الثلاثاء، 11 أكتوبر 2016

الوضع البشري عند ديكارت ولوك وكانط..




 


إن مسـاءلة الوضع البشري فعل يعني ضمنيا طرح المشكلات الفلسفية المرتبطة بوجود الإنسان في هذا العالم ، بالذات الإنسانية وعلاقاتها المختلفة بالعالم وبالآخرين في سياق فلسفي تؤطره إشكاليات : الوجود والمعرفة، فما هي تجليات الوضع البشري داخل الخطاب الفلسفي؟

منذ انفلات الفلسفة من شراك الأسطورة وانبنائها في صورة خطاب عقلاني مع الفلاسفة الطبيعيين (طاليس،انكسمانس،بارمينيد،هيراقليط....) توجهت إلى البحث في الوجود بما هو موجود ، ولم يقع التحول في الخطاب الفلسفي إلا مع السفسطائيين ورائدهم بروتاغوراس حيث تم اعتبار الإنسان مقياسا لكل شيء، ثم مع النداء السقراطي الشهير (اعرف نفسك بنفسك)، هذه الشذرات التي يحتفظ بها تاريخ الفلسفة تشكل بداية منعرج للخطاب الفلسفي باتجاه الذات عوض  العالم الموضوعي، لقد تم تبني هذا النهج في التفكير الفلسفي من طرف أفلاطون وأرسطو ...لكن ضمن مبحث أنطولوجي يطغى عليه مبدأ تأصيل الوجود وتقديم تفسير ميتافيزيائي له .
يجمع مؤرخو الفلسفة على أن اللحظة الأساسية للبحث في الذات /  الأنا لم تبدأ إلا في الفلسفة الحديثة مع الخطاب الديكارتي الذي رسم صورة للإنسان يلخصها قوله " أي شيء أنا إذن؟ أنا شيء مفكر. وما الشيء المفكر؟

إنه شيء يشك، ويفهم،ويتصور، ويثبت، وينفي، ويريد، ويتخيل، ويحس أيضاً. لقد أصبح الإنسان في الفلسفة الديكارتية ذاتا مفكرة، هو الذي يضفي صفة الوجود على الأشياء ، فلا معنى للعالم بدون وجود الذات الواعية التي تدرك قوانينه....
غير أن كانط في تصوره للإنسان والعالم والعلاقة بينهما قدم أطروحة مغايرة نسبيا للأطروحة الديكارتية، فهو يعتبر وجود العالم قائم دون شرط الوعي به، بينما الوجود يظل بدون معنى حسب ديكارت إذا ما توقفت الذات الواعية عن التفكير فيه.
إن هذه المواقف دفعت الفيلسوف هيجل إلى انتقاد كل من ديكارت و كانط  بدعوى أنهما أساءا فهم الذات وفهم العالم. لقد قامت الفلسفة الهيجيلية على مبدأ الحركة الجدلية (التحول والصيرورة)، فلا ثبات في العالم، ولا ثبات في المعرفة..إذ لا يتحقق الوعي بالذات إلا نتيجة عملية صراع مع الآخر، فالوعي بالذات يفترض الوعي بالآخر، هكذا شكلت الفلسفة الهيجيلية منعطفا في تاريخ الفلسفة ومن هنا سيبدأ التفكير في الوضع البشري: في الذات الإنسانية، في علاقاتها بالغير، في أعمالها داخل هذا الوجود؟
                                             
                                   
ننطلق من النص التالي : " ما الأنا؟ إن رجلا يقف على النافذة لرؤية العابرين يجعلني أتساءل إذا كنت أمر من هناك، هل وقف ذلك الرجل لرؤيتي أنا؟ الجواب لا، لأنه لا يفكر في أنا بصفة خاصة. لكن بالنسبة لإنسان يحب أحدا لجماله،هل يحبه فعلا؟  الجواب لا، لأن  داء الجدري إذ يقضي على الجمال، دون أن يقضي على الشخص، سيقضي على ذلك الحب تماما، وإذا كان هناك من يحبني لجودة حكمي أو لقوة ذاكرتي، فهل يحبني أنا فعلا؟ الجواب لا، لأنه يمكن أن أفقد تلك الصفات دون أن افقد ذاتي. فأين يوجد إذن هذا الأنا، إذا لم يكن لا في الجسم ولا في النفس؟ ثم كيف نحب الجسم أو النفس، إذا لم يكن بسبب تلك الصفات التي ليست هي الأنا أبدا، لأنها قابلة للزوال؟ وهل يمكن أن نحب بشكل مجرد جوهر نفس شخص مع بعض الصفات البارزة؟ هذا غير ممكن وغير عادل، إننا لا نحب أحدا إذن، بل نحب فقط صفات معينة. "بليز باسكال، خواطر، الفقرة 88 صص 36 /37  سنة 1963     . عن الكتاب المدرسي : في رحاب الفلسفة.
ينطلق باسكال من السؤال: ما الأنا؟ ويحاول افتراض مجموعة من الأجوبة: الأنا جسم يتحرك ..الأنا كائن جميل...الأنا كائن مفكر ..حين اختباره لهذه الصفات يتأكد من أن مصيرها الزوال، فقد يفقد الإنسان القدرة على الحركة، وقد يصبح ذميما، كما قد يفقد قدرته على التفكير...غير أنه يظل يشعر دائما انه هو هو أي شخصا ذاتيا..هكذا ينتهي باسكال إلى صعوبة تحديد هوية الأنا. فهل من الصعب حقا تحديد هوية الأنا ؟
                                          الشخص  والهـــــويـــــــــــــــــة ؟
بداية يجب التمييز بين كلمتي : شخص وشخصية، فكلمة شخص تعني من بين ما تعنيه: الذات /الأنا/ الإنسان بصفة عامة ولا تعني كائنا فردا بعينه، وأما كلمة شخصية فهي مفهوم ينتمي إلى حقل العلوم الإنسانية ويقصد به النموذج النظري الذي ينشئه العالم من أجل دراسة الإنسان كالذي نجده عند العالم فرويد:
( الهو/الأنا/الأنا الأعلى). وبالرجوع إلى اللسان العربي نلاحظ  أنه ورد بصدد كلمة شخص عدة معاني منها: البدن الضخم، الجسم المرتفع البارز، ويقال للرجل شخيص إذا ما كان سيدا في قومه، وشخص شخوصا بمعنى ارتفع...فمعنى كلمة شخص هنا يحيل على فكرة الظهور والبروز وقابلية المعاينة. أما في اللغة الفرنسية فإن كلمة
personne مشتقة من الكلمة اللاتينية  persona التي تدل على القناع الذي يضعه الممثل ليتناسب مع الدور الذي يقوم به في مسرحية ما.
انطلاقا من هذه المعاني جميعها يتبين أن الشخص الظاهر أو المختفي وراء القناع هو كائن إنساني له وجود مادي، له حقوق وعليه واجبات، له ما يميزه، وتربطه علاقات بالآخرين.
فإلى أي حد يمكن إيجاد تعريف عام مشترك للشخص على الرغم من تمظهراته المتعددة؟
الموقف الأول: ديكارت / الأنا جوهر مفكـــر
يقول ديكارت:"أي شيء أنا؟ أنا شيء مفكر، وما الشيء المفكر؟ إنه شيء يشك، ويفهم،..ويريد..ويتخيل" انطلق ديكارت في إطار بحثه عن هوية الأنا من الثنائية التالية: الإنسان جسم ونفس. فالجسم هو كل ما يوجد في مكان ويمكن تحريكه على أنحاء شتى، غير أن اعتماد الجسم مرجعا لتحديد هوية الأنا لا ينفع في تمييزه عن سائر المخلوقات، لأن صفاته مشتركة مع بقية الأجسام، لهذا وجب توجيه النظر إلى النفس. فما هي النفس؟ إنها مجموعة من القوى: قوة التغذي، قوة المشي، قوة الإحساس، لم يجد ديكارت في هذه الصفات ما يميز الإنسان عن الحيوان، واستمر في بحثه إلى أن عثر على صفة تخصه ألا وهي صفة التفكير، فاعتبر التفكير بمعنى الشك والفهم والتخيل والتذكر والإثبات والنفي..صفة إنسانية بامتياز، هكذا ينتهي ديكارت إلى القول :" إن الأنا جوهر مفكر."

                     الموقف الثاني: جون لوك / الشعور والذاكرة محددان لهوية الشخص
يقول لوك: " لما كان الشعور يقترن بالفكر على نحو دائم، وكان هذا هو ما يجعل كل واحد هو نفسه، ويتميز به، من ثم، عن كل كائن مفكر آخر، فإن ذلك وحده ما يكون الهوية الشخصية...وبقدر ما يمتد ذلك الشعور بعيدا ليصل إلى الأفعال والأفكار الماضية، بقدر ما تمتد هوية ذلك الشخص وتتسع، فالذات الحالية هي نفس الذات التي كانت حينئذ، وذلك الفعل الماضي إنما صدر عن الذات نفسها التي تدركه في الحاضر."
إذا ما كان جون لوك من رواد النزعة التجريبية التي تعتبر أن الحواس هي مصدر جميع معارفنا على النقيض من الفلسفة العقلية التي يؤسس لها ديكارت، فإنه فيما يخص هوية الشخص، فإنه يجد نفسه مضطرا  للاستعانة بالأنا الديكارتية المفكرة، فالشخص في نظره كائن مفكر وهذه الأنا المفكرة تعرف أنها تفكر أو على الأقل تشعر أنها تتأمل وتفكر. وإن هذا الشعور لا يخص اللحظات الراهنة  بل يمتد إلى الماضي، حين يتأمل الإنسان ما صدر عنه من أفعال فيما سبق من أيامه. وبالتالي فهوية الشخص تتحدد بالشعور بالذات وبالقدرة على تذكر ماضيها.
لكن ما هي طبيعة الأنا المفكرة؟ وما هي طبيعة الشعور؟ هل هو شعور معنوي أم شعور حسي؟ لقد تجنب لوك الجواب على هذه الأسئلة بحجة عدم السقوط في التناقض، فلو تم اعتبار الشعور المصاحب للإدراك حسيا، أصله الجسم، لكانت المادة مفكرة، ولو تم اعتباره فطريا لعارض فلسفته الحسية حيث إن العقل بالنسبة له صفحة بيضاء تنقش عليها التجارب كل المعارف.
الموقف الثالث : شوبنهاور/ الإرادة هي أساس هوية الشخص
يقول شوبهاور: "إن هوية الشخص تتوقف على الإرادة، التي تظل في هوية مع نفسها، وعلى الطبع الذي تمثله." في سياق تساؤله عما يحدد هوية الشخص، يرفض شوبنهاور اعتماد مادة الجسم وصورته معيارا لتحديد هوية الشخص لأنهما خاضعتان لتغير مستمر. وأن ما يكون هوية الشخص يجب أن يتصف بالثبات على مر الزمان، أما من يعتمد الشعور والتذكر نواة لهوية الشخص فهو يتجاهل في نظر شوبنهاور أنه ليس في إمكان الإنسان أن يحتفظ في ذاكرته بكل ما مضى في حياته من حوادث. وينتقد كذلك اعتبار الذات العارفة مؤسسة لهوية الشخص، طالما أن العقل يغفو وأن المعرفة من وظائف المخ وهذا الأخير قد يصاب بعطل في أية لحظة. وبالتالي فإن هوية الإنسان تتحدد بما يرغب فيه، فهو خاضع لميول تتحكم في هويته، فتجده يرفض هذا ويريد ذاك، فتتحدد هويته بما يريده.


استنتاج مقارن:
من خلال الأطروحات السالفة نستنتج أن الأنساق الفلسفية تختلف في تحديد هوية الشخص، فهي إما تجعل الوعي والقدرة على التفكير النواة الصلبة للشخص، أو تجعل من الشعور والتذكر الحد الفاصل بينه وبين الأشياء، أو تعتمد على مفهوم الرغبة بوصفها المبدأ المتحكم في الوعي أو في الشعور. وبالتالي يظل الشخص مفهوما يتعالى عن كل تعيين، ولكن هذا الأمر لا يمنع من أن للشخص كيانا حسيا ملموسا (الجسد) ووعيا مفكرا (العقل) ولرغبة في أو عن الشيء (الدوافع الغريزية) وأن له وجود اجتماعي، قد يجعله محل تقدير أو موضوعا للاستهجان، فبماذا تتحدد قيمة الشخص؟
                                          قيمـــة الشــخــــــــــــــــــــــــص؟
إن التساؤل الأساسي الذي يتم الانطلاق منه هو كالتالي: هل يكتسب الإنسان قيمة لذاته أي لأنه وحدة مغلقة على نفسها؟ أم أنه يكتسب قيمة من خلال أعماله التي تجلب له تقدير الآخرين أو تجر عليه استهجانهم واحتقارهم له؟
            الموقف الأول : كــانط / تكمن قيمة الشخص في كونه غاية في ذاته
يقول كانط : "إن الإنسان، بصفة عامة كائن عاقل، يوجد كغاية في ذاته، وليس أداة يمكن لهذه الإرادة أو تلك أن تستعملها لصالحها..فقيمة كل الأشياء  نسبية، أي لها قيمة الوسائل. وهذا هو السبب الذي يجعلنا نسميها أشياء. وعلى العكس من ذلك، فإن الكائنات العاقلة تسمى أشخاصا، لأن طبيعتها تجعلها غايات في ذاتها، لا بوصفها وسائل، بل هي محط احترام وتقدير."
ينطلق كانط في تصوره للشخص إذن من الفكرة التالية: إن الشخص غير الشيء، فالشيء يكون وسيلة لغاية أخرى تتجاوزه أما الشخص العاقل فهو غاية في ذاته ـ أو على الأقل هكذا يجب أن ينظر إليه ـ وحجة كانط في ذلك أن الأشياء ليست لها قيمة في ذاتها بل تتحدد قيمتها بما نشعر به إزاءها من ميل وبقدر ما تستجيب لحاجياتنا. ولكي لا يكون الكائن العاقل عبدا لميوله يجب أن يضع نصب عينيه هدفا واحدا هو التخلص من ضغط الميول والإنصات إلى إملاء العقل. فما معنى الإنصات إلى العقل؟ إنه الإنصات إلى فكرة الواجب أو الأمر المطلق: يميز كانط بين أمرين، أمر مشروط يقوم على أساس "من يتبع الغاية يبتغي الوسيلة" فمن يبتغي المعرفة عليه بالتعلم، ومن يبتغي الثروة عليه بالاستثمار، ومن يبتغي السلطة عليه بالسياسة. أما الأمر المطلق فهو الواجب، والواجب هو القانون الكلي الذي يجب على الإرادة أن تطابقه.
وهذا القانون الكلي يتجلى في صيغة أوامر ثلاثة وهي :

 ـ "اعمل فقط حسب الحكم الذي تستطيع أن تريد في الوقت نفسه أن يصير قانونا كليا." مثال: إن من يقترض مالا ويعد برده مع علمه باستحالة ذلك، يقضي على مبدأ الصدق، فيصبح الكذب قانونا كليا وتنعدم فضيلة الصدق.

 ـ "اعمل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي أي شخص آخر كغاية لا كوسيلة" مثال : من يستغل حاجة الآخرين إليه فيلبي حاجياتهم  مقابل استعبادهم.

ـ "اعمل كما لو كنت مشرعا للقانون" أي أن الإنسان لا يجب أن يكون خاضعا لقانون مفروض عليه بالقوة، بل يجب أن يكونا صانعا للقانون، ومتى ما كان القانون صادرا عن العقل كان واحدا عند كل الكائنات العاقلة. وهكذا فكل من يعمل بمقتضى الواجب تكون إرادته صالحة، والإرادة الصالحة هي التي تجلب للإنسان كرامة: فالمواهب الطبيعية مثل الذكاء قد تستعمل لغايات دنيئة مثل الكذب والسرقة..و بالتالي فإن الحظ والجاه وسائل وليست غايات، وكذلك الأمر بالنسبة لملذات الحياة على اختلاف أنواعها التي قد تكون سببا في ارتكاب الرذائل. هكذا نستنتج أن الكائن البشري غاية في ذاته يتمتع بالعقل والإرادة وله ضمير أخلاقي.. غير أنه في المجتمعات الغربية المعاصرة حدثت تطورات اجتماعية واقتصادية تتمثل أساسا في ظهور النظام الليبرالي الذي يتأسس على حرية الفرد  والمبالغة في النزعة الفردية، فأصبح الإنسان يلهث وراء الربح السريع بغض النظر عن كل القيم الأخلاقية، وطغت المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة وأصبحت العلاقات الإنسانية خاضعة لمبدأ تبادل المصالح. فكانت نتيجة ذلك الدعوة إلى العودة إلى الخطاب الأخلاقي من اجل صيانة كرامة الإنسان والحفاظ عليها من الضياع.
الموقـف الثانــــي: غوسدورف/ قيمة الشخص في انفتاحه على الآخرين
يقول غوسدورف :" يعتقد الفرد أنه إمبراطور داخل إمبراطورية، فيضع نفسه في مقابل العالم وفي تعارض مع الآخرين بحيث يتصور نفسه كبداية مطلقة. وعلى العكس من ذلك يدرك الشخص الأخلاقي أنه لا يوجد إلا بالمشاركة. فيقبل الوجود النسبي، ويتخلى نهائيا عن الاستكفاء الوهمي، إنه ينفتح بذاته على الكون ويستقبل الغير.."
يتبين من قول غوسدورف أن قيمة الشخص لا تتحدد من خلال وجوده الفردي بل من خلال انفتاحه على الآخرين في إطار أشكال من التضامن  الإنساني. أي أن الفرد ليست له أية قيمة في ذاته. لا يمكن أن يوصف بكونه خيرا كما لا يمكن وصفه بالشرير ما لم تربطه صلة مع بني جنسه، فالإنسان لا يمكن أن يوجد بيولوجيا  ولا قيميا دون تدخل من الآخرين.  فالاجتماع البشري ضرورة طبيعية وحاجة وجودية قبل أن تكون اختيارا.
نستنتج مع غوسدورف: إذا ما كانت الحياة في المجتمع ضرورة لا مناص منها، ألا يمكن أن يتعرض  وجود الشخص في علاقته بالآخرين إلى إكراهات تحد من حريته؟ ألا تؤثر عليه نظرة الآخرين إليه حين يكون موضوع ملاحظة؟
                                              الشخص بين الضرورة والحرية

الموقف الأول: الشخص نتيجة لماضيه الشخصي أو نتيجة للتنشئة الاجتماعية
منذ ميلاد الفلسفة في  صورتها النسقية مع أفلاطون وهي تعلي من شأن الوعي بصفته ماهية الإنسان، وأن العقل الإنساني له من السلطة المعرفية ما يمكنه من اختراق المجهول، بل إن ديكارت احد أقطاب الفلسفة العقلية اعتبر العقل أداة لتحرر الإنسان من هيمنة الطبيعة، فإدراك قوانينها يتيح للإنسان إمكانية السيادة في هذا الكون ..
غير أن الإعلاء من شأن الإنسان وحريته بوصفه كائنا عاقلا تعرض لكثير من النقد من داخل الفلسفة نفسها حيث اعتبر نيتشه أن إرادة الحياة هي المبدأ المتحكم في تفكير وسلوك الإنسان، وأن العقل نفسه عبد للإرادة الذاتية.
كما أن العلوم الإنسانية خصوصا منها علوم النفس وعلوم الاجتماع تؤكد خضوع الإنسان لمجموعة من الحتميات التي تشرط سلوكه وتفكيره وبالتالي تسلبه حرية اختياراته.
موقف التحليل النفسي: يقول سيغموند فرويد: "إن الطفل أبو الرجل" ومعنى هذا القول أن الشخص يخضع في سلوكه وتفكيره لنوع التربية التي تلقاها في طفولته، ومسار نمو شخصيته الذي يقسمه فرويد إلى المراحل التالية: المرحلة الفموية حيث يعتبر فم الطفل صلة الوصل بينه وبين العالم، المرحلة الشرجية: حيث يتعلم الطفل التخلص من الفضلات التي تسبب له توترا في الأمعاء، المرحلة الجنسية: حيث يكتشف الطفل أعضاءه التناسلية وخلال هذه المرحلة تتهيأ شروط تبلور عقدة أوديب، مرحلة الكمون: حيث يستعاض عن الاهتمام بالأعضاء التناسلية باللعب، المرحلة التناسلية: حيث يتم تحويل الموضوع الجنسي إلى شخص من خارج الأسرة. خلال هذه المراحل جميعها يخضع الطفل إلى الغريزة الجنسية حيث يكون هدفه الحصول على اللذة وتجنب الألم، وبالتالي فإن أي سلوك نحو الطفل كان تدليلا أو قمعا له، يكون له بالغ الأثر في شخصيته ويحدد مسار تاريخه. حيث يقرر فرويد أن الشخص الواعي (الأنا) يكون في خدمة سيدين هما الهو ( الغرائز) والأنا الأعلى ( الضمير الأخلاقي)، وبالتالي فهو مطالب بالتوفيق بين هذه القوى المهيمنة على شخصه، بحيث إن كل إقصاء للرغبات الغريزية (عملية الكبت) تؤدي إلى تضخم مخزون اللاوعي  الذي يشكل النموذج الأصلي للإنسان إذ إن ما يظهر من الأحكام والقرارات بوصفها صادرة عن الوعي ليست سوى تكييفا للرغبات اللاواعية وتعديلا لها حفاظا على توازن الشخص داخل محيطه الاجتماعي.
موقف علماء الاجتماع:  يرى أصحاب المدرسة السوسيوـ ثقافية  (رالف لينتون  ـ جي روشي ـ ميد..) أن الإنسان خاضع للتنشئة الاجتماعية منذ ولادته إلى حين وفاته بشكل تدرجي وعلى ثلاث مستويات: أولا مستوى بيولوجي حيث توازي التغذية إشراطات الذوق. ثانيا مستوى حسي ـ حركي ويتعلق الأمر بمجموع السلوكيات التي يلقنها المجتمع لأفراده باختلاف جنسهم وسنهم. ثالثا  مستوى انفعالي ـ ذهني وهو التكوين الوجداني والعقلي بواسطة الثقافة التي ينقلها الراشدون إلى اليافعين. مما يؤدي إلى القول : إن الشخص منتوج اجتماعي وهو ابن بيئته وبالتالي فتفكيره وشعوره خاضعان للثقافة الاجتماعية التي نشا فيها.
الموقـف الثاني: الشخـص حـــــــر و مســـــــؤول
موقف ســـارتــر:  بحكم انتمائه إلى الفلسفة الوجودية فهو يعلن منذ البدء أن الافتراض الضمني الموجه لنظرته إلى الشخص هو: "إن وجود الإنسان سابق لماهيته". بمعنى أن الإنسان يوجد أولا وتتحدد ماهيته لاحقا. فكيف تتحدد ماهية الشخص؟ إن الإنسان حسب سارتر مشروع مما يعني غياب اكتمال الشخص، فهو ليس ما مضى من حياته ولا هو حاضرها، لأن كلمة مشروع  تحيل على المستقبل، فهو دائما في حالة تجاوز مستمر لوضعه الراهن، وذلك من خلال الشغل والفعل والحركة، ومن خلال العلاقة التي تربطه بالغير، يقول سارتر: "إن هذه العلاقة المباشرة  مع الآخر المغاير للذات...وهذا الإنتاج الدائم  للذات بواسطة الشغل والممارسة هو بنيتنا الخاصة." هذا الواقع الذي يميز الإنسان: واقع التموضع [الوضعنة]
objectivation، التجاوز dépassement  هو ما يدعوه سارتر بالحرية، وبالتالي فهو يرفض قطعا الخضوع للنظريات العلموية التي تحاول تفسير الحاضر بالماضي، وهو يسخر من أولئك الذين يعتقدون  أن الروائي الفرنسي  Flaubert  فلوبير  لم يكن روائيا سوى لأنه كان يعاني من الخوف في صغره مما شجعه على العزلة والقراءة والكتابة، إن هذا المنطق حسب سارتر سيجعل من كل كائن جبان روائيا في المستقبل، وهذا ما ينفيه واقع الحال.
وهكذا حسب سارتر في مجال الحياة الإنسانية لا وجود لحتمية العلاقة سبب فنتيجة، لأن الإنسان يتجاوز ذاته باستمرار: إنه كائن حــــــــــــــــــــــــــــر.
موقف مونيي
Mounier : ينتمي إيمانويل مونيي إلى الاتجاه الشخصاني. ويعود مصطلح الشخصانية إلى الفيلسوف رونوفيي RENOUVIER  حوالي سنة 1903.. هذا التيار الذي يعتبر أن وجود الفرد بوصفه شخصا يعد أسمى أشكال الوجود الإنساني طالما أن الهدف من هذا الوجود هو شخصنة العالم. فالإنسان حسب هذا التيار كائن طبيعي لكنه يشخصن الطبيعة.  يعتقد مونيي أنه من العبث الحديث عن الشخص بوصفه كائنا ميتافيزيائيا، فالشخص كائن واقعي يتكون من جسم وروح، وبما أنه كذلك فهو يسعى إلى إثبات وجوده عبر ثلاث عمليات وهي على التوالي:

- عملية استعراض الذات extériorisation يكون الهدف منها التكيف مع المحيط.

- عملية استدماج intériorisation حيث ينطوي الفرد على نفسه في شبه حالة تأمل الذات لنفسها .

 – و أخيرا عملية تجاوز dépassement حيث ينفتح الفرد على محيطه ساعيا إلى تجاوز المعطى، المكتسب، العادة..في أفق تحقيق تصوره للمستقبل. عملية التجاوز هاته لا تلغي الآخر بل تجعل منه عنصرا ضابطا لحرية الحركة والفعل، وهنا تحديدا يمكن القول إن الشخص كائن حر لكن بشروط، ولعل أهم هذه الشروط حفظ كرامة الآخر وحقه في الوجود. فحرية الفرد لها وجه يحدد ملامحه الغير، الغير يشرط حرية الشخص.
استنتاج عام: ننتهي مما سبق إلى صعوبة تحديد هوية الشخص فهو يتجلى في صور متباينة منها: الأنا المفكرة التي تمتلك شعورا بالذات والتي تمتلك إرادة الحياة.. غير انه في هذه الصور جميعها يكتسب الفرد قيمة انطلاقا من قدرته على الوعي والتمسك بالفضيلة غاية لسلوكه ومن كونه غاية في ذاته وليس وسيلة لغاية تتجاوزه، تبعا لذلك فإنه من شروط الحفاظ على كرامة الإنسان الإقرار له بالحرية المسؤولة التي لا تتطاول على حرية الغيــــــر.


                                             
إن وجود الإنسان في هذا العالم هو وجود مع الغير: الأسرة أولا ثم المجتمع الإنساني لاحقا،غير أن هذا الوجود مع الغير يفرض على  الأنا تحديد طبيعة التعامل معه طالما أن الأنا مضطر للتعاطي مع الآخر. انطلاقا من هذا الوضع الوجودي للأنا شكل مفهوم الغير مجالا لتساؤلات فلسفية منها: ما هي طبيعة وجود الغير؟ = هل هو شبيه بالأنا أم هو مغاير له؟ هل معرفته ممكنة أم مستحيلة؟ أية علاقة يمكن أن تقوم بين الأنا والغير؟ هل هي علاقة تعاطف أم هي علاقة إقصاء  وتهميش؟
قبل مقاربة هذه التساؤلات، تقتضي الضرورة المنهجية، بناء مفهوم الغير انطلاقا من الدلالات التي تحملها هذه الكلمة: تفيد الدلالة المشتركة لهذه الكلمة أن الغير هو الآخر، الآخرون من الناس، المختلف عن الأنا ماديا: الأسود في مقابل الأبيض ..  نفسيا: قلقا في مقابل هادئ، معنويا: متعلم في مقابل أمي، وظيفيا: مدرسا في مقابل طبيب، في القرابة: الذي لا ينتمي إلى نفس الأسرة أو الطبقة أو الوطن أو الدين ...
يبدو من هذه المعاني أن الغير متغير ومتحول أي يأخذ صورا متعددة.
أما المعنى اللغوي حسب ما ورد في قاموس لسان العرب لا بن منظور: "غير حرف من حروف المعاني، تكون نعتا وبمعنى لا وقيل غير بمعنى سوى، والجمع أغيار، وهي كلمة يوصف بها ويستثنى ..وتغير الشيء عن حاله تحول  والغير الاسم  من التغير.. وتغايرت الأشياء بمعنى اختلفت. "كما جاء فيه: "الغير هو المتحول، المتميز."
يلاحظ  أيضا أنه ليس هناك تمييز بين الغير والآخر، فهما يطلقان على المختلف بوجه عام سواء كان من الناس أو من باقي الأشياء.
وفي معجم روبير: "الغير هم الآخرون من الناس بوجه عام ..الآخر هو من ليس نفس الشخص.. وما ليس نفس الشيء والمتميز والمختلف. "هكذا نلاحظ التمييز بين الغير
autrui التي تطلق على الآخر من الناس والآخر autres التي تطلق على الأشياء والناس."
أما التعاريف الفلسفية  للغير فإنها تقدم الغير بوصفه أنا أخرى، يقول لالاند
lalande: "الغير هو آخر الأنا" ونفس المعنى نجده في قول سارتر: "الغير هو الأنا الذي ليس أنا "...
الاستنتاج الذي تقود إليه هذه المعاني هو التشابه والاختلاف بين الأنا والغير في آن  واحد مما ترتب عنه التساؤل الماهوي حول طبيعة الغير: من يكون؟ وما وضعه الوجودي؟
وجـــــــود الغيـــــــــــــــــــــــــــــــــــر؟
إن الحديث عن وجود الغير لا يتعلق بوجوده بوصفه جسما قابلا للإدراك، بل بوجوده بوصفه ذاتا واعية حرة ومسؤولة. ومن هنا ينبثق السؤال: هل وجود الغير كذات ضروري لوجود الأنا؟ وهل يمكن للأنا أن يعي ذاته ويحقق وجوده بوصفه متمتعا بالوعي والحرية والكرامة في غياب وجود الغير؟
مفهوم الغير داخل الفلسفة اليونانية: غياب إشكالية الغير داخل الفلسفة اليونانية.
يرجع هذا الغياب إلى كون الفلسفة اليونانية اهتمت  بالوجود بصفة عامة ولم يكن اهتمامها بالوجود الإنساني إلا عرضا، من هذا المنطلق كان أرسطو يتحدث عن الشيء وآخره، الشيء ونقيضه، فكل شيء مطابق لنفسه (هو هو) وغيره (ما ليس هو).
مفهوم الغير في الفلسفة الحديثة:
                        ديكــارت:  وجود الغير غير ضروري لوجود الأنا
إن الفلسفة الديكارتية فلسفة متمركزة حول الأنا، هذه الأنا المفكرة لا تستطيع  إثبات وجود الغير كأنا آخر إلا عن طريق المماثلة وذلك انطلاقا من الصفات الخارجية المتماثلة فيما بينهما. وهذا يتضح جليا في قول ديكارت: "أنظر من النافذة فأشاهد بالمصادفة رجالا يسيرون في الشارع، فلا يفوتني أن أقول إني أرى رجالا بعينهم، مع أنه لا أرى من النافذة غير قبعات ومعاطف قد تكون غطاء لآلات تحركها لوالب، لكني بما في ذهني من قوة الحكم أعتبرهم أناسا." [..]
الملاحظ في هذا القول هو: إن إثبات وجود الغير يتم عن طريق الحكم العقلي. وبالتالي فإن الأنا لا تحتاج إلى الغير لتأكيد وجودها، ولا تعترف بوجوده إلا انطلاقا من ذاتها و حكمها عليه. فوجود الغير لا يكتسي صفة الضرورة في فلسفة ديكارت، فهو مجرد وجود افتراضي عقلي.
 هيجــــل: الغير هو الوسيط الضروري بين الأنا وذاته
 من خلال نص "جدل السيد والعبد" يحاول هيجل الإجابة على السؤال التالي: هل يمكن للأنا أن يعي ذاته في غياب للآخر؟ أم أن حضوره ضروري لكي يتعرف الأنا على وجوده؟ يوضح هيجل أن الإنسان في البدء يكون وجودا  مباشرا أي مجموعة من الغرائز الملحة على الإشباع، ثم بعد ذلك يتحول إلى وعي بالذات  يتعرف على رغباته ويسعى إلى التوسط بالطبيعة لتحقيق الاستجابة لها، غير أنه يصطدم بوعي بالذات آخر له نفس الغاية، ويترتب عن ذلك صراع مرير بينهما، والصراع يستدعي المخاطرة بالحياة لأن كلا من الوعيين يهدفان إلى إشباع رغباتهما. فينتهي الصراع لطرف لا يخشى المخاطرة بحياته وينتزع بذلك اعتراف الآخر به فنصبح بالتالي أمام: وعي خالص لأجل ذاته  ووعي لأجل الآخر. الأول سيد والثاني عبد. ما يمكن استنتاجه في الأخير هو أن وجود الغير عند هيجل  وجود ضروري لأجل وعي الأنا بذاته. فالغير هنا بمثابة المرآة البشرية التي يتعرف الأنا من خلالها على ذاته وخصائصه. لكن ألا يشكل الغير بحضوره العنيف هذا تهديدا لوجود الأنــا؟
                            هايدجــــــر:  تهديــــــد الغيــــــر لوجــــــــود الأنــــــــــا
يقول هايدجر:" إن الموجود- هنا، باعتباره وجودا فرديا خاصا، لا يكون مطابقا لذاته، عندما يوجد على نمط الوجود-مع-الغير، لأن الآخرين أفرغوه من كينونته الخاصة.. فالذات عندما تنتمي إلى الغير تقوي من سلطته."
ينطلق هايدجر في تصوره لوجود الغير من افتراضين أساسيين هما: الافتراض الأول، إن وجود الإنسان هو وجود في العالم أو هو الموجود-هنا (الدزاين
DASAEIN )، وهذا الوجود لا يماثل وجود الشيء، بل هو في حالة حركة دائمة تهدف إلى تجاوز الذات، ثم إنه لا داعي للبرهنة على وجود الأنا كما فعلت ذلك الفلسفات السابقة. – الافتراض الثاني هو وجود الآخرين أو الهُم le ON وهذا الهُم لا شخصي، غير متعين، قد يكون أشخاصا، آراء، أفكارا، عواطف أو أشياء، وهذا الوجود المشترك يتميز بالهيمنة والإخضاع لكل أشكال الوجود الأخرى. انطلاقا من هذين الافتراضين، فإن هايدجر يعارض بشكل مطلق أطروحة ديكارت الذاتوية التي تجعل من الأنا المفكرة ماهية مستقلة تستمد منها الكائنات والأشياء وجودها. إن هايدجر يعتبر الوجود مع الغير أو الوجود المشترك بعدا مكونا للوجود الإنساني الذي يدعوه بالموجود-هنا أو الأنا. فالأنا دائما في علاقة مع الغير، والانعزال هو في واقع الأمر صيغة من صيغ الوجود مع الغير، فالوجود مع الغير سابق على العزلة. وهكذا فالأنا لا توجد وحدها في العالم، فهي محاطة بالأشياء والناس حيث أن كل فرد يسعى لأن يتميز عن الآخرين، لكنه بمجرد ما ينفصل عن فلان أو فلان إلا وتستقطبه علاقة أو أشياء جديدة، إنه يخضع إلى مستبد غير متعين هو الهم.  وميدان سيطرة الهم هو الحياة اليومية. وهكذا فالهُم  عنصر وجودي مؤسس لبنية الموجود-هنا، بل إنه يستوعبه ولا يترك له فرصة للتميز، وهكذا تذوب الأنا الديكارتية في الغير.

مســـــــــألــــــــــة معرفـــــــــــــــــــة الغيــــــــــــــــــــــــــــــــر
تقتضي كل عملية معرفية ثلاثة عناصر ضرورية هي: الذات إلي تسعى إلى المعرفة، الموضوع المطلوب معرفته، والطريقة التي تمكن من تحقيق هذه المعرفة. فإذا ما تم افتراض أن الذات العارفة هي الأنا، وموضوع المعرفة هو الغير، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف أعرف الغير؟ كيف أستطيع أن أنفذ إلى وعيه وشعوره؟ وهل هذه المعرفة ممكنة أم مستحيلة؟

                       ماكس شيلــر : يدرك الغير بوصفـــه كلا
يقول شيلر: "إن ما ندركه، منذ الوهلة الأولى، ليس جسد الغير، ولا نفسيته، بل ندرك الغير بوصفه  كـــــلا لا يقبل القسمة، إذ لا يمكن أن نقسمه إلى قسمين، أولهما يدرك داخليا (نفسيا)، وثانيهما يدرك خارجيا."
إذن شيلر يتجاوز الثنائية التقليدية في الفلسفة: جسم/نفس، ظاهر/باطن.. فهو ينظر إلى الغير بوصفه تركيبا كليا لا يقبل التجزيء، إنه جسم ونفس في آن واحد، فالجسم بمختلف  تعابيره وحركاته وسلوكياته يفصح عن محتوى النفس، فعندما يبتسم الغير فهو يعبر مثلا عن ارتياحه أو فرحه أو استهجانه وسخريته.. وحين يقطب الجبين فهو يعبر عن انزعاجه.. وهكذا فمعرفة الغير تتم من خلال مشاركته وجدانيا وعاطفيا، وفهمه وليس إخضاعه للتحليل كما هو الحال حين يتعلق الأمر بالأشياء المادية أو الطبيعية.
                             ميرلوبونتي :   يدرك الغير من خلال التواصل معه
يقول ميرلوبونتي: "إذا كان علي أن أتعامل مع إنسان مجهول لم ينطق بعد بكلمة، فبإمكاني أن أعتقد أنه يعيش في عالم آخر.. لكن ما إن ينطق بكلمة.. حتى يكف عن التعالي على ذاتي "إن المرور من عالم (الأنا) إلى عالم الآخر – الأنت- يتم عن طريق التواصل، من خلال المماثلة بين الأنا والغير، اعتبار الغير بمثابة أنا واعية مماثلة لأناي يؤدي إلى التعاطف، غير أن التعاطف وحده لا يكفي لفهم الغير بل لابد من التوسط باللغة، فيظهر الغير ويتجلى لمعرفتي من خلال كلامه وتواصله معي.
لكن هذه المواقف تعرضت للانتقاد من حيث إن الغير قد يظهر غير ما يخفي، وأن اللغة ليست وسيلة للتعبير عن الذات فقط، بل قد تكون وسيلة للمجاملة والنفاق وبالتالي تشكل حجابا سميكا أمام الأنا الذي قد يعجز عن النفاذ إلى عمق الغير. لهذا ذهبت بعض المواقف إلى استحالة معرفة الغير  ومنها:
                         ســارتر: محاولة معرفة الغير تفقده ماهيتــــــــــه
يقول سارتر: " الغير هو الأنا الذي ليس أناي" ومن خلال تأويله للفعل "ليس" يستنتج وجود انفصال وتباعد بين الأنا والغير، فالأنا يدرك الغير بوصفه جسما، ظاهرا، ويصبح الآخر في نظره مجرد موضوع أو شيء بين الأشياء. وبالتالي فالعلاقة بين الأنا والغير علاقة شيئية: كل منهما يتعامل مع الآخر بوصفه شيئا. وتبعا لذلك فإن حضور الغير أو غيابه لا يؤثر في كينونة الأنا. [.؟] وفي قول آخر لسارتر يستعين بمثال النظرة: "حينما يكون الإنسان لوحده يتصرف بعفوية وتلقائية، وما إن ينتبه إلى أن أحدا ما يراقبه وينظر إليه حتى تتجمد حركاته وأفعاله، ويفقد حريته وعفويته وتلقائيته." ولعل هذا ما دفع سارتر إلى القول: " الجحيم هو الآخر." [لكن هذا يتناقض مع القول السابق "كل منهما يتعامل مع الآخر بوصفه شيئاً"، الأصح القول بأننا في حضور الآخر نتحول نحن إلى موضوعات].


                    غاستون بيرجي: " إن روحي ملك لي فعلا، غير أنني سجين داخلها، ولا يمكن للآخرين اختراق وعيي، مثلما لا يمكنني فتح أبوابه لهم، واكتشف في نفس الوقت أن أبواب عالم الآخرين موصدة في وجهي وعالمهم منغلق بقدر انغلاق عالمي أمامهم."يتبين من قول بيرجي عزلة كل ذات داخل عالمها الخاص، إذ لا تستطيع التعبير عما هو حميمي، فالشعور بالفرحة أو الحزن هو تجربة ذاتية: صحيح يمكن التعبير عنها بواسطة الصوت أو الجسد غير أن الآخر لا يمكن أن يشعر بنفس التجربة. كذلك الأمر بالنسبة للغير فحين يشعر بالألم قد أتمكن من مواساته، لكن دون أن اشعر بنفس درجة الآلام التي يعانيها فعلا: هكذا هو الإنسان، سجين آلامه، منعزل في ذاته، ووحيد في موته."
 تبدو لنا معرفة الغير أكثر تعقيدا مما قد يظهر لنا في تجربتنا اليومية، والأمر يزداد تعقيدا عند محاولة التعامل مع الغير.
                مسألــة العلاقــــــة مع الغيــــــــــــــــــــــــــــر
ألا يثير الحضور المزدوج للغير المتمثل في: مماثلة الأنا والاختلاف عنه  مشاعر متباينة لدى الأنا تتراوح بين الاحترام والاعتراف أو الإقصاء والتهميش؟
علاقة الصداقة بين الأنا والغير: تعتبر الصداقة من القيم الإيجابية، وهي في اللغة العربية مشتقة من الصدق. والصدق هو الحقيقة والكمال. أما في الواقع فهي علاقة ود ومحبة صادقين تنشا بين كائنين أو أكثر من الناس. فإلى أي حد تعتبر الصداقة  مثالا على احتضان الغير ومحبته والتفاهم معه؟
أفلاطون: عرف الصداقة بقوله: "الصداقة حالة وجودية وسطى بين الكمال المطلق والنقص المطلق." لأن من يمتلك الكمال المطلق (الخير المطلق) له اكتفاء ذاتي، ومن يتصف بالنقص المطلق (الشر المطلق) لا يريد خيراً، فالأنا يبحث عن صديق له لأنه يتصرف بقدر من الخير يدفعه إلى طلب خير أسمى وأكمل.
أرسطو: الصداقة بالنسبة له ثلاثة أنواع تدفع إليها ثلاثة أسباب: فالناس الذين تجمعهم عاطفة المحبة فهم مجتمعون بحكم منفعة متبادلة أو لذة مستشعرة أو فضيلة متوخاة. فمتى أحب الإنسان لفائدة  أو منفعة فإنه لا يرغب في الحقيقة إلا في الحصول على منفعة شخصية، وأيضا متى ما أحب بدافع الحصول على اللذة فهو يريد في الواقع هذه اللذة لذاتها. إن الصداقة الناتجة عن هذا النوع من المحبة صداقة عابرة، متناهية في الزمان، فالصداقة التي تتوخى تحقيق الفضيلة هي الأرقى والأسمى.
إيمانويل كانط: خلال القرن الثامن عشر قدم كانط تعريفا للصداقة يتمحور حول مفهومين أساسيين هما: الحب والاحترام. فالحب عاطفة نبيلة إذا ما تحققت بين الأنا والغير نتج عنها التماهي والاشتراك في العواطف والفكر. أما الاحترام والتقدير فيقتضي أن يتخذ كل واحد من الآخر مسافة، فينظر إليه نظرة موضوعية فيها إجلال وتقدير، غير أن هذا الاحترام يجب أن يكون منبعثا عن إرادة حرة غير مكرهة وأن يكون احترام الغير لصفات فاضلة يتمتع بها. إن صداقة بهذا المعنى تعتبر غاية يسعى إليها كل من الأنا والغير بالاستعانة بالتبادل العاطفي واللغوي، وما يجب استبعاده في الصداقة هو الاعتقاد في أنها تحقق السعادة بحصول الارتباط بين كائنين، فالصداقة ارتباط بين الأنا والغير غايته تحقيق السعادة، [؟] وهذا المسعى واجب عليهما معا وكلاهما يجب أن يسعى لتحقيق الخير للآخر. لكن إن حدث أن نبه صديق صديقه إلى أخطائه من منطلق الخير الواجب، ولأن المخطئ أخل بقواعد الاحترام، فلا يجب الاعتقاد بأنه عبء يضاف إلى الإنسان. وبالتالي فلا يجب أن تقوم الصداقة على أساس المنافع المادية المتبادلة.
أوجست كونت: لقد وضع كونت تصورا لتطور العقل البشري وطريقة اشتغاله يعرف بقانون الحالات الثلاث وهو: - الحالة اللاهوتية: حيث كان العقل يبحث عن جوهر الكائنات، أصلها ومصيرها. وكان يرجعها إلى أصل واحد يوجد خارج الطبيعة. - الحالة الميتافيزيقية: حيث استمر العقل في البحث عن جوهر الأشياء وعللها، إلا أنه خلال هذه المرحلة عوض الآلهة بمفاهيم فلسفية مثل العلة الأولى، مثال المثل .. الحالة الواقعية أو الوضعية: حيث سعى العقل إلى التعرف على قوانين الطبيعة وتجنب طرح السؤال "لماذا؟" وعوضه بالسؤال "كيف؟". وبالنظر إل ما بلغه العقل في هذه المرحلة الأخيرة عمد كونط إلى تأسيس علم يدرس الظواهر الاجتماعية كما تدرس الفيزياء المادة واصطلح على تسمية هذا العلم السوسيولوجيا وقسمه إلى علم اجتماع سكوني يهتم بشروط قيام المجتمع وعلم الاجتماع الدينامكي يهتم بتطور المجتمعات. وأخيرا وضع ما يعرف عنده بالدين الإنساني، في هذا السياق يندرج حديثه عن العلاقة بين الأنا والغير: تقوم فكرته عن العلاقة بين الأنا والغير على  مبدأ  الغيرية  حيث يقول: " فليس يوجد الفرد إلا بفضل الماضي، وليس يستمد أسباب الحياة المادية والعقلية والخلقية إلا من الإنسانية." ومعنى هذا القول أن للإنسانية فضلاً على الفرد، ومن هنا وجب على الفرد أن يتجاوز أنانيته، ويهذب غريزته بحيث يصبح شعاره: "الحياة لأجل الغير" وأن هذه الغيرية يجب أن تنمو باستمرار: اتحاد الأفراد في الأسرة، اتحاد الأسر لأجل الحرب، تعاون الجميع لأجل ازدهار الصناعة. إذ باتساع عاطفة المرء لتشمل الجميع يحصل على رضا حاجته للخلود، خصوصا إذا ما اعتبر  بقاء النوع الإنساني امتدادا لحياته الخاصة."
علاقـة الاختلاف بين الأنـــــــــــــــــــــــا والغيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر
إذا ما كان الصديق شخصا نسعى معه إلى بلوغ الكمال وتحصيل السعادة، نحبه ونحترمه ونفضله على ذواتنا، فإنه قبل أن يصبح صديقا قد يكون موضوع حذر لأنه نكرة وغريب عنا. فمن هو الغريب على وجه التحديد؟
إن الغريب هو كل عنصر دخيل على جماعة يفترض أنها متماسكة، يختلف عن أفرادها من حيث الهوية الثقافية أو من حيث الوطن الجغرافي أو من حيث لون البشرة. فكيف يتم التعامل معه من طرف الجماعة المستقبلة له؟
بالرجوع إلى الثقافة الغربية نجد مواقف متباينة بصدد مسالة التعايش بين الأنا والغير ويمكن تشخيص هذه المواقف من خلال النماذج التالية:
- في المجتمع الإغريقي: إن الغريب هو كل من لا ينحدر أصله من أب وأم أثينيين، هذا الغريب لا يصلح أن يكون سوى عبد، لا حق له في المواطنة، هو أداة في خدمة السيد، وقد عبر أرسطو عن ذلك نظريا حيث قال: "النقيضان لا يجتمعان معا ولا يرتفعان معا.".
- في المجتمعات الحديثة: يمكن تصور ثلاثة مستويات لتصور العلاقة بين الأنا والغير الغريب:
أ – ديكارت: يجعل ديكارت من الأنا مرجعا ومصدرا لوجود الغير الذي يجب أن يكون مماثلا للأنا أو يتعرض للإقصاء والتهميش ويتم إلحاقه بصف بقية الأشياء. إنها ذاتوية إلى حدود التضخم القصوى.
ب ـــ كانط: يجعل كانط العلاقة بين الأنا والغير محكومة بمفهوم الواجب الأخلاقي والاستناد على مبدأ احترام الإنسان  لأنه غاية في ذاته وليس وسيلة لغاية أخرى. إنه انفتاح يقوم على نزعة إنسانية.
ج ـــ هيجـل: يجعل من الغريب شرطا لاكتمال وجود هوية الأنا التي تفتقر إلى اعتراف الآخر بها ولا تتعرف على ذاتها إلا من خلال الصراع مع الآخر الغريب. إنها وحدة غير متكافئة بين الأنا والغير.
ـــــ النزعة الاستعمارية القائمة على التعصب لثقافة معينة: لقد أدى التطور الذي شهد ته أوربا إلى تمركز حول الذات، وتم اعتبار الثقافة الأوروبية التي يمثلها الإنسان الأبيض أرقى ثقافة وأسماها على الإطلاق، فسعى الإنسان الغربي إلى محو المختلف بالقضاء على ثقافته، يتجلى هذا الواقع في الأبحاث الأنثروبولوجية التي كانت تسبق الغزو العسكري والتي كان هدفها اختراق ثقافة الآخر من أجل تفكيكها. في هذا السياق يصنف ماكس فيبر الشعوب إلى شعوب منطقية وأخرى ما قبل منطقية كما قامت  حروب إبادة في أماكن مختلفة من العالم.
- جوليا كريستيفا: تقوم نفسية الجماعة حسب كريستيفا على التماهي بين الأنا مع النحن بفضل التنشئة الاجتماعية، مما يساعد الجماعة على التعرف على الغريب. لكن كريستيفا تتساءل: "ألا تحمل كل جماعة غريبها في ذاتها قبل قدوم الغريب الأجنبي؟ وذلك عندما يشعر أفرادها بالرغبة في التمرد على روابط وقيم جماعتهم ووضعها موضع تساؤل وشك أو عندما لا يستطيعون العثور على أناهم  من خلال  نحن  الجماعة. وهل هناك جماعة ذات هوية خالصة تستبعد فعلا العناصر الأجنبية عنها؟" تنطلق كريستيفا من إعادة النظر في مفهوم الغريب، فليس هو الآخر الذي نتبادل معه الكراهية والحقد، وليس هو الدخيل على المدينة، وليس هو العدو الذي يجب طرده من أجل  عودة السلام إلى الجماعة. إن الغريب "بداخلنا على نحو غريب" إنه شعور بالعزلة والاختلاف، هو كذلك مكان نعيش فيه ولا يتوافق مع هويتنا، هو كذلك زمان تنعدم فيه العلاقات. وهكذا فلا وجود للنحن أو الجماعة، لا وجود للتماثل بين الذوات، كل واحد يمتلك هوية خاصة به. تبعا لذلك فإن المفهوم التقليدي للغريب الذي يتأسس على قاعدة الانتماء إلى نفس الجغرافيا أو التاريخ يصبح لاغيا لأنه يتجاهل القلق الموجود أصلا داخل الجماعة.
- كلود ليفي ستروس: انتقد بشدة الأعمال  الأنثروبولوجية السابقة  واعتبرها متمركزة حول الذات و لا تنظر إلى الآخر في واقعه، بل من خلال الأنا وبالتالي فجميع الأحكام تتسم بالذاتية ولا تعكس حقيقة الآخر. فليس هناك ثقافة أرقى وأخرى أدنى، وليس هناك منطق واحد للتفكير، وأن الاعتراف بثقافات الشعوب الأخرى ضروري لأن الثقافة لا تتقدم إلا من خلال التثاقف، والتاريخ لا يتطور سوى من خلال حركية الثقافات، أما الانغلاق على الذات فيؤدي بصاحبه  إلى التخلف.

ـــ خاتمة: إذا كان مفهوم الأنا كما حدده ديكارت قد شكل نواة الفكر الأوروبي الحديث، فإن مفهوم الغير في الفلسفة المعاصرة والعلوم الإنسانية أدى إلى إعادة النظر في أنوية الغرب والاعتراف للآخر بما له من حق وتاريخ.

ليست هناك تعليقات: