الأربعاء، 27 يوليو 2016

في تاريخ الفلسفة، باركلي (آر. سي. سبرول؛ 22)




أر سي سبرول 22

 

محاضرة عن باركلي عن يوتيوب


 

كنا نتحدّث عن ظهور التجريبية في القرن الثامن عشر وذكرت بين هلالين أن العالم الذي نعيش فيه اليوم مليء بأشخاص لديهم ثقة عميقة بما يمكن إدراكه من خلال الحواس. إنه الجيل الذي يريد أن تريَه كل شيء ليصدّق. إن لم أقدر أن أتذوّق الشيء وألمسه وأشتمّه فلن أؤمن بأنه موجود. وكما ذكرت، إحدى مساوئ التجريبيّة هي أنها تعتمد على عمليّة الاستقراء لدرجة أنه لا يمكنها أبداً اكتساب قدرٍ شاملٍ من المعطيات لإطلاق أحكام نهائيّة على أساسها. لديها محدوديّة متأصّلة فيها في ما يتعلّق باليقين الفلسفي. ورغم أننا حين نتريّث ونرجع إلى ردّ فعل القرن الثامن عشر على العقلانيين التخمينيين في القرن السابع عشر، فإننا نميل إلى التفكير.. "أخيراً ينتصر العلم على كلّ هذا التخمين العقلاني. لقد وصلنا إلى الواقع المنطقي البحت لكي نكون واثقين بالمعرفة التي لدينا" ما كان يتم فعلياً في القرن الثامن عشر مع بداية التفاؤليّة الناتجة عن التوصّل إلى التيقّن المتعاظم من حقيقة العالم الموضوعي، كان في كثير من النواحي قطاراً هارباً من الشكوكيّة.

سنرى قريباً أن ما حدث في القرن الثامن عشر مع هذا القطار الهارب، كان أنه وقع في النهاية في الشكوكيّة التامّة، [الهروب من الشك الديكارتي للوقوع في شك هيوم]  بحيث أنه في نهاية المطاف تمّ طرح السؤال بشأن ما إذا كان العلم ممكناً إطلاقاً، ويتعلّق الأمر برمّته بهذا التمييز البسيط الذي تطرّقت إليه في محاضرتنا السابقة بين الصفات الأساسيّة والثانويّة.

إن الأسقف باركلي الذي قلت أنه كان مهتماً بترك مكان لله في الكون، وأنه يُسخَر منه أحياناً في عصرنا لكونه متطرّفاً في نظرته للأمور، كان أول من نشر هذه العبارة، وإن لم تسمعوا أبداً بباركلي، ولم تسمعوا أبداً بمذهبه المثالي أو صيغته للتجريبيّة، فرغم ذلك، لا بدّ أنكم سمعتم بمثاله الآتي حين كنتم أولاداً في المدرسة، كان يتمّ طرح هذا السؤال عليكم: إن وقعت شجرة في الغابة، ولم يكن أحدٌ موجوداً هناك ليسمعَها تسقط، فهل تُحدِث أيَّ ضجيج؟ هل تحدث أيَّ صوت؟

هل سمعتم هذه المعضلة حين كنتم صغاراً؟

الترجمة العصريّة الحديثة لذلك هي الآتية: إن تكلّم الرجل في الغرفة ولم تكن المرأة موجودة هناك لتسمعه فهل يظلّ مخطئاً؟

هذه هي الترجمة الحديثة. لكن يمكنكم تخيّل ذلك، إن وقعت شجرة في الغابة ولم يكن أحدٌ موجوداً هناك ليسمعها، فهل تُحدِث أيَّ صوت؟

السؤال الكامن في هذه المعضلة البسيطة هو الآتي: هل الصوت صفةٌ أساسيّة أم ثانويّة؟ هل الصوت أمرٌ موجود بصرف النظر عن سماع أحدهم إياه؟ أم إن الصوت مهمّ للأذن بأهمّية اللون للعين ليكون حقيقياً؟

بالطبع، في هذا العصر الحديث، نحن نقيس الصوت عبر قياسنا فيزيائياً لطول الموجات الموجودة، ويمكننا القول إنه في جميع الاحتمالات سيظل طول الموجة يتحرك بفعل سقوط الشجرة سواءٌ أكان أحدهم موجوداً ليسمعها أم لم يكن.

لكننا لا ننظر إلى ذلك بعيون فيزيائيي القرن العشرين. نحن ننظر إليه بعيون وآذان فلاسفة القرن الثامن عشر.

 

كان الأسقف باركلي من صاغ عبارة لاتينيّة أصبحت مهمّة في تاريخ الفلسفة.. وترجمتها: "أن تكون يعني أن يتمّ إدراكك حسّياً".

إذاً يمكنك القول للأسقف باركلي: "هل يوجد صوتٌ في الغابة إن لم يكن يوجد أحدٌ ليسمع الشجرة تسقط؟".

وكان يجيب على ذلك السؤال بطريقتين مختلفتين: من ناحية، كان يقول إنه إن لم يكن يوجد إطلاقاً من يرى تلك الشجرة تسقط، فلا يكون هناك صوت. في الواقع، لا يكون هناك حتى شجرة إن أخذنا هذا المبدأ إلى أقصى حدود الاستنتاج، أي أنه لكي يكون الشيء موجوداً يجب أن يتمّ إدراكه حسّياً، فهذا يعني أنه إن لم يتمّ إدراكه حسّياً، فهو غير موجود.. فلا يختفي الصوت فحسب، بل تختفي الشجرة أيضاً. وإن لم يكن يوجد أحد هناك ليدرك الغابة حسّياً، فإن الغابة تختفي. أو إن أخذنا الأمر إلى أقصى حدود الاستنتاج، لا تختفي النتائج المنطقيّة فحسب للأشياء المادّية، بل إن المادّة بحدّ ذاتها تختفي، لأن المادّة بحدّ ذاتها تعتمد على إدراك أحدهم لوجودها.

إننا نقول إن ما أثار اهتمام هذا الرجل هو إيقاف تيار المادّية وإيقاف تيّار الإلحاد. يفترض البعض بالتالي أن ما كان باركلي يقوله هو أن المادّة ليست موجودة إطلاقاً. الشجرة ليست موجودة. الصوت ليس موجوداً. وأنت لست موجوداً.. ولا يوجد أيّ شيء، وكل شيء هو مجرّد وهم.

ثمّة قرّاء شعبيّون لباركلي ممّن توصّلوا إلى الاستنتاج أن هذا الشاب يتفوّه بالسخافات، ويتكلّم عن كلّ الأشياء كما لو أنها وهم.

لا لا لا، كان باركلي يؤمن بالحقيقة الواقعيّة، وكان باركلي يؤمن بالصوت الواقعي، لكنه قال إنه لا يمكن أن يكون هناك وجود بدون إدراكٍ حسّيّ.

تذكروا أني قلت إنه كان يجيب عن السؤال المتعلّق بالصوت في الغابة بطريقتين مختلفتين: فمن ناحية، إن قلت له إن لم يدرك أحدٌ الصوتَ بحوّاسه، فهل يكون هناك أيّ صوت؟"، فكان يجيب "لا". لكن من ناحيةٍ أخرى، كان يقول "إن لم تكن أنت موجوداً وأنا لم أكن موجوداً، ولم يكن أحدٌ موجوداً في هذا العال لسماع ذلك الصوت، يبقى الصوت موجوداً، لأن الله يسمعه".

ألله في هذه الحالة، وبتعابيرَ بسيطة يمكن تسميته "المدرك العظيم" الذي من خلال إدراكه يتماسك الواقع، ومن دون معرفته، مثال الأشياء الموجود في فكر الله، لا يمكن لشيء أن يكون.

هو ليس عقلانياً في ما يتعلّق بطريقة مقاربتنا للعالم الخارجي، لذا هو يعتبر عادةً أحد تجريبيّي القرن الثامن عشر، لكنه تجريبي من نوعٍ مختلف تماماً. إنه إحدى نتائج أفلاطون وأوغسطين، إذا جاز التعبير، حيث يوجد الواقع، في نهاية المطاف في فكر الله، لأنه لا يمكن لشيء أن يكون بمعزلٍ عن مثال الله للأشياء، بحيث أنه إن توقّف الله عن التفكير فيك فإنك تختفي. إن توقّف الله عن التفكير في الأشجار في الغابة، فإنها تتبخّر.

ما كان يفعله وفق نهج القرن الثامن عشر هو العودة إلى المبدأ الكتابي "لأننا به نحيا ونتحرّك ونوجد".

إذاً، ما لم يحاقظ الله على خليقته عبر معرفته للخليقة، فأن الخليقة تختفي من الوجود.

 

 إذاً ما يجري هنا هو أنه يحاول الابتعاد عن أيّ نظرة للمادة أو للكون أو للعالم ترى أن العالم موجود بشكلٍ مستقلٍّ عن الله.

وفق باركلي، ليس الكون معتمداً فحسب على عمل الخلق الذي قام به الله لكي يصبح حيّز الوجود [يشبه نظرية الخلق الدائم عند ابن عربي] لكنه يعتمد أيضاً على الله لأجل استمراريته في الوجود لحظة بعد لحظة، ما يتوافق مع العقيدة الكتابية الكلاسيكية للعناية الإلهية التي تقول إن الله لا يخلق العالم فحسب، لكنه أيضاً وبقوّة كينونته يحافظ على وجود العالم،ومن دون محافظته عليه فإنه يختفي من الوجود.

إذاً الآن، ليس الله مهماً ببساطة للعلم والواقع فحسب، إنه أساسيّ وضروريّ تماماً للواقع حين يصل إلى مسألة تحديد الحقيقة، تذكروا "أن تكون يعني أن يتمّ إدراكك حسّياً".

تذكرون أن جون لوك أعطانا نظريّة الحقيقة التطابقيّة. تذكّروا أنه يتم تحديد الحقيقة وفق ما يتطابق مع الواقع. يقول باركلي: "وفق إدراك من للواقع؟". قال لوك إن لدى كل الأشياء صفاتٍ أساسيّة وثانويّة, والصفات الثانوية هي تلك التي يضيفها المدرِك، وهي ليست متأصّلة في العالم الموضوعي، مثل زرّ قميص (رودجر).

هذا التمييز لدى لوك هو ما يعترض عليه باركلي. هو يقول أن جميع صفات المادة ثانويّة، حتى إن التمدّد بحدّ ذاته صفةٌ ثانويّة، تستلزم مدرٍكاً لها لكيّ تكون. والمشكلة التي نواجهها هي أنه لم يدرك أحدٌ المادة حسيّاً يوماً. أنت تدرك صفات المادّة، ونحن استنتجنا من هذه الصفات الخارجيّة أن ثمّة شيئاً ينتج هذه الصفات الخارجيّة، وتلك الصفات الخارجية يخلقها هذا القِوام الغامض الذي نسمّيه المادّة.

ما مشكلة المادّة هنا إن كنت تجريبيّاً؟

تصوّر أن إدراكك الحسّي محصور بالمظاهر الخارجيّة، ومن خلال قوّة إدراكنا المجرّدة، نحن لا ندخل أبداً إلى جوهر الأشياء، ولا نتجاوز أبداً أعراض الجوهر وفق القديس توما متوغّلين إلى الجوهر، ما يعني أنه ليس لدينا أبداً أيَّ إدراكٍ مباشر للجوهر أو الكينونة.

كل ما نعرفه، نعرفه من خلال المحفّزات الخارجيّة، من خلال الحواس الخارجيّة، من خلال الإدراك الخارجي،حتى إن مثال التمدّد هو مثال موجود في أذهاننا بينما نراقب شيئاً ما ونرى أن لديه شكلاً وحجماً وبنيةً كان يقول إن هذا ثانويّ أيضاً، هذا خارج عن جوهر الأشياء بحد ذاتها. بتعبير آخر وببساطة، إن ما يفعله هنا ببساطة هو تذكيرنا بالفرق بين الميتافيزيقا والفيزياء من خلال الحواس، العالم الوحيد الذي يمكننا إدراكه هو العالم المادي. ما يكمن تحته أو وراءه أو إلىما بعده هو أمرٌ لا ندركه أبداً مباشرة. نحن لا ندرك جوهر الشيء، بل صفاته الخارجيّة فحسب التي نستنتج منها، أو لنستخدم مصطلحات لوك، نلخّص ونجمع ونربط هذه المثل التي لدينا، والتي تظهر عبر إدراكنا لهذه الصفات المختلفة. نحن نرى الأزرق ونرى ما هو مادّي، نرى شكل القميص وتركيبته فنتوصّل إلى مفهوم القميص الذي لم يدركه أحدٌ يوماً. لا يمكن للحواس أن تتجاوز العالم الخارجي للفيزياء لسبر غور الميتافيزيقا.

هذا أحد الأسباب التي تجعل الناس في الفكر النظري الحديث، يريدون إبقاء فروع المعرفة أو الفلسفة بعيداً عن العلم. يقولون إن العلم محصور بقاعةٍ أو دائرة التحقيق رجوعاً إلى ما قاله أفلاطون ورجوعاً إلى الظواهر. وما هي الظواهر؟ إنها المظاهر الخارجيّة للأشياء، وحتى إن جلبت منظاراً يكبّر قوّة إدراكك للمسافات مليون مرّة أو مجهراً يكبّر إدراكك للأشياء الصغيرة مليون مرّة فأنت لم تتجاوز بعد عالم الإدراك الحسّي، فالإدراك الحسّي أكثر سرّية وأكثر تمييزاً مما كان لديك سابقاً. إنه أشبه بنزع مستويات أو طبقات البصلة، أنت تنزع الطبقة الخارجيّة وتقول: تتمتع هذه البصلة بصفات أكثر مما رأيت قبل أن تنزع الطبقة الأولى، يمكنني أن أنزع الطبقة الثانية، لكن كيف أعرف أن الطبقة الثانية موجودة؟ تماماً مثلما عرفت بوجود الطبقة الأولى، عبر إدراكها حسّياً، ثم أنزع هذه أو أجلب مجهراً أكثر دقّة يبيّن لي الطبقة الثالثة في البصلة، لكنني ما زلت أدرك أمراً، إنه أصغر أو أعمق مما رأيته في البداية، لكن يستحيل عليّ أن أتجاوز إدراكي الحسّي. هذا ما يجعل باركلي ينتقد لوك. هو قال إن جميع الصفات ثانويّة في نهاية المطاف.

إذاً، بمعنى، هو دحض هذا التمييز البالغ الأهمّية الذي أجراه لوك بين الصفات الأساسيّة والثانويّة، لأن باركلي يحاول القول إننا محدودون ببساطة بالصفات الخارجيّة، وإن كان الجوهر موجوداً ولم أقدر أن أدركه حسّياً، فإما أنه ليس موجوداً وهو وهم، أو أنه يمكن لأحد أن يدركه حسّياً، وهو يتمتّع بقدرة على الإدراك تفوق قدرتي على الإدراك، أعني الله. إذاً، الله، فكر الله، كيان الله الفائق يصبح ضرورةً فلسفيّة، ليس فقط لوجود المثُل، بل أيضاً لوجود المادة بحدّ ذاتها، ولوجود أيّ شيء بحدّ ذاته لا بد من وجود قِوام، لكن لا يمكننا إدراك هذا القِوام حسّياً، وإن كانت المعرفة مبنيّة على أساس الإدراك الحسّي، فإن الأمر يقودنا بلا هوادة إلى الشكوكيّة إن كنا لا نملك شيئاً سوى الحواس، وإن لم تقدر الحواس أن تخترق الجوهر فكل ما لدينا هو مظاهر. العالم كما الفيلسوف يُقاد الآن ليعود إلى أعماق كهف أفلاطون.

أنا قلت إنه وفق جون لوك، تعريف الحقيقة هو "إن الحقيقة هي ما يتطابق مع الواقع". لكن إن أدركت الواقع بشكلٍ مختلف عن إدراكي له، فهل هناك وجود للواقع الموضوعي؟

إن كان ما هو واقعي معتمداً على إدراكي وإدراكك له، وكانت تلك الادراكات مختلفة، فلم يعد بإمكاننا التكلّم فعلاً عن الواقع الموضوعي، نحين مجبرون الآن على الوقوع في الذاتيّة والنسبيّة المتفشّيتين في مجتمعنا اليوم.

إذاً، قام باركلي بتعديل نظريّة التطابق الخاصّة بـ لوك وتعريفه للحقيقة هو الآتي: "الحقيقة هي ما يتطابق مع الواقع كما يدركه الله".

الحقيقة هي ما يتطابق مع الواقع كما يدركه الله.. تذكّروا أني قلت إن الله هو المدرك العظيم، وأن إدراكه للواقع كاملٌ تماماً، لأنه هو مبدعه، إنه هو خالقه، وكل ما هو موجود هو إظهار لشيء هو في المقام الأوّل مثال في فكر الله. ومن دون إدراك الله للأمر لا يمكنه أن يكون أبداً.

هل ترَون كيف أن هذا التجريبي يرجعنا إلى نوعٍ من الواقعيّة يرى العالم المادّي على أنه امتداد لفكر الله الخاص الذي بدونه لا يمكن له أن يكون؟

إذا، محاولة بناء علم للكون من دون الله هو عمل عقيم وفق باركلي. فبدون فرضيّة الله ينتهي العلم كلّه بوهمٍ أو شكوكيّة، لأنه لا يمكن للعلم أن يقودنا أبداً إلى مستوى الحقيقة الأساسيّة. وإن لم نصل إلى الحقيقة الأساسيّة، لا يمكننا بلوغ مستوى الحقيقة الموضوعيّة. وإن لم نقدر أن نصل إلى الحقيقة الموضوعيّة، فالخيار الوحيد أمامك هو الذاتيّة والنسبيّة والشكوكيّة.

كما قلت، يقفز باركلي في حجرة الشكوكيّة الخاصّة بالنوع المبكر من التجريبيّة ويجعلها تنطلق.

وأنا قلت إن القطار هو قطار الهرب، وهو لا يهرب إلى أن يتمّ طرد باركلي من الحجرة.. والمهندس الجديد هو دايفيد هيوم الذي يمكن أن نسمّيه ملك الشكوكيّين، ونقد هيوم لأسلافه هو ما قاد التجريبيّة إلى ما يُعرَف بمقبرتها. ما ولّد أزمةً خطيرة في المعرفة من الناحيتين الفلسفيّة والعلميّة. وحين انتهى هيوم تم طرح السؤال: "هل يمكننا معرفة أيّ شيءٍ إطلاقاً عن أيّ شيء؟".. وهذا ما سنتكلّم عنه في محاضرتنا المقبلة


ليست هناك تعليقات: