الاثنين، 6 نوفمبر 2017

قراءة في مشرع بول ريكور التأويلي؛ عامر عبد زيد.



قراءة في مشروع بول ريكور التأويلي
عامر عبد زيد 




من ناحية الرؤيا: ينطلق ريكور في مذهبه الفلسفي من نقطة اساسية، وهي ان الانسان يؤلف وحدة كلية Totalite فالانسان كائن عارف وحاس وفاعل في نفس الوقت ولا يجوز ان نتناوله من ناحية واحدة . واعتبر الانسان ايضا وجودا وماهية ، ولم يعط لاحد هاتين المقولتين الاسبقية كما فعل بعض الفلاسفة من قبله . فلا الوجود يسبق الماهية ولا الماهية تسبق الوجود لذا انطلق في تفكيره من الفلسفة الظاهراتية والفلسفة الوجودية ، مركزا على الارادة التي من خلالها تناول الفكر الاخلاقي والميتافيزيقي.(63) ( وقد تأثر منذ أيام الدراسة بتفكير جابرييل مارسل الذى كان يقود تيار الوجودية "المسيحية" كمقابل لوجودية سارتر ، كما تأثر بتفكير ياسبرز وبالفنومنولوجيا الألمانية "هوسرل وهيدجر" . وقد انعكست هذه التأثيرات الفكرية فى كتاباته ، إذ ظهر تأثير جابرييل مارسيل فى اهتمامه بالكتابة عن المشكلات الدينية واللاهوتية ، كما ظهر تأثره بالفنومنولوجيا ومشكلات التفسيرات فى اتجاهه الهرمنيوطيقى الذى يعرف عموما باسم الهرمنيوطيقا الفنومنولوجية إن بول ريكو كان خلال كل حياته الفكرية يهتم بمشكلة الذات الإنسانية الفاعلة أو الشخص الإنساني الفاعل وأن الدافع الأساسي وراء كل أعماله الفلسفية كان هو الاقتناع الوجودي بأن الوجود الإنسانى له معنى ، وأنه بصرف النظر عن وجود الشر والألم والاستعباد ( أو عدم الحرية ) فإن ما فى الوجود "مما له معنى" يفوق بكثير جداً "ما ليس له معنى" ، فالمعنى والوجود هما الطرفان اللذان يلخصان مشروعه الفلسفى مما يعنى أن فكره الفلسفى فكر وجودي إلى حد كبير لأن موضوعه هو الوجود الإنسانى ، كما أنه فكر فنومنولوجى تأويلى بفضل المنهج الذى يتبعه فى حل وفك وتفسير طلاسم "العلامات" التى تستخدم فى التعبير عن نظرتنا وتصورنا بل ورغبتنا فى وجود تلك العلاقات .وتمثل مشكلة الإرادة موضوعا محوريا فى الفكر الوجودى والفنومنولوجى على السواء ولذ كان ريكير يوليهما أهمية كبرى منذ أوائل إنتاجه بحيث كان يعتزم تكريس عمل ضخم لدراسة المشكلة ونتج عن ذلك كتابه "فلسفة الإرادة".)(64) 
في مجال التأويل: هناك توصيفات متعددة لمواقفه من التأويل وتصوراته لمنهج التأويل ومنها الاتيه:
"تاويلية الانعتاق"نعت اطلق على منهجه ألتأويلي ورد هذا النعت من قبل الباحثين الى صبر "ريكور" المفهومي ودقته المثيرة وسعت مشاركته في الفروع العلمية والمعرفية المعاصرة ،ولم يترك فناً من الفنون او علماً من العلوم أو مذهباً فلسفياً او جنساً أدبياً الا وعقد معه ارادت في المعرفة والنقد وسجالاً مثيراً مع انداده من الفلاسفة المعاصرين (65) .
موقف ريكور من التصورات التي قدمها فلاسفة التأويل حيث لمس احد الباحثين موقفا متميزا عند ريكور بقوله : في مواجهة الهيرمونطيقا غادمير الجدلية التي لاتهتم بالمنهج، كان المنهج هو رد الفعل في الجدل المعاصر حول الهيرمومنطيقا. اذا كان (شلاير ماخر ) قد تعامل مع الهيرمنيوطيقا باعتبارها علما او فنا ،يصوغ قواعد وقوانين تعصمنا من سوء الفهم واذا كان (دلتاي) قد اقام الهيرمنيوطيقا على اساس انها الخاصية المميزة للانسانيات في مواجهة المناهج الوصفية للعلوم الطبيعية فان مفكري الهيرمنيوطيقا المعاصرة مثل بيتي Bettiوبول ريكور وهيرش يسعون لاقامة نظريه "موضوعية " في التفسير انهم - مثل شلاير ماخر – يحاولون اقامة الهيرمنيوطيقاً علماً لتفسير النصوص يعتمد على منهج موضوعي صلب ،يتجاوز عدم الموضوعية التي اكدها غادامير .
ان الهيرمنيوطيقا عند هولاء المفكرين لم تعد قائمة على اساس فلسفي ولكنها- صارت – ببساطة – علم تفسير النصوص او نظرية التفسير .(66)
في وقت هناك من يجده امتداداً لموقف هيدجر وغادامير الوجودي ( والازاحة الانطولوجية التي حققها ريكور في المضمار هو اعتبار الفهم ليس فقط "نمطاً في المعرفة وانما نمط في الوجود " ليست فقط ابستمولوجياً كما لدى دلتاي وانما انطولوجيا كما عند هيدجر وغادامير.(67) 
الا اننا نلمس ان موقفه التأويلي كان خاضعا لقراءته التي كانت تقوم على متابعة وحرص عاليين ،ولهذا نجده قد اعطى للوجودية
الى جانب الاهتمام بالبنيوية والدراسات السيميائية المعاصرة لذلك تصور(ان التأويل هو عملية فهم التي يتمحور مجاله في البنية اللغوية تجعل من عملية الفهم حركه شاملة وكلية ، (فالفهم ليس نمطاً من انماط السلوك ،وانما هو نمط وجود الذات نفسها .(68).وهذا ما نجده في المقاربات الاتية:
المقاربة الاولى :كانت ظاهراتية وتأويلية إذ نلمس هذا في ذلك النمو المنهجي الذي يظهر عبر اصداراته الفكرية حيث كانت البداية حسب مايشير "جورج زيناتي "تلميذ بول ريكور ومترجمه الى العربية في مقدمة لكتابه :الذات عينها كاخر ، يذكر سنة 1960 صدر المجلد الثاني من فلسفة الارادة بجزين منفصلين حمل عنوان "الانسان الخطاء"يبحث عن نوع من انطولوجية الانسان جوهره في وجوده ..تناغم وجودي بين مايطمح اليه الانسان وما هو واقع وامكاناته 
اذ لخص هذا الواقع افلاطون في اسطورة"ايروس" أي الحب وهو هنا على مايرى ريكور الفيلسوف لانه المحب بامتياز ،ابن بوروس رمز الكثرة والوفرة والغنى من ناحية ابيه ،غير انه كذالك ابن بيتيا المعدمة التي تعيش بؤسها من ناحية أمه .هناك اذاً فقر انطولوجي مرسوم في بنية نفسية .هذا مايجعل المرء يتأرجح بين المنفتح اللامتناهي للطموح والتناهي المحدود(كل عمل يولد من الرغبة وكل رغبة هي في ان غنية وفقيرة)(69).ان بول ريكور كان يجد الحل هذا المرة عند كانط :فبين طموح الانسان الى سعادة لامتناهية وواقع طبعه المتناهي هناك لاتناسب بنيوي تخترقه لتحوله الى توازن بين الجزئي والكلي فكرة كانط باحترام الشخص الانساني كغاية (70) 
اما الجز الثاني حمل عنوان "رمزية الشر"هنا انتقل من الظاهرتية الى الهرمونطيقا او (التاويلية) وهي محاولة فك شفرة الرموز التي تحملها الاساطير وعدم الاكتفاء بالمعنى العادي/ السطحي فالهيرمنيوطيقا في المعنى الاقرب والاوضح هي افتراض وجود معنى ظاهر ومعنى باطن في كل وجود معنى ظاهر ومعنى باطن في كل رمز او نص وان عمل المأول اكتشاف المعنى الباطن لانه المعنى الحقيقي . الرمز يعطينا الفرصة للتفكير ولحل شفرة كل الا ساطير القديمة التي ورثناها من حضارات متعددة .(71) يقول في مقابله مع (حاولت القيام بتجربة الاكتشاف عن طريق لرموز والاساطير وهو مايمثل ثورة مصغرة بالنسبة الي طرائق الوصف المحض المستلهمة من فينومينولوجيا هوسرل التي كانت مألوفة بالنسبة الى وجدت نفسي أمام رؤى متعددة للعالم مرتبطة بفهم الشر:التراجيديا اليونانية واسطورة ادم في التوراة واساطير أرض الرافدين .. فقد اجتهدت في رسم خرائطية لرؤى الشر ،وأفضى ذلك الى رمزية الشر(1960).)(72) 
وهنا نلمس ان بول ريكور انتهج منهجا في تاويل الرموز مقارب الى احدى الطريقتين للتعامل مع الرموز الاولى هي : التعامل مع الرموز بوصفها نافذة نطل منها على عالم من المعنى والرموز فبهذه الحالة وسيط شفاف ينم عما وراءه .
الثانيه يمثلها كل من فرويد وماركس ونيتشيه وهي تتعامل مع رموز بوصفها حقيقة زائفة لايجب الوثوق بها. بل يجب ازالتها وصولا الى المعنى المختبيء وراءها . ان الرموز بهذه الحالة لاتشف عن المعنى بل تخفيه ويطرح بدلا منهم معنى زائفا ومهمة التفسير هي ازالة المعنى الزائف السطحي وصولا الى المعنى الباطني الصحيح هذا ماظهر في كتاب بول ريكور" رمزية الشر" اذ التفسير يقوم على حل شفرة المعنى الباطن في المعنى الظاهر وفي كشف مستويات المعنى المتضمنة للمعنى الحرفي . (73) الملاحظ ان بول ريكور له موقف من هذا الاتجاه الاخر الذي يمثله فرويد وماركس ونيتشيه اذا يسميهم اسياد الريبه ففي كتابه الذي صدر 1965 حول فرويد الذي سيتعامل معه ريكور بوصفه سيد الريبة الذي يشك بوعي الانسان لذاته وبحريته ، فيسير خطى ماركس ونيتشه اللذين سبقاه الى هذا الشك المدمر فقد جاء فرويد ليفسر الظاهرة البشرية .( وهذا معناه أن إحدى القراءتين تسلك الخط الدينى اللاهوتى الذى يتلاءم مع هرمنيوطيقا الإيمان، بينما تسلك القراءة الثانية طريق هرمنيوطيقا الشك التى تجدها فى أعمال نيتشه وفرويد وثمة صراع بين هذين الاتجاهين كرس له ريكير كتابه عن "التأويلات : مقالات فى الهرمنيوطيقا)(" 74) .

من هنا فأن ريكور يعامل كل مصنفات فرويد بوصفها نص حول الانسان . وقد تناول بول ريكور جهد فرويد التأويلي خصوصا بما يتعلق بعقدة اوديب التي استخلصها فرويد من تفسير بمسرحية أوديب ملكاً لسوفوكلس اذ يرى فرويد ان الرمز هنا هو رغبة اوديب ، وبالتالي كأن ولد في التخلص من والده الممثل للسلطة ولمنع اشباع الرغبة ، وفي العودة الى كنف الام ، هذه العودة التي تمثل الخير الاعظم ، لكنه الخير المحظور .
الا ان ريكور يقترح تفسيرا اخر هو غائي بمعنى ما ، اذ انه يرى في اوديب ليس رمز الرغبة الاصلية ، بل رمز توق الانسان الى معرفة الحقيقة فالسر الغامض للولادة يترابط مع ادراما الحقيقة .
الا ان هذا التأويل عرض ريكور لشتى انواع الحملات والانتقادات من لاكان ومؤيديه وبأنه يلحق التحليل النفسي بالهرمنيوطيقا ( التأويلية) (75)
اعتقد ان الباب المفضي لمشروع "بول ريكور " هو كتابه "نظرية التأويل الخطاب وفائض المعنى" نجده في هذا الكتاب يعرض لعائق مهم تعرضت لها الدراسات البنيوية وتمركزاتها حول علم اللغة بقيم ثنائية الكلام / اللغة ، وهو يعرف اللغة (Langue ) هي الشفرة – او مجموعة الشفرات – التي ينتج المتحدث استنادا اليها رسالة معينة . اذ يلاحظ هناك ثنائية اخرى هي الرساله / الشفره ، فالرساله فرديه ، لكن شفرتها جمعية وتبدو الرساله / قصديه فرديه / تاريخيه / موجهة ؛ فيما الشفره بلا قصد / جمعيه / لا تأريخيه / غير موجهة / تزامنيه .
فالرساله حادثه قصدية ، فيما الشفره نسق / بنيه / اعتباطيه / تزامنيه ، فقد انتشرت هذه الصوره من علم اللغة الى الاساطير عند "ليفي شتراوس" وهي مقاربه مشابه لمعالجة الشكليه للحكايه الشعبيه التي اقترحها الشكليون الروس ، وان كانت مستقله عنها . (76) فأهتمام هذه العلوم منصب على الشفره الثابته واقصدي الرسالة لصالح الشفرة (إذ لم تعد اللغة تظهر بوصفها توسطا او واسطة بين العقول والاشياء بل تشكل عالمها الخاص بها الذي تشير فيها كل وحدة منه الى وحدة اخرى من داخل هذا العالم نفسه بفضل تفاعل التناقضات والاختلافات والفروق القائمة في النظام اللغوي . لم تعد اللغه تعامل بوصفها "صوره حياتيه " بل صارت نظاما مختفيا بذاته ذات علاقات داخليه فقط ) (77) 
هنا يحاول بول ريكور تجاوز هذا العائق بقوله :اود ان اضع في مقابل هذه المراقبه ذات البعد الواحد مقاربة ذات البعدين تعتمد فيها اللغة على وحدتين لا انفصام بينهما وما العلامات والجمل .
فالعلامة موضوع السيمياء شيء افتراضي . والشيء العقلي الوحيد هو الجمله لانها الحدث العقلي في لحظة التكلم .(78) 
فأنه يتناول هنا علمين الاول علم السيمياء والثاني علم الدلالة ، الاول يدرس العلامات، علم شكلي صوري ، بحيث انه يعتمد على تجزئة الى اجزاءه المكونه اما الثاني علم الدلالة فهو علم الجملة ( اي بما هو فحوى او مغزى ) (79).
جدل الواقعه والمعنى : 
ويتناول فيها قطب الواقعه ثم قطب المعنى بوصفهما الكونين المجردين لهذه القطبيه العينية ، لهذا يتناول : الخطاب بوصفه واقعه :عاملا على تجاوز التصور للساني الذي الواقعه تختفي فيه بينما تبقى الانظمه لهذا يؤكد على جدل الواقعه / الشفر بتاكيده (ان النظام لا يوجد . بل ان له وجودا افتراضيا فقط ، والرساله وحدها هي التي تضفي الفعليه على اللغة . على الشفره )(80) ثم ان الرساله برغم هذا التنقل بين العبارات واللغات قادرة على الاحتفاظ بهديتها الدلاليه التي يمكن وصفها بانه ( القول الثلاثي )(81) .
ثم يتناول أيضا : الخطاب بوصفه اسنادا : اذ يمكن وصف الجمله بسمة واحدة متميزة ، الا وهي ان لها محمولا "Predicate" او مسندا (82) والجملة الخبرية التي تشكل فئه واحد من الوحدات المتميزة وانها كلها تحدد هوية شيء واحد فقط . فالمسند يشير الى كيفيه الشيء او فئته ، او نوع العلاقة ، او نوع الفعل(83).
ان الخطاب ليس مجرد واقعه تختفي ووحده لا – عقليه ، كما قد يوحي التضاد بين اللغة والكلام . فالخطاب ذو بنية خاصه به ، ليست هي بنيه التحليل البنيوي ، اي بنيه الوحدات المنفصلة المعزولة عن بعضها ، بل بنية التحليل التأليفي ، اي التواشج والتفاعل بين وظيفتي التحديد والاسناد في الجمله الواحدة . فأن جدل ألواقعه والمعنى تعطينا فكرة الواقعه الكلامية مفتاح الانتقال من لسانيات الرساله .فالواقعه الكلاميه تذكرنا ان الخطاب يدرك زمنيا وفي لحظة انيه ، في حين ان النظام او النسق اللغوي افتراضي وخارج الزمن (84) الا انه يؤكد ان اي دفاع عن الكلام من حيث هو واقعه لا يكون دالا ، الا اذا اظهر علاقة التحقق وجعلها شيئا مرئيا ، وهي ما تتحقق بفضلها قدرتنا اللغوية على الاداء ويصل الى اقرار مسلمة اذا تحقق الخطاب كله بوصفه واقعه ، فهم يوصفه معنى ، والمعنى هنا يريد به الفحو المحتوى الخبري (85)
. 
تلاحظ ان بول ريكور كان يجمع بين الحدث والبنيه دون التفريط كما هو مال الوجودية او البنيوية وهذا ما تلمسه في حديثة عن كوجيتو (فالحقيقة ليست بديهية مباشرة على ما اعتقد ديكارت ، وليست كذلك بحدس عقلاني على مطلب هو سرل ولا هي برؤية صوفيه ولكنها جهد مستمر للخروج من ذاتي والاقامة عند الاخر ) فان ريكور يتكلم هنا على كو جيتو جريح ولكنه هي قادر على التصدي للمطالبين بنهاية الفلسفة ، وموت الذات الفاعلة ) (86) وهذا الامر نلمسه في 1975 حيث صدر كتابه بعنوان الاستعارة الحيه حيث يعود الى صراعة مع البنيويين الذي يعتبرون الكلمه المقررة مجردة وحدة ضمن نسق لا معنى لها خارج مجموعتها المغلقة) 
ان الاستعارة تعني وصف الواقع العالم الذي نعيش فيه والذي يمكن ان نعيد خلقه من جديد وان تعيشه بتوتر عميق عن طريق الفن والشعر(87). 
ولعل هذا يظهر واضحا في تصوراته للشعر حيث اكد في مقابلة معه عن تصوراته للشعر . لقد وصف ريكور تصوراته للشعر بالقول:
أن الشعر الحديث أصبح صعبا للغاية ومرجع ذلك أنه أصبح لزاما عليه مناهضة كافة أشكال تسطيح اللغة، ومن ثم الحفر في اللغة حتى أعماق سحيقة بغرض تجديدها. لذا فإن الشعر الحديث كان لابد أن يكون صعبا على نحو جزئي، وذلك أن التزامه في الغالب هو إعادة تخليق التراكيب اللغوية، بل وإعادة تخليق الكلمات أحيانا، وذلك لاعادة الكلمات الى أصولها الدلالية الأولى أو لخلق سلسلة من الدلالات التخيلية. 
وهذا الذي يفعله الشعر يساعد الفيلسوف، ذلك أن الفلسفة فضلا عن.اهتمامها بصياغة خطاب حول اللغة العلمية إلا أنها تهتم أيضا بالكشف عن أغوار اللغة، والتوسل بها للتعبير عن العلاقة بين الانسان والعالم، والانسان وذاته، والانسان والآخر..
الشعر اليوم مشدودا بين حاجتين أساسيتين، فهو من ناحية يسعى الى إعادة تخليق صيغ تعبيرية تجسد تجارب انسانية تمثل جوهر الحياة الانسانية وذلك من قبيل الحياة والموت، الإحساس بالذنب، والحب وما الى ذلك. 
ولكن من جهة أخرى فإنه حالما يبدأ الشعر بإحداث قطيعة بين اللغة والأشياء تصبح اللغة وحدها هي موضوعه،، وهكذا يجد الشعر نفسه - كما أسلفت - مشدودا بين هاتين الحاجتين الأساسيتين: استعادة تجربة انسانية مفقودة ومطمورة تحت ركام الحياة العادية، أو السعي نحو الكشف عن إمكانيات أخرق للغة لا علاقة لها بالتجربة الانسانية، وهنا تصبح مهمة القاريء شديدة الوطء لأنه يجد نفسه مضطرا ليس فقط لمقاومة محدودية لغته وتقلصها وإنما يضطر أيضا الى مقاومة قناعته الخاصة بأن وظيفة اللغة هي استدعاء واستحضار كل ما هو مشترك بين الشاعر والقاريء.
وعن التلقي بنسبه لي قارئ الشعريقول:أن القراءة - في تصوري - هي عقد ليس بمقدور القاريء تغييره الى عقد جديد، فإذا كانت الكلمات، والتراكيب، ونسق الفكر بعيدا عن متناول القاريء فإنه في هذه الحالة يصاب بالاحباط ويقصر عن العبور الى المعنى الذي يريده المؤلف، ولا يتمخض الموقف التواصلي في هذا الحالة إلا عن سوء فهم يسأل عنه طرفا التواصل.
وهنا يطرح ريكور تصوره للشعر بقوله: إنني لا أنظر الى الشعر فقط باعتباره صيغا لغوية موزونة ومقفاة، و لكني انظر اليه من خلال إطار أشمل باعتباره قصا غنائيا، ومن ناحية أخرى أيضا فإن التخييل السرادي هو شعر في حد ذاته بمعنى أن الحبكة الخاصة بأية حكاية ليست إلا ابداعا لخيال خلاق يطرح عالما خاصا به، فالقصص - بهذا المعنى - لا تقل شاعرية عن الكتابة المنظومة. 
فان مفهوم العالم ينطوي على مفهوم الأفق horizon أي ذلك الشيء الذي كلما اقتربنا منه ظل بعيدا عن حوزتنا، ومن ثم تبقى طاقته دائما عصية على الاستنفاذ، فكل تجربة يطرحها لنا هذا العالم تنطوي على شيء ما هناك، ولكن هذا الشيء يبقى مجرد إمكان potential وكل الامكانات التي تنطوي عليها تجاربنا تشكل ما يسمى بالعالم.إذن فالعمل الفني يعد مخايلا بمعنى أنه يطرح عالما لا تدخل آفاته حيز التحديد. هل هذا هو ما تعنيه؟ (88) ان هذا التوتر والاختلاف مع ما هو سائد ونقده كان واضح في جهد ريكور الفكر سواء كان مع البنيويه او مع المدرسه الحوليات التي كان لها اثر في دراسات مشيل فوكو بعد الا انها كانت تفصي الحدث التاريخي لهذا جاء كتابه الزمن والسرد المجلد الاول 1983 والثاني 1984 التصوير في السرد القصصي فأن وظيفة السرد والقصص هي ايضا في محاكاة العمل ، اذ تتعلق من كل ما يحيط بنا وتتلقاه كعناصر متنافرة سابقه للفهم وتصدغه بعملية تو ليفيه تخترع العالم الذي نعيشه من جديد .
والذي يتناوله هنا على بعدين الاول هو سرد التاريخي والذي يحر بالمراحل الثلاث التي تقوم عليها علاقة السرد بالزمن . 
الزمن المعاش مباشرة بالممارسه وزمن الحبكة والعقدة والتصوير الإبداعي وزمن التلقي العمل الابداعي رعيشه من قبل قارئ ، مقدمة ألذات عينها كأخر إننا هنا إزاء موقفين:
الأول- انه يعيد الاعتبار للتاريخ التقليدي السابق لمدرسة الحوليات الفرنسيه والذي كان يقوم على ما يسمى الوقائع او الاحداث التأريخية وعلى ترابطها الزمني(89)
والثاني - انه يجرد عملية كتابة التأريخ من هذا البعد المتعالي الموضوعي ويحولها الى عملية سرد احداث وكتابة الاحداث بصورة دراميه وعملية تلقي لهذه النصوص من المتلقي فهي عملية حبكة سردية تقوم على الصنعة شانها شأن السرد القصصي.
وفي سنة 1975 كان ريكور قد حاضر حول الايديولوجيه واليوتوبيا مناقشاً ماركس وألتو سير وفيبر وهابر ماس ،حول مفهوم الايديولوجيه من وجهة نظر الانتروبولوجيا الفلسفية ،التي تحاول أن ترى الإنسان في واقعه الغربي الآني ،وهذا ما يقوده إلى إبراز كل ما في مفهوم الايدولوجيا من دور ايجابي وعلى صعيد اليوتوبيا يكفي بمناقشة مانهايم وسان سيمون وفوريه لينه إلى خطر إي يوتوبيا في التدمير وقدرتها على اقتحام الواقع وعلاقتها بالخيال مما يقربها من الفن القصصي وهذه المحاظرات خرجت في كتابه (محاظرات في الايدولوجيا واليوتوبيا)1986(90) 
1- الايدولوجيا واليوتوبيا: أن الحديث في هذه الثنائية كان يعكس تصوراته لكل منهما ،فالايدولوجيا تجده كان يحاول إن يقرر العلاقة بين التمثيل والممارسة العملية prctice علاقة تضاد ام اقتران ؛اذ يفصل ريكور الاقتران فان التمثيل اساسي جدا الى الحد الذي يجعله بعدا مكونا لميدان الممارسة (يكون إنتاج الافكار والمفاهيم والوعي في البداية داخلا في نسيج الفعالية المادية والتعامل المادي للبشر ،اذ كل نظام اجتماعي يسعى بشكل ما إلى الحصول على موافقة أولئك الذين يحكمهم ؛اذن يدخل هنا عاملان هما :ادعاء الشرعية من قبل السلطة الحاكمة ،والاعتقاد بشرعية النظام الذي تقدمه رعيته .
فالإيديولوجية تظهر تظهر في صورتان احداهما يجابية وهي الوظيفة الادماجية اذ ان كل فعل اجتماعي يتوسط رمزياً،والايديولوجيا هي التي تلعب ذلك الدور التوسطي في الميدان الاجتماعي الايديولوجيا (ادماجية) في هذه المرحلة اذ انها تحافظ على الهوية الاجتماعية.اما الصورة الاخرى للايديولوجيا هي الصوره السلبية عندما تتجمد وظيفتها الادماجية وعندما تكون عملية تقوم على الممارسة تكون يجابية في تحقيق الاندماج الاجتماعي وتغدو سلبية عند ما تحول الى اطار تأملي عقلي /نظري.(91)
اما عندما يقارن بين الايديولوجيا واليوتوبيا فأنه يقوم تحديد لوظيفة كل منها بالملامح الاتية :
ان الايديولوجية تضفي الشرعية على النظام القائم عبر وظيفة الدمج والحفاظ على الهوية للجماعة والافراد.اما اليوتوبيا فأنها تقوم بوظيفة التدمير للنظام القائم عبر وظيفتها الاستكشافية للممكن أي تحقق توسعا خياليا على طبيعة السلطة والعائلة والدين ... انها حلم يريد ان يتحقق وقصدها هو تغير وتدمير النظام الراهن فان موت اليوتوبيا يعني موت المجتمع .
بول ريكور يرجع كل من الايديولوجيا واليوتوبيا الى عملية المخيلة التي لها وظيفتين الاولى قد تشغل المخيلة من جانب لكي تحافظ على نظام معين .وفي هذه الحالة تتمثل المخيلة في تقديم عملية تماهي تعكس كالمرايا النظام للمخيلة هنا مظهر الصورة والثاني قد يكون للمخيلة من جانب آخر وظيفة تدمير ؛ قد تنشط بوصفها اختراقا وتكون صورتها في هذه الحالة منتجة تخيل شئ آخر الوجود في مكان آخر ،تمثل اللايديولوجية منتجة في ادوارها الاول من المخيلة وظيفتها الدمج والوقاية والمحافظة وبالمقابل تمثل اليوتوبيا النوع الثاني من المخيلة .
أن كانت الايدولوجيا هي المخيلة بوصفها صورة فان اليوتوبيا هي المخيلة بوصفها قصة ،والمقارنة بين الصورة والقصة يمكن أن توصف أنها مقارنه بين المخيلة التي تعيد الإنتاج وتلك التي تنتج (92) 

ليست هناك تعليقات: