاً بينها وبين مثالية الفكر المطلق[21]ولا يقصد هيجل بظاهر الحسي هو أن الفن لا يلامس الأعماق، ولكنه يقصد بأن الفكرة في الفن تتجلى في شكل حسي، ندركها بحواسنا، فالمنحوتة الفنية على سبيل المثال تعبر عن فكرة في صورة مجسمة، فالظاهر الحسي هو الشكل الفني.
لذا، الفن من منظور المظهر الذاتي عبارة عن نشاط روحي وحسي معاً، ليس آلياً كما هو الحال مع الأشياء في الطبيعة، ولا عملياً كما هي مع الأفكار الفلسفية، لذا “هذا النشاط لا يتعامل مع أفكار محضة أو مجردة، بل ينبغي أن يكون في آن واحد حسياً وروحياً[22] . منتجات هذا النشاط لدى  هيجل هي من إبداع التخيّل، فإن كان الفن مضمون روحي يتم التعبير عنه عن طريق التمثيل الحسي، فإن “التخيل هو الذي يضفي على هذه المضامين أشكالاً حسية[23]، والتخيل هو المجازى الذي يضفي معنى على الفن، فيقدمه من صورة حسية سواء كانت قصيدة أو رواية أو رسمة أو غير ذلك من صنوف الأشكال الفنية الجمالية…!
5-2 جمال الفن والطبيعة
يساهم الفن في إبراز الوعي الذاتي للروح المطلق، لأنه التعيين “الحقيقي” الفردي لها في الخارج من خلال تمثيلها تمثيلاً حسياً،  فالفن من حيث أنه موضوع للحقيقة هو الذي ” يعقل ويمثل الوجود بوصفه حقيقياً في تظاهراته الظاهراتية، أي في توافقه مع مضمون متماسك المنطق تجاه ذاته، وله بذاته قيمته الذاتية، ليس حقيق الفن إذن الصوابية المحضة البسيطة، وهو ما يقتصر عليه ما يسمى بمحاكاة الطبيعة، بل على الفن كيما يكون حقيقياً، أن يحقق التوافق بين الخارج والداخل[24]، وهذا لا يتأتى للطبيعة ، لأنها عاجزة عن جعل هذه الحقيقة مدركة بموجودات جزئية مثل الشمس والقمر، بحكم خصوصياتها بالذات وجمودها.
وهذا ما دفع بهيجل إلى أن يميل إلى أن جمال الفن أسمى من جمال الطبيعة، يقول هيجل مؤكداً على هذا: ” في وسعنا أن نؤكد على ما يخيل إلينا أن الجمال الفني بخلاف ما تزعمه تلك النظرة الدارجة أسمى من الجمال الطبيعي لأنه من نتاج الروح، فما دام الروح أسمى من الطبيعة، فأن سموه ينتقل بالضرورة إلى نتاجاته، وبالتالي إلى الفن”.
كما أنه يقرر بأن هناك فرقاً ما بين الحسي (الطبيعي) وبين العمل الفني الموضوعي، فرغم “أن العمل الفني يعرض نفسه لحَدْسِنا أو لتمثلنا الحسي، الخارجي والداخلي، تماماً كما تفعل الطبيعة الخارجية أو طبيعتنا الذاتية الداخلية” إلا أن الحسي في الفن “يوجد أساساً وجوهراً من أجل الروح… والجانب الحسي في العمل الفني لا يوجد ولا يجوز أن يوجد إلا من أجل الروح[25]، والنظرية الكلاسيكية التي تصرّ على أن دور الفن هو محاكاة الطبيعة لأنه يشترك معها في الجانب الحسي هي نظرية باطلة في رأي هيجل، فهذه النظرة تتجاهل “المثال” في الفن الذي يميّزه عن الطبيعة… فضلاً على أن الطبيعة فاقدة للحرية، بخلاف الفن الذي يقوم على الحرية، بحكم أنه هو الممثل للروح المطلق في الحسيّ.
5-3 الفن والأخلاق
طالما أن جمال الفن هو جمال خالص يسمو على الأغراض والرغبات، فلابد – إذن – أن يسمو على القوانين الأخلاقية، فهو أشدّ رحابة وديمومة من أن يقيد في مملكة الأخلاق، بل أن يقيد بأي شيء آخر سوى نفسه، “فلئن لم يكن بد بأي ثمن من غزو هدف نهائي إلى الفن، فإن هذا الهدف يجب أن يكون من طبيعة يكفي معها نفسه بنفسه، وعليه، لا يمكن لغايته المفترضة إلا أن تكون غاية في ذاتها[26]، ولا يرى هيجل بأن الفن خاوٍ من كل دلالة أخلاقية، ولكن يرفض أن يكون هو الغاية النهائية للفن، كما “لا يرى مانعاً أيضاً أن توجد الوصايا الأخلاقية في العمل الفني بشكل ضمني، بشرط ألا تظهر فيه بصورة جلية ولا تقدم لنا كواجب ينبغي العمل به[27] .
5-4 أنواع الفن وتمظهر فكرة الجميل في الفن
بعد أن بيّن لنا هيجل “فكرة الجمال” في الفن، أخذ يرصدها في صنوف الفنون وأشكاله عبر التاريخ، من هنا يربط فلسفة الجمال بفلسفة الروح والتاريخ معاً.
فدرجة الجمال في الفن تعتمد على مدى تطابق المضمون مع الشكل وتعيّنات الفكرة في الواقع، ثم تماهيهما في “المثال” كجوهر واحد، وعلى هذا الأساس، صوّر هيجل أشكال هذه العلاقة التي تربط الروحي بالحسي في آصرة الفن في ثلاثة أشكال:
5-4-1 المرحلة الرمزية – الفن المعماري
طبعاً هيجل لا يقصد بهذا الفن الرمزي الذي يذهب إلى أن التعبير عن التجربة الفنية يتم من خلال إيحاء تصويري ترمز للعاطفة والأفكار الجمالية التي يراد توصيلها كما قد نظن لأول وهلة، ولكنه يقصد بها تخلف المادة الحسية عن التعبير عن الفكرة، فالشكل الفني هنا فقط يشير إلى الفكرة رمزاً، ولكن يفشل في الإفصاح عنها إفصاحاً خليقاً بالفكرة ذاتها، يلخص الدكتور نوكس مراد هيجل في الفن الرمزي، فيقول: “في هذا الفن تبدو الفكرة غامضة مشوشة وغير محددة، فلم تستطع إخضاع المادة، هناك قصور في الفكرة وقصور في المضمون الأمر الذي نتج عنه بالتالي قصور في الشكل[28].
يرجع هيجل هذه المرحلة إلى نتاج الحضارات الشرقية القديمة في الفن، إذ “أنه يقدم لنا مدلولات غير متفردة بعد، وبمعنى أن الأشكال المرتبطة به يمكن أن تكون متطابقة وغير متطابقة على حد سواء[29]إذن الفن المعبر عنه من خلال الرموز هو فن ملتبس وغامض، في حاجة إلى كدّ ذهني كيما يتم رفع الستار عن المعنى المحجوب، وهذا ما نشهده مثلاً في الفنون القديمة، سيما لدى الهنود والفراعنة، فهذه الحضارات عبرت عن معانٍ في قوالب رمزية مجسدة لا تشكل “المعنى” المراد وفقاً لرأي هيجل، فتم مثلاً تصوير “القوة” في شكل حيوانات مثل الأسد، مع أنها ليس هي حقاً مغزى “الفكرة”، وهذا يعتبر تطاولاً على الفكرة ذاتها وتمددها الحر – هكذا يفقد الفن الرباط الذي يبقي الفكرة مطابقة للجسد بكل عفوية وحرية، فتنفصل الفكرة عن تعيّينها في الخارج الحسي حيث أنها “حرية مجردة ولا متناهية تطلق العنان لنفسها فيها تراهم [أي الفراعنة والهنود القدماء] لرغبتهم في جعل المادة مطابقة يدفعون بها نحو المسيخ، ويشوهون الشكل ويجعلونه غريباً بشعا أو تراهم يدرجون الفكرة الكلية في الأشكال الأشد قبحاً[30]، ونشهد مثل هذه الأمثلة الكثير في أساطير الأولين، ففي ظل عجز الإنسان عصرئذٍ عن تفسير العالم حوله والتعبير عن أفكاره ارتمى في أحضان فن محفوف بالألغاز والأحاجي…!
فن العمارة هو الأبرز في هذه المرحلة، ففن العمارة تطوّر في ظل التعبير عن الإلهي، وذلك من خلال بناء المعابد، ولكن لم يكن في مقدوره أن يقوم بذلك، لسيادة المادة (فهو أكثر الفنون اعتماداً على المادة الصماء) على فكرة المطلق – الإلهي.
يقدم لنا هيجل مثالاً على ذلك هو بناء الأهرامات فهي قبور محصنة للملوك تمثل كما يقول هيجل “صورة الفن الرمزي في مطلق بساطته، فهي عبارة عن بلورات هائلة الحجم، أشكال خارجية خلقها الفن لتحمي شيئاً ما داخلياً، وعلى نحو يوحي إلينا حقاً بأنها ما وجدت إلا لتسوير هذا الداخلي الذي تجرد من الطبيعي المحض” فالأهرام هي “المظهر الشكلي للمضمون الفني حقاً مضمون الانفصال عن الحياة العينية والمنظورة” رغم ذلك ليست “هي بعد بمملكة يسري في أوصالها تيار حي، ما هي بعد بمملكة الروح الحر والحي، وإن أرتقت ما فوق الحسي[31].
5-4-2 المرحلة الكلاسيكية – فن النحت
في هذه المرحلة، يتفتق العقل البشري، ويصبح قادراً على تمثيل المطلق في صورة محسوسة تعبر عن تجليه في الفن، لقد ردمت الهوة هنا ما بين الفكرة والمادة المجسدة لها، وأصبح للفن تعييناً فردياً مباشرة في الطبيعة بعكس بعض التجسّيدات الرمزية التي كانت تحاكي المطلق بإشكال مشوهة أو غامضة، لقد أضحى الشكل الإنساني المثالي علامة على هذه المرحلة، من هنا نلج عصر النحت حيث يتم اختزال المطلق في الجسد البشري، كما يتم تجسيد الحضور الإلهي في المعابد التي سبق أن تم انجازها في الفن المعماري، النحت أكبر قدرة على تشكيل المادة، لكي تعبر عن الروح، لا في رموز حيوانية أو شكلانية، ولكن في أجساد بشرية مكتملة، هذه هي الفردانية الروحانية التي يسعى لها الفن.
رغم ذلك، لا يزال الفن حبيس المحدود، وإن تطابقت فيه الفكرة بالشكل إلا أنه لم يحقق “المثال” في أعلى صورته المطلقة، فهو يصوّر المتناهي من دون حرية تامة، و”تصور الجانب الإلهي الذي يتجسّد تصور معيب خاطئ، ذلك لأن الله ينبغي أن يكون حراً وروحاً لا متناهية، في حين أن آلهة اليونان لم يكونوا أحراراً أو لامتناهين[32] .
5-4-3 المرحلة الرومانسية – الرسم والموسيقى والشعر
في هذه المرحلة الأخيرة لا نشهد قصوراً في تعبير المادة عن الفكرة كما في الفن الرمزي، بل بالعكس من ذلك، نشهد علواً في الفكرة على المادة، فالروح المطلق يسمو على المادة، لتغدو حرة تتجلى من دون قيود الحسي “من دون أن تكون بها حاجة كيما تتفتح إلى اللجوء إلى وسائل حسية أو على الأقل إلى التعرض لضغط هذه الوسائل[33].
يسمى هيجل هذه المرحلة أيضاً بالفن المسيحي، فالفن الكلاسيكي نجح في تقصي الروح في المثال البشري، عبر المنحوتات التي نحتت لتعبر عن الآلهة في العصر الإغريقي، لكنها ظلت حبيسة المادة، بينما هي في المرحلة الرومانسية تتخطى حواجز المادة المحسوسة في الجزئي العيني، وأخذت تعبر عن الإله المسيحي المطلق لدى جمهور المؤمنين. ولم يعد المضمون عبداً للشكل، بل طغى المضمون على الشكل، فتجلّتْ الفكرة في حرية أكبر في الفن الرومانسي، فالحياة الداخلية الذاتية هي التي تسيطر على الشكل، وتبرز سمو أكبر للروح المطلق، فتصل إلى أعلى ذرى وعي ذاتها بذاتها.
من هذا المنظور، من الطبيعي أن تتجلى الروح المطلق في فنون أكثر تجريديةً من فن العمارة والنحت كما هو الحال في المرحلتين السابقتين، فالرسم والموسيقى والشعر هي الفنون البارزة في هذه المرحلة الرومانسية، ويرجع هذا لجوهرها الذي يتسم بالتجريد الروحي، فالرسم تصوير أرقى من النحت، لأن الفكرة فيه تتخطى الأبعاد الثلاثية الحسيّة، وتستبدل هذا بالظل والنور والألوان، وطالما أن الفن الرومانسي يعبر عن الحراك الذاتي للروح، نجد أن الموسيقى والشعر أقرب تعبيراً عن جوهر هذه الروح، فالمادة الحسية التي تتشكل فيهما الفكرة هي الصوت والنغم اللذان يجوبان الفضاء بكل حرية وانطلاق كأطياف نورانية ويلبسنا الجوارح الحسية من سماع ونظر، فتحدث تجربة التلقي الجمالية…!
6- نقد فلسفة الجمال الفن لدى هيجل
كما رأينا لم يهتم هيجل بتأمل جوهر الجمال والفن وحسب، ولكن تأمل تطور الفن في تاريخ البشرية من وجهة نظر الفلسفة الهيجلية، وبخلاف اتفاقنا مع هيجل على تقسيماته تلك التي تبدو لنا في بعض الأحيان متعنتة ومتحاملة لصالح الفن المسيحي الغربي على الفن الشرقي إلا أننا لا نستطيع أن ننكر سعي هيجل في النفاذّ إلى تحليل الفن في الحضارات السابقة بصورة شمولية وكونية لم يسبقه إليها أحد من قبل، وإطلاع هيجل الموسوعي على الفنون في الحضارات الأخرى ساعده على انجاز ذلك.
طبعاً النظريات الحديثة في الفنون لا تتفق مع كثير من أطروحات هيجل، لاسيما حول العلاقة التي تربط المضمون بالشكل، وتشكل المعنى، مثلاً لم يعد اليوم ينظر إلى “المعنى” على أنه جوهر ثابت، وهذا يعلي من شأن الفن الرمزي الذي يعول على ظاهرة المعنى المتعدد الدلالة، وهو أمر لم يرق لهيجل، وظنّ بأنه عيب فني، إلا أن إبراز هيجل لهذين العنصرين المهمين في الفنون في فلسفته، وتمييز أنواعه بهذا الصورة، يعتبر انجازاً من انجازات النظرية الجمالية الفنية لدى هيجل!
كما أن هذا ما جعل هيجل يخلط ما بين “الجليل” و”الجميل” في الفن الرمزي (أقصد هنا الإشاري الدلالة أي الذي يشير إلى “معنى” ولا يعينه في سياق واحد ومعنى واحد) فيقول: “الجليل هو طغيان الفكرة على المادة، حين تعجز ملكة الفن عن التعبير عن الفكرة في إطار مادي مطابق، لذا الفن الرمزي هو أقرب إلى الجليل منه إلى الجميل في كثير منه[34]، ولكن الفرق لا يكمن في نقص الدال على المدلول كما يقول هيجل، ولكن في دلالة المعنى ذاته لدى المتلقي.
إن أطروحة هيجل في تاريخ الفنون نزعت الفن من السياق التاريخي، وجعلت من الفن تجريداً حتى لو لم يقرّ هيجل بذلك، كما أن تطور الفن من الرمزي إلى الكلاسيكي، ثم بلوغه مأربه النهائي في الرومانسية هو إعلان عن موت الفن بحكم أنه يرمي إلى أن الفن قد وصل مداه، ولا غرابة أن تلهم فلسفة هيجل أدلوجيات دعتْ إلى نهايات للتاريخ، نجد هذا في الطرح الشيوعي على يد كارل ماركس، وفي الطرح الليبرالي على يد فرنسيس فوكوياما، وقد تأثرا بفلسفة هيجل عن التاريخ.
كما أن ربط هيجل الفن بالروح والفكرة المطلقة من خلال وحدة المضمون والشكل لا يستقيم مع دعوته بأن هدف الفن هو ذاته، وهذا ما تنبه له الدكتور نوكس في قوله: “هذا التصور يلقي ظلاً من الشك على جدية تأكيد هيجل في أن غاية الفن تقوم في ذاته، ولكن الحقيقة هي أن هذا الفصل بين المضمون والشكل إنما يرتب جملة نتائج هامة، هو يستكمل في تحديد هيجل للفن كرمز حسي لمضمون ميتافيزيقي[35]، فهيجل يعزو إلى الفن هدفاً خارج جماليته، وهو التعبير عن الروح المطلق.
عجزُ المسيحية في الغرب عن تصور الله تصوراً مجرداً هو عجزٌ يمكن نسبته إلى قصور في مَلَكة التصور (وهي ملكة لا تنمو إلا في أطوار متقدمة في عمر الإنسان كما يخطرنا بذلك علم النفس التكويني الحديث) لا في ملكة التمثل الحسي كما يقول هيجل، ، بل التصور المسيحي وفقاً للدراسات الحديثة في الأديان امتزجت بالتصورات الوثنية التي كانت سائدةً آنذاك في ظل الدولة الرومانية، فوجدت نفسها مقلدة لتجسيد الإله في أيقونات، لذا هذا التصور هو انفعال أكثر من كونه فعلاً، أي أنه دخيل على الفن المسيحي، وليس نتاجا واعياً لها وهو ما يخالف خصائص الروح الواعية بذاتها. كما أن تقليل هيجل من أمر الفنون الوثنية الإغريقية، هو كذلك تقليل من شأن الفن المسيحي، فالمثال الفني في كلاهما هو ذات التجسيد الإلهي، أما التمايز فيما بينهما فهو تمايز مفتعل مرده التحامل الديني أكثر من أي شيء آخر!

المراجع:
1.      أفلاطون، هيبياس الأكبر، ترجمة علي نجيب إبراهيم، دار كنعان، دمشق 2003
2.      أميل برهييه، تاريخ الفلسفة – مجلد القرن التاسع عشر، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت 1997
3.      ثيوكاريس كيسيديس، هيراقليطس، جذور المادية الديالكتيكية، ترجمة حاتم سليمان، دار الفارابي، بيروت 2001
4.      جعفر الشكرجي، الفن والأخلاق في فلسفة الجمال، دار حوران، دمشق 2002
5.      عبدالرحمن بدوي، حياة هيجل، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1980
6.      عبدالرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1984
7.      عمانويل كانط، نقد ملكة الحكم، ترجمة غانم هنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2005
8.      فراس السواح، دين الإنسان، دار علاء الدين، دمشق 2002
9.      موسوعة لالاند الفلسفية، دار عويدات، بيروت 1996
10.  نوكس، النظريات الجمالية كانط – هيجل – شوبنهاور، ترجمة محمد شفيق شيا، دار منشورات بحسون الثقافية، بيروت 1985
11.  هيجل، الفن الرمزي، الكلاسيكي، الرومانسي، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت 1986
12.  هيجل، المدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت 1988
13.  هيجل، موسوعة العلوم الفلسفية، ترجمة، د. إمام عبدالفتاح إمام، دار التنوير، بيروت 2005
14.  ولتر ستيس، فلسفة هيجل – فلسفة الروح، المجلد الثاني، ترجمة إمام عبدالفتاح إمام، دار التنوير، بيروت 2005
[1]  فراس السواح، دين الإنسان – ص: 141
[2]  موسوعة لالاند الفلسفية – ص: 367
[3]  نقلاً عن كتاب هيراقليطس، جذور المادية الديالكتيكية تأليف ثيوكاريس كيسيديس – ص: 228
[4]  أفلاطون، محاور هيبياس الأكبر –  ص: 11
[5]  عمانويل كانط، نقد ملكة الحكم – ص: 101
[6]  المرجع نفسه، ص 217
[7]  المرجع نفسه، ص 218
[8]  أميل برهييه، مجلد القرن 19، ص: 150
[9]  أنظر موسوعة الفلسفة للدكتور عبدالرحمن بدوي لمزيد من الاطلاع على فلسفة فتشه وشلنج
[10]  ترجم د ناجي العونلي هذا الكتاب إلى العربية من خلال المنظمة العربية للترجمة
[11]  اعتمدنا في رصد حياة هيجل باختصار على كتاب “حياة هيجل” للدكتور عبدالرحمن بدوي
[12]  هيجل، موسوعة العلوم الفلسفية –  ص: 70
[13]  أنظر كتاب تاريخ الفلسفة، مجلد القرن 19،  ص: 209 للوقوف على تفرعات فلسفة هيجل، فقد بسطها المؤلف في   سبعة وعشرين حداً
[14]  هيجل، موسوعة العلوم الفلسفية – ص 80
[15]  موسوعة الفلسفة، الدكتور عبدالرحمن بدوي – ص 587
[16]  أميل برهييه، تاريخ الفلسفة – مجلد القرن 19 ص 199
[17]  هيجل، المدخل إلى علم الجمال وفكرة الجمال – ص: 167
[18]  المرجع نفسه – ص: 164
[19]  المرجع نفسه – ص: 125
[20]  المرجع نفسه – ص: 132
[21]  المرجع نفسه – ص: 80
[22]  المرجع نفسه – ص: 81
[23]  المرجع نفسه – ص: 82
[24]  المرجع نفسه – ص: 252
[25]  المرجع نفسه – ص: 76
[26]  المرجع نفسه – ص: 53
[27]  الدكتور جعفر الشكرجي، الفن والأخلاق في فلسفة الجمال – ص: 89
[28]  الدكتور أ نوكس، النظريات الجمالية – ص: 110
[29]  هيجل، المدخل إلى علم الجمال وفكرة الجمال – ص: 25
[30]  المرجع نفسه – ص: 137
[31]  هيجل، الفن الرمزي ، الكلاسيكي ، الرومانسي – ص: 84
[32]  ولتر ستيس، فلسفة الروح – ص: 149
[33]  هيجل، مدخل إلى علم الجمال، فكرة الجمال – ص: 144
 [34]  المدخل إلى الجمال، فكرة الجمال – ص:130
[35]  الدكتور أ نوكس، النظريات الجمالية – ص: 107