الجمعة، 18 مايو 2018

التعدّد واللا تناهي: نقد الموضوعيّة وحدود النّقد؛ موسى وهبه.


 


التعدّد واللا تناهي: نقد الموضوعيّة وحدود النّقد

موسى وهبه

(عن صفحة الدكتور جمال نعيم)

نصٌّ جديدٌ من نصوص الرّاحل الكبير موسى وهبه، نعمل على تنقيحها قبل نشرها في كتابٍ مستقلٍّ، أسماه هو نفسه، قبل وفاته:" مقاطع من كتاب النّثر".


التعدد واللا تناهي
نقد الموضوعية وحدود النقد

موضوعية العلوم «الغربية» محط تساؤل ونقد. فما هو مضمر هذا التساؤل وهذا النقد؟ وكيف يمكن التسليم بعالمية تطبيق العلوم مع الإقرار ب«غربيتها»؟ وهل هناك مفرّ من الإقرار بتعدد الكينونة ولا تناهيها وتعدد الحقيقة نفسها تالياً؟
صديقتي الباحثة تنتقد النظرة الكلاسيكية إلى الموضوعية العلمية، فتصف الاعتقاد بوجود حقيقة مطلقة في العالم بأنه نظرة تسببت بها الفلسفة والنظرة الديكارتية إلى الكون، تلك التي شطرت الوجود إلى ذات روحية وموضوع مادي. وتقول إن هذه العلموية الساذجة لم تعد مقبولة في أيامنا هذه. وأيامنا تعني عند الصديقة الباحثة ما بعد النظرية النسبية والنظرية الكوانتية في الفيزياء، حيث أثبتت الثانية أن مراقب الظاهرة يدخل ذاتياً في تركيب الظاهرة، وأن الألكترون، مثالاً، لا يملك صفات موضوعية مستقلة عن ذهن المراقب.
وتستعين صديقتي الباحثة بهذا، وبأسماء أعلام كثيرة لتتحدث عن «أسطورة العلم الموضوعي». حيث يتبين أن النماذج التي يراقبها العلميون في الطبيعة مرتبطة في شكل حميم بالنماذج الموجودة في أذهانهم، بما فيها الأفاهيم والأفكار والقيم. فتضيف على نحو انتصاري: هذا في ما يتعلق بالطبيعة، فكيف عندما يدور الأمر على الإنسان. والإنسان، المجتمع الإنساني، عالي التعقيد، كثير الحركة، غير قابل للخضوع إلى التجربة وتكرار التجربة من دون خلخلة أساسية.
يبقى إذن، أن تكون «الحقيقة العلمية» متصلة اتصالاً وثيقاً بالنظرية العلمية. فإذا غيّرنا النظرية، تتغير الحقائق المحصلة. لكن لا يمكننا تغيير النظرية كيفما اتفق. ولا حين يحلو لنا. ولا يكون ذلك إلّا بفعل تغيير يحصل في الأفكار المسبقة، ويكون قد اكتسب خلال الممارسة وصار معرفة ضمنية.
ولا تبخل الباحثة بمثلِ تذكره عن «كون» صاحب «بنية الثورات العلمية» الشهير. فعلماء الفلك الغربيون أدركوا لأول مرة، تحوّلاً في السماوات على أثر طرح النموذج الذي اقترحه كوبرنيكوس. ذلك أن عقائد الغربيين كانت تحول دون رؤية هذا التحول. والدليل أن علماء الصين الذين لا تحول عقائدهم الكونية دون القول بحدوث تغيير في الأفلاك، قد سجّلوا قبل ذلك التاريخ بزمن طويل، ظهور الكثير من النجوم في السماوات.
لكنها تستنتج بسرعة مذهلة: إن الباحث متورط إذن «موضوعياً» في السياق الحضاري الموجود فيه، وأنظمة القيم والمعتقدات التي ينتمي إليها طوعاً وامتثالاً، أو تلك التي ينقضها اختيارياً أو في شكل لا واعٍ.
ولست لأخالف صديقتي الباحثة في أن الحقائق العلمية لا تستقل عن ذهن العالم الباحث، وأن علوم الإنسان، الطبيعية منها والإنسانية، ليست علوماً للأشياء والموضوعات والعالم في المطلق في ذاتها، على نحو ما كان يفسّر عمانوئيل كانط من أنه لو وجدت كائنات عالقة أخرى، تعرف بطريقة أخرى غير طريقتنا، لبدت لها علومنا وحقائقنا غير علمية وغير حقيقية.
لكني أخالفها عندما تحسب أن الفلسفة هي السبب في جمود النظرة الواقعية. وتتحول مخالفتي خوفاً عندما تتحدث عن تورط الباحث الحضاري وفي بحثه وعلمه. وأود لو أستطيع أن أوضح أن شتم الفلسفة و«العلموية الساذجة» والقول ب «التورط الحضاري» تشكل مجتمعة عقيدة مركبة ومتكاملة، تصلح للدفاع عن الذات عند الواقعيين البسطاء من أهل الرأي والاعتقاد. لأن أهل الرأي والاعتقاد يحكمون المدينة ويعطون عيار القيم، شئنا أم أبينا. وهم، على واقعيتهم الساذجة، تسعدهم نسبية العلم وتورط العالم الحضاري، لأن المطلق الوحيد الباقي من دون خلخلة هو رأيهم واعتقادهم الذي يمثّل الحقيقة والواقع بعينه. ويشكل الخروج عنه خروجاً عن العقل والمنطق وارتداداً يستحق عقاباً واقعياً موضوعياً هذه المرة.
إن الجمود والثبات على المواقف نفسها، يسببه بالأحرى غياب الفلسفة والنقد العقلاني واستبعاد القلق الذي يحدثه مجرد التفكير. ونقد حقائق العلم نفسه وتبيان لا مطلقيته ليسا سوى نتاج النشاط الفلسفي المتصل في بلاد العالم والفلسفة نفسها، في هذا الغرب «اللعين» الذي سرق الأضواء كلها دفعة واحدة. والذي كنا منه لفترة غير يسيرة. ولعل عجز أهل الصين القديمة عن إنتاج العلم المتداول اليوم، ولعل مراوحتهم عند الآراء العلمية الحكيمة، يعود إلى غياب التفكير الفلسفي بمعنى السستمة واليونيفرسالية.
ثم أن العقيدة «الحضارية» في تفسير العلم تخلق من الإشكالات أكثر مما تضيء من الأبواب. فإذا اتفقنا أن ذاتية الباحث داخلة، ولا مفر، في بنية موضوع علمه، فإن اتفاقنا هذا يعني أن ما يقوم به الباحث الفرد غير موضوعي تماماً، أي خارج عن شخصه. فكيف نفسر إذن اتفاق الباحثين؟
ربما أمكن افتراض ذاتية عامة بين البشر، تكون أساساً لبناء الحقيقة الموضوعية واتفاق الباحثين على «موضوعيتها» أي على نسبتها إليهم جميعاً (إلى كل ذي عقل). لكن كيف يمكن عندها الكلام على تورط الباحث «حضارياً»؟ كيف يمكن الباحث أن يتفاهم موضوعياً مع جماعته وأهل حضارته، ليعجز فجأة أمام اختراق الحاجز الحضاري. أتكون للأعراق لغة خاصة يمكن الجريان فيها والوصول بها إلى الحقائق؟
لا أعتقد أن صديقتي الباحث تروّج لنظرية ما في الأعراق والجماعات. بل أعتقد أنها كانت تريد أن تنبهنا إلى أن النظريات العلمية، وما تنتجه من حقائق، لا تقيم أساساتها في أرض الوعي والعقل الذي هو «أعدل الأشياء قسمة بين الناس»، بل في أرض اللا وعي والمضمر وغير المفكر به. فمن هناك وبطريقة لا تزال خفية، تعمل «النفسية المشتركة» للجماعات والشعوب والحضارات عملها، وتطبع نظريات العلوم بطابعها، فتتيح القول: العلوم الغربية، العلماء الغربيون، وهلم جراً.
لكن مثل هذا القول يصطدم بكلية التطبيق والتصديق اليونيفرسيل. كيف يمكن شخصاً شرقياً، مثلاً، يقتنع بنظريات الغربيين من دون أن يتخلى عن «لا وعيه» الشرقي؟ كيف يمكنه أن يخترع آلة كهربائية وقطاراً أو مدفعاً وصاروخاً إلى الفضاء، استناداً إلى مجرد «لا وعي» الرجل الغربي، أو إلى علوم الرجل العربي المنغرزة في لا وعيه وحضارته، التي ليست هي حضارة صينية في الأقل؟
إن التملص من هذه الصعوبات المنطقية يبدو لي ممتنعاً من دون الإقرار بوحدة العقل البشري (وهذا يؤسس إمكان الاتفاق)، ومن دون الإقرار بتعدّد وجهات النظر المؤسّسة هي الأخرى على تعدد أوجه الكينونة ولا تناهيها. مع الإقرار أن لا فضل لوجهة على أخرى سوى علميتها، أي اتساقها مع نفسها وقدرتها على الإقناع.
إن الاتفاق العام على حقيقة ما، يعني فقط أن ما اتفق عليه حقيقي. لكن لا يعني البتة أن سواه غير حقيقي. فذاك خروج عن حدود المنطق وعسف في حق لا تناهي الحقائق.

 

ليست هناك تعليقات: