السبت، 30 يونيو 2018

آلان باديو محاوراً ميشال فوكو.





آلان باديو محاوراً ميشال فوكـو

فبراير 16, 2017
*أحمد فرحات
http://thaqafat.com/2017/02/74375

تكاد لا تحصى اللقاءات الإعلامية التي أجراها ميشال فوكو، فيلسوف فرنسا والعالم الغربي الحديث، على مدار حياته القصيرة، التي لم تتجاوز الـ57 عاماً، قصفه خلالها مرض الإيدز، واضعاً حداً نهائياً لحياته في العام 1984؛ وقد توزعت لقاءات هذا الرجل الكبير، الذي ولد في إحدى بلدات ريف بواتييه الفرنسي في العام 1926، على دوريات يومية وأسبوعية وشهرية وفصلية، فضلاً عن المنابر الإذاعية والتلفزيونية المختلفة، داخل فرنسا وخارجها؛ وكانت له فلسفة وراء إكثاره من اللقاءات الإعلامية، قالها مرة لصديقه السويدي إيريك هاند واكس: «الإعلام له فضل غير منكور في معاودتي تأليف أفكاري وبلورتها من جديد، أمام نفسي، وأمام العالم، بزخم أكثر تنظيماً ووضوحاً».

واللافت أن من بين محاوري ميشال فوكو زملاء فلاسفة كبار له من أمثال: جيل دولوز وآلان باديو، وبول ريكور وجان هيبوليت، فضلاً عن كتّاب ونقاد مرموقين آخرين من طراز مادلين شابسال، جورجو آغامبين وريمون بيللور.. وغيرهم.

في ما يلي ننشر مقابلـة مع ميشال فوكو، كان أجراهـا الفيلسوف آلان باديوAlain Badiou  في 27 فبراير عام 1965 ونشرتها «الملفّات الإذاعية التلفزيونية» المدرسية Dossierspedagogiques de la radio-diffusion scolaire  نقلاً عن حلقة بث تلفزيونية.

والمقابلة التي ينشرها هنا ملحقنا الثقافي للمرة الأولى بالعربية مع فوكو، ستنشر لاحقاً في كتاب ضخم، سيصدر بالعربية في بيروت هذا العام 2017، متضمناً أبرز اللقاءات مع هذا الفيلسوف الفرنسي الحيوي، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في النصف الثاني من القرن العشرين.

في ما يلي نص المقابلة:

** باديو: مـا هو علم النفس؟

* فوكو: بداية، لا أعتقد بصحة محاولة تعريف السيكولوجيا أو تحديدها بأنها علم، وإنمـا كصورة ثقافية أو شكلٍ ثقافي ربمـا؛ وهـذا يندرج في سلسلة كاملة متكاملة من الظاهرات التي عرفتها الثقافة الغربية منذ زمن بعيد، والتي وُلِـدت أو نشـأت فيها بعض الأمـور، مثل الاعـتراف (بمعنى البوح)، ومثل علم القضايا الضميرية (ذمامة)، ومثل الحوارات والخطابات والاستدلالات التي كانت تقوم بها بعض الأوساط في القرون الوسطى، أو في محاكم الحب (هي محاكم كانت تقضي في قضايا الحب الرفيع واشتهرت في القرن الثاني عشر في جنوب فرنسا) أو في أوساط «أدب الحذلقة» في القرن السابع عشر.

** باديو: هل هنـاك علاقات داخلية أوخارجية بين «علم النفس» كصورة ثقافية أو شكلٍ ثقافي، وبين الفلسفة كصورة ثقافية أو شكلٍ ثقافي؟

* فوكو: أنتم هنـا تطرحون سـؤالين اثنين: هل الفلسفة صورة ثقافية أو شكل ثقافي؟ أقول لكم إنني لست بالفيلسوف المكثـر، ولا أحتل بالتالي موقعاً أو منزلة تجعلني بين خـير المؤهلين لمعرفة مـا تسـألون عنه. واعتقادي أن هذه المسـألة هي المشكلة الكبرى التي تدور حولها السجالات الآن؛ ولعل الفلسفة ربمـا كانت واقعـاً، الصورة الثقافية أو الشكل الثقافي الأعمّ الذي نستطيع بـه، أو بواسطته التفكير حول ما هو الغرب.

والآن، مـا هي العلاقات بين «علم النفس» كصورة ثقافية أو شكلٍ ثقافي، وبين الفلسفة. أعتقد أننـا هنـا عنـد نقطة نـزاع، لا تزال تواجه منذ مئة وخمسين عامـاً الفلاسفة والسيكولوجيين (علماء النفس)، وهذه مشكلة قد عادت لتطرح مجدداً الآن، بسبب كل تلك الأسـئلة التي تدور حول إصلاح التعليم.

الرأي عندي، هو أنـه يمكننا قول ما يلي: أولاً، إن «علم النفس»، والعلوم الإنسانية عبره، أو من خلاله، لا تزال بالفعل، وفي الواقع، في علاقات متداخلة متشابكة مع الفلسفة، منذ القرن التاسع عشر. لكن كيف يمكن تصوّر أو فهم تداخل الفلسفة وتشابكها هذا مع العلوم الإنسانية؟ والحقُّ إن مـا يسعنا قوله لأنفسنا، هـو أن الفلسفة في العالم الغربي قـد اختطّت لنفسـها عشوائياً، في الظلمة الدامسة، في الفراغ، وفي عتمة وعيها نفسه، مناهجها ورسمت واحتجزت نطاقاً لها، هو ما تسمّيه النفس أو الفكر، وهـو نطاقٌ بات اليوم بمثابة تراث وميراث يمكن للعلوم الإنسانية استثماره واستغلاله على نحـوٍ واضح، إيجابي وحصيف. وبهـذا تســتطيع العلوم الإنسانية أن تحتل على نحو شرعي هذا النطاق الفضفاض الملتبس الذي أسلفت الإشارة إليه، والذي تركته الفلسفة أرضاً بائرة مهملة.

هذه هي الإجابة التي يمكن تقديمها (عن السؤال الذي تقدم). واعتقادي أن هذا هـو ما تقوله جمهرة من يمكن اعتبارهم أصحاب العلوم الإنسانية، وهم الذين يعتبرون أن المهمّة الفلسفية القديمة، التي ولدت في الغرب مع الفلسفة اليونانية، هي مهمة ينبغي استرجاعها واستئنافها بأدوات العلوم الإنسانية. وأنا لا أعتقد أن هذه الإجابة تحيط بالمشـكلة المطروحة إحاطة صحيحة دقيقة، بل إن الرأي عندي، هو أن مثل هذا المنحى في تحليل الأشياء، هو منحى يرتبط بطبيعة الحـال بمنظور فلسفي بعينه، عنيتُ به الفلسفة الوضعية.

وفي وسعنا أن نقول شـيئاً آخـر، هو النقيض المقابل لمـا تقدم: ألا وهـو أن هذا ربمـا كان يُشكّل جزءاً من قَـدَرَ الفلسفة الغربية، عنيتُ أن يكون شيءٌ مثل علم الإناسة (الأنثروبولوجيا) قـد أصبح ممكناً؛ وحين أقول علم الإناسة، فإنني لا أريـد الكلام عن ذلك العلم الخاص الذي يطلق عليه هـذا الاسـم، والذي هو دراسة الثقافات الخارجية، أي تلك التي هي خارج ثقافتنا؛ ومـا أفهمه من تعبير أو مصطلح علم الإناسة، هو تلك البنية الفلسفية المحض، التي تجعل أن مشكلات الفلسفة باتت كلها متحـيّزة، تقيم داخل هذا الحـيِّز، أو هـذا النطاق، الذي يمكن أن نسمّيه نطاق التناهي الإنساني.

وإذا كنـّا لا نستطيع أن نتفلّسف إلّا حول الإنسان، بما هو كائن طبيعي أو إنسان طبيعي /‏‏homo natura، أو بمـا هو كائنٌ متناهٍ، أفلا تكـون كل فلسفةٍ حينها، وفي العمق، علم إناسة (أو أنثروبولوجيا)؟ آنئذٍ تصبح الفلسفة صورة ثقافية أو شكلاً ثقافياً تستحيل سائر علوم الإنسان في داخلها، علوماً ممكنة على وجه العموم.

هـذا مـا يمكننا قوله، وهـذا، إذا شـئتم، سيكون التحليل المقابل المعاكس لمـا كنت أحاول ترسّـمه منذ قليل، والذي كان يسترجع ويستردّ العلوم الإنسـانية إلى داخل قَـدَر الفلسفة الغربية الكبير، مثلمـا كان يسعنا منذ هنيهة أن نستردّ الفلسفة أو نسترجعها كضرب من البرنامج، الذي يدور في الفراغ لما يمكن أن تكون عليه العلوم الإنسانية. هـذا هو التشابك والتداخل، وهـذا هـو مـا ينبغي لنـا، ربمــا، تعقّله وتدبّره، الآن، وهنا حيث نحن، وكذلك فيما يستقبل على وجه العموم من السنين، وتعقل وتدبر كلا الأمرين، الحالي والمقبل في آنٍ معـاً.

خصوصية علم النفس

** باديو: قلتم في المنظور الأول، إنـه جرى تصور الفلسفة على وجه الإجمـال، كما لو كانت تحدّد نطاقها بالقياس على علم وضعي، وإنهـا تعود فتؤمن وضوحه الفعلي بعد ذلك. ما الذي يستطيع أن يضمن ويؤمن في مثل هذا المنظور خصوصية علم النفس النوعية بالقياس على مجالات البحث والاستقصاء الأخـرى؟ هل تستطيع الوضعية، وهل تريد، أن تضمن وتؤمن هذه النوعية؟

* فوكو: في الحقبة التي كانت العلوم الإنسانية تتلقّى فيها إشـكاليتَها، وتسـتمدّ نطاقهـا ومفاهيمها من فلسفةٍ، هي في الإجمـال فلسفة القرن الثامن عشر، فإنـه كان يمكن تعريف «علم النفس» (أو السيكولوجيا) كعلم للنفس أو للروح، أو كعلم للوعي، أو كعلمٍ للفرد. واعتقادي أن القسمة أو الاقتسام مع باقي العلوم الإنسانية التي كانت قائمة حينذاك، والذي كان ممكناّ، هو اقتسـام كان يمكن في هذا المستوى، أن يتمّ بصورة واضحة إلى حدٍ بعيد: كان يمكن مقابلة «علم النفس» بالعلوم الفيزيولوجية، مثلما نقابل بين الروح والجسد، ونُضادّ بين الروح والجسم. كما كـان يمكن المقابلة بين علم النفس وبين علم الاجتماع، كما نقابل بين الفرد والجماعة أو المجموعة؛ فـأمـا إذا عـرَّفنا «علم النفس» بأنـه علم الوعي، فبمـاذا ترانـا سنقابله ونضادّه؟ أعتقد أنـه في تلك الحقبة التي تمتد بالإجمال، من شوبنهاور إلى نيتشه، فإننـا نسـتطيع القول بأن حالة «علم النفس» تضاد الفلسفة وتقابلها مقابلة، وهي أيضاً مُضادة الوعي للاوعي. واعتقادي أن معاودة تنظيم وتحديد وتقسيم العلوم الإنسانية، إنمـا جرى بالضبط حول تبيان وتوضيح ماهيّة اللاوعي، أي أساساً حول فرويـد، بحيث أن ذلك التعريف الوضعي الموروث من القرن الثامن عشر، والذي يجعل أن حالة «علم النفس»، هي علم الوعي والفرد، لم تعـد تستقيم الآن، أي بعـد «حدوث» فرويـد.

مشكلة اللاوعي

** باديو: لنتموضع الآن في المنظور الآخـر: مـا هـو المعنى ومـا هي الدلالة التي تعطونها لإشـكالية اللاوعي، وهي التي تبدو لكم كالمبـدأ الذي جرت عبره وحوله معاودة هيكلة بنية مجال أو نطاق العلوم الإنسانية، طالمـا أنكم تعتبرون أن العلوم الإنسانية هـذه هي لحظةٌ من لحظات أقـدار الفلسفة الغربية؟

* فوكو: مشكلة اللاوعي، هي في الواقع مشكلة بالغة الصعوبة، ذلك أن ظاهر الأمـر، هـو أننـا نستطيع القول إن علم النفس التحليلي، هو شكلٌ أو صورةٌ من علم النفس، تضاف إلى علم نفس الوعي، ويضاعف علم نفس الوعي بطلاءٍ إضافي، أو بطبقة إضافية، هي طبقة اللاوعي، فكان أن تولـَّد عن ذلك الإدراك بأن اكتشاف اللاوعي، كان يجتذب في الحين نفسه، ويسـتجلب مشكلات لم تعـد تعني بالضبط، لا الفرد، ولا الروح المضادة للجسد؛ فبتنـا نولج في الإشكالية السيكولوجية أو النفسانية المحضة، أمـوراً كانت حتى ذاك، مستثناة منها، مستبعدة عنها، إمّـا لاعتبارها من الفيزيولوجيا (علم وظائف الأعضاء)؛ وبهذا أعيد إدخال مشكلة الجسد (في المجال النفسي)، وإمّـا لاعتبارها من علم الاجتماع؛ وبهـذا أعيد إدخال مشكلة الفرد ووسطه والفئـة أو الجماعـة التي ينتمي إليها، والمجتمع الذي هو فيه، والثقافة التي لم يزل هو وأجداده يفكرون بها؛ مـا يجعل أن مجرد اكتشاف اللاوعي، لم يكن، وليس هـو إضافة مجالات أو نطاقات، ولا هـو توسّع علم النفس وتمدّده، وإنمـا هو مصادرته لغالبية المجالات والحقول والنطاقات التي كانت تغطّيها العلوم الإنسانية، بحيث أن بوسـعنا القول إن مختلف العلوم الإنسانية، باتت منذ فرويـد علوماً للنفس/‏‏ psyché بصورةٍ أو بأخرى. وهكذا فإن الواقعية القديمة من النمط الذي كان يمارسه دوركهايم/‏‏ Durkheim الذي كان يتعقل المجتمع كجوهر مقابل، أو مضاد للفرد، الذي هو بدوره ضرب من الجوهر المتكامل أو المندمج في داخل المجتمع؛ فهذه الواقعية القديمة باتت فيما يبدو لي شيئاً لا يمكن تفكّره أو تدبّره.. وكذلك فإن التمييز بين النفس/‏‏ الروح وبين الجسد، والذي كان لا يزال ساري القيمة في القرن التاسع عشر، في علم النفس الفيزيولوجي (السيكو- فيزيولوجيا)، أقول إن هذا التقابل أو هذا التضادّ القديم، لم يعد له وجود الآن، حيث بتنا نعلم أن جسدنا يشكل جزءاً من أنفسنا، أو يشكل جزءاً من هذه التجربة التي هي واعية ولاواعية في الآن عينه، والتي يتوجّه إليها علم النفس، بحيث أنـه لم يعـد ثمة في العمق الآن، سوى علم النفس/‏‏ السيكولوجيا.

** باديو: إعادة الهيكلة هذه التي تفضي إلى ضرب من الشمولية (التوتاليتارية) السيكولوجية أو النفسانية ـ إنمـا تتم حول موضوعة ــ وهنا استعير تعبيركم هو ذاته ـــ اكتشاف اللاوعي. والحال أن كلمة اكتشاف ترتبط على وجه العموم بالسياق العلمي؛ فكيف تفهمون مذّ ذاك، اكتشاف اللاوعي؟ أيُّ ضربٍ من الاكتشافات هو هذا الاكتشاف؟

* فوكو: اكتشف فرويـد اللاوعي، حرفيا كشيء؛ لقد أدركـه من حيث هو عدد من الأواليات (ميكانيزم) التي هي موجودة في الإنسان على وجه العموم وفي إنسان خاص بعينه أيضاً.

فهل إن فرويـد نذر علم النفس لتشييءٍ جذري، بحيث إن تاريخ علم النفس أو السيكولوجيا الحديثة، لم يتوقف عن القيام بردود فعل على ذلك ( أي على هـذا التشييء)، وصولاً إلى ميرلو بونتي/‏‏ Merleau Ponty وإلى المفكرين المعاصرين؟ إن هذا في الحق، أمـرٌ ممكن، لكن ربمـا كان الأمـر الذي جعل علم النفس/‏‏ السيكولوجيا ممكنة هـو بالضبط، أفق الأشـياء المطلق هـذا، ولو من الناحية النقدية، على الأقل.

يبقى من جهة أخرى، أن للاوعي عنـد فـرويـد، بنية لغة؛ لكن ينبغي ألّا ننسى أن فـرويـد، هـو مؤوِّل من أصحاب التأويل، وليس اختصاصياً بعلم العلامات والأعراض، وهـو مُفسِّـر وليس نحوياً؛ وأخـيراً فإن مشكلته ليست مشكلة ألسـنيّة، وإنمـا هي مشكلة فك الرموز وحلّ الألغاز. لكن ما هـو التفسير والتأويل، ومـاذا يعني تناول اللغة تناول المؤوِّل والمفسر وليس تناول الألسني، غيـر أن يكون ذلك بالضبط اعترافاً بأن ثمـة ضرباً من الخطوط أو من الكتابة المطلقة التي سيكون علينا أن نكتشفها في ماديتها نفسها، كما سيكون علينا، من ثمَّ، الاعتراف بأن هذه المادية هي ذات دلالة، وهذا هو الاكتشاف الثاني، وأن نكتشف بعد ذلك مـا تريد قوله، وهـذا هـو الاكتشاف الثالث، ثم سيكون علينا في النهاية، رابعاً، أن نكتشـف وفق أيـة قوانين تريد هذه العلامات أن تقول ما تود أن تقوله. وفي هذه اللحظة بالذات، وفي هذه اللحظة وفقط، نصادف طبقة علم العلامات (السيميولوجيا أو السيميوطيقا) أي مشكلات مثل مشكلات الاستعارة والمجاز المرسل على سبيل المثال، أي جملة الطرائق التي تستطيع جملة من العلامات أن تقول بهـا شيئاً، لكن هذا الاكتشاف الرابع ليس سوى رابع بالنسبة إلى ثلاثة اكتشافات تتقدّم عليها في أساسيتها، أي أنها أكثر أساسية منها، وهذه الاكتشافات الثلاثة الأولى هي اكتشاف شيء قائم أمـامنـا، إنـه اكتشاف نص يتطلب تأويلاً وتفسيراً، واكتشاف ضرب من الأرضية المطلقة من أجل تأويلٍ ممكن.

فك الرموز والتكهن

** باديو: اختصاصيو فك رموز النصوص يميّزون بين فك رموز وتكهنها، بمعنى أن قوام فك الرموز هو فك رموز نص نملك مفتاحه، في حـين أن التكهن يكون لنص لا نملك مفتاحه، انـه بنية الرسالة ذاتها. والسؤال هو هل أن الطرائق أو المناهج النفسانية هي من نوع فك الرموز أم من نوع التكهّن؟

* فوكو: بل هو التكهّن فيمـا أرى، ولكن ليس تماماً، والحق يقال، ذلك أن مفهومَي فك الرموز والتكهّن، هنـا أيضاً، هما مفهومان حدّدهما الألسـنيون أساساً من أجل أن يـسترجعوا ويسـتردّوا ما اعتُقـِد أنـه يستحيل استرداده واسترجاعه على أيـة ألسنية كانت، عنيت التأويل والتفسير. لكن لنقل في النهاية إنها فكرة التكهن؛ فأقول لك إن فرويـد يتكهّن أو يكتنه في الواقع، أي إنـه يعتـرف أن ثمـة ههنا رسالة، وأنـه لا يـدري مـاذا تريـد هذه الرسـالة أن تقول؛ ولا يدري وفق أيـة قوانين يمكن أن تريـد العلامات (والأعراض) أن تقول مـا تودّ أن تقولـه؛ فلا بـد إذن من أن يكتشف في حركة واحدة، وفي الآن عينه، ماذا تريد الرسالة أن تقول، ومـا هي القوانين التي سـتقول بها أو بموجبها الرسالة ما تود أن تقول؛ أو بعبارة أخرى، فإنـه لا بـدّ لللاوعي من أن يكون حاملاّ، ليس لما يقوله فقط، وإنمـا لمفتاح مـا يقوله أيضاً. ولهذا بالذات طالمـا أثار علم النفس التحليلي، وتجربة علم النفس التحليلي، ولغة علم النفس التحليلي، هـوىً جارفاً في الأدب؛ ذلك أن ثمـة ضرباً من الافتتان يكابده الأدب المعاصر، ليس بعلم النفس التحليلي وحسب، وانمـا بسائر الظاهرات التي تنتمي إلى الجنون؛ إذ ما هو الجنون الآن في العالم المعاصر، اللهم إلّا رسالة، أو في النهاية شيءٌ من اللغة، أو من العلامات التي نؤمل بأنهـا تريـد أن تقول شـيئاً، لكننا لا نعرف مـا تقوله ولا كيف ستقوله، إذ من دون ذلك، تغدو الأمور رهيبة مرعبة؛ فيكون لا بـد بالتالي من تناول الجنون كرسالة يكون لها مفتاحها الخاص بها. وهذا ما يفعله فرويـد أمام أعراض الهستيريا، وهـذا مـا يفعله الآن أولئك الذين يحاولون مقاربة مشكلة الفصام.

وهل الأدب، في نهاية التحليل، سوى ضرب من الكلام الذي نعرف جيد المعرفة أنـه لا يقول مـا يقوله، إذ لو أراد الأدب أن يقول مـا يقوله لقال ببسـاطة: «خرجت المركيزة في الساعة الخامسة…» ليس إلّا. لكننا نعلم أن الأدب لا يقول هـذا، وإذن فإننـا نعلم أنـه كلامٌ ثانٍ، منكفئ على نفسه، يقول شـيئاً آخـر غير الذي يقوله؛ ونحن لا نعلم ما هو هذا الكلام الثاني الواقع تحت الكلام الأول، لكننا نعلم ببساطة أنـه لدى الانتهاء من قراءة رواية، فإنـه لا بـد لنـا من أن نكتشف مـا تعنيه، وتبعا لمـاذا، ووفقاً لأيـة قوانين استطاع المؤلف أن يقول مـا يودّ أن يقوله؛ لا بـدّ لنـا من تأويل النص واستخراج رموزه وعلاماته (سيميوطيقاه).

وعلى هـذا، فإن ثمـة مـا يشـبه البنية المتناظرة للأدب وللجنون، قوامها أنـه لا يمكن استخراج سيموطيقا (علم علامات) الواحد منهما من دون أن نواكب ذلك بتأويله. واعتقادي أن هذا الانتماء، هو انتماءٌ لا فكاك لـه؛ لكن لنقل وبكل بساطة، أننـا لم نفهم إلى حدود العام 1950، أو فهِمنا سيئ الفهم وعلى نحـوٍ تقريبي، أنـه فيمـا عنى علم النفس التحليلي أو فيما عنى النقد الأدبي، فإن المسـألة فيهما، هي أقرب إلى أن تكون مسـألة تفسير وتأويل. لم نـر أن ثمة جانباً سيموطيقياً (علم علامات)، أي جانب تحليل لبنية العلامات نفسها. الآن بدأنا نكتشف هذا البُعد السيميوطيقي، فبتنا بالتالي نتستر على جانب التفسير والتأويل؛ والواقع هـو أن لغة الجنون ولغة الأدب تتميزان بخصوصية هي بنية الاحتواء والالتفاف أو التكوير، الأمـر الذي يوصلنا إلى ما يلي، ألا وهـو أنه لم يغلب على العلوم الإنسانية كافة الطابع النفساني وحسب، بل إن الأدب والنقـد الأدبي تقلّدا علم النفس، أو غلب عليهما علم النفس.

** باديو: إذا كان اللاوعي يتبدّى بالإجمال كموضوعٍ – نص، وهذا لكي نحتفظ بمنظوركم الشيئي او التشييئي، حيث تكتشـف الرسالة في كل لحظة أنها تنتسب إلى الشيفرة الخاصة بها، (أو الرموز أو القانون الخاص بها في منطق سيميوطيقيين آخرين)، بحيث أنـه لا توجد شـيفرة عامة (أو رموز أو قانون عام) تستطيع الرسالة بداخله أن تكتشف بالإجمال معناها الخاص بها، على نحـوٍ قبلي؛ فينتج عن ذلك، أن علم النفس لا يطيق ولا يستطيع أن يكون علماً عـامـاً، فهو لا يتصدّى إلّا لنصوص، وهـذه الأخيرة، أي النصوص، هي أشياء فريدةٌ وجذرية الفرادة، لأنها تحمل شـيفرتها الخاصة بها؛ وبهذا فإن علم النفس يكون علم نفس الفرد، ليس لجهة موضوعه وحسب، وإنمـا في منهجه في النهاية، أم تـرون أن هنـاك تأويلية ما عامـة؟

* فوكو: لا بدّ من التمييز هنـا، كمـا في أي مكان آخر، بين العام والمطلق؛ فليس ثمة تأويلية مطلقة، بمعنى أنـه لا يمكننا التيقّن من أننـا حصلنا أو نحصل على النص النهائي، وأنـه ليس ثمة معنى آخـر يُقال خلف المعنى المتوفر والدلالة الحاضرة. وكذلك، فإنـنـا لن نكون أكيدين ولن نتيقّن من أننـا نصنع في الجانب الآخـر ألسـنية مطلقة. وعلى هذا فإننـا لن نتأكد أبـداً، ولن نتيقّن مطلقاً من أننـا سنبلغ لا في هذا الطرف ولا في الطرف المقابل، من بلوغ الصورة العامة أو الشكل العام بإطلاق، أو النصّ الأول بإطلاق.

بعـد هـذا أقول إنني أعتقـد أن ثمـة بنياتٍ معممة، كبيرة إلى هذا الحد أو ذاك، وإنـه يمكن على سبيل المثال أن يوجـد لدى العديد من الأفراد عـددٌ من الطرائق المتماثلة، التي يمكن أن نجدها، وعلى النحـو ذاته، لدى هذا البعض أو ذاك، وليس ثمة من سبب أو علّة تجعل البنيات التي اكتشفت في ما يعني الواحد من الناس، بنيات لا توافق الآخـر.

** باديو: أفيكون علم النفس في نهاية الأمـر علم هذه البنيات، أم هو معرفة النص الفردي؟

* فوكو: سـيكون علم النفس معرفة البنيات، كمـا أن العلاج الشـفائي الذي لا يمكن ألا يكون مـرتبطا بعلم النفس، سيكون معرفة النص الفردي، ومعنى هذا، هـو أنني لا أعتقد أنه يسع علم النفس أن ينفصل عن برنامج معياري مـا. ربمـا كان علم النفس، شـأن الفلسفة نفسها، طبّاً ومداواة شفائية، بل إنـه كذلك بكل تأكيد، أي طب وعلاج شفائي على وجه اليقين؛ وليس لأن علم النفس يجـد نفسه وفق أكثر صوره وأشكاله إيجابية، منفصلاً عن علمين فرعيين هما: علم النفس والتربية مثلاً، أو علم النفس المرضي، أو علم النفس «السريري»، وليس لأن هذا الانفصال إلى لحظتين منعزلتين إلى هذا الحـدّ، يكون علم النفس شيئاً آخـر غير العلامة، وأنـه ينبغي جمعهما وتوحيدهما جميعاً. كل علم نفس هو تربية، وكل تقصٍ أو قراءة رموز هو علاج شفائي؛ إذ لا معرفة إلّا، وهي مواكبةٌ ومصحوبةٌ بالتحوّل والتحويل.

** باديو: بـدا لنـا في مـراتٍ عـدة أنكم توشكون أن تقولوا إن علم النفس لا يكتفي بأن يقيم علاقاتٍ وبنياتٍ، بالغاً ما بلغت دقتها أو كان تعقيدها، بين عناصر مُعطاة، ولكنه يشـتمل بالإضافة إلى ذلك، على تأويلات، وأن العلوم الأخرى هي على العكس من ذلك، لا تستطيع حين تصادف المعطيات التي تتطلّب تأويلاً، أن تلبّيها، بحيث أنـه يبدو وكأنكم تقولون إنه ينبغي لعلم النفس، أن يدخل إلى مقدمة المسرح ويطل على المشهد في هذه اللحظة تحديداً. فإذا كان فهمنا هذا صحيحاً، فهل إن كلمة علم النفس، تظل تحمل المعنى ذاته والدلالة ذاتها في تعابير مثل «علم النفس الإنساني» أو «علم النفس الحيواني»؟

* فوكو: أنـا سـعيد لأنك طرحت عليَّ هـذا السـؤال، ذلك أنني كنت أنا نفسي مسـؤولاً عن انزلاق أو عن زلّة قـدم. فقـد قلت بادئاً إن تمفصل العلوم الإنسانية قد تغيّر على وجه العموم، وأُعيد تشكّل صورته وصياغته نتيجة لاكتشاف اللاوعي، وإن المفارقة شـاءت أن يأخذ علم النفس ضرباً من الإمرة على باقي العلوم؛ ثم رحت أتكلم عن علم النفس من منظور فرويدي حصري، كمـا لو أنـه لا يسع أي علم نفسٍ إلّا أن يكون فرويدياً. هناك إعادة تقسيم أو تخريج عامة للعلوم الإنسانية، انطلاقاً من فرويد، وهـذه واقعةٌ لا سبيل لنكرانها في اعتقادي؛ كمـا أن أكثر علماء النفس وضعية، لا يستطيعون نكرانها. غير أن هـذا لا يعني أن علم النفس، بكلّه وجميعه، وفي تطوراته الإيجابية، قد أصبح علم نفس اللاوعي، أو علم نفس علاقات الوعي باللاوعي. فقد بقي هناك ضرب من علم النفس الفيزيولوجي، كما لا زال هناك ضرب من علم النفس الاختباري؛ وفي النهاية فإن قوانين الذاكرة، كمـا أثبتها منذ خمسين أو ستين عاماً، ذلك «العالِم» الذي يحمل الاسم نفسه الذي أحمله، هي قوانين لا صلة لها البتة بظاهرة النسيان الفرويدية. وهي لم تزل كما كانت، وأنـا لا أعـتقد أن حضور الفرويدية قـد غيـَّر في الحقيقة شـيئاً على صعيد المعرفة اليومية الثابتة في الملاحظات التي يمكن أن نلاحظها حول الحيوانات، أو حتى في مجال بعض وجوه السلوك الإنساني. المسـألة هنا هي مسـألة ضرب من الاسـتحالة الحفائرية، أو التحوّل الآثاري (الأركيولوجي) العميق الذي هو تحوّلات الفرويدية وليس تغييراً جـذرياً (أو مسـخا) للمعرفة النفسانية كلها.

** باديو: لكن إذا كان مصطلح علم النفس يتقبّل وجوهـاً بمثل هذا الاختلاف، فأي معنىً هو المعنى الذي سيكون مشتركاً بين هذه الوجوه؟ هل هناك وحدة لعلم النفس/‏‏ السيكولوجيا؟

* فوكو: بلى، إذا وافقنا على أنـه حين يدرس عالم نفس سلوكَ جرذٍ في متاهة، فلأنـه يسعى إلى تحديد وتعريف الصورة العامة أو الشكل العام للسلوك الذي يمكن أن تصحّ نسبته إلى الجرذ، كما تصحّ نسبته إلى الإنسان. فالمسـألة هي دائماً مسـألة ما يمكن أن نعرفه عن الإنسان.

علم معرفة الإنسان

** باديو: هل تقبلون والحالة هي هذه، أن نقول إن موضوع علم النفس هـو معرفة الإنسان، وأن مختلف «السـيكولوجيات» هي وسائل لهذه المعرفة؟

* فوكو: بلى، وأنـا في النهاية أوافق على هذا من دون أن أتجرّأ كثيراً على قولـه، لأنـه يبـدو مفرط البسـاطة، إلّا أنـه يصبح أقل بسـاطة بكثير، إذا تـذكرنا أنـه ظهـر في مطلع القرن التاسع عشر، مشروع غريب لمعرفة الإنسان. هنـا تقع، ربمـا، إحدى الواقعات الرئيسة في تاريخ الثقافة الأوروبية، ذلك أنـه إذا كان قـد وُجِـدَ في القرنين السابع عشر والثامن عشر كتب تحمل أسـماء مثل «مصنّف في الإنسان» (لديكارت) و«مصنّف في الطبيعة البشرية» (لديفيد هيوم) مثلاّ، إلّا أنها لا تتناول الإنسان، كما نفعل نحن حينما نمارس علم النفس، ذلك أن كل تفكيرٍ حول الإنسان، ظلّ حتى نهاية القرن الثامن عشر، أي حتى عمانوئيل كانط، تفكيراً ثانياً بالنسبة إلى فكرٍ أول، هـو، لنقل، فكـر اللانهاية. والمسـالة هنا هي مسـألة الإجابة عن أسـئلة كهذه، بالنظـر إلى أن الحقيقة هي مـا هي، أو هي هذا الشيء أو ذاك ممـا تعلّمناه من الرياضيات والفيزياء، فلماذا ندرك على النحو الذي ندركه، ونعرف على النحـو الذي نعرفه ونخطئ بالصورة التي نخطئ بها؟

بدأ انقلاب الأمور رأساً على عقب انطلاقاً من كانط، أي أن مشكلة الإنسان لن تطرح كمشـكلة، انطـلاقاً من اللانهاية أو من الحقيقـة، بحيث نطرح مشـكلة الإنسان كضرب من ظلٍ منعكـس عنهما؛ فمنذ كانط، لم تعـد اللانهاية معطى من المعطيات، ولم يعد ثمة تناهٍ، وبهذا المعنى نقول إن النقد الكانطي كان يحمل في ذاته إمكانية، أو ـــ خطـر ـــ إناسـة (أنثروبولوجيا).

** باديو: هل تعتبرون أن بوسعنا القول عن علم النفس كعلم وكتقنية، ما نقوله عن العلوم الدقيقة الصارمة، عنيتُ أنهـا تصنع فلسفتها بنفسها، أي أنها تمارس هي نفسها نقد مناهجها ومفاهيمها… إلـخ؟

* فوكو: أعتقـد أن ما يجري حالياً في علم النفس التحليلي، وفي عدد من العلوم الأخرى، كالإناسة (الأنثروبولوجيا) هو شيءٌ كهذا. فحـين يأتي شيءٌ مثل تحليل لاكان/‏‏ Lacan، ليعقب تحليل فرويد، ويكون ممكناً، وأن يكون شيءٌ مثل ليفي ستروس/‏‏ Levy-Strauss ممكناً بعد دوركهايم/‏‏ Durkheim، فإن هذا يثبت أن العلوم الإنسانية، هي بصدد إنشاء أو إقامة ضرب من العلاقة النقدية بنفسها ولنفسها، علاقةٌ من شأنها التذكير بالعلاقة التي تمارسها الفيزياء أو الرياضيات بالنسبة إلى ذاتيهما، وكذلك الحال بالنسبة إلى الألسـنية.

** باديو: لكن ليس بالنسبة إلى علم النفس الاختباري؟

* فوكو: حتى الآن لا. في النهاية، حين يقوم علماء النفس بإجراء دراسات حول التعلّم، وعندما يجربون بعد ذلك النتائج، فإلى أي حـد تستطيع التحليلات حول المعلومات إتاحة ترميز هذه النتائج (أي نقلها من اللغة العادية الاصطلاحية إلى لغة الرموز)؛ وكذلك فإن علم النفس ينشئ لنفسه ضرباً من العلاقة التفكّرية التعميمية التأسيسية. والحال هو أننـا لا نستطيع القول بأن السيبرنطيقا (أو النظرية الإحيائية الآلية كما يسميها البعض) أو النظرية المعلوماتية هي فلسفة علم نفس التعلم، كمـا لا نستطيع أن نقول إن مـا يقوم به لاكان /‏‏ Lacan حالياً في علم النفس التحليلي، أو ما يقوم به ليفي ستروس/‏‏ Levy-Strauss، هـو فلسفة الإناسـة أو فلسفة علم النفس التحليلي، بل هـو بالأحرى ضرب من علاقة العلم الانعكاسية أو التفكّرية حول ذاته.

** باديو: مـاذا تعلّمون من علم النفس، إذا مـا وجدتم أنفسكم في صف من صفوف الفلسفة الموجودة حالياً، وكما هي حالياً؟

ـــ فوكو: أول التدابير الاحتياطية التي أتخذها لو كنت أستاذاً للفلسفة، وكان عليَّ أن أُعلـِّم علم النفس، هـو شراء قناعٍ يكون على أكثر ما يمكنني تصوره من كمالٍ في الأقنعة، ويكون أبعد ما يكون عن خِلقتي وسِحنتي الطبيعية، بحيث لا يتعرّف تلاميذي إليّ. وأحاول أن أُغـيّر صوتي واتخـذ، شأن أنطوني بيركينز/‏‏ A. Prkins في فيلم عصاب /‏‏psychose، صوتاً آخـر، بحيث لا يظهر ولا يتبيّن شيءٌ من وحدة خطابي. هذا هـو أول الاحتياطات التي أتخذها. بعد ذلك سـأحاول، وفي حدود كل ما هو ممكن، أن أُدرّب الطلاب على التقنيات الجارية حالياً لدى علماء النفس، طرائق المختبر ومناهج علم النفس الاجتماعي، وأحاول أن أشرح لهم قوام علم النفس التحليلي. وفي الساعة التالية بعد ذلك، أنزع قناعي، واستردّ صوتي، وأبدأ تدريس الفلسفة، حتى ولـو اسـتدعى الأمـر حينذاك أن نلتقي بعلم النفس، بما هو ذلك الضرب من الدرب المسـدود المحتوم الذي لا مناص منه، والذي سلكه الفكر الغربي في القرن التاسع عشر؛ لكنني لا أنتقد علم النفس، حين أقول الدرب المسدود المحتوم، الذي لا مناص منه، ولا سبيل مطلقاُ لتلافيه، كعلم، ولا أقول إنـه علم ليس وضعياً كما يجب، ولا أقول إنـه ينبغي لـه أن يكون أكثر أو أقلّ تفلسفاً، وإنمـا أقول إن ثمـة غفوة إناسية (أنثروبولوجية) طابت لها نفس الفلسفة ونفس العلوم الإنسانية، بحيث أن بعضها حمل بعضها الآخـر على النوم، وأنـه لا بـدّ من الاسـتيقاظ من هذا السبات الإناسي، مثلمـا كان الاستيقاظ في الماضي من السبات الدوغمائي (العقدي الوثوقي).

غفوة أنثروبولوجية

ثمـة غفوة إناسية (أنثروبولوجية) طابت لها نفس الفلسفة ونفس العلوم الإنسانية، بحيث إن بعضها حمل بعضها الآخـر على النوم، وأنـه لا بـدّ من الاسـتيقاظ من هذا السبات الإناسي، مثلمـا كان الاستيقاظ في الماضي من السبات الدوغمائي (العقدي الوثوقي).

افتتان الأدب بـ «الجنون»

أثار علم النفس التحليلي، وتجربة علم النفس التحليلي، ولغة علم النفس التحليلي، هـوىً جارفاً في الأدب؛ ذلك أن ثمـة ضرباً من الافتتان يكابده الأدب المعاصر، ليس بعلم النفس التحليلي وحسب، وإنمـا بسائر الظاهرات التي تنتمي إلى الجنون؛ إذ ما هو الجنون الآن في العالم المعاصر، اللهم إلّا رسالة، أو في النهاية شيءٌ من اللغة، أو من العلامات التي نؤمل بأنهـا تريـد أن تقول شـيئاً، لكننا لا نعرف مـا تقوله ولا كيف ستقوله، إذ من دون ذلك، تغدو الأمور رهيبة مرعبة؛ فيكون لا بـد بالتالي من تناول الجنون كرسالة يكون لها مفتاحها الخاص بها.

«الشرح» و«الفهم والاستيعاب»

يبـدو لي أن المرة الأولى التي جرى فيها التمييز بين «الشرح» وبين «الفهم والاستيعاب»، وجرى عرضهما كشكلين معرفيين جذريين مطلقين ولا يتفقان مع بعضهما بعضاً، كان على يـد ديلثي/ Dilthey. والحق أن هـذا أمـرٌ مهـمٌ جداً، وهـو بحسب مـا أعلم، مـا صنع التاريخ الوحيد البالغ الأهمية والكبير الفائدة للتأويلية الغربية، وإن كان تاريخـاً تقريبياً بعض الشيء.

____

 

ليست هناك تعليقات: