الجمعة، 7 أكتوبر 2016

التفكير الحرّ والبروباغندا الرسمية؛ برتراند راسل./ ترجمة عديّ الزعبي.


التفكير الحر والبروباغندا الرسمية

ترجمة: عدي الزعبي
هذا المقال هو الأول في سلسلة من أربع مقالات للفيلسوف البريطاني برتراند راسل، عن الحرية والليبرالية والدين والعقلانية، ستنشرها الجمهورية تباعاً؛ وستصدر قريباً، مع ست مقالات أخرى لراسل، في كتاب بالتعاون بين مجموعة الجمهورية ودار ممدوح عدوان للنشر.
نترجم هنا محاضرة للفيلسوف البريطاني برتراند راسل عن الحرية، بعنوان «التفكير الحر والبروباغندا الرسمية». يرى راسل أن الحرية مهددة، ليس فقط من خلال العقوبات القانونية، بل أيضاً من خلال تجويع الناس ورفض توظيفهم، ومن خلال استخدام البروباغندا لعرض وجهة نظر واحدة فقط وتجاهل بقية الآراء. 
يعتقد راسل أن الدولة، سواء كانت اشتراكية كالاتحاد السوفييتي، أو ديمقراطية ليبرالية كالولايات المتحدة، تميل إلى قمع الآراء المخالفة لها بأساليب متعددة، وأن علينا أن ندافع عن حرية الرأي في وجه تدخلات الدولة. ثلاثة أساليب تستخدمها الدولة والقوى الرأسمالية لقمع الناس وحرياتهم: التحكم بالتعليم والسيطرة الاقتصادية والبروباغندا. يناقش راسل كلاً من هذه الأساليب في هذه المحاضرة. 
يقدّم راسل حلاً بسيطاً للحفاظ على حرية الرأي و التخلص من هذه الشرور: أولاً، يتم توظيف الأشخاص بناءً على قدرتهم على القيام بما يوكل إليهم، بغض النظر عن آرائهم السياسية و الدينية وغيرها؛ وثانياً، علينا نشر المزاج العلمي بين الناس، حيث لا تُقبل أي قضية لا يوجد دليل لدعمها. 
كان راسل فوضوياً معادياً للدولة، وللرأسمالية، ولشيوعية الاتحاد السوفييتي؛ كما كان معادياً للبراغماتية وغيرها من التيارات اللاعقلانية التي انتشرت في الغرب، والتي تنتشر اليوم في الشرق والغرب تحت مسميات مختلفة رنانة، دون أي تغيير جوهري. كما سنرى في المحاضرة، يدعونا راسل إلى نشر روح التفكير العلمي العقلاني في قضايا الدين والأخلاق والسياسة.
هذه المحاضرة، إذن، دعوة للحرية والعقلانية. نتمنى أن تسهم في النقاش القائم حول الحرية والدين والسلطة ومستقبل الثورات العربية.1
عدي الزعبي
*****
نص محاضرة ألقيت عام 1922
مونكيور كونوي2، والذي نجتمع اليوم على شرفه، كرّس حياته لغايتين ساميتين: حرية التفكير وحرية الفرد. في ما يتعلق بكلتا الغايتين، هناك بعض المكاسب التي تحققت، وهناك بعض الخسارات. مخاطر جديدة، مختلفة في الشكل عن تلك القديمة، تهدد نوعي الحرية كليهما، وإذا لم يتشكّل رأي عام قوي ويقظ للدفاع عنهما، سوف يكون لدينا حريات أقل بعد مئة عام مما لدينا الآن. هدفي في هذه المحاضرة أن أشدد على المخاطر الجديدة وطرق مواجهتها.
دعونا نبدأ بمحاولة توضيح ما نعنيه بـ «التفكير الحر». لهذا المصطلح معنيان. بمعناه الضيق يعني التفكير الذي لا يقبل بدوغما الدين التقليدي. بهذا المعنى، الإنسان مفكر حر إذا لم يكن مسيحياً أو محمدياً أو بوذياً أو شينتوياً3 أو منتمياً إلى مجموعة بشرية تقبل بعقيدة متوارثة. في البلدان المسيحية يعتبر المرء «مفكراً حراً» إذا قرر أن لا يؤمن بالله، بالرغم من أن هذا ليس كافياً كي يجعله «مفكراً حراً» في بلد بوذي.
لا أريد أن أقلل من أهمية التفكير الحر بهذا المعنى. أنا نفسي معارض لكل الأديان المعروفة، وأتمنى أن تختفي كل أنواع الإيمان الديني. لا أعتقد، في الميزان الأخير، أن الإيمان الديني كان محرّكاً للخير. بالرغم من أنني مستعد للاعتراف بأن له بعض الآثار الجيدة في أماكن وأزمان محددة، إلا أنني أعتبر أنه ينتمي إلى طفولة التفكير البشري، وإلى مرحلة من التطور تم تجاوزها الآن.
ولكن هناك أيضاً معنى أوسع «للتفكير الحر»، والذي أراه أكثر أهمية حتى  من المعنى السابق. في الحقيقة، يبدو أن الأذى الذي تسببت به الأديان يمكن إرجاعه بشكل رئيسي إلى أنها منعت التفكير الحر بهذا المعنى الواسع. ليس من السهل تعريف المعنى الواسع كما هو الحال مع المعنى الضيق، وسيكون من الجيد تمضية بعض الوقت في محاولة شرحه.
عندما ندعو أي شيء «حراً»، فالمعنى الذي نقصده غير محدد إلى أن نشرح ما هو حر منه. يكون شيء ما أو أحد ما «حراً» عندما لا يكون خاضعاً لأي إكراه خارجي، وكي نكون دقيقين علينا أن نقول ما نوع الإكراه المقصود. يكون التفكير «حراً» عندما يكون متحرراً من أنواع معينة من التوجيه الخارجي الذي غالباً ما يوجد. من الواضح أنّه يجب ألا نجد بعض أنواع التوجيه هذه إن أردنا للتفكير أن يكون «حراً»، ولكن بعض الأنواع أكثر مكراً ومراوغة من غيرها.
لنبدأ بالأكثر وضوحاً. لا يكون التفكير «حراً» عندما تُفرض عقوبات قانونية على من يحملون أو لا يحملون آراء معينة، أو على من يعبّرون عن إيمانهم الشخصي أو عدم إيمانهم في أمور معينة. بعض البلدان في هذا العالم فقط تتمتع بهذا النوع الأولي من الحرية. في إنكلترا، وتبعاً لقوانين التجديف، يعتبر التعبير عن عدم الإيمان بالدين المسيحي مخالفاً للقانون، بالرغم من أن القانون لا يُطبّق عملياً على الأثرياء. أيضاً يعتبر تدريس ما علمه المسيح حول عدم المقاومة مخالفاً للقانون. لذلك، كل من يود أن لا يصبح مجرماً عليه أن يعلن قبوله بتعاليم المسيح، ولكن عليه أن يتجنّب التصريح بماهية هذه التعاليم. في أميركا، لا يستطيع أحد دخول البلد إلا إذا أعلن عدم إيمانه بالفوضوية وتعدد الزوجات؛ وما أن يصبح داخل البلد، يجب أن يضيف الشيوعية إلى ما سبق. في اليابان، يعتبر التعبير عن عدم الإيمان  بميكادو4 مخالفاً للقانون. لذا ستكون أي رحلة حول العالم محفوفة بالمخاطر. لا يستطيع المحمدي، أو من يتبع تعاليم تولستوي5، أو البلشفي، أو المسيحي  القيام بهذه الرحلة دون أن يصبح مجرماً في أحد مراحلها، أو عليه أن يمسك لسانه عما يعتبره حقائق هامة. بالطبع، ينطبق هذا فقط على ركاب الدرجة الدنيا من الرحلة؛ يُسمح لركاب الدرجة الممتازة أن يؤمنوا بما يحلو لهم، طالما تجنّبوا الفضول المزعج.
من الواضح أن الشرط الأولي، كي يكون الفكر حراً، هو غياب العقوبات القانونية المتعلقة بالتعبير عن الرأي. لم تبلغ أي دولة عظمى هذا المستوى بعد، بالرغم من أن معظم هذه البلدان تعتقد أنها بلغته. تصدم الآراء التي ما زالت مضطهَدة الأكثرية التي تراها بربرية ولا أخلاقية مما لا يسمح بتطبيق مبدأ التسامح  عليها. ولكن هذه بالضبط وجهة النظر التي جعلت التعذيب ممكناً أثناء محاكم التفتيش. كان هناك وقت بدت فيه البروتستانتية شريرة كما تبدو البلشفية الآن. أرجو ألا تستنجوا من كلامي أنني بروتستانتي أو بلشفي.
بكل الأحوال، العقوبات القانونية في العالم الحديث أقل العوائق أهمية التي تواجهها حرية التفكير. أهم عائقين هما العقوبات الاقتصادية وتحريف الأدلة. من الواضح أنّ التفكير لا يمكن أن يكون حراً إذا لم يُسمح لمن يعتنق آراءً معينة أن يمارس مهنةً يعتاش منها. من الواضح أيضاً أن التفكير لا يمكن أن يكون حراً إذا تم تقديم كافة الحجج بأكثر الطرق جاذبية بشكل دائم لصالح أحد طرفي النقاش، فيما لا يمكن اكتشاف حجج الطرف الثاني إلا بالبحث الجاد. نجد هذين العائقين في كل البلاد الكبيرة التي أعرفها، باستثناء الصين، الملجأ الأخير للحرية6. سنبحث في هذين العائقين: حجم حضورهما، وأرجحية تعاظم نفوذهما، واحتمالية تضاؤلهما.
نستطيع القول أن التفكير حر عندما تتنافس الآراء المختلفة بحرية، أعني عندما تستطيع جميع الآراء عرض قضيتها دون أن يتم فرض عقوبات مالية أو قانونية على أي من هذه الآراء. هذه حالة مثالية، لا يمكن تحقيقها بشكل كامل، لأسباب متعددة. ولكن يمكننا الاقتراب منها بشكل أكبر من حالتنا الحاضرة.
ثلاث حوادث في حياتي الشخصية ستظهر لكم أنه في إنكلترا المعاصرة، يتم التلاعب بكفة الميزان لصالح المسيحية. سأشير إلى هذه الحوادث لأن الكثير من الناس لا يعرفون مقدار الأذى الذي يتعرض له من يصرحون باللاأدرية علناً.
تعود الحادثة الأولى إلى فترة مبكرة جداً من حياتي. كان والدي مفكراً حراً، ولكنه توفي عندما كنت في الثالثة من عمري. مؤملاً تنشئتي دون خرافات، فقد حدد مفكرَين أحرار كأوصياء علي. ولكن المحكمة تجاهلت طلبه، وفرضت عليَّ تعليماً متوافقاً مع الإيمان المسيحي. أخشى أن تكون النتائج مخيبة للآمال، ولكن هذا ليس خطأ القانون. لو أوصى بتنشئتي ضمن طائفة «الإخوة في المسيح»7، أو «أتباع مغلتون»8، أو «السبتيين»9 لما حلمت الكنيسة بمعارضته. للوالد الحق في أن يطلب زرع أي نوع ممكن تخيله من الخرافات في ذهن أبنائه، ولكن ليس له الحق في أن يطلب إبعادهم عن الخرافات إن أمكن ذلك.
وقعت الحادثة الثانية سنة 1910. كنت أرغب في تلك الفترة في الترشح للبرلمان عن الحزب الليبرالي10، ونصحني مسؤولو الحزب بدائرة معينة للترشح. ألقيت كلمة لرابطة الليبراليين الذين عبروا عن إعجابهم بها، وبدا اختياري كمرشح عن الحزب مؤكداً. ولكن عند سؤالي من قبل لجنة الانتخابات الداخلية، اعترفت بأنني لاأدريّ. سألوا إن كان الأمر سيخرج للعلن، وقلت أنني أرجّح ذلك. سألوا إن كنتُ مستعداً للذهاب إلى الكنيسة بين حين و آخر، وأجبتُ بالرفض. بالنتيجة، اختاروا مرشحاً آخر، نجح في الانتخابات، وهو عضو في البرلمان منذ ذلك الوقت، وعضو في الحكومة الحالية.
الحادثة الثالثة وقعت مباشرةً بعد ذلك. كنت مدعواً من قبل جامعة ترينيتي في كامبردج كمحاضر، وليس كزميل. الاختلاف ليس مادياً؛ بل يكمن في أن للزميل صوتاً في إدارة الجامعة، ولا يمكن فصله خلال فترة زمالته إلا لأسباب أخلاقية خطيرة. كان السبب الرئيسي لعدم اختياري للزمالة رغبة الطرف الكهنوتي في عدم إضافة صوت للطرف غير الكهنوتي. النتيجة أنهم استطاعوا فصلي عندما لم تعجبهم آرائي حول الحرب11 لو كنتُ معتمداً على عملي كمحاضر، لتضورتُ جوعاً.
توضّح هذه الحوادث الثلاثة أنواعاً مختلفة من الأذى الذي يصيب من يعبر عن رأيه علانيةً في إنكلترا المعاصرة. سيخبرنا أي مفكر حر آخر يعلن أفكاره بحوادث مماثلة من تجاربه الشخصية، وقد تكون أكثر جدية على الأغلب. النتيجة الحقيقية أن الذين لا يتمتعون بالثروة لن يجرأوا على التعبير عن معتقداتهم الدينية.
لا يتعلق غياب الحرية، بالطبع، بشكل رئيسي أو مخصوص بالأمور الدينية. يشكل الإيمان بالشيوعية أو بالحب الحر12 عائقاً أكثر من اللاأدرية. لا يتعرض من يحمل هذه الآراء للأذى فقط، بل من الصعوبة بمكان الحصول على فرصة لعرض حججه أيضاً. من جهة أخرى، في روسيا الأذى والمنافع معكوسان: يتم الوصول إلى الراحة والقوة عن طريق تبني الإلحاد والشيوعية والحب الحر، ولا توجد أية فرصة لبروباغندا مضادة لهذه الآراء. النتيجة أنه في روسيا تشعر مجموعة من المتعصبين بالثقة الكاملة بمجموعة قضايا قابلة للشك، فيما في بقية العالم تشعر مجموعة أخرى من المتعصبين بثقة مماثلة بمجموعة قضايا قابلة للشك بنفس الدرجة، ومتناقضة تماماً مع المجموعة الأولى. في مثل هذا الوضع، تنمو الحرب والمرارة والاضطهاد حتماً في الجانبين.
اعتاد وليم جيمس أن يبشّر بـ «إرادة الاعتقاد». من جهتي، أود أن أبشّر بـ «إرادة الشك». كل معتقداتنا ليست صحيحة تماماً، في كل منها غمامة من الغموض والخطأ. طرق زيادة درجة صحة معتقداتنا معروفة جيداً؛ وتكمن في الإنصات إلى كل الأطراف، ومحاولة التحقق من كل الوقائع ذات الصلة، والسيطرة على انحيازاتنا عن طريق النقاش مع من يحملون انحيازات مختلفة، وتطوير استعداد للتخلي عن أي فرضية ثبت خطلها. تُمارس هذه الطرق في العلوم، وقد أسست مجموع المعرفة العلمية. كل من يملك النظرة العلمية حقيقةً مستعد للاعتراف بأن ما نعتبره معرفة علمية في الوقت الحاضر يتطلب بالتأكيد تصحيحاً مع تقدّم الاكتشافات؛ مع ذلك، هذه المعرفة قريبة بما يكفي من الحقيقة في معظم الأمور العملية، وليس جميعها. في العلوم، حيث نجد ما يقارب المعرفة الأصيلة فقط، موقف الإنسان متردد ومليء بالشك.
على العكس من ذلك، في الدين والسياسة، وعلى الرغم من غياب ما  يقارب المعرفة العلمية حتى الآن، يرى كل إنسان أنه من الضروري أن يملك رأياً دوغمائياً، وأن يدعم موقفه بنشر المجاعات والسجون والحروب، وأن يحرس نفسه جيداً من أي منافسة مع الحجج المختلفة. لو أمكن فقط إقناع الناس بتبني إطار فكري مؤقت لاأدري في هذه الأمور، لأمكن علاج تسعة أعشار الشرور في هذا العالم. ستصبح الحرب مستحيلة، لأن كل طرف سيدرك أن كلا الطرفين على خطأ. سيتقلص الاضطهاد. سيهدف التعليم إلى توسيع العقل، لا إلى تقليصه. سيتم اختيار الناس للعمل بناءً على ملاءمتهم  له، وليس لقبولهم الدوغمات اللاعقلانية لأولئك اللذين في السلطة. الشك العقلاني وحده، إن وُجد، سيكفي للوصول إلى الألفية.13
لدينا أنموذج رائع عن المزاج العلمي في السنوات الأخيرة، وهو نظرية النسبية واستقبالها عالمياً. عُيّن أينشتاين، اليهودي السويسري الألماني داعية السلام، أستاذاً للبحوث من قبل الحكومة الألمانية في الأيام الأولى للحرب، وقد تم التحقق من تنبؤاته عن طريق بعثة انكليزية راقبت كسوف الشمس سنة 1911 بعد الهدنة بوقت قصير. قلبت نظريته كامل الإطار النظري للفيزياء التقليدية، وقد تضرر منها علم الديناميك التقليدي بنفس الطريقة تقريباً التي أضر بها داروين سفر التكوين. بالرغم من ذلك فقد أبدى الفيزيائيون استعداداً كاملاً لقبول نظريته حالما ظهرت الأدلة التي تؤيدها. ولكن لم يدّع أي منهم، ولا حتى أينشتاين نفسه طبعاً، أنه قال الكلمة الأخيرة. لم يبن لنفسه نصباً من التعاليم المعصومة التي ستعيش أبد الدهر. هناك صعوبات لا يستطيع حلها؛ تعاليم سيتم تعديلها كما عدلت هذه التعاليم تعاليم نيوتن. هذا التقبل المنفتح النقدي هو السلوك الحقيقي للعلم.
ما الذي كان سيحدث لو قام أينشتاين بتقديم شيء مساوٍ في جِدّته في حقل الدين أو السياسة؟  سيجد الإنكليز عناصر من البروسانية14 في نظريته؛ وأعداء السامية سيعتبرونها خطة صهيونية؛ القوميون في جميع البلدان سيجدونها ملوّثة بدعوة سلمية مُفرطة، وسيعلنون أنها مجرد محاولة للتهرب من خدمة العلم. كل بروفسور من الطراز القديم سيطلب من «اسكوتلند-يارد» أن تمنع استيراد كتاباته. سيُطرد الأساتذة المقتنعون بنظرياته. أما هو سيسيطرعلى أحد البلدان المتأخرة حيث سيصبح من غير القانوني تعليم أي شيء عدا نظرياته، التي ستنمو لتصبح مجموعة تعاليم مبهمة لا يفهمها أحد. سيتم تقرير صحة أم خطل معتقداته على أرض المعركة، دون جمع أي دليل جديد معها أو ضدها. هذه الطريقة هي النتيجة المنطقية لتعاليم وليم جيمس في "إرادة الإيمان".
المطلوب ليس إرادة الإيمان، بل إرادة البحث، والتي تشكّل بالضبط النقيض لها.
إذا وافقنا على أن الشك العقلاني مرغوب، سيكون هاماً أن نبحث عن أسباب وجود كل هذا اليقين اللاعقلاني في العالم. سبب رئيسي يكمن في اللاعقلانية والسذاجة الموروثة للطبيعة البشرية العادية. ولكن هذه البذرة للخطيئة الأصلية الفكرية تتغذى وتنمو بفعل عوامل أخرى، ثلاثة منها تلعب دوراً محورياً، وهي التعليم، والبروباغندا، والحاجة الاقتصادية. فلننظر إلى كل منهم بالترتيب.
أولاً، التعليم. التعليم الابتدائي، في كافة الدول المتقدمة، يقع على كاهل الدولة. يعرف مسؤولو المناهج أن بعض ما يدرّسونه خاطئ، ويعرف أي شخص حيادي أن أموراً أخرى خاطئة، أو مشكوك بها لدرجة كبيرة. لنأخذ، على سبيل المثال، تدريس التاريخ. تطمح كل أمة إلى تمجيد نفسها في كتب التاريخ المدرسية. عندما يكتب أحدهم سيرته الذاتية، نتوقع أن يُظهر بعض التواضع؛ ولكن عندما تكتب أمةٌ سيرتها الذاتية، فلا حدود لتبجحها وزهوها. عندما كنتُ صغيراً، تعلّمنا في المدرسة أن الفرنسيين أشرار وأن الألمان أخيار؛ الآن يدرّسون العكس. لا يوجد في كلتا الحالتين أي اعتبار للحقيقة. فيما يتعلّق بمعركة واترلو، تقول الكتب المدرسية الألمانية أن ويلينغتون كاد يُهزم لولا تدخل بلوخر، أما الكتب المدرسية الإنكليزية فتقول أن تأثير وصول بلوخر كان ضئيلاً. يعرف مؤلفو الكتب الألمانية والإنكليزية أنهم لا يقولون الحقيقة. كانت الكتب المدرسية الأميركية معادية للإنكليز بعنف؛ ومنذ الحرب أصبحوا مؤيدين للإنكليز15، دون أي اعتبار للحقيقة في الحالتين. الهدف الرئيسي للتعليم في الولايات المتحدة، قبل ومنذ الحرب، هو تحويل المجموعة المتنافرة من أبناء المهاجرين إلى «أميركيين جيدين». يبدو أن أحداً لم يفكر أن «الأميركي الجيد»، كـ «الألماني الجيد» أو «الياباني الجيد»، يجب أن يكون إنساناً سيئاً إلى هذا الحد. «الأميركي الجيد» هو الرجل أو المرأة التي تشربت بالإيمان أن أميركا هي أفضل البلدان على الأرض، ويجب دعمها بحماسة في أي نزاع. من المحتمل أن تكون كل هذه العبارات صحيحة؛ وإن كانت كذلك، فلا يجد الرجل العقلاني أي مشكلة معها. ولكن إن كانت فعلاً صحيحة، فيجب تدريسها في كل مكان، وليس في أمريكا فقط. إنه لأمر مثير للريبة أن هذه العبارات لا يصدقها أحد خارج البلد الذي تمجّده. في غضون ذلك تعمل آلية الدولة، في جميع البلدان، على أن يؤمن الأطفال العزّل بالعبارات الخرقاء التي تجعلهم راغبين في الموت دفاعاً عن مصالح شريرة حاملين الانطباع بأنهم يقاتلون من أجل الحقيقة والحق. هذه طريقة واحدة من عدد لا محدود من الطرق التي تعتمدها التربية، لا لتقديم معرفة حقيقية، بل لجعل الناس مذعنين لأسيادهم. دون نظام مفصل من الخداع في المدارس الابتدائية، سيكون من المستحيل الحفاظ على المظهر الخدّاع للديمقراطية.
قبل أن أترك موضوع التربية، سأعطي مثالاً آخر من أميركا16، ليس لأن أميركا أسوأ من غيرها ، بل لأنها الأحدث، و تظهر فيها  الأخطار المتعاظمة عوضاً عن الأخطار المتناقصة. في ولاية نيويورك لا يمكن تأسيس مدرسة دون موافقة الولاية، حتى لو تم دعمها بتمويل خاص بشكل كامل. أضاف قانون جديد أن لا رخصة تعطى لمدرسة «إذا تبيّن أنها تحوي على مناهج تقول أنه يمكن تغيير الحكومات المنظّمة عن طريق القوة والعنف والأساليب غير الشرعية». كما أشارت جريدة الجمهورية الجديدة، لا حدود لهذه أو تلك الحكومة المنظّمة. تبعاً للقانون، تدريس وجوب خلع حكومة القيصر غير قانوني خلال الحرب؛ ومنذ ذلك الحين، دعم كولاتشاك أو دينيكين ضد حكومة الاتحاد السوفييتي غير قانوني أيضاً17. هذه العواقب بالطبع لم تكن مقصودة، ونتجت فقط بسبب حماقة واضع القانون. ما كان مقصوداً سيظهر من خلال قانون آخر تمت الموافقة عليه في الوقت ذاته، ويختص بمعلّمي مدارس الدولة. هذا القانون يعطي الرخصة للتدريس في هذه المدارس فقط لأولئك الأشخاص اللذين «أظهروا بشكل مُرْضٍ أنهم مخلصون ومطيعون لحكومة هذه الولاية والولايات المتحدة»، ويحجب الرخصة عن أولئك الذين شجّعوا، بغض النظر عن متى وأين، «شكلاً من الحكومة مختلفاً عن حكومة هذه الولاية أو الولايات المتحدة». اللجنة التي صاغت هذه القوانين، بحسب الجمهورية الجديدة، أوضحت أن الأستاذ الذي «لا يقرّ النظام الاجتماعي الحالي … عليه أن يتخلّى عن وظيفته»، وأن «كل من لا يعادي نظريات التغيير الاجتماعي لا يمكن أن يؤتمن على تعليم الصغار والكبار مسؤوليات المواطن». إذن، تبعاً لقوانين ولاية نيويورك، جورج واشنطن ويسوع فاسدان أخلاقياً ولا يصلحان لتعليم الناشئين. لو ذهب يسوع إلى ولاية نيويورك و قال: «دعوا الأولاد يأتون إلي ولا تمنعوهم»، لأجاب رئيس اللجنة التعليمية في نيويورك: «سيدي، أنا لا أجد أي دليل أنك تعادي نظريات التغيير الاجتماعي. في الحقيقة، لقد سمعت أنك تدعم ما يُسمّى بمملكة السماء، فيما هذا البلد، حمداً لله، جمهوري. من الواضح أن الحكومة في مملكتك السماوية تختلف مادياً عن ولاية نيويورك، لذا لن يسمح للأطفال بالوصول إليك». إذا لم يكن هذا رده، فهو لم يؤدّ مهامه كموظف مؤتمن على تطبيق القانون.
نتائج مثل هذه القوانين جدية جداً. لنفرض جدلاً أن الحكومة والنظام الاجتماعي في ولاية نيويورك هما أفضل ما وجد على وجه البسيطة؛ ولكن حتى في هذه الحال فمن الممكن تحسينهما. أي شخص يؤمن بذلك لن يتمكن من التدريس في مدارس الولاية. فالقانون يقضي بأن يكون الأساتذة إما منافقين أو حمقى.
الأخطار المتعاظمة التي رأيناها في قوانين نيويورك تنتج عن احتكار السلطة في أيدي منظمة واحدة، سواء كانت الدولة أو مجلس مؤتمن أو اتحاد مجالس. في التعليم السلطة في يد الدولة التي تستطيع منع الناشئة من سماع أي مذهب لا يعجبها. أعتقد أن البعض مازال يرى أنه لا يمكن تقريباً التمييز بين الدولة الديمقراطية والشعب. ولكن هذا وهم. الدولة تجمع موظفين، يتمايزون بحسب الأهداف المتمايزة في الدولة، و يحصلون على دخل مريح طالما الأوضاع القائمة مستقرة. التغيير الوحيد الذي يحبذون حصوله على الأوضاع القائمة هو زيادة البيروقراطية وسلطة البيروقراطية. لذا من الطبيعي أن يستفيدوا من فرصة كالحماسة للحرب للحصول على سلطة تفتيش محكوميهم، والتي تسمح لهم بتجويع من يعارضهم. في قضايا الفكر، كما في موضوع التعليم، هذا الوضع كارثي وسيضع نهاية لكل إمكانية للتقدّم أو الحرية أو المبادرة الخلاقة. مع ذلك هذه هي النتيجة الطبيعية للسماح لمنظمة واحدة بالسيطرة على التعليم الابتدائي.
التسامح الديني، إلى درجة ما، انتصر لأن الناس لم تعد تعتقد أن الدين هام كما كان يُعتقد سابقاً. ولكن في السياسة والاقتصاد، اللذين يشغلان الموقع الذي كان الدين يشغله سابقاً، هناك ميل متزايد للاضطهاد، ولا يقتصر هذا الميل على فريق واحد. اضطهاد الآراء في روسيا أعنف من أي بلد رأسمالي. لقد التقيت في بيترغراد بشاعر روسي عظيم، الكسندر بلوك، وقد توفي بعدها من الفاقة. سمح له البلاشفة بتدريس علم الجمال، ولكنه اشتكى من أنهم أصروا على تدريسها «من وجهة نظر ماركسية». لم يجد طريقةً لاكتشاف صلة بين نظريات التناغم والماركسية، بالرغم من أنه، لتفادي الجوع، بذل كل ما في وسعه. بالطبع، أصبح من المستحيل في روسيا منذ وصول البلاشفة إلى الحكم نشر أي نقد للتعاليم المؤسسة لنظامهم.
توضّح الأمثلة الروسية والأمريكية النتائج التي يبدو أننا سنصلها، وهي طالما أن البشر يحملون هذا الإيمان المتعصّب بأهمية السياسة يستحيل التفكير الحر في الشؤون السياسية، وهناك خطر كبير من أن يمتد غياب الحرية إلى كل الشؤون الأخرى، كما حصل في روسيا. فقط بعض الريبة السياسية ستحمينا من مثل هذه المصيبة.
لا يجب الافتراض بأن المسؤولين عن التعليم يرغبون بتعليم الشباب. على العكس، مشكلتهم تكمن في كيفية نقل المعلومات دون نقل الذكاء. يجب أن يكون للتعليم غايتان: الأولى توصيل معارف محددة، كالقراءة والكتابة، اللغات والرياضيات، إلخ؛ أما الثانية فخلق العادات الفكرية التي تساعد الناس على تحصيل المعرفة وإطلاق الأحكام بأنفسهم. نستطيع أن ندعو الأولى بالمعلومات والثانية بالذكاء. يُعترف بفائدة المعلومات على الصعيد العملي كما على الصعيد النظري؛ الدولة الحديثة لا توجد بدون سكان قادرين على القراءة والكتابة. ولكن يُعترف بفائدة الذكاء على الصعيد النظري فقط، وليس العملي؛ ليس من المرغوب أن يفكر الناس العاديين بأنفسهم، لأنه يصعب التحكم بالناس الذين يفكرون بأنفسهم، وهم يسببون الكثير من الإشكاليات الإدارية. فقط الحرّاس، بلغة أفلاطون، يفكّرون؛ البقية يطيعون، أو يتبعون القادة كقطيع الغنم. هذا المذهب، غالباً بشكل لا واعٍ، لم يتغير في الديمقراطية السياسية، وقد خرّب كل أشكال التعليم الوطنية جذرياً.
أكثر البلدان نجاحاً في نشر المعلومات دون ذكاء هي آخر البلدان التي انضمت إلى ركب الحضارة الحديثة، أي اليابان. يُقال أن التعليم الابتدائي في اليابان ممتاز من حيث التوجيه. ولكن، بالإضافة إلى التوجيه، هناك غاية أخرى، وهي تعليم عبادة الميكادو18، وهو مذهب أقوى بمراحل الآن مما كان سابقاً قبل تحديث اليابان. ذلك أن المدارس استُخدمت لنقل المعرفة وتعزيز الخرافات في نفس الوقت. بما أن عبادة الميكادو لا تغرينا، فنحن نرى بوضوح سخف التعليم الياباني. تبدو لنا خرافاتنا الوطنية طبيعية ومعقولة، لذا فلا نتخذ منها الموقف الصحيح كما نفعل فيما يتعلق بخرافات اليابان. ولكن إن قال مسافر ياباني أن مدارسنا تعلّم خرافات تتناقض مع العقل، أشك بأن يستطيع إقناعنا بموقفه. [..]
أنا لا أبحث عن حلول الآن، ولكن فقط عن الأسباب. لقد واجهنا النتيجة الإشكالية التي تقول بأن التعليم أصبح أحد العقبات الرئيسية أمام ذكاء وحرية التفكير. السبب الرئيسي لذلك يكمن في احتكار الدولة للتعليم، ولكن هذا ليس بالسبب الوحيد.
ثانياً، البروباغندا. يجعل نظامنا التعليمي الشباب قادرين على القراءة، ولكن في معظم الأحيان غير قادرين على وزن البراهين أو على تكوين آراء مستقلة. بعد ذلك، ولبقية عمرهم، يستمعون إلى أقاويل تجعلهم يؤمنون بكل أشكال الأمور الخرقاء، من قبيل أن الحبّة السحرية تشفي جميع الأمراض، وأن جزيرة «سبيتزبرجن» النرويجية دافئة وخصبة، وأن الألمان يأكلون الجثث. فن البروباغندا، كما تمارسه الحكومات والسياسيون في العصر الحديث، مستمد من فن الإعلانات. يدين علم النفس بالكثير لفن الإعلانات. في الأيام السابقة لم يكن معظم علماء النفس ليصدقوا بأن أحدهم يستطيع إقناع الكثير من الناس بأن بضاعته ممتازة فقط عن طريق التأكيد بأن بضاعته ممتازة. ولكن التجارب أظهرت أنهم كانوا مخطئين. لو وقفتُ في مكان عام وقلتُ أنني الرجل الأكثر تواضعاً، لضحك الناس عليّ؛ ولكن إن استطعت جمع المال الكافي لوضع نفس المقولة على كافة الباصات واللوحات الإعلانية على كافة طرق القطارات الرئيسية، لاقتنع الناس فوراً بأن خجلي من الشهرة استثنائي. لو ذهبت إلى صاحب محل وقلت له: «انظر إلى منافسك في الشارع، إنه يستولي على أعمالك؛ ألا تعتقد أن الذهاب إليه وإطلاق النار عليه قبل أن يطلق هو النار عليك خطة جيدة؟» – لو قلت هذا لاعتقد صاحب المحل أنني مجنون. ولكن عندما تقول الحكومة ذلك مع تأكيد وبوجود جوقة مصاحبة، يتحمّس أصحاب المحلات، ويندهشون جداً عندما تتراجع أعمالهم فيما بعد. البروباغندا، كما تُمارس بأساليب الإعلان التي ثبت نجاحها، هي الآن إحدى طرق الحكم المعروفة للحكومات في كافة الدول المتقدمة، وتمثّل خصوصاً الطريقة التي يتم بها تشكيل الآراء الديمقراطية.
هناك شرّان مختلفان تماماً في البروباغندا كما تُمارس اليوم. من جهة، تخاطب البروباغندا الأسباب اللاعقلانية للإيمان بدلاً من الحجج الجدية؛ من جهة أخرى، تعطي أفضلية غير مستحقة لمن يستطيع الحصول على أكبر شعبية، سواء عن طريق المال أو عن طريق السلطة. من جهتي، أرى أن الكثير من الضجة التي تُثار أحياناً في حقيقة أن البروباغندا تخاطب العواطف وليس العقل غير ضرورية. الخيط الفاصل بين العواطف والعقل ليس حادّاً كما يعتقد البعض. أكثر من ذلك، يستطيع الرجل الذكي أن يصيغ حجة عقلانية لدعم أي موقف له فرصة أن يُقبل. هناك دائماً حجج جيدة على جانبي أي نقاش حقيقي. نستطيع منطقياً الاعتراض على المقولات التي لا تتفق مع الحقائق، ولكن هذه المقولات ليست ضرورية على الإطلاق. مجرد كلمات «كصابون بيرز»19، و التي لا تقول شيئاً، كافية لجعل الناس يشترون هذا المنتج. إذا استبدلنا هذه الكلمات ب«حزب العمال»، ملايين الناس سيصوّتون لحزب العمال، بالرغم من أن الإعلان لم يدّع أية فضيلة مهما تكن. ولكن إن فرضنا قانوناً يجعل مقولات طرفي أي نزاع  مقتصرة على جمل منطقية تتحقق من صحتها وصلتها بالموضوع لجنة من المناطقة المحترمين، لبقي شر البروباغندا كما تمارس اليوم قائماً. لنفترض، تحت مثل هذا القانون، أن حزبين يطرحان حججاً متساوية في صحتها، ولكن أحدهما يملك مليون جنيه استرليني فيما الثاني يملك مئة ألف. من الواضح أن حجج الحزب الأغنى ستصبح معروفة أكثر من حجج الحزب الأفقر، ولذا سينتصر الحزب الأغنى. هذا الوضع سيكون أصعب عندما يكون أحد الحزبين هو الحاكم. في روسيا تحتكر الحكومة البروباغندا بشكل كامل، ولكن هذا ليس ضرورياً. الأفضلية التي تتفوق فيها على منافسيها كافية بشكل عام لضمان النصر، إلا إذا كانت قضيتها سيئة بشكل استثنائي.
 الاعتراض على البروباغندا لا يكمن فقط في مناشدتها للجانب اللاعقلاني فينا، بل أيضاً في إعطائها الأفضلية لمن يملك المال والسلطة. المساواة في الفرص بين الآراء جوهرية لوجود حرية التفكير؛ ونستطيع ضمان المساواة في الفرص بين الآراء عن طريق وضع قوانين تهدف إلى ذلك، ولكن لا يوجد أي سبب يجعلنا نتوقع سنّها. العلاج لا يكمن بشكل أساسي في مثل هذه القوانين، بل في تعليم أفضل ورأي عام أكثر ارتياباً. الآن، لست مهتماً بمناقشة الحلول.
ثالثاً، الضغط الاقتصادي. لقد عالجت سابقاً بعض جوانب هذه العقبة أمام حرية التفكير، ولكن أود الآن الكلام عنها بالخطوط العامة، كخطر سيتعاظم حتماً إن لم نتخذ بعض الخطوات لمواجهته. أفضل مثال لاستخدام الضغط الاقتصادي ضد حرية الرأي هو روسيا السوفيتية، حيث تستطيع الحكومة، بل وقد قامت، بتجويع من يخالفونها في الرأي، كما حدث مع كروبوتكين20. ولكن في هذا الأمر روسيا متقدمة فقط عن بلدان أخرى. في فرنسا، خلال قضية دريفوس21، أي أستاذ كان سيفصل من عمله إن دعم دريفوس في بداية القضية أو إن عاداه مع نهايتها. في أميركا في أيامنا هذه، أشك أن يستطيع أي بروفيسور في الجامعة، مهما كان بارزاً، أن ينتقد شركة «ستاندرد أويل»، لأن جميع الرؤساء قد تلقّوا أو يأملون بأن يتلقوا مساعدات من السيد روكفلر. في كل مكان في أميركا يتم التمييز ضد الاشتراكيين، ومن الصعوبة بمكان أن يجدوا عملاً إلا إذا كانوا موهوبين بشكل استثنائي. في كل مكان تتطور فيه الصناعة بشكل جيد، نجد الميل نحو الاحتكار والاتحادات الاحتكارية للتحكم بكامل الصناعة، الأمر الذي يؤدي إلى تقليص العدد المحتمل لأصحاب العمل، مما يجعل من السهل الاحتفاظ بكتاب أسود سرّي يتم عن طريقه تجويع كل من يعارض الشركات الكبرى. يقدّم تنامي الاحتكار في أميركا العديد من الشرور التي ارتبطت باشتراكية الدولة كما نجدها في روسيا. من وجهة نظر الحرية، لا فارق للمرء إن كانت الإمكانية الوحيدة للعمل في الدولة أو في شركة كبرى.
في أميركا، الدولة الأكثر تقدّماً صناعياً، وبشكل أقل في البلدان التي تقترب من النموذج الأمريكي، من الضروري للإنسان العادي إن أراد ضمان رزقه، أن يتجنّب خصومة بعض الرجال الكبار. ولهؤلاء الرجال الكبار رؤيتهم الخاصة، الدينية والأخلاقية والسياسية، والتي يتوقعون من موظفيهم أن يوافقوا عليها، على الأقل ظاهرياً. الرجل الذي يخرج عن المسيحية علناً، أو يؤمن بتلطيف قوانين الزواج، أو يعترض على سلطة الشركات الكبرى، سيجد أميركا بلداً مزعجاً جداً، إلا إن كان كاتباً بارزاً. بالضبط نفس نوع القيود على حرية التفكير ستسود في كل بلد تتطور منظماته الاقتصادية إلى مستوى الاحتكار العملي. لذلك فالحفاظ على الحرية في عالم ينمو باستمرار لهو أمر أصعب مما كان في القرن التاسع عشر، عندما كانت المنافسة الحرة حقيقية. على كل من يكترث بحرية العقل أن يواجه هذا الوضع بصراحة ووضوح، متفهّماً عدم إمكانية تطبيق الأساليب التي كانت صالحة عندما كانت الحركة الصناعية في بدايتها.
هناك مبدأين اثنين بسيطين، إذا تبنيناهما، سيحلّان كل المشاكل الاجتماعية تقريباً. الأول أن أحد أهداف التعليم يجب أن يشمل ألا يصدّق الناس إلا المقولات التي يوجد سبب ما لتصديقها. الثاني أن العمل يجب أن يعطى بناءً على القدرة على القيام به فقط.
لنبدأ بالنقطة الثانية أولاً. عادة النظر إلى آراء المرء الدينية والأخلاقية والسياسية قبل توظيفه هي الشكل الحديث من الاضطهاد، وعلى الأغلب ستصبح فعّالة كمحاكم التفتيش. يمكن الحفاظ على الحريات القديمة قانونياً دون تطبيقها بشكل عملي على الإطلاق. إذا جُوّع المرء بسبب آرائه عملياً، لن يواسيه أن القانون لا يعاقب هذه الآراء. يوجد شعور عام ضد تجويع الناس بسبب عدم انتمائهم إلى كنيسة إنكلترا، أو لحملهم آراء غير تقليدية بشكل ما في السياسة. ولكن لا يكاد يوجد أي شعور ضد تجويع الملحدين وأتباع الطائفة المورمونية، والشيوعيين المتشددين، ومؤيدي الحب الحر. يُعتبر هؤلاء الناس أشراراً، ومن الطبيعي أن يُرفض توظيفهم. لم يدرك معظم الناس بعد، أن رفض توظيفهم، في دولة صناعية متقدمة، يشكل صيغة منظمة جداً من الاضطهاد.
في حال فهم الناس خطورة هذا الأمر، من الممكن تحريك الرأي العام، وضمان ألا تكون آراء المرء عقبة أمام حصوله على عمل. حماية الأقليات مهمة بشكل حيوي؛ وأكثرنا تمسّكاً بالتقاليد قد يجد نفسه أقليةً يوماً ما، لذا فجميعنا مهتمون بكبح طغيان الأكثرية. لا شيء إلا قبول الرأي العام سيحل هذه المشكلة. الاشتراكية تجعل المشكلة أكثر حدةً، بما أنها تقضي على الفرص المتاحة الآن من خلال أصحاب العمل الاستثنائيين. كل زيادة في حجم المشاريع الصناعية يجعل الأمور أسوأ، بما أنها تقلّص عدد أصحاب العمل المستقلّين. يجب خوض المعركة بالضبط كما خيضت معركة التحرر الديني. وفي هذه الحالة، كما في تلك، سيثبت أن اضمحلال قوة الإيمان هو العامل الرئيسي في المعركة. طالما آمن الناس بأن الحقيقة المطلقة تكمن في البروتستانتية أو الكاثوليكية، كانوا مستعدين لاضطهاد غيرهم باسم هذا الإيمان. طالما وجد الناس اليقين في معتقداتهم الحديثة، سيضطهدون الآخرين باسم هذه المعتقدات. ضرب من الشك جوهري، ليس للنظرية، بل لممارسة التسامح. وهذا يجعلني أنتقل إلى النقطة الثانية، وهي الغاية من التعليم.
إن كان للتسامح أن يوجد في هذا العالم، فأحد الأمور التي يجب تعليمها في المدارس وزن الأدلة، وعادة عدم قبول أي مقولة لا يوجد أي سبب لتصديقها. على سبيل المثال، يجب تعليم فن قراءة الصحف. على الأستاذ أن يختار حادثة أثارت الاهتمام السياسي في زمن سابق. ثم عليه أن يقرأ للطلاب ما كتبته الصحف الداعمة لجانب، ثم الصحف الداعمة للجانب الآخر، ثم القصة الحيادية لما حدث حقاً. يجب أن يُظهر لهم أن القارئ الخبير يستطيع من خلال قراءة الطرفين المنحازين أن يستنتج ما حدث فعلاً، ويجب أن يفهموا أن كل ما  يُكتب في الصحف غير صحيح تقريباً. الشكّية الساخرة الناتجة من هذا التعليم ستجعل الأطفال في حياتهم اللاحقة محصّنين من إغراء المثاليات التي تستميل الناس الطيبين إلى خطط الأوغاد.
يجب تدريس التاريخ بنفس الطريقة. يمكن البدء بدراسة حملات نابليون في عامي 1813 و1814، على سبيل المثال، عن طريق مجلة المونيتور22، وصولاً إلى دهشة الباريسيين من رؤية الحلفاء على أسوار العاصمة فيما كانوا يقرؤون (بحسب التقارير الرسمية) أن نابليون انتصر في كل معاركه. في الصفوف الأعلى، يجب تشجيع الطلاب على تعداد المرات التي اغتال فيها تروتسكي لينين، كي يتعلموا احتقار الموت23. أخيراً، يجب إعطاؤهم كتاباً مدرسياً حكومياً، ثم يُطلب منهم أن يستنتجوا ما سيقوله كتاب التاريخ الفرنسي عن حروبنا مع فرنسا. كل ذلك سيكون تدريباً أفضل على المواطنة من الحِكم الأخلاقية المبتذلة التي يصدّق بعض الناس أن غرس الواجبات المدنية يتم عن طريقها.
يجب الاعتراف، برأيي، بأن الشرور في هذا العالم تنتج من النقائص الأخلاقية كما من غياب الذكاء. ولكن لم يكتشف الجنس البشري بعد وسيلة لاستئصال النقائص الأخلاقية؛ الوعظ والنصح لا يضيف إلا النفاق إلى لائحة المخازي السابقة. الذكاء، على العكس من ذلك، يمكن تطويره بأساليب معروفة لكل معلم كفؤ. لذلك، وإلى حين اكتشاف طريقة لتعليم الفضائل، السبيل للتقدم سينحصر في تطوير الذكاء وليس الأخلاق. السذاجة هي إحدى العقبات الرئيسية أمام الذكاء، ونستطيع تقليص السذاجة بشكل كبير بتوجيه الانتباه إلى الأشكال المسيطرة من الكذب. السذاجة شر أكبر اليوم مما كانت سابقاً، لأنه، وبسبب انتشار التعليم، من الأسهل الآن نشر معلومات خاطئة، وبسبب الديمقراطية، نشر معلومات خاطئة أكثر أهمية لمن هم في السلطة. لذا نشاهد تزايد توزيع الصحف.
إذا سُئلت كيف نستطيع إقناع العالم بتبني هذين المبدأين، أي (1) أن الوظائف يجب أن تعطى بناءً على القدرة على القيام بها؛ و(2) أن أحد أهداف التعليم يجب أن يكون شفاء الناس من عادة تصديق المقولات التي لا دليل على صحتها، أرى أن ذلك ممكن فقط بتشكيل رأي عام متنوّر. ومن الممكن تشكيل رأي عام متنوّر فقط بمساعي الناس الراغبين بوجوده. لا أعتقد أن التغييرات الاقتصادية التي يدعو إليها الاشتراكيون، بحد ذاتها، ستفعل أي شيء لعلاج الشرور التي عرضناها. أعتقد أنه، بغض النظر عما سيحصل في السياسة، ستزداد صعوبة الحفاظ على الحرية العقلية نتيجة التطور الاقتصادي، إلا إذا أصر الرأي العام على ألا يتحكّم صاحب العمل بحياة العمال إلا فيما يخص العمل. من السهل ضمان الحرية في التعليم، إن كان ذلك مرغوباً، بالحد من دور الدولة في الرقابة والتمويل، واقتصار الرقابة على توجيهات محددة. ولكن هذا، في الوضع الحالي، سيترك التعليم في أيدي  الكنائس، لأنها تتحرّق لتدريس معتقداتها أكثر مما يريد المفكرون الأحرار تدريس شكوكهم. ولكن سيكون المجال حرّاً والتعليم الحر ممكناً لو كان ذلك حقاً مرغوباً. لا يجب أن نطلب من القانون أكثر من ذلك.

خلال هذه المحاضرة كان هدفي نشر المزاج العلمي الذي يختلف تماماً عن المعرفة بالنتائج العلمية. يستطيع المزاج العلمي أن يعيد إنتاج البشرية، وأن يقدم حلولاً لمعظم مصاعبنا. نتائج العلم، على شكل الميكانيك والغازات السامة والصحافة الصفراء، قد تؤدي إلى نهاية حضارتنا. إنه لتناقض طريف، سيتأمله أحد سكان المريخ مستمتعاً بتجرد. ولكن بالنسبة لنا هذا أمر حياة أو موت. يتوقف عليه إن كان أحفادنا سيعيشون في عالم أكثر سعادة، أو سيبيدون بعضهم مستخدمين الطرق العلمية، تاركين للأفارقة ولسكان غينيا الجديدة مستقبل البشرية.

ليست هناك تعليقات: