الثلاثاء، 5 يوليو 2016

في الحرّية؛ أندريه سبونفيل/ترجمة حسن أوزال

 
في الحرّية
مايو 2016بقلم 
أندريه كومت سبونفيل
ترجمة حسن أوزال       
                     
http://www.mominoun.com/articles/%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-3923

«إنّ الامتثال للقانون الذي التزمنا به هو الحريّة ». روسو
 
 

أن يكون المرء حرّاً يعني أن يفعل ما يشاء؛ لكنّ هذا الأمر يمكننا استيعابه على أوجه عدة، فهو بداية

يعني حرية التصرف: أي حرية الفعل المتعارضة من ثمّة مع الإكراه والعائق والاستعباد. ذلك أنّ الحرية

على حد تعبير هوبز «ليست شيئاً آخر غير الغياب التام لكلّ العراقيل التي تعترض أيّة حركة: هكذا يصح

القول إنّ الماء المحبوس في الإناء ليس حرّاً، مادام الإناء يمنعه من الانسكاب، لكنه ما أن ينكسر الإناء حتى

يستعيد الماء حريته؛ وبهذا المعنى يمكننا القول إنّ شخصاً من الأشخاص هو من يتمتع بقدر أكبر أو أصغر

من الحرية بحسب الفسحة التي نمنحها له ». إنني حر في تصرفاتي بهذا المعنى، كلما انعدم ما من شأنه أن

يمنعني عن ذلك، شخصاً كان أو شيئاً. إنّ هذه الحرية لا تكون أبداً مطلقة )فثمة دوماً عراقيل( مثلما أنها نادراً

ما تكون منعدمة. فحتى المعتقل بوسعه أن يبقى كالعادة في زنزانته جالساً أو واقفاً، كما يمكنه أن يتكلم أو أن

يصمت، أن يخطط للهروب أو أن يستميل حراسه...، ومع ذلك فلا يمكن لأي مواطن، في أية دولة كان، أن

يفعل كل ما يشاء: إنّ القوانين والآخرين ينتصبون أمامه كإكراهات لا يستطيع التحرر منها دونما مخاطر

ومجازفات، لذلك عادة ما نتكلم، تعريفاً لهذه الحرية، عن الحرية بمعناها السياسي؛ ذلك أنّ الدولة هي أول

قوة تحدّ من هذه الحرية، مع أنها القوة الوحيدة بلا شك التي تستطيع أن تضمنها. والظاهر أنّ هذه الحرية

تكون كبيرة في دولة ديمقراطية ليبرالية أكثر منها في دولة شمولية، مثلما تكون عظيمة في دولة القانون

أكثر منها في حال الطبيعة، لأنّ القانون وحده هو الذي يسمح لحريات هؤلاء وأولئك أن تتعايش بدلاً من أن

تتعارض، وأن تتقوى )حتى ولو كان بعضها يحاصر البعض الآخر( بدلاً من أن تتناحر. «فحيثما لا يوجد

قانون، على حد ملاحظة لوك، لا ولن توجد حرية؛ لأنّ الحرية تستدعي منا أن نتخلص من إزعاج وعنف

الآخر، وهو أمر يستحيل تحقُّقه طالما ليس هنالك قانون. » وهل تَحُدُّ الدولة من حريتك؟ أكيد، لكنها تحدُّ أيضاً

من حرية الآخرين، وذلك فقط هو ما يسمح لحريتك بأن تتواجد حقاً، على اعتبار أنه بدون قوانين لن يكون

ثمة إلا العنف والرعب؛ فهل ثمة من كائن أقلّ حرية من ذلك الكائن المرعوب والمُهدَّد على الدوام؟

أن يكون المرء حرّاً، هو ما يعني إذن أن يفعل ما يشاء، إنّ الحرية هنا تفيد حرية التصرف قدر ما تفيد

الحرية بالمعنى السياسي والحرية الجسدية والنسبية. إنها الحرية كما يُحدِّدها هوبز ولوك وفولتير «ليست

الحرية إلا تلك القدرة على التصرف »، وهي الوحيدة لربما التي لا يمكننا أن نطعن في واقعيتها وقيمتها.

لكن هل نحن أحرار أيضاً في أن نريد ما نشاء؟ إنه المعنى الثاني لكلمة الحرية، أي حرية الإرادة

والحرية بمعناها الميتافيزيقي، أي الحرية المطلقة، على حدّ زعم البعض، أو فوق الطبيعية. لعل هذا المعنى

هو المعنى الأكثر إشكالية والأهم فلسفياً.

لنضرب مثالاً في هذا الباب؛ إنْ كُنتَ تَعِيش في دولة ديمقراطية جديرة بهذه التسمية، فستكون حرّاً في

التصويت أثناء الانتخابات لهذا المرشح أو ذاك. أمّا حريتك في التصرف، في سرية تامة داخل المعزل،
 
فهي بلا شك حرية تامة، إن لم نقل إنها مطلقة )فهي تبقى رهينة لائحة المرشحين الحاضرين(، ولذلك فأنت

تستطيع أن تصوت بالتالي لمن تشاء؛ وبناء عليه فالحرية السياسية هي الحرية في التصرف.

لكن هل تتمتع أيضاً بحرية الإرادة في التصويت لهذا أو لذاك؟ هل تتمتع بحرية الإرادة في التصويت

لليمين لو كنْتَ يسارياً؟ ولليسار لو كُنتَ يمينياً؟ وهل أنت حرٌّ في أن تختار جهة من الجهات، حتى ولو كنتَ

لا تنتمي إلى أيّة جهة؟ هل تستطيع أن تختار بحرية آراءك ورغباتك ومخاوفك وتمنياتك؟ وكيف تستطيع

ذلك، مادام أنه لن يتم -اللهم إنْ وَقَعْتَ في اختيار اعتباطي محض، لا يمكننا أن نعتبره اختياراً قط - إلا باسم

آراء أخرى ورغبات أخرى ومخاوف وتمنيات أخرى؟ أمّا التصويت على نحو اعتباطي، فليس تصويتاً

حرّاً في شيء. لكن أليس التصويت لمَنْ نشاء، هو ما يعني أن نبقى سجيني إرادتنا أو سجيني الأسباب

)الاجتماعية، والنفسية، والإيديولوجية...( التي تتحكَّم في هذه الإرادة؟ إننا نختار بحسب آرائنا؛ لكن مَنْ مِنّا

يختار آراءه؟

«إن الناس يَخَالون أنفسهم أحراراً، بنظر سبينوزا، لا لشيء إلا لأنهم على وعي بإراداتهم ورغباتهم،

ولا يفكرون، حتى في الحلم، في الأسباب التي ولَّدَت فيهم هذه الرغبات والإرادات دون أن يكونوا على أيّة

دراية بها ». هل تَقُوم بما تُريد أن تَقوم به؟ أكيد، لكن لماذا تُريد ذلك؟ إنّ إرادتك جزء لا يتجزأ من الواقع،

إنها تخضع كباقي الأشياء لمبدأ العلة الكافية )لا شيء يوجد دون سبب، لكلّ شيء تفسير( كما تخضع لمبدأ

العليّة )لا شيء يولد من عدم، لكل شيء سبب(، بل تخضع أخيراً للحتمية العامة التي تشمل كلّ الكائنات

الماكروسكوبية. وأكثر من ذلك، فحتى عندما يكون هناك، على المستوى الميكروسكوبي، نوع من اللاحتمية

القصوى )على نحو ما كان يعتقد الأبيقوريون وعلى حد توكيد الفيزياء الكوانطية اليوم( فأنت لن تكون أقل

حتمية على المستوى البيو-عصبي، جراء الذرات التي تتألَّف منها؛ إذ من المستحيل أن تبقى هذه الذرات

خاضعة لإرادتك إذا كانت حركاتها اعتباطية، لعل إرادتك هي التي تخضع بالأحرى للذرات. ولئن كانت

المصادفة غير حرة، فكيف للإرادة الاعتباطية بذلك؟

إنّ ثمة سراً أكثر استعصاء على الحل من سرّ المعزل، إنه سر عقلك الذي لا شيء ينفذ إليه، بما في ذلك

أنت. فأية بطاقة من بطاقات الاقتراع ستَضَعُها في الظرف؟ هل أنت حرّ في اختيارك؟ أكيد. لكن ما الذي

تَعْرفه عن الميكانيزم العصبي الذي يوجِّه اختيارك؟

وفي الأخير، فإنّ هذا الاختيار هو ما سيبقى رهيناً بما تَكُونه، حتى لو افترضنا أنك قُمْتَ به بكلّ حرية.

ذلك أنّ ملايين البشر سيختارون أنْ يُصَوّتوا على نحو مخالف لاختيارك. والحالة هاته، فمتى اخترتَ أنْ

تَكُون أنتَ بدلاً من أنْ تَكُون آخر؟
 
إنه بلا شك المشكل الأصعب. فإذا كنتُ لم أختر الذات التي تختار ) «أنا »( فستكون كلّ الاختيارات التي

قمتُ بها مُحدَّدَة بما أكونه، أي بما لم أَخترْه؛ وتبعاً لذلك، لن تكون هذه الاختيارات أبداً اختيارات حرة. لكن

كيف لي أن أختار هذا الذي أنا إياه، مادام أنّ كل اختيار من اختياراتي يتوقف عليه، ومادمت لا أستطيع أن

أُقْدِم على أيّ اختيار إلا إذا كنْتُ بشكل مسبق إنساناً أو شيئاً ما؟

يتقاطع هذا التصور مع السؤالين اللذين طرحَهُما ديدرو في مؤلفه الذي يحمل عنوان «جاك القدري :»

«هل يُمكنني أنْ لا أكون ما أنا إياه؟ ولئن كنتُ ما أنا إياه، هل بوسعي أنْ أُريدَ على نحو مخالف لأناي ؟»

لكن الأنا والحالة هاته سجنٌ، فكيف تستطيع «الأنا » أن تَكُون حرّة؟

لن نستنتج بكلّ سرعة من ذلك أنه لا وجود لحرية الإرادة أو أنها مجرد وهم. فأنْ يَكُون المرء حرّاً كما

أسلفتُ معناه أنْ يَقوم بما يشاء. أنْ يكُون المرء حرّ الإرادة يعني إذن أنه يريد ما يشاء. إني مُوقِن بأنّ هذه

الحرية لن تنْعدم أبداً، إذ كيف بوسعنا ألا نريد ما نشاء، أو أن نريد شيئاً آخر؟

لكن، بدلاً من القول بعدم وجودها، ستصبح حرية الإرادة بالأحرى، وبهذا المعنى، ضرباً من ضروب

الحشو اللغوي، ذلك أنّ كلّ إرادة تَنْحُو منحى الحرية على حدّ قول الرواقيين لتغدو الألفاظ الثلاثة «حر،

وعفوي، وإرادي » بمثابة ثلاثة ألفاظ مترادفة )كما كان يقول ديكارت عن الفعل وهو طور الإنجاز(. ولعل

هذه الحرية التي اعترض على وجودها قلة من الفلاسفة، هي ما يمكننا أن ندعوها بعفوية الإرادة. إنها الحرية

بالمعنى الذي يفرده لها أبيقور وإبكتيت، وفلاسفة آخرون أيضاً، وبخاصة أرسطو وليبنتز وبرغسون. إنها

حرية الإرادة، أو لنقل بالأحرى إنها الإرادة ذاتها من حيث هي ما لا يتوقف سوى عَلَيَّ أنا )حتى عندما تصبح

هذه الأنا مشروطة(، إني حرٌّ في أنْ أُريد ما أشاء، ولذلك أنا حرٌّ بالتأكيد.

وهل يتحكَّم فِيَّ دماغي؟ فليكن، لكن إن كنتُ أهتدي بهدي دماغي، فذلك يعني أنني أنا الذي أتحكَّم في

ذاتي. فأنْ أكُون مشروطاً بما أنا إياه، معناه أنَّ حُرِّيتي ليست مطلقة أكثر مما يؤكد على أنها غير موجودة،

إنّ الحرية بهذا المعنى ليست شيئاً آخر عدا كونها القدرة المشروطة بتحديد نفسها بنفسها؛ على اعتبار

أنّ الدماغ، على حدّ تأكيد علماء البيولوجيا العصبية المعاصرين، «نظامٌ منفتِحٌ للتدبير الذاتي ». أمّا أنْ

أكُون مرتبطاً به، فهو أمر حقيقي. لكنّ الارتباط بما نحن إياه )لا بشيء آخر( هو التحديد ذاته الذي نُعطيه

للاستقلالية. هكذا يحق لنا الحديث عن إرادة مشروطة، تأكيداً منا على أنّ هذه الإرادة ليست خاضعة ولا

هشة. إنها ليست نقيض الحرية، بل هي الحرية بالفعل.

وفي الأخير، تجدر الإشارة إلى أننا لسنا نهتم هنا بما إذا كان الأمر يتعلق بالدماغ أو بروح لا مادية.

فأن يكون المرء حرّاً هو ما يعني، في كلتا الحالتين، أنه يتوقف دوماً على ما يكونه وأنه لا يتوقف مبدئياً إلا

على ذلك. يكتب برغسون: «نكون أحراراً عندما تكون سلوكياتنا صادرةً عن شخصيتنا كاملة، فتأتي مُعبِّرةً
 
عنها، وعندما يغدو التشابه الكامن بين الاثنتين تشابهاً صعبَ التحديد، بل أقرب ما يكون أحياناً من ذاك الذي

يربط ما بين العمل الفني والفنان. » والأكيد هو أنّ الفنان رفائيل ليس لديه أيّ خيار في أن يكون رفائيل أو

مايكل- أنجلو. لكن بدل أن يمنعه ذلك من الرسم، فهو بالعكس ما يحفِّزُه عليه. كيف إذن، بوسع العدم أن

يغدو حرّاً؟ وكيف يمكن لكائن غير شخصي أن يختار؟ «سندعي أننا نستسلم للتأثير القوي لطَبْعنا »، يواصل

برغسون في قوله، ليلاحظ أنّ هذا الاعتراض لا يقوم على أي أساس، ذلك «أنّ طَبْعنا مرّة أخرى هو نحن »

وأن يكون المرء متأثراً بذاته )كيف لا يمكنه أن يقع تحت تأثير أناه( هو بالضبط ما يعني أنه حر. «وبكلمة

واحدة، يستخلص برغسون، أننا إذا اتفقنا على أنّ الفعل الحر هو كلّ فعل يصدر عن أناي، وعن أناي فقط،

فإنّ الفعل الذي يحمل بَصْمة شخصيتنا هو الفعل الحر حقاً، لأنّ أناي وحدها هي التي ستطالب بأبَويَّتها له .»

إنّ هذا هو ما أدعوه بعفوية الإرادة. فأن تَكُون مشروطة ومُحدَّدة بغيرها لا يمنع في شيء أن تَكُون شارِطة

ومُحدِّدةً لغيرها، فهي ليس بمقدورها أن تَكُون مُحدِّدة لغيرها، إلا لأنها مُحدَّدة بغيرها. إني لا أريدُ أيّ شيء

كان، بل أريدُ ما أريد، وبذلك فأنا حرٌّ في أن أريد ما أريد.

هذا جيد؛ لكن هل أنا حر أيضاً في أن أريد شيئاً آخر عدا هذا الشيء الذي أريده؟ هل يمكننا أن نعتبر

أنّ إرادتي هي بمثابة قُدرة عفوية على الاختيار )أي أنها بتعبير آخر قدرة لا تخضع إلا لما أنا إياه( أم أنها

قدرة غير مشروطة على الاختيار )لا تخضع لأيّ شيء، بما في ذلك ما أكونه(؟ هل هي حرية نسبية إذن

)كلما بَقِيَتْ رهينةَ الأنا( أم أنها حرية مطلقة )إذا كانت الأنا ذاتها تتوقف عليها(؟ فهل أنا حر مثلاً، فقط

في أنْ أصَوِّتَ لليمين إذا كنتُ منتمياً لليمين، ولليسار إذا كنتُ منتمياً لليسار )عفوية الإرادة: أن أختار من

أريد( أم أني حر كذلك في أن أصوِّتَ لليمين أو لليسار، وهو ما يفترض، باستثناء بعض الحالات الخاصة،

أن أختار بشكل حرّ انتمائي لليسار أو لليمين؟ إنّ حرية الإرادة الأخيرة هاته، الأكثر غرابة بطبيعة الحال،

)مادام أنها تَخُون على ما يبدو مبدأ الهويّة: إنها تفترض مسبقاً أني قادر على أن أريد شيئاً آخر عدا ما أُريده(

هي ما كان يدعوها الفلاسفة أحياناً، بحرية اللامبالاة liberté d’indifférence ، وعموماً بحرية الاختيار

libre arbitre . ويفرد لها مارسيل كونش تعريفاً جيداً بقوله: «إنّ حرية الإرادة هي القدرة على أن أحدِّد

ذاتي بذاتي دون أن أكون مُحدَّداً بشيء آخر ». إنها الحرية بالمعنى الديكارتي والكانطي والسارتري، والتي

تفترض أنَّ ما أَقومُ به )وجودي( ليس مُحَدَّداً بما أكُونه )ماهيتي( بل هو بالعكس ما يُبْدعه أو يَختاره بكلّ

حرية. يكتب سارتر: «لعل الأمر الذي استوعبه ديكارت جيداً، إنما هو كون مفهوم الحرية مفهوماً ينطوي

على لزومِ استقلاليةٍ مطلقةٍ، مفادها أنّ الفعل الحر منتوجٌ جديد بالمرّة، لا يمكن لبذرته أن تكون مُتَضَمَّنَة في

وضع سابق للعالم، وأنّ الحرية والإبداع لا يشكلان بالتالي إلا الشيء نفسه ». ومن ثمّة يستنتج سارتر أنّ

هذه الحرية تكاد تكون مستحيلة، اللهم إلا إذا كان «الوجود يسبق الماهية »: ذلك أنّ الإنسان، على حد تعبير

سارتر، لا يكون حراً إلا لأنّ «وجوده أوّلاً بمثابة لا شيء »، ولأنه لا يصير إلا «ما صنعه بنفسه ». إني لا

أكون حرّاً إلا بشرط مفارق أكيد- مؤداه أن أكون قادراً على ألا أبقى كما أنا، وأن أكون ما لستُ إياه، أي
 
شريطة أن أختار، على نحو مطلق، ذاتي بذاتي: «إنّ كلّ شخص، يكتب سارتر في مؤلفه الوجود والعدم،

هو اختيار ذاتي مطلق .»

إنّ اختيار الذات للذات، الذي بدونه يكون الاختيار الحر مستحيلاً أو ضرباً من ضروب اللامفكر فيه،

هو ما جسّده أفلاطون في نهاية الجمهورية، بواسطة أسطورة «إير » )حيث تبدو لنا الأرواح، وهي تختار،

ما بين لحظتي تناسخ، أجسادها وحياتها(، إنه ما كان كانط يدعوه بالميزة العقلانية، وهو ما سمّاه سارتر في

إشكالية أخرى بالحرية الأصلية التي لا تسبق كل الاختيارات فحسب، بل كل الاختيارات تتوقف عليها. إنّ

هذه الحرية لا بدّ لها أن تكون مطلقة، أو لا تكون. فهي بمثابة قدرة المرء غير المُحدَّدة على تحديد نفسه؛ إنها

بتعبير آخر القدرة الحرة على إبداع الذات. ولذلك سيرى البعض أنها قدرة يختص بها الإله وحده، أو أنها

بالأحرى ما يجعلنا آلهة، حالما نكون قادرين على ذلك.

إلى هذا الحد يتبدى أننا نتوفر إذن، على مَعْنَيَيْن أساسِيَّيْن: حرية الفعل وحرية الإرادة، ينشطر ثانيهما

بدوره إلى اثنين: عفوية الإرادة أو حرية الاختيار.

لكن هل هذا هو كلّ ما في الأمر؟ لا، لأنّ الفكر بدوره بمثابة فعل، فأن نفعل ما نشاء هو ما قد يفيد أيضاً

أن نفكر في ما نشاء. لكنّ ذلك يطرح مشكلة أخرى هي مشكلة حرية الفكر، أو كما يقال أيضاً حرية العقل.

إنّ هذه المشكلة هي ما يستعيد من ناحية ما مشكلة حرية الفعل؛ أي مشكلة الحرية بالمعنى السياسي؛

على اعتبار أنّ حرية الفكر )وكلّ ما تقوم عليه من حريات: حرية الإعلام وحرية التعبير وحرية النقاش ...(

جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان وشرط من شروط الديمقراطية.

ومع ذلك، يمكننا المضي قُدُماً أبعد ممّا سلف. فلنفترض مثلاً أننا أمام مسألة رياضية: بأي معنى من

المعاني أكون حراً في حلّ هذه المسألة؟ هل بمعنى كوني حراً في الاختيار؟ بالتأكيد لا، لأني مُجبَرٌ على

الوصول إلى الحل كلما استوعبْتُ البرهان تماماً بالقدر نفسه الذي ينفلِتُ فيه منّي هذا الحل بالضرورة كلما

تعذر عليَّ ذلك. وعلى الرغم من هذا، يتضح أني لا أعاني من أيّ إكراه خارجي عندما أفكر، إنّي أفكر في

ما أشاء أي في ما أعرف )أو أعتقد( أنه حقيقي. على أساس أنّه ليس من وجود فعلي لأيّة حرية دونما هذه

المعرفة. ذلك أنّ العقل لو كان غير قادر على الوصول للحقيقي ولو جزئياً، لبقي سجين ذاته، لن تكون كلّ

برهناته إلا مجرد هلوسات من بين هلوسات أخرى، بل كلّ فكر سيغدو ضرباً من ضروب الهذيان ليس

إلا. والعقل هو ما ينقذنا من ذلك، إذن. إنه يُحرِّرنا من ذواتنا ليُشَرِّع أمامنا أبواب الكوني؛ حيث «إنّ العقل

لا يستوجب الطاعة والخضوع أبداً، على حد ما كتبه )ألان(، ويَكْفِينا هنا بُرهانٌ واحد في الهندسة لتِبْيان

ذلك؛ لأنك ستكون غبياً وخائناً للعقل، إذا اعتقدتَ بهذا البرهان دون أدنى تحقُّق ». لهذا السبب بالذات، لن

تجدَ طاغية واحداً يُحِبُّ الحقيقة أو يعشق العقل؛ لأنّ العقل والحقيقة لا يخضع كلٌّ منهما إلا لذاته، لأنهما
حرّان. وهذا لا يعني أنه بوسعنا أن نفكر في أيّ شيء، بل يعني أنّ ضرورة الحقيقي هي التعريف نفسه

لاستقلاليته.

 
كم يساوي مجموع الزوايا الثلاث لمثلث في فضاء إقليدي؟ إنّ جوابي لا يمكنه أن يكون إلا 180«
 
 

درجة » هذا إذا كنتُ أعرف وأفهم البرهان وذلك كيفما كان جسدي وبيئتي، بلدي ولاشعوري، بل وكيفما

كنتُ أنا بدوري. ومع ذلك، فأنا لا أغدو أكثر حرية إلا عندما لا أخضع، كما الشأن هنا، إلا لتلك الحقيقة التي

أعرفها حق المعرفة، لنقل إلا عندما لا أخضع إلا للعقل، أي بتعبير آخر عندما لا أخضع إلا لهذه الضرورة

التي تَسْكُنُني بالرغم من أنها ليست إياي، لكنها تَخْترِقُني وأفْهَمُها.

 
بوسعنا أن نضرب أمثلة عديدة في هذا الشأن؛ من قبيل: ما هو جداء 3 و 7؟ ما العلاقة بين الكتلة
 
 

والطاقة؟ مَن قتل هنري الرابع؟ هل الشمس هي التي تدور حول الأرض أم الأرض هي التي تدور حول

الشمس؟ أمام هذا الوضع تجدر الإشارة إلى أنه وحده من يجهل الجواب يستطيع اختيار جوابه، ووحده من

يعرف الجواب يستطيع أن يجيب بكلّ حرية.

إنّ حرية الفكر هي حرية العقل، لا يتعلق الأمر هنا بحرية الاختيار، بل يتعلق بحرية الضرورة. إنها

حرية الحقيقي أو الحقيقة كحرية. إنها الحرية كما هو الشأن عند سبينوزا وهيجل، بل أيضاً كما هو الشأن عند

ماركس وفرويد، إنها الحرية التي تنطوي على الضرورة، أو الحرية باعتبارها بالأحرى فهماً للضرورة.

وبحسب توضيح سبينوزا يمكننا القول، إنّ الكائن الحر بالمعنى الحقيقي للكلمة، هو الكائن الذي لا

يخضع إلا لضرورته الخاصة، لذلك يُعتَبَر العقل حرّاً ومُحَرِّراً.

إنّ بوسع كلّ شخص من الأشخاص أن يختار من بين المعاني الأربعة التالية: حرية الفعل وعفوية الإرادة

وحرية الاختيار وحرية الذهن أو العقل...المعنى أو المعاني )إنّ هذه المعاني لا يقصي أيّ منها الآخر( التي

يرى أنها الأهم والأصح. فهل سيكون هذا الاختيار اختياراً حرّاً؟ لا يمكننا الجواب بتاتاً، مادام أنّه لا معرفة

تُسعفنا على ذلك، على اعتبار أنّ كلّ جواب هو ما يفترض بدوره اختياراً ويتوقف عليه. إنّ الحرية سِرّ أشبه

ما يكون، على الأقل، بمشكلة: حيث يستحيل علينا أبداً أن نُثبتها، ولا حتى أن نستوعبها بالكامل. إنّ هذا السرّ

هوّ قِوَام وجودنا؛ ولذلك فكلّ واحد منا هو بمثابة سرّ أيضاً تجاه نفسه. وإذا اخترتُ أن أكون ما أنا إياه، فذلك

ليس ممكناً إلا في حياة أخرى كما أراد أفلاطون، أو في عالم آخر كما قال كانط، أو على الأقل في مستوى

آخر مغاير لمستوى التداول الإرادي الناتج عنه، على حد تعبير سارتر. لكنني لا يمكنني، بناء على تعريفي،

لكلٍّ من هذه الحياة الأخرى، وهذا العالم الآخر وهذا المستوى الآخر، أنْ أمتلك أية معرفة: ولذلك يمكنني أن

أعتقد دوماً بأني حر )بالمعنى المراد من حرية الاختيار( دون أن أستطيع أبداً إثبات ذلك.
 
وفضلاً عن ذلك، ربما كان الأهم في موضع آخر، ذلك أنه من بين المعاني الأربعة، ثلاثة على الأقل

يصعب دحضها، وهي: حرية الفعل، وعفوية الإرادة، والحرية الضرورية للعقل. ولعل تقاطع هذه الحريات

الثلاث في كونها لا توجد بالنسبة إلينا إلا على نحو نسبي )فنحن أحرار بهذا القدر أو ذاك، في التصرف

والإرادة والمعرفة(، هو ما يدعم جيداً الرهان التالي: إنّ السؤال ليس هو أن تعرف ما إذا كنتَ حرّاً بشكل

مطلق أكثر ممّا هو أن تَفْهم كيف يُمْكنكَ أن تصبح حراً قدر ما يكفي. إنّ حرية الاختيار التي هي لغز، حرية

تَهُمُّنا أقلّ ممّا يَهُمُّنا التحرر الذي هو سيرورة وغاية وعمل.

إننا لا نُولَد أحراراً بل نصير كذلك، وهذا هو على الأقل ما أعتقِدُه، مُتَصوِّراً أنّ الحرية تبعاً لذلك لا

تكون أبداً مطلقة ولا غير محدودة ولا قطعية: إننا أحرار بهذا القدر أو ذاك، ويستدعي الأمر بالتأكيد أن نغدو

كذلك قدر المستطاع.

وحتى إن كان سارتر هو المُحِقّ، فهذا لا يكفي لِتفْنِيدِي بخصوص هذه النقطة الأخيرة، ذلك أنّ مسألة

كوننا أحراراً بشكل مسبق، أو لا، مسألة لا تعفينا كما قال نيتشه من أن نصير ما نحن إياه. ومَهْما كان

كلّ شخص يُمَثل «اختياراً مطلقاً لذاته » كما أراد سارتر، فليس بوسع ذلك أن يُعفينا، لا مِن الفعل، ولا من

الإرادة، ولا من المعرفة.

خلاصة القول إنّ الحرية ليست لغزاً فحسب، بل هي أيضاً غاية ومثال، ومَهْما عَجز السرّ عن الانكشاف

كليّاً، فذلك لا يمنع المثال من إضاءتنا. ومَهْما عجَزْنا عن بلوغ الغاية بالكامل، فذلك لا يمنعنا، لا من التشوق

إليها، ولا من الاقتراب منها.

يتعلق الأمر بأنْ نَتعلَّم كيف نَتحرَّر، ولعلّ هذه الحرية ليست إلا اسماً ثانياً للحكمة، كما نلفي ذلك عند

سبينوزا.
 
المصدر:

 
 
André Comte - Sponville, Présentations de la philosophie، éd, Albin Michel S.A 2000 de
 
 
 

la page 69 à 79
 
 
 

مقالات أخرى لـ سبونفيل:

في المعرفة
http://mohamad-philo.blogspot.com/2016/07/blog-post_56.html

في الأخلاق
http://mohamad-philo.blogspot.com/2016/07/blog-post_49.html
 

ليست هناك تعليقات: