الخميس، 9 نوفمبر 2017

تفنيد جديدٌ للزمن؛ بورخيس.


تفنيدٌ جديدٌ للزمن
بورخيس


المقال التالي هو واحد من النصوص المدهشة التي كتبها بورخيس في سعيه الدائم الى مزاوجة الفلسفة بالأدب. ومع أنه مقال أدبي في نهاية الأمر لكنه مكرس للفلسفة وبشكل يكاد أن يكون نادرا بين أعمال الكاتب الأخرى. يلجأ بورخيس عادة الى نوع من الأليغورية الفلسفية ولكنه في هذا المقال يلج الجدل الفلسفي دون قناع ليناقش بطريقة حاذقة مباديء الفلسفة المثالية متناولا بيركلي وهيوم بشكل خاص. لا أريد طبعا أن أضعف من توقعات القارئ بذكر التفاصيل التي يخوض فيها بورخيس هنا ولكني أريد أن ألفت نظر القارئ الى السخرية الحكيمة الكامنة في العنوان (تفنيد جديد للزمن) والتي يشير اليها الكاتب في البداية وتنعكس على كل ما يرد فيه. يتكررهذا النوع من السخرية المبطنة في نصوص بورخيس الأخرى بل هو أسلوبه النقدي المحبب كما يشرح ذلك في قصته الشهيرة بيير مينار مؤلف دون كيخوته. إنها رحلة شيقة مع بورخيس ولعلها مما لا يُنسى.  حسن ناصر


تفنيد جديد للزمن
((لم يوجد  زمن قبلي ولن يوجد بعدي 
 
معي ولد الزمن ومعي سوف يموت))
دانيال فون تشيبوك
توطئة:
لوكان هذا التفنيد أو عنوانه قد نُشر في منتصف القرن الثامن عشر لظهر على الأرجح في فهرست لمراجع هيوم ولحظى بسطر من هكسلي أو كمب سميث. أما وقد نُشر في 1947 وبعد بيرغسون فليس هو إلا ايجاز توضيحي لنظام مطلق، أو- على نحو أسوأ – الحيلة الواهية لأرجنتيني تائه في بحر الميتافيزيقيا. القول بأي من الرأيين أعلاه ممكن وربما حقيقي ولكن ليس بوسعي أن أعد بالتوصل الى نتائج يشار اليها بالبنان اعتمادا على منهجي الجدلي القديم.  الفرضية التي أنا بصدد الكشف عنها قديمة قدم سهم زينون أو عربة الملك الأغريقي في الميليندا بانا ، وتكمن فضيلتها،اذا كان لها شيء من الفضيلة، في تطبيقي وسيلة بيركلي الكلاسية للتوصل الى مقاصدي النهائية. إن نتاج بيركلي وكذلك خليفته هيوم يزخر  بما يتناقض بل ويلغي طروحاتي هنا، لكني أعتقد على الرغم من ذلك بأني في الواقع انما استشف النتائج الحتمية لمذهبهما
كُتب المقال) ألف) عام 1944 وظهر في العدد 115 من مجلة (سور) وكُتب الثاني (باء) عام 1946 وهو نسخة منقحة من الأول ولكني لم أشأ عن سابق تصميم أن أختزل المقالين المتشابهين  في مقال واحد مفترضا أن قراءتهما معا قد تسهم في فهم لهذا الموضوع الشائك.
كلمة عن العنوان:
أعرف أن هذا العنوان هو أنموذج للغول الذي يصطلح علماء المنطق  عليه بـ (تناقض الاصطلاح) وذاك لأن القول بأن هذا التفنيد جديد انما يضفي عليه دلالة زمنية وهو ما يكرّس موضوعا الغرض من المقال تفنيده. على الرغم من هذا فساترك هذه المزحة المنفلتة كما هي لأثبت انني لا أبالغ في تصوير حساسية هذا اللعب اللفظي.  إن اللغة على أية حال مترعة بالزمن وما يحركها هو الزمن الذي لن يخلو سطر واحد من كل هذه الصفحات من الإشارة اليه و استحضاره
أهدي هذه التمارين الى سلفنا خوان كريسوتومو لافينور  (1797- 1824) الذي خلف قصيدة أو اثنتين من الأشعار التي لا تنسى في الأدب الأرجنتيني والذي كافح من اجل اصلاح التعليم الفلسفي بطردالأشباح اللاهوتية عنه وبشرح نظريات لوك وكوندياك في فصوله الدراسية. لقد مات في المنفى وكما هو شأن جميع الرجال كانت قسمته أن يحيا اياما صعبة
بوينس آيريس في الثالث والعشرين من كانون الأول 1946

ألف
1
لمحت أو استبينت في مسيرة حياتي المنذورة للحروف - وللحيرة الميتافيزيقية أحيانا- تفنيد الزمن. ولا أصدق أنا نفسي هذا التفنيد ولكنه عادة ما يزورني في الليل أو حين الشفق المرهف وبالقوة الوهمية لمسلمات العقل. يمكن العثور على هذا التفنيد بهذا الشكل أو ذاك في كتبي جميعها. انه موجود في قصيدة (شاهدة لكل قبر) و (تروكو) و كتابي (تجليات بوينس آيريس) 1923 ومنصوص عليه بوضوح في صفحة بعينها من (أفريستو كارييخو) وكذلك في قصة (الشعور في ثنايا الموت) التي أفصلها أدناه. غير أن لا شيء من هذه النصوص حاز قناعتي ولا حتى الوارد في خاتمة القائمة أعلاه والذي هو أقل منطقية وتصريحا من أن يكون عاطفيا لاهوتيا. ساحاول في هذا المقال أن أدعم واوفر قاعدة لكل ما ذكرت. لقد قادتني مجادلتان الى هذا التفنيد: الأولى هي مثالية بيركلي  والثانية هي مبدأ اللامحسوسات للايبنتز.
يلاحظ بيركلي في (مبادي المعرفة البشرية) ما يلي
ليس لأفكارنا ولا عواطفنا ولا الأفكار التي تصوغها مخيلاتنا أن توجد دون وجود للعقل وهذا ما يتفق عليه الجميع و لايخالفه أحد. وبالنسبة الي فإن من الثابت ايضا أن الأحاسيس المختلفة والأفكار المطبوعة على حواسنا ومهما كانت متراكبة أو ممتزجة  وأيا كان الموضوع الذي تشكله لا يمكن أن توجد في مكان آخر غير العقل الذي يستوعبها.. أقول إن المنضدة التي أكتب عليها موجودة بمعنى أني أراها والمسها واذا كنت خارج مكتبي فسأقول انها موجودة بمعنى لو انني كنت في مكتبي لشهدت وجودها أو ان هناك ذاتا أخرى تدرك وجودها بالفعل، لأن ما قيل عن الوجود المطلق للأشياء من غير ذوات العقل  دون وجود علاقة لذلك بوجود عقل يستوعبها هو – بالنسبة الي - مما يستعصي على الفهم كليا. إن وجودها يكمن في كونها مُدْرَكة (esse est percipi ) وليس ممكنا أن يكون لها وجود خارج العقل أو دون وجود ذوات مفكرة تعقلها.

ثم يرد في السطر الثالث والعشرين على اعتراض محتمل بقوله
لكنك قد تقول بأن لا شيء أيسر من تخيل شجرة على سبيل المثال في حديقة، أو كتب في خزانة مقفلة وحيث لا يوجد هناك من يدركها.
 جوابي على ذلك هو انك قد تتخيل ذلك وهو امر لا ينطوي على شيء من الصعوبة. ولكني اسألك بدوري  هل في هذا كله شيء اكثر من تركيبك لافكار معينة في عقلك تسميها كتبا واشجارا ثم، وفي الوقت ذاته، تلغي فكرة وجود ذات تدرك وجود ذلك اصلا؟  ألست انت الذات التي فكرت بوجود الأشجار والكتب وأدركته! لذا فأن هذا القول لايتناقض والاطروحة الاولى وانما يُظهر قدرتك على التخيّل وعلى تكوين الأفكار في عقلك فحسب، ولا يعني أن ادراكك للأشياء [تخيّلك] يؤكد أن لها وجودا خارج عقل يدركها [أي بمعزل عن عقل يدركها].
 [هنا أظن أن القول بأن لا وجود لها خارج عقلٍ يدركها، تعني بأنها قابلة للتعقل بفضل التخيل ذاته الذي يفترض بأن موضوعه غير قابل للإدراك من أحد، ولا تعني بأننا يمكن أن يكون شيءٌ في وعينا دون أن يكون موجوداً حقاً في الخارج].

وكان بيركلي قد صرّح قبل ذلك في الفقرة السادسة
ثمة حقائق قريبة وجلية للعقل حتى أن الإنسان لا يحتاج الى أكثر من فتح عينيه ليراها. من هذه الحقائق على سبيل المثال حلية السماء وأثاث الأرض، بكلمة واحدة أقول: ليس لتلك الأجرام التي تكوّن صورة العالم كلَّها وجود دون العقل. وإن وجودها يكمن في كونها مدرَكة أو معلومة، وبالنتيجة فإنها إن لم تكن مدركة من قبلي أو موجودة في عقلي أو في عقل ذات مفكرة أخرى فهي إما غير موجودة على وجه الاطلاق، او إنها ماثلة في عقل ذات ٍ سرمدية. 

هذا اذن هو المذهب المثالي كما تصفه كلمات صاحبه. من السهل فهمه ولكن من العسير أيضا التفكير ضمن نطاقه. شوبنهاور نفسه ارتكب الكثير من الهفوات حين تعرّض لشرحه. في السطور الأولى من كتابه (العالم ارادة وفكرة) الذي يعود الى العام 1819 يصوغ شوبنهاور هذا التصريح الذي يجعله قمينا بأن يكون اجمالا للحيرة البشرية برمتها: " العالم هو تصوري عنه، الرجل الذي يقر بهذه الحقيقة يفهم جيدا بأنه لا يعرف الشمس ولا الأرض وانما مجرد عينين تريان الشمس ويدين تحسان الأرض. "   معنى هذا أن عيون البشر وأيديهم - بالنسبة لشوبنهاور المثالي – أقل ايهاما وخداعا من الأرض والشمس. وقد قام شوبنهاور في 1844  بنشر مجلد اضافي يكرر في الفصل الأول منه خطأه القديم ويزيد الطين بلة حين يعرّف الكون باعتباره ظاهرة مُخْيّة مميزا بين عالمين (عالم في الرأس) و (عالم خارج الرأس).  لكن بيركلي على أية حال كان قد قال على لسان صنيعته فيلونوس في 1713: " لذلك فالدماغ الذي تتحدث عنه،كونه معقولا، لا يمكن أن يوجد الا  في العقل. الآن يصبح من اليسير عليَّ أن اعرف اذا كنت تعتقد  انه من المعقول أفتراض أن فكرة واحدة أوشيئا ما موجودا في العقل هو الذي يسبّب كل الأفكار الأخرى.  اذا كنت تعتقد بذلك حقا فكيف ستفسر اذا ً أصل تلك الفكرة أو الدماغ ذاته؟ "
ويمكن أن توضع أحادية سبيلر بموضوعية على الطرف المضاد لمقولة شوبنهاور أو مخيَّته. يجادل سبيلر في عقل الإنسان  (1902 – الفصل الثامن) فيقول إن شبكية العين او خلايا الاستشعار الجلدي اللذين يتم عبرهما ادراك الظواهر المرئية أو المحسوسة هما بدورهما نظامان من الحس اللمسي  ونظامان بصريان وإن الغرفة التي نرى (الغرفة الموضوعية) ليست بأكبر من تلك التي نتصورها مخيّا، كما أن الأولى لا تحتوي الثانية لأن هناك نظامين بصريين يعملان معا (الأول كامن في الظاهرة المرئية والثاني في العين). وعلى الصعيد ذاته ينفي بيركلي في كتابه (مباديء المعرفة البشرية) وجود الخصائص الأولية (الأعراض) مثل الصلابة والأمتداد المكاني للأشياء و ينفي كذلك  وجود مكان مطلق.   
أكد بيركلي  على دوام وجود الأشياء، فحتى حين لايكون هناك بشر يدركها  تبقى مدركة من قبل الله.  اما هيوم وبمنطقية أكبر ينكر هذا الوجود (رسالة في الطبيعة البشرية). وبينما يؤكد بيركلي وجود الهوية الشخصية: " أنا نفسي ليس أفكاري بل شيء آخر، كيان في حالة تفكير فاعل يدرك العالم" (محاورات، 3)، يفند هيوم الشكي  هذه الهوية ويجعل من كل انسان  " حزمة  من مفاهيم مختلفة تتبادل الأدوار بترتيب لا يمكن استيعابه".  لكنهما – بيركلي وهيوم –  يؤكدان على وجود الزمن، فهو بالنسبة الى بيركلي: " تعاقب الأفكار الذي يتدفق مترابطا في عقلي وتسهم فيه كل الموجودات " (مباديء المعرفة البشرية). أما بالنسبة الى هيوم فهو: " تعاقب لوحدات لا تقبل القسمة ".
لقد كدست استشهادات  من دعاة المثالية وانتخبت  فقرات اساسية من اعمالهم وكررت وشرحت وانتقيت (وإن بشيء من الإجحاف) من شوبنهاور وذلك لمساعدة القاريء على الخوض في العالم الجيّاش للعقل، عالم من الانطباعات سريعة الزوال، عالم بلا مادة ولا روح ولا هو بالذاتي ولا الموضوعي، عالم بلا معمار مثالي للمكان، عالم مصنوع من الزمن، مصنوع من وحدات متماثلة  من الزمن الأصل، متاهة لا تنفد، فوضى، حلم، وهو التناهي الكامل الذي استدل عليه ديفيد هيوم
متى ما قبلنا بحجة المثاليين أعتقد أنه من الممكن - بل من المحتّم على الأرجح - أن نمضي قدما. فبالنسبة الى هيوم ليس من المعقول الكلام عن شكل القمر أو لونه، فالشكل واللون هما القمر كما انه ليس بوسعنا الحديث عن تصورات العقل مادام العقل في النهاية ليس سوى سلسلة من التصورات. لذا فأن المقولة الديكارتية " أنا أفكر اذن أنا موجود "  تفقد صلاحيتها لأنها تبدأ بافتراض وجود الأنا التي هي موضع سؤال بحد ذاتها. اقترح لكتينبرغ في القرن الثامن عشر أن نستعيض عن قول (أنا أفكر) بصيغة أخرى هي (انه أو انها تفكر) وبالطريقة التي نقول فيها: إنها تُرعِد أو إنها تمطر.
 أكرر القول هنا بأن ليس هناك نفس خفية خلف وجوهنا لتحكم أفعالنا وتستقبل انطباعاتنا، اذ لسنا في النهاية إلا سلسة من تلك الأفعال الخيالية والأنطباعات المُظللة.  هل قلت السلسلة؟ إذا كنا ننفي وجود المادة والروح  وهما سيرورتان واذا كنا ننفي وجود مكان فلا أدري اي حق يتبقى لنا في الاعتقاد بالسيرورة الأخرى التي هي الزمن.  لنتخيل لحظة من الحاضر، أية لحظة كانت: ليلة على المسيسيبي، يستفيق هاكلبيري فين، تنحدر الطوافة مع المجرى مختلطة بظلال الشفق، ربما كانت الليلة باردة أيضا، يميز هاكلبيري خرير المياه الهادئ المتواصل. يفتح عينيه بخمول فيرى نجوما لا تحصى وصفا داكنا من الأشجار ثم يغط في نوم خال من الذكريات كما لو في مياه سوداء .   تعلن المثالية الميتافيزيقية ان اضافة  العنصر المادي (الموضوع) والعنصر الروحي (الذات) الى تلك التصورات العقلية هو نوع من النزق والعبث.    وأظن كذلك أن أعتبارهما شرطين في سلسلة لايمكن ادراك بدايتها أونهايتها هو أمر لايقل في غموضه وعدم منطقيته. إن اضافة فكرة وجود نهر موضوعي  وضفة موضوعية أخرى الى النهر والضفة التي أدركهما هاكلبيري  يعني اضافة تصورين عقليين آخرين الى تلك الشبكة من التصورات العقلية وهو أمر يتعذّر تبريره كليا من وجهة نظر المثاليين. اما من وجهة نظري فان اضافة تعاقب تقويمي محدد لكل ذلك هو مما لا يقل تعذّرا عن التبرير ايضا  ومن ذلك القول - على سبيل المثال - بأن الحدث اعلاه قد وقع في ليلة السابع من حزيران 1849 بين الرابعة وعشر دقائق  والرابعة وإحدى عشرة دقيقة. بكلمة أخرى ومستخدما محاججة المثالية ذاتها  أنا أنفي  وجود السلسلة الزمنية الممتدة التي يجيزها المثاليون.  لقد نفى هيوم وجود مكان مطلق فيه حيّز لكل شيء وأنا انفي وجود زمن واحد يربط الأحداث كلها لأن نفي التجاور المكاني ليس بأعظم صعوبة [ربما الأصح القول: ليس بأقل صعوبةً] من نفي التعاقب الزمني
أنا أرفض بما لا ينفد من الأمثلة وجود تعاقب زمني وكذلك أرفض بذات القدر من الأمثلة فكرة التزامن أيضا. إن العاشق الذي يقول: " وبينما كنت في غاية السرور متأملا وفاء عشيقتي كانت هي في الحقيقة مشغولة بخداعي " إنما يخدع نفسه. اذا كانت كل حالة نمر بها مطلقة فلا يمكن أن تكون تلك السعادة متزامنة مع الخداع واكتشاف الخداع هو مجرد حالة أخرى ليس لها القدرة على تغيير الحالات (السابقة)  وإن كانت لا تعجز عن تغيير كيفية استذكارها، إذ أن تعاسة اليوم ليست بأكثر واقعية من سعادة الأمس. سأحاول هنا مثلا ً آخر اكثر تماسكا: في غرة آب 1824 أحرز العقيد ايسيدورو سوريز على رأس كتيبة من الفرسان البيرويين  النصر في واقعة خونين. وفي غرة آب 1824 اصدر دي كوينسي هجاء موجها ضد (ويلهلم ميسترز لاريجار)، لم يكن هذان الفعلان متزامنين (كما يبدوان الآن) سيما أن الرجلين توفيا، الأول في مدينة منوتيفيديو والثاني في أدنبرة دون أن يعرف أحدهما شيئا عن الآخر.  كل حالة هي كيان مستقل فلا الأنتقام ولا العفو ولا السجن ولا حتى النسيان قادر على تعديل الماضي المتعذّر. بالنسبة لي فان الأمل والتوجس سيان في اللاجدوى لأنهما يتعلقان بأحداث مستقبلية وهي مما لن يحدث لنا، نحن الحاضر الوجيز. قيل لي أن الحاضر،  ذلك (الحاضر المديد) حسب السايكولوجيين، يدوم من بضعة ثوان الى أدق اجزاء الثانية وهذا ايضا طول تاريخ الكون بأسره. أو بقول أدق ليس هناك شيء أسمه (حياة الأنسان) ولا حتى (ليلة في حياته) هناك فقط اللحظة التي نحياها  ولا شيء من التركيب الوهمي لتلك اللحظات. ليس الكون، وهو اجمالي الأحداث كلّها، بأقل مثالية من اجمالي عدد الخيول (واحد أو عدة أو صفر) التي حلم بها شكسبير بين عام 1592 و 1594. ولعلي أستطرد هنا فأقول اذا كان الزمن هو عملية عقلية فحسب  فكيف يمكن أن يتشاركه  هذا العدد الذي لايحصى من البشر او حتى أثنين منهم فقط؟
ربما بدت المحاججة المطروحة في السطور السابقة معقدة بما  تخلّلها وأثقلها من الأمثلة ولذا سأحاول تبني طريقة اكثر وضوحا ومباشرة. دعونا نتخيل حياة تعج بالتكرار ولنأخذ حياتي مثالا على ذلك. لم امر من امام مقبرة ريكوليتا دون أن يخطر في بالي أن أبي وأجدادي وآباءهم مدفونون هناك كما سأدفن انا نفسي ذات يوم. ثم اتذكر أنني تذكرت الشيء نفسه  مرارا. ليس بمقدوري التنزه في ضواحي حينا في وحشة الليل دون أن أفكر في أن الليل يبهجنا بحجبه التفاصيل التافهة وكما تفعل الذاكرة بالضبط. ليس بوسعي أن ابكي فقدان حبيب أو صديق دون ان يتداعى في ذهني أن الانسان لا يفقد ألا ما لم يكن في حوزته قط. في كل مرة أعبر فيها منعطفا في القسم الجنوبي من المدينة أفكر فيك يا هيلينا، وكلما حمل الهواء الي رائحة الكالبتوس تذكرت آدروغيه في طفولتي، وكلما تذكرت المقطع الواحد والتسعين من هيراقليطس (أنت لا تعبر النهر مرتين) تزايد اعجابي ببراعته الجدلية لأن السهولة التي نقبل بها المعنى الأول (النهر هو نهر آخر في كل مرة) تفرض علينا ضمنا المعنى الثاني (أنا آخر ايضا) وتوهمنا بأننا مبتكروه، كلما سمعت ألمانيا ً يرطن بالياديش فكرت في أن الياديش في نهاية الأمر هي لهجة المانية لم تمسس لغة الروح القدس عذريتها الا قليلا. هذه المكررات (وغيرها مما لن أفصح عنه) هي حياتي كلها.  من الطبيعي ايضا انها تعاودني دون سابق تصميم كما أن هناك اختلافات في طبيعة التركيز ودرجة الحرارة والضوء والحالة الفيزيائية العامة. ولكني أرتاب  بالرغم من ذلك في ان عدد هذه الاختلافات الظرفية ليس بالعدد اللانهائي. بوسعنا افتراض لحظتين متطابقتين في وعي شخص ما (أو في وعي شخصين لايعرف كل منهما الآخر ولكنهما يخضعان للعملية ذاتها) ومتى ما افترضنا ذلك التطابق يصبح بامكاننا أن نسأل أليست هاتان اللحظتان المتطابقتان هما لحظة واحدة؟  أوليست هذه اللحظة المكرَّرة كافية لتفكيك وإبطال التسلسل في الزمن؟ أليس المتحمسون الذين يكرسون أنفسهم لسطر من شكسبير هم شكسبير بعينه. 
ما زلت غير واثق من قواعد النظام الذي أوجزته أعلاه كما أجهل إن كان موجودا.  تقول الفقرة الخامسة من الفصل الرابع من سانهدرين من المشنا أن من يقتل نفسا كأنه قتل الناس جميعا. اذا لم يكن هناك أثر للعددية فإن من يمحو البشرية جمعاء لن يكون أعظم ذنبا من قابيل البدائي المعزول، حسب الرؤية الأصولية، كما لن يكون الدمار الذي يسببه (وهو ما يبدو قريبا من الخيال)  أكثر شمولا مما قام به قابيل، أو هكذا أفهم الأمر.  ليست المآسي والكوارث الكونية من قبيل الحرائق والحروب والأوبئة باكثر من حزن مفرد يتضاعف في مرايا وهمية عديدة، هكذا يخلص برنارد شو في (دليل الى الأشتراكية الاجتماعية) الى القول
  
ما يمكن أن تعانيه انت هو كل المعاناة الممكنة على هذه الأرض. إذا حدث أنك عانيت الجوع حد الموت فهذا يعني أنك عانيت كل المجاعات التي حدثت والتي ستحدث. وإذا جاع معك عشرة آلاف فرد آ خر حد الموت فأن ذلك لن يزيد معاناتهم [لن يزيد معاناتك] قيد انملة، إن اشتراكهم معك في مصير واحد لايعني أن شعورك بالجوع سيتضاعف عشرة آلاف مرة ولن يزيد طول معاناتك لعشرة آلاف مرة. لا يقلقنَّك إذا ً المجموع المخيف لمعاناة البشر فهذا المجموع  وهم لا وجود له إذ أن الفقر والألم لا يتصاعدان بالتراكم.
(قارن كذلك مشكلة الألم للكاتب سي أس لويس)
يعزي لكريشيوس في كتابه طبيعة الأشياء الى أنكساغورس المذهب القائل بأن الذهب مكوَّن من دقائق الذهب والنار من الشرر والعظام من عدد لا يحصى من العظام الدقيقة. ويقترح خوسيه رويس، متأثرا بالقديس أوغسطين على الأرجح، أن الزمن مصنوع من الزمن وأن " الآن الذي يحدث شيء أثناءه هو تعاقب بالنتيجة " (العالم والفرد). هذا القول يتلاءم وأغراض هذا المقال.
2
اللغة كلها ذات طبيعة تعاقبية ولا تمنح نفسها لعقلنة السرمدي أو القضايا اللازمنية ولهذا قد يفضّل القرّاء - الذين لم يجنوا من محاججتي السابقة سوى الإمتعاض – هذه المقطوعة التي تعود الى 1923 وعنوانها " الشعور في ثنايا الموت " وقد اشرت اليها في بداية هذا المقال:
أود أن اسجل هنا تجربة عشتها قبل ليال قليلة، شأن أكثر [التجارب] عادية وعرضية من أن يكون مغامرة وأشدَّ لامعقولية وحسيّة من أن يكون فكرة. أتحدث هنا عن مشهد وكلمته.  كلمة قلتها من قبل ولكني لم أعشها عميقا قبل تلك الليلة. سأبدا بوصفها الآن بظرفي المكان والزمان اللذين كشفا عنها. أتذكرها كالتالي: كنت قد أمضيت الظهيرة في براكاس وهو مكان تندر زيارتي له ويبدو أن وقوعه خارج خارطة نزهاتي الأخيرة أضفى هالة من الغرابة على ذلك اليوم. ولما لم يكن لدي ما افعله في ذلك المساء ولأن الطقس كان جيدا فقد خرجت بعد تناولي العشاء لأتمشى وأتذكّر. لم تكن لدي رغبة في تحديد وجهتي فسرت متبعا مسارا عشوائيا على قدر استطاعتي. أستسلمت الى أكثر نداءات الصدفة خفاء دون أي أحتراز واع مني سوى تفادي الطرقات والشوارع العريضة.  شدني نوع من الانجذاب الحميم الى أماكن سيظل اسمها ماثلا في ذاكرتي لأثارتها شيئا من الجلال فيَّ. ولا أتحدث هنا عن بيئة معينة أرتبطت بطفولتي أو ملاعب الصبا بل عن حدودها الجامدة الغامضة التي حزتها بكلماتي ولم أفز منها الا بالقليل في واقع الأمر، منطقة أليفة وخرافية في الآن ذاته. كانت الشوارع هي الجانب الاخر المقابل للمعلوم، أو هي وجهه الآخر، خفية ً تماما على الأغلب كما أساسات بيوتنا المتوارية أو هياكلنا العظمية غير المرئية. أدت بي نزهتي الى زواية فأستنشقت الليل في هدأة صفاء من عمل الفكر. بدت الرؤيا التي أمامي، وهي التي لم تكن معقدة على اية حال، وقد تبسطت بدافع من أرهاقي. كانت عادية للحد الذي تبدو معه وكأنها غير واقعية. جادة تحف بها بيوت خفيضة، ومع أن الانطباع الأول كان فقرها إلا أن الانطباع الثاني كان هو البهجة بلا شك. كانت الجادة فقيرة جدا وقريبة من النفس أيضا وليس فيها بيت واحد يند عن الترتيب ليخرب استواءها. هناك شجرة تين تلقي بظلالها على حائط عند المنعطف أما الأبواب المطلة على الجادة والتي تعلو على مستوى الجدران فقد بدت وكأنها مجبولة من ذات المادة اللانهائية التي تؤلف الليل. يرتقي الممشى مع الجادة، جادة الطين القديم طين أمريكا التي لم تُكتشف بعد. تختفي الجادة بعد مسافة قصيرة على مشارف السهل المفتوح باتجاه مالدونادو. على الأرض الطينية الوعرة كان هناك جدار يبدو وكأنه لا يأوي إئتلاق القمر بل يشع نوره الخاص الذي لاتوجد طريقة أفضل لوصف رقته سوى الوردي المحمر. وقفت محدقا في ذلك المشهد البسيط وفكرت بصوت عال بلا شك: " هذا هو بالضبط ما كان هنا قبل ثلاثين عاما " حدست تلك الفترة التي قد تبدو قصيرة في بلدان أخرى ولكنها طويلة في هذا الجزء المتبدل من العالم. ربما كان هناك طائر يغرد فشعرت لتغريده بوخزة وجد لا تزيد عن حجم الطائر، ولكن من المؤكد أن الضوضاء الوحيدة  في ذلك الصمت الباعث على الدوار كانت أزيز الجنادب المتواصل. لم تعد الفكرة اليسيرة " أنا في سنة ما من القرن السابق " مجرد كلمات عابثة بل أصبحت متجذرة في الواقع. شعرت بأنني ميت وبأني محض مراقب للعالم مصعوقا بخوف يخالطه العلم أو الوضوح السامي للميتافيزيقيا. كلا، لم يخطر في بالي اني أجتزت مياه الزمن المفترضة بل ظننت أني فزت بالمعنى العصي أو الغائب لكلمة الأبدية. ولم اتمكن من تحديد هذه المعاني إلا فيما بعد
والآن ساسعى الى تفسيرذلك  بالطريقة التالية: إن التمثلات الصافية لتلك الحقائق المتطابقة، الليل الهاديء والجدار الرقراق والرحيق الريفي للأشجار هناك والطين، لم تكن مشابهة لما كان في ذلك الركن من العالم قبل سنوات عديدة بل  ودون تشابه وتكرار هي عينها. إذا تمكنا من حدس تلك العينية فما الزمن الا ايهام اذ أن حيادية واندغام ظاهر لحظة من زمن الأمس وظاهر لحظة أخرى من اليوم كافية لتقويض سلسلة الزمن
من الثابت  أن عدد هذه اللحظات البشرية هو عدد نهائي. أما اللحظات الأساسية الفاصلة فهي أشد في لاخصوصيتها وشيوعها ومنها المعاناة واللذة الحسيّتان واطباق النوم والاستماع الى قطعة معينة من الموسيقى واللحظات الحرجة أو لحظات الكآبة الضارية. يبدو أنني وصلت مقدما الى الحقيقة التالية: أن الحياة أكثر جدبا وفقرا من ان تدوم الى أبعد من أجلها المحتوم. ولكننا في الآن ذاته غير واثقين من فقرنا هذا إذ أن الزمن الذي يمكن لحواسنا نفيه بسهولة لايمكن نفيه بالسهولة نفسها من قبل العقل والذي لا يمكن فصل مفهوم التعاقب عن طبيعة جوهره.  لتبق إذا ً فكرة لمحتها كطريفة عاطفية، لتبق اللحظة الحقيقية من النشوة والتجلي الممكن للأبدية التي تكشفّت أمامي تلك الليلة منفية على هذه الورقة لا يطالها التفسير.
باء
من بين المذاهب التي شهدها تاريخ الفلسفة تبقى المثالية، على الأرجح، هي الأكثر قدما وشيوعا. هذا ما لاحظه كارليل في نوفاليس 1829. وبأمكاننا، دون طموح لإتمام قائمة الفلاسفة التي يدرجها كارليل، أضافة الإفلوطينين الذين رأوا أن الحق الوحيد هو عالم المثال (نوريس، يهودا ابرابانال، جيمستوس، افلوطين) واللاهوتيين الذين عدّوا كلَّ ما لا يمت للجلالة بصلة أمرا عابرا (ملابرانش، جوهانس ايكهارت) والقائلين بوحدة الوجود الذين جعلوا من الكون صفة ضئيلة للمطلق (برادلي، هيغل، بارمنيدس). المثالية إذا ً قديمة قدم القلق الميتافيزيقي. من بين دعاتها جميعا يبقى جورج بيركلي الذي ازدهر اسمه في القرن الثامن عشر  هو الأكثر المعية. على خلاف ما قال به شوبنهاور في العالم إرادة وفكرة، لم تكن فضيلة بيركلي تكمن في الاستكشاف الذوقي لمذهب المثالية بل في الحجج التي ساقها ليبرهن فكريا على صوابه. لقد استخدم بيركلي محاججاته لتفنيد مفهوم المادة وطبّقها هيوم بصدد الوعي وأزعم تطبيقها بصدد الزمن. سأحاول أولا تقديم ايجاز للمراحل المختلفة لهذه الاساليب الجدلية
نفى بيركلي وجود المادة ولكن هذا لا يعني طبعا أنه أنكر وجود الألوان والروائح والمذاقات والأصوات والأحاسيس الملموسة، ما نفاه هو وجود شيء آخر بمعزل عن هذه المدركات – مكونات العالم الموضوعي، شيء خفي يفوق الإدراك يدعى (الموضوع). نفى بيركلي أن يكون هناك الم لايشعر به أحد ولون لايراه أحد وأشكال لا يلمسها أحد. وجادل في أن اضافة (الموضوع) الى تصوراتنا العقلية إن هو إلا اضفاء عالم مبهم فائض على العالم. لقد آمن بعالم الهيئات التي تحوكها وتواشجها حواسنا ولكنه أعتبر العالم المادي ازدواجا وهميا. يلاحظ بيركلي في (مباديء المعرفة البشرية):
ليس لأفكارنا ولا عواطفنا ولا الأفكار التي تصوغها مخيلاتنا أن توجد دون وجود للعقل وهذا ما يتفق عليه الجميع و لايخالفه أحد. وبالنسبة الي فإن من الثابت ايضا أن الأحاسيس المختلفة والأفكار المطبوعة على حواسنا ومهما كانت متراكبة أو ممتزجة  وأيا كان الموضوع الذي تشكله لا يمكن أن توجد في مكان آخر غير العقل الذي يستوعبها.. أقول إن المنضدة التي أكتب عليها موجودة بمعنى أني أراها والمسها واذا كنت خارج مكتبي فسأقول انها كانت موجودة بمعنى لو انني كنت في مكتبي لشهدت وجودها أو ان هناك ذاتا أخرى تدرك وجودها بالفعل، لأن ما قيل عن الوجود المطلق للأشياء من غير ذوات العقل  دون وجود علاقة لذلك بوجود عقل يستوعبها هو – بالنسبة الي - مما يستعصي على الفهم كليا. إن وجودها يكمن في كونها مُدْرَكة (esse est percipi ) وليس ممكنا أن يكون لها وجود خارج العقل أو دون وجود ذوات مفكرة تعقلها.
ثم يرد في السطر الثالث والعشرين على اعتراض محتمل بقوله
لكنك قد تقول بأن لا شيء أيسر من تخيل شجرة على سبيل المثال في حديقة أو كتب في خزانة مقفلة وحيث لا يوجد هناك من يدركها. جوابي على ذلك هو انك قد تتخيل ذلك وهو امر لا ينطوي على شيء من الصعوبة ولكني اسألك بدوري  هل في هذا كله شيء اكثر من تركيبك لافكار معينة في عقلك تسميها كتبا واشجارا ثم، وفي الوقت ذاته، تلغي فكرة وجود ذات تدرك وجود ذلك اصلا؟  ألست انت الذات التي فكرت بوجود الأشجار والكتب وأدركته! لذا فأن هذا القول لا يتناقض والاطروحة الاولى وانما يُظهر قدرتك على التخيّل وعلى تكوين الأفكار في عقلك حسب ولا يعني أن ادراكك للأشياء يؤكد أن لها وجودا خارج عقل يدركها
وكان بيركلي قد صرّح قبل ذلك في الفقرة السادسة
ثمة حقائق قريبة وجلية للعقل حتى أن الإنسان لا يحتاج الى أكثر من فتح عينيه ليراها. من هذه الحقائق على سبيل المثال حلية السماء وأثاث الأرض، بكلمة واحدة أقول: ليس لتلك الأجرام التي تكوّن صورة العالم كلها وجود دون العقل. وأن وجودها يكمن في كونها مدركة أو معلومة وبالنتيجة فأنها إن لم تكن مدركة من قِبَلي أو موجودة في عقلي أو في عقل ذات مفكرة أخرى فهي أما غير موجودة على وجه الاطلاق او انها ماثلة في عقل ذات ٍ سرمدية
(
يبدو أن إله بيركلي هو متفرج علوي مطلق مهمته ضبط الوحدة الموضوعية للعالم).
لقد جرى تأويل المذهب – الذي قمت بشرحه توا – بطريقة محرّفة حتى أن هربرت سبنسر ظن بأنه قام بتفنيده (مباديء السايكولوجيا) مجادلا في أنه اذا لم يكن يكن هناك شيء موجود خارج الوعي فأن هذا يعني سرمدية الوعي في الزمان والمكان. يعد الشطر الأول مثبتا إذا أدركنا أن الزمن كله هو زمن مُدْرَك من قبل شخص ما، ولكنه سيعد خطأ فادحا إذا استبطنا من ذلك أن الزمن ينطوي بالضرورة على عدد لانهائي من القرون. أما الشطر الثاني فهو مغلوط لأن بيركلي نفى مرارا فكرة المكان المطلق (مبادي المعرفة البشرية). من ناحية أخرى يبدو تحريف شوبنهاور أشد غموضا (العالم إرادة وفكرة) حين يزعم أن العالم بالنسبة للمثاليين هو ظاهرة مخيّة. لكن بيركلي، على اية حال، كان قد كتب في  (محاورة بين هيلاس وفيلونوس):  " لذلك فالدماغ الذي تتحدث عنه،كونه معقولا، لا يمكن أن يوجد الا  في العقل. الآن يصبح من اليسير عليَّ أن اعرف اذا كنت تعتقد  انه من المعقول أفتراض أن فكرة واحدة أوشيئا ما موجودا في العقل هو الذي يسبّب كل الأفكار الأخرى.  اذا كنت تعتقد بذلك حقا فكيف ستفسر اذا ً أصل تلك الفكرة أو الدماغ ذاته؟ "
إن الدماغ في واقع الأمر لايقل في كونه جزءاً من العالم الخارجي عن غرابة كائن خرافي مثل القنطروس
نفى بيركلي أن يكون هناك موضوع خلف الانطباعات الحسيّة ونفى هيوم أن تكون هناك ذات أبعد من ادراكنا المتغيرات. نفى بيركلي وجود المادة [؟] ونفى هيوم وجود النفس لم يكن بيركلي يريد اضافة الفكرة الميتافيزيقية عن المادة الى سلسلة الانطباعات الحسية ولم يكن هيوم يريد اضافة الفكرة الميتافيزيقية عن النفس الى سلسلة الحالات العقلية
لقد كان اتساع محاججة بيركلي منطقيا جدا بحيث لم يكن  بيركلي نفسه قادرا على استشرافه حسب (كما يلاحظ الكساندر كامبل فريزر) بل وحاول أيضا مناقشه بالوسيلة الديكارتية (اذا أنا موجود). يقول هيلاس في المحاورة الثالثة والأخيرة مستبقا ماسيقوله هيوم فيما بعد: " نتيجة ً لمبادئك ذاتها يتحتم أن تكون أنت نفسك نظاماً من أفكار عائمة ليس هناك من جوهر يسندها. لكن الكلمات لا تستخدم دون معنى وطالما لم يعد هناك معنى في الجوهر الروحي يفوق ذلك الذي في الجوهر المادي فإن الإلغاء يطال الأول كما يطال الثاني. وعزز هيوم ذلك بقوله في (رسالة في الطبيعة البشرية): 
ما نحن إلا حزمة  أو خليط من ادراكات مختلفة تتبادل الأدوار بترتيب لا يمكن استيعابه.... إن العقل هو مسرح بطريقة ما  تلعب عليه الادراكات المتعاقبة دورها وتختفي ثم تعود للظهور وتغيب ثانية ممتزجة في تنوع لانهائي من التشكيلات والمواقف. وينبغي ألا يضللنا هذا التشبيه بالمسرح فهي ادراكات متعاقبة لاغير وهي التي تشكل في النهاية هذا العقل وليس لدينا أدنى فكرة عن المكان الذي تتمثل فيه هذه المشاهد أو عن العناصر التي تكونه
وبقبولنا المذهب المثالي اعتقد أنه من الممكن بل من المحتّم على الأرجح أن نمضي قدما. الزمن بالنسبة لبيركلي هو " تعاقب الأفكار الذي يتدفق مترابطا في عقلي وتسهم فيه كل الموجودات " (مباديء المعرفة البشرية). أما بالنسبة الى هيوم فهو: " تعاقب لوحدات لا تقبل القياس "  (رسالة في الطبيعة البشرية). ولكن اذا تم نفي سيرورتي الموضوع والذات مع نفي المكان  فلا أدري بأي حق نبقي على السيرورة الأخرى التي هي الزمن. لاتوجد المادة خارج أي ادراك (حقيقيا كان أم حدسيا) كما ليست هناك روح خارج اية حالة عقلية وهكذا فليس هناك زمن خارج لحظة الحاضر. لنختر لحظة في غاية البساطة، حلم تشونغ تسه على سبيل المثال (هربرت ألن جيلس: تشونغ تسه 1899). قبل ما يقارب أربعة وعشرين قرنا من الزمان حلم تشونغ تسه بأنه فراشة، ولما أفاق لم يعد يعرف ما أذا كان رجلا حلم بأنه فراشة أو أنه فراشة حلمت بأنها رجل.  دعونا نهمل يقظته ونركّز  على لحظة الحلم ذاته أو لحظة واحدة من زمنه. " حلمت بأني فراشة تحلّق في الهواء ولا أعرف شيئا عن تشونغ تسه " يقول النص القديم. ولن نعرف أبدا اذا كان تشونغ تسه حديقة بدا له أنه يطير فوقها أم أن المثلث الأصفر الطائر كان هو تشونغ تسه نفسه، ولكن من الواضح أن الصورة هي في النهاية صورة ذاتية وإن جاءت اليه من الذاكرة.  سيذهب مذهب التوازي السايكولوجي الى أن هذه الصورة حدثت نتيجة تغيير في الجهاز العصبي للحالم أما بالنسبة الى بيركلي فإن جسد تشونغ تسه في تلك اللحظة لم يكن موجودا ولا غرفة النوم الظلماء التي كان يحلم فيها والمحفوظة كمدرك في عقل الله. ويذهب هيوم الى تبسيط أكبر لما حدث: لم تكن روح تشونغ تسه موجودة في تلك اللحظة، كل ُّ ما كان موجودا هو ألوان الحلم ويقينه من أنه فراشة. كان موجودا فقط في كونه فكرة صغيرة في (حزمة أو خليط من ادراكات مختلفة) كوّنت، قبل ما يقارب أربعة وعشرين قرنا قبل الميلاد، عقل تشونغ تسه. كان تسه موجودا بقدر وجود المتغير (n) في السلسلة الزمنية اللامتناهية بين (n-1) و (n+1). ليس هناك واقع بالنسبة الى المثاليين أبعد من العملية العقليّة ولذا فإن اضافة فراشة موضوعية الى الفراشة المدركة هي إزدواج عابث، واضافة نفس الى العملية العقلية لاتبدو أقل عبثا. تتمسك المثالية بأن هناك احتلام، عملية ادراك فقط وليس هناك حالم أو حتى حلم، فالحديث عن موضوعات وذوات هو سقوط في ميثولوجيا زائفة.  إذا كان الأمر كذلك وكانت كل حالة طبيعية مكتملة بذاتها واذا كان ربطها بظرف أو ذات ما غير جائز بل هو اضافة شائهة، فأي حق يتبقى لنا اذا ً في تعيين موقع زمني لها؟ 
حلم تشونغ تسه بأنه كان فراشة وفي خضم ذلك لم يكن هناك تشونغ تسه بل فراشة طائرة، كيف اذا ً، بعد الغاء المكان والذات، يمكن أن نربط تلك اللحظات الحلمية بلحظات صحوه وبعصر الاقطاعيات في التاريخ الصيني؟  لايعني هذا أننا لن نعرف أبدا وإن على وجه التقريب تاريخ وقوع الحلم، بل ما عنيته فقط هو أن الحصر التقويمي لحادثة ما، أية حادثة في هذا العالم، هو غريب وخارجي عن الحادثة. إن حلم تسه هو مضرب أمثال في الصين فلنتخيل واحدا من عدد القراء اللانهائي الذين مروا عليه حلم بأنه فراشة ومن ثم بأنه تشونغ تسه نفسه، لنتخيل ايضا بأن الحلم الأخير،  وبفرصة ليست بالمستحيلة، كان تكرارا حرفيا لحلم المعلم تسه. اذا افترضنا هذا فلنا أن نسأل: أوليست هاتان اللحظتان المتوافقتان متطابقتين ايضا، أوليس تكرار برهة من الزمن كافيا لتفكيك ودحض تاريخ العالم ولكشف حقيقة عدم وجود تاريخ كهذا؟
إن انكار الزمن ينطوي على نفيين:  نفي تراتب الفترات في سلسلة ونفي تزامن تلك الفترات في سلسلتين متوازيتين. إذا كانت كل فترة هي كلٌّ قائم بذاته فإن هذا يعني في واقع الأمر أن علاقاتها قد أُختُزِلت الى الوعي بوجود تلك العلاقات. تلي حالة ما حالة اخرى اذا كانت تعلم بتقدم الأخيرة عليها: الحالة حاء مقترنة زمنيا بالحالة التي تليها (طاء) اذا كانت تعي هذه الاقتران. وعلى خلاف  ما قاله شوبنهاور في جَدْوَلَتِهِ للحقائق الأساسية (العالم إرادة وفكرة) فإن أية برهة من الزمن لا تعم المكان كلّه في الآن ذاته لأن الزمن ليس كلّي الوجود (من المؤكد أيضا في هذه المرحلة من النقاش أن المكان لم يعد موجودا). 
يقرُّ مينونغ في نظريته عن الادراك بحقيقة ادراك المواضيع المتخيلة مثل البعد الرابع على سبيل المثال أو تمثال كوندياك الحسّاس أو حيوانات لوتز الافتراضية أو الجذر التربيعي لـ (-1). وهكذا اذا كانت الأسباب التي أشرت اليها سابقا اسبابا نافذة فإن المادة والنفس والعالم الخارجي والتاريخ الكوني وحيواتنا كلها تنتمي أيضا الى تلك الكرة الغامضة. علاوة على ذلك فإن عبارة (نفي الزمن) هي عبارة غامضة. يمكن لهذه العبارة أن تعني سرمدية افلاطون أو بوثيوس وكذلك مشكلات سكستوس امبيريكوس فقد نفى الأخير الماضي الذي غبر اصلاً  والحاضر الذي لم يحن بعد مجادلا في أن الحاضر أما أن يكون قابلا للقياس أو غير قابل له. ليس الحاضر مما لايقبل القياس، لأنه أذا كان كذلك فهذا يعني عدم وجود بداية له تربطه بالماضي أو نهاية له تربطه بالمستقبل وليس هو في الوسط لأن كلّ ما ليس له بداية ولا نهاية ليس له وسط. وليس الحاضر بالقابل للقياس أيضا لأنه في هذه الحالة سينطوي على جزء كان وآخر ليس كذلك. أذا ً الحاضر غير موجود وبما أن الماضي والمستقبل غير موجودين فأن الزمن غير موجود. يعيد برادلي اكتشاف هذه الأحجية ويطورها ويلاحظ في كتابه (الظاهر والواقع) أن الآن اذا كان قابلا للأنقسام الى آنات أخرى فهو ليس أقل تعقيدا من الزمن، أما أذا لم يكن قابلا للانقسام فالزمن هو محض علاقة بين أشياء لازمنية. من الواضح أن منطقا كهذا يسعى الى نفي الأجزاء في طريقه الى نفي الكل بينما أسعى أنا الى نفي الكل لصالح مركزية كل جزء من الأجزاء. وهكذا، عبر جدلية بيركلي وهيوم، أصل الى مقولة  شوبنهاور
إن شكل مظهر الإرادة هو الحاضر وحسب وليس الماضي أو المستقبل إذ لا ينوجد الأخير إلا كفكرة ومن خلال الربط الذي يقوم به الوعي طالما سار ذلك طبقا لمباديء العقل. لم يعش أنسان في الماضي ابدا ولن يعيش انسان في المستقبل، الحاضر وحده هو شكل الحياة بأسرها وهو الملكية التي لن تقدر على سلبها الأحداث.... لعل بأمكاننا مقارنة الزمن بدائرة تدور، جزؤها الهابط أبدا هو الماضي وجزؤها الصاعد هو المستقبل، أما النقطة غير القابلة للقياس على قمة الدائرة التي يمسها المؤشر فهي الحاضر. جامدا كالمؤشر نفسه، يؤشر الحاضر عديم الامتداد نقطة التماس بين الموضوع ذي الهيأة الزمنية والذات عديمة الهيئة لأنها لا تنتمي الى ما يمكن معرفته لكنها الشرط المسبق للمعرفة كلها. (العالم ارادة وفكرة
توضح رسالة بوذية من القرن الخامس (الطريق الى الصفاء) المذهب نفسه وبالطريقة ذاتها: " وبقول أدق فإن الحياة تدوم بقدر دوام فكرة ما. كما تمس العجلة الدائرة للعربة الأرض في نقطة واحدة بالضبط، كذلك الحياة تدوم بقدر دوام فكرة واحدة " (راداكريشنا – الفلسفة الهندية). تقول نصوص بوذية أخرى بأن العالم يفني ويقوم ستة مليارات وخمسمئة مليون مرة في اليوم وأن كل انسان هو وهم مجبول من دوّامة سلسلة من أشخاص معزولين لحظويين ". يخبرنا (الطريق الى الصفاء) أن " انسان اللحظة الماضية عاش ولكنه لايعيش ولن يعيش. انسان اللحظة المستقبلية سيعيش لكنه لم يعش ولاهو عائش الآن. أنسان اللحظة الحاضرة يعيش لكنه لم يعش ولن يعيش ". يمكننا مقارنة هذه المقولة بمقولة بلوتارك: " ابن الماضي مات في ابن اليوم، وابن اليوم يموت في ابن الغد".
وبعد... وبعد.. وبعد... إن نفي سلسلة الزمن ونفي النفس ونفي الكون بافلاكه لاتعدو كونها أفعالا يائسة وعزاءات سرية. فقدرنا (وعلى خلاف جحيم سويدنبيرغ أو جحيم ميثولوجيا التيبت) ليس مخيفا لأنه غير حقيقي بل هو مخيف لأنه لا يستعاد وصلب كالفولاذ. الزمن هو المادة التي منها جُبِلت. الزمن هو النهر الذي يجرفني بتياره ولكني أنا النهر، إنه النمر الذي ينهشني لكني أنا النمر، هو النار التي تبتلعني لكني أنا النار، فالعالم، للأسف، حقيقي. وانا، للأسف،  بورخيس
[
صاحبي، في هذا ما يكفي 
إن رغبت في قراءة المزيد 
فأذهب بنفسك وكن أنت الكتابة 
كن أنت الجوهر ]
(
أنجيلوس السيلسي 1675)
_____________________
i  : تشير جميع الدراسات التي تتناول البوذية الى الميليندا بانا وهي عمل يعود الى القرن الثاني يسرد جدالا بين ميناندارملك بخارى والناسك ناغسينا . يحاجج ناغسينا في أنه مثلما عربة الملك ليست هي المحور ولا العجلات ولا الهيكل ، كذلك هو الانسان ليس جوهر أو شكل أو انطباعات أو أفكار أو غرائز أو وعي كما أنه ليس مزيجا من ذلك ولا يمكن أن يكون بدونها . بعد المجادلة التي دامت أياما عديدة اعتنق مناندر ( ميليندا ) البوذية . وقد ترجم ريس ديفيدس الميليندا بانا ( أوكسفورد 1890- 1894 ) .
ii  
خوان كريسوتومو لافينور: العم الأكبر لبورخيس وهو شاعر ومعلّم استطاع من خلال تدريسه الفلسفة أن يحدث نقلة مهمة من التفكير السكولائي الى التفكير الليبرالي وتأسيس الفكر العلماني في الأرجنتين. تعرّض للانتقادات بسبب تبنيه التفكير المادي ونُفي نتيجة ذلك (م)
 iii 
لتسهيل الأمر على القاريء قمت باختيار لحظة بين نومتين ، لحظة أدبية وليست تاريخية ، فاذا شعر أحدكم بالشك حيال هذا المثال فبامكانه أستبداله  بمثال آخر من حياته


رابط مقالة أخرى لبورخيس بعنوان: الزمن.
مجلة حكمة




ليست هناك تعليقات: