الخميس، 9 فبراير 2017

الورقة البيضاء؛ فرح الدهني




الورقة البيضاء..
فرح الدهني.




نصّ مستعاد على ذمة فيسبوك 

بنعليْه الأسوديْن وإيقاعه العسكريٍّ المضبوط، ومثاليته الافلاطونية، وحكمته الزرادشتية، وعنترياته الأسطورية، وأبّهة " ذي يزن"، وطِئ أبي أرض المدرسة تلبيةً لاستدعاء من الإدارة
وما ان دخل حجرة الناظرة، حتى فلشتْ الأخيرة بصرها صوبه من خلال نظّاراتها المنزلقة إلى أرنبة أنفها، ودون ابتسامة افتتاحية بدأت الكلام :
- " والد فرح؟"
- بالضبط
-عارف منشان شو استدعيناك؟
- إيه 
- مضطرة اطلب منك توقّع على تعهد جديد تضمن التزام بنتك بقوانين المدرسة... ويؤسفني خبرك إنو إذا تكررت مشاغباتها لح نحرمها من الإمتحان النهائي.
(لم يعلّق) ..وبجبهةٍ مثخّنة بالغضب ،استأنف كلامه
- " وينا فرح؟
- فرح بغرفة الإدارة،عطيناها ورقة لتكتب عليها المخالفة والاعتذار.
- مع مين؟
- لوحدها
- تاركين البنت مع ورقة بيضا!!
-إيه!
- مع الورقة البيضا!!
- إيه !..وين الغلط؟!!
- الغلط إنها لح تكتب اللي براسا!! "
...وبانعطافة هوليووديّة في حركة الكتفيْن والرّجليْن، خرج والدي مسرعاً من الحجرة،متوجهاً مع الناظرة إلى الغرفة، حيث أُمكثُ، مقتحماً باندفاعه السير المكوكي للأساتذة والطلاب، حادجاً المعرقِلين بنظراته.
...في تلك الأثناء، كنتُ مسترخيةً في المكتب، في قعدةٍ غير مستقيمة، على راحِ كرسيّ جلديّ أسود بارد ،أتأمّل الأشياء فأنساها، فأعاود تأمّلَها من جديد; وجوهٌ محشوّة في صور، دروع تقديرٍ وجوائز يغشاها الصدأ، وكتبٌ أراهن أنها لم تُقرأ...
الورقة البيضاء ! تأمّلتُها وأنا في شرودٍ مبهم أرسم خطوطاً لولبية ممتلئة في وسطها، وتائهة في نهاياتها. حلّقَ في ذهني قولٌ للمفكّر "جون لوك"، قرأته ذات مرّة في قصاصة من جريدة ثقافية لفّ بها بائع الذرة العرنوس المشوي خاصتي: "الطفل عبارة عن ورقة بيضاء نكتب عليها ما نشاء، وإذا سألك سائل:متى بدأ يفكر؟ فيجب أن تكون الإجابة: عندما بدأ يحس". 
الورقة لا تحسّ..لن تبني معرفتها بالتجربة والتصور. هي دون محتوى عقلي سابق، لا تكتسب معرفتها سوى بما أمليه عليها...إذاً ماذا أكتب؟!
...لم يمرَّ وقتٌ طويلٌ حتّى فتحتْ الناظرة الباب، يرافقها أبي الذي قبّل جبيني دون تردّد، وأخذ مكانه مني على الكرسيّ المقابل. وبعد أن التقط انفاسه، تناول الورقة بهدوء الحذِر المرتاب، وشرع يقرأَ ما كتبتُه بعينيْه، رافعاً الورقة إلى مستوى ياقته، ثمّ كرّرها وكأنّه لم يكتفِ من مذاقها، فكرّرها.. كرّرها حتى أضحت القراءة التالية صدى السابقة في أعماقه، وفي كل مرّة كانت تنخفض يده إلى أسفل فأسفل، إلى أن قرّر أخيراً أن يمرّر كلماتها على شفتيه ويجهر بما فيها
" لم أُخفِ ممحاة اللوح. كنت أفكر بذلك، ولكنني في الوقت عينه، كنت أحاول، في الوقت الضائع، إقناع نفسي بألاّ أفعل; الله لا يحاسب على الأفكار
أعتذر منكم ، ولكن ذاك الإعتذار الذي يشبه مربّى المشمش الذي لا يندرج ضمن أفضل عشر أكلات بالنسبة لي، ولكنني آكله بصمت" .
أعاد أبي الورقة إلى وضع صالح على طاولة المكتب. استجمع نفسه ولملمها من جديد، ثمّ خاطب الناظرة قائلاً:
ـ " إِجِتْ سليمة !".


ليست هناك تعليقات: