الجمعة، 14 سبتمبر 2018

الحرّية والعنف؛ جورج زيناتي.




الحرّية والعنف
جورج زيناتي.

أهداني بالأمس صديقٌ كتابَ أستاذي الدكتور جورج زيناتي بعنوان "الحرية والعنف" الصادر عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" وهو يقع في 144 صفحة.
نُشر الكتاب بدايةً باللغة الفرنسية عام 1972 عن جامعة باريس نانتير بعنوان "القطبية الثنائية للحرّية La Bipolarite de la liberte . وقام زيناتي بترجمته كما هو واضح (دون ذكر ذلك) من الفرنسية إلى العربية، مع مقدمة للطبعة يبدو أنها خُصّصت للترجمة، دون ذكر تاريخ كتابة هذه المقدمة.
يتضمّن الكتاب سبعة فصول إضافةً إلى المقدمة.
الفصل الأول بعنوان: "في البدء كان النطق (الكلمة)؛ الثاني: الحب والحرية بوصفهما بحثاً عن المطلق؛ الثالث: الحرية بوصفها معرفةً للمطلق.
الرابع: الحرية والمسؤولية؛ الخامس: في البدء كان العمل والعمل كان عنفاً؛ السادس: الحرية والفاعلية.
إضافةً إلى خاتمة وقائمة بالمراجع ومسرداً بالأسماء.
تتميّز كتابات زيناتي بالشمولية والوضوح والعمق، ويشكل هذا الكتاب فرصة لمقارنة زيناتي في أوائل السبعينيات وزيناتي اليوم.
سيكون لي ملاحظات على الكتاب بعد قراءته.

جورج زيناتي

يقول زيناتي في مقدمة الكتاب: "نشهد في عصرنا صراعاً خفيّاً ومستداماً بين الفلسفة والعلم. وهناك أيضاً نوعٌ من القطيعة والتباعد بين هذين الميدانَين اللذين كانا مرتبطين أحدُهما بالآخر في الأصل. فكبار الفلاسفة جميعُهم، منذ أفلاطون حتى لايبنتز، كانوا من كبار العلماء أيضاً، وفي كنفهم تصالح هذان الميدانان المعرفيان. كانت الفلسفة تسيطة كسيّدة وتتوّج كل معرفة، وكانت الموضوع الأخير والغاية القصوى لكل علم. في المقابل، لا أحد يملك الحق في التفلسف إن لم يكن عالِماً مجرِّباً.
غير أن الفلسفة التي ما كانت تتخلّى عن العلم، كانت تهيمن على المعرفة وتؤثّر فيها من مقامٍ مستبدٍّ مطلق. وللوقوف في وجه استبدادِها وأفكارها المسبقة التي تعود إلى أكثرَ من ألفِ عام، كانت للعلوم رداتُ فعلٍ عنيفة، يتحكّم فيها الحذر المتزايد يوماً بعد يوم. (ص 8)
...
يتمرّد أوديب [العلم]، ويكتسب استقلاله الذاتي، من دون أن يتوصّل إلى قتل الأب [الفلسفة] تماماً؛ يؤسس منزله الجديد ويستحوذ على الشابّات اللواتي يجذبهنّ شبابُه وطابعُه الجديد، وبهذه الطريقة يصبح بمعنىً ما أباً لأبيه: إنه يمارس فتنتَه على الذي كان في الزمن الماضي موضوعَ افتتانه. ومن هنا كان الاحتقان الدائم والإغراء المستدام للفلاسفة أمام الأنموذج العلمي، وكل علمٍ جديد، حيث تقدم الفلسفة نفسها على أنها "علمية"، وبحسب مطياتٍ جديدة، أي حين تحاول بمعنىً ما الاستيلاء على الاكتشافات العلمية الجديدة، فإنها تقوم بمحاولة سحب البساط من تحت قدميّ الابن، وذلك كيّ تحافظ على وجه الأب، أي على ثورتها كأبٍ وسيّد.
المفارقة الأساس للعلوم الإنسانية:
إن كان ديالكتيك عقدة أوديب يفسّر تساوي الحديث والتناقض النفسي الجوهري بين الفلسفة والعلم، فإنه لا يجيب عن سؤالنا الأصلي: هل ما زال لمفهوم الحرّية ما يبرّره؟ ألا يشكّل مفهوماً غامضاً لا يمكن الإحاطةُ به أو مقاربته ومحاصرته، وبالتالي فهو ما عاد يقبل الخضوع لبحثٍ عقلاني؟ ألم تستطع العلوم الإنسانية، مع الأضواء الجديدة كلِّها التي تلقيها على الإنسان، أن تنهي صدقية الفلسفة أو تثبط في الأقل همّة كل فلسفة موضوعها الذات الفاعلة؟ ألم تقدِر في العمق أن تزيل الهالة عن هذه الذات التي كانت تختبئ وراء مفهومٍ للحرية متمرّد على كل ما هو دراسة موضوعية من أجل إخفاء جهلها؟ إن العلوم الإنسانية حين تحاول أن تضيء جميع الأنساق التي تدير تفكيري، وجميع الظروف والشروط الموضوعية التي تسمح لهذا الفكر بأن يقوم بوظيفته، ألا توجّه إلى الذات المفكرة الضربة القاضية، هذه الذات التي من دونها ليس هناك إمكانٌ لقيام أي فلسفة عن الحرية؟
سنرى أن المفارقة هي أن العلوم الإنسانية بدل أن تضعف الذات الفاعلة، تفترض وجودَها بالضرورة.
أكتشف حين أفكر أني لا أفكر، وحين أفكر أكتشف الروح الخبيث الذي يفكر في داخلي، غير أن الشقاء يقول إني حين أفكر أكتشف الهُوَ الذي يفكر في الإبيستميه التي تسمح لي أن أفكر. في الأصل أنا سجين هذه الإبيستميه، فلا أستطيع التفكير إلا في معسكر الاعتقال حيث تحتجزني.. وهي تصبح بدورها سجينتي حين أكتشفها وأسجنها في الكلمات؛ معسكر اعتقالي الذي أعددته بعنايةٍ تامة من أجلها.
انطلقت العلوم الإنسانية الراهنة لتبحث عن الروح الخبيث، وخداعه الأكبر ليس بأن يجعلني أعتقد أن لي عينين حين لا أمتلك شيئاً من هذا القبيل، بل بأن يجعلني أعتقد أني أفكر حين يفكر هو مكاني، وأني أعمل حين يقوم هو بالعمل بدلاً مني، وأني حاضرٌ لأنويّتي، في حين أنه داخل ذاتي عينها ليس هناك سواه يسخر مني، غير أن عناديَ الأكبر ـ موضوع العلوم الإنسانية ـ هو أن يصبح شفافاً أمامي أنا نفسي، من دون أن أستطيع أنا بوصفي ذاتاً فاعلة أن أدرك ذلك. عليّ أن أكون شفافاً أمام ذاتي عينها من دون أن أعي ذلك أنا نفسي. على الروح الخبيث الشرير في داخل ذاتي ـ البنى الواعية أو اللاواعية كلها ـ أن يكون شفافاً أمام الروح الخبيث، هو عينه، وذلك في معادلةٍ لست أنا طرفاً فيها، وإلا فإن الأنموذج العلمي ينهار ومعه مبدأ الموضوعية. هنا تكمن المفارقة الأساس للعلوم الإنسانية الحالية وهوسها بالأنموذج العلمي.


كان ديكارت، حين لجأ إلى العقل كي يبتعد عن الروح الشرير المحتمل، قد وقع في خطأ "الذات الفاعلة المتفكّرة". وكل دراما الفلسفة التي تركض وراء كل جديد علمي، أو علمي منحول، تستطيع أن تهرب من إمبريالية المركزية العقلية. كيف يمكننا أن نجعل بنيةً معيّنةً حاضرةً أمام ذاتها عينها وليس أمام إنسان هو ذاتٌ فاعلة تعي هذه البنية؟ إن ما يُرفض هنا وبإصرار هو التسليم بأن لكل بنية إحالةً أخيرة مرجعية هي الإنسان. نحن هنا إذاً أمام محاولة الوصول إلى تفسير للإنسان من دون الإحالة إلى هذا الأخير، من دون الرجوع إليه. البنى لها حياتها الخاصة بها، في استقلال تام عن الإنسان الذي يؤويها في داخله، وهي تتمتع رغماً عنه باستقلال ذاتي وتكتفي بذاتها، وتبيانها يعني تفسير الإنسان بعيداً عن الإنسان نفسه.
إن المبدأ الأساس لجميع العلوم الإنسانية في عصرنا، إن لم نقل الفكرة المسبقة التي تشكل هوساً كاملاً، هو أن الإنسان معطىً من المعطيات. والحال أن كل علمٍ حتى العلمُ المتعلّق بالإنسان هو علم يصنعه الإنسان من أجل الإنسان. كل علمٍ يُطرَح كعلمٍ بواسطة البشر أنفسِهم، وكل بنية هي بنية يقبلها الإنسان بما هي كذلك. إن الإنسان هو الشرط الضروري لكل إبيستميه (قبليّة تاريخية)، وهو المرجع الأخير لكل بنية؛ فكل بنية ـ وكذلك كل علم ـ ليس لهما من معنى إلا بالنسبة إلى الإنسان. وهكذا، فالقبول مسبقاً بأن الإنسان هو المرجعية الأخيرة يعني التسليم بأنه قادرٌ على فهم كل بنية، وأنه يمتلك بنية أساسيةً ليست قادرة على استيعاب جميع البنى التي اكتُشفت واتضحت أو لم تُكتشف بعد، فحسب، بل إنها قادرة على فهمها واستيعابها كلها بما هي بنى، وهي قادرةٌ تالياً على أن تبقى على مسافةٍ معها، وإلا تعذّر أيُّ فهم.
بناءً عليه، فإن البنية القادرة على فهم كل بنية واحتوائها ـ والقادرة على فهم البنية على أنها كذلك ـ تتخطى بالضرورة كل محاولة لجعلها مجرّد بنية من البنى، وتالياً ليس الإنسان مجرد بنية من بين كثيرٍ من البنى. وهو ليس كذلك مجموعةَ البنى التي يكتشفها العلم فيه. إنه يحوي بشكلٍ أساس بنيةً عصيّةً على أن تُبنى، أي أن تصبح بنيةً كباقي البنى المعروفة.
إن خطأ كل علمٍ إنساني ـ التحليل النفسي والألسنية والأنثروبولوجيا وغيرها ـ هو أن تأخذ الجزء وتعتبره الكل. كلما وجدنا بُنى عند الإنسان، أنشأنا علوماً إنسانية تتنازع في ما بينها على تفسير الإنسان، وأحياناً كثيرةً يصبح كل علمٍ إنساني جديدٍ نوعاً من العقيدة، بل حتى من الموضة. يفسر التحليل النفسي انطلاقاً من بنية اللاوعي، أما الأنثروبولوجيا فتنطلق من بنى العقلية البدائية، في حين ينطلق الألسنيون من بنية الدال والمدلول، ويفسّر ميشيل فوكو المعرفة البشرية كلها انطلاقاً من أركيولوجيتها، أي من بنيتها الأساسية التي يدعوها الإبيستميه (قبلية تاريخية متغيّرة من عصرٍ إلى آخر)، وهي عبارة عن ألسنية تأخذ بوجهة النظر التاريخية (diachronique) لا بوجهة نظر التعاصر (synchronique)، إلخ. غير أن جميع هذه العلوم المسمّة إنسانية تخشى الإنسان فتضعه بين قوسين، سواءٌ أكان ذلك بإرادتها أم من دون إرادتها، حتى أنه يمكننا أن نقول من دون أن نجازف كثيراً بالوقوع في الخطأ، إن هذه العلوم الإنسانية التي سادت في النصف الثاني من القرن الماضي هي علوم الإنسان من دون الإنسان.
تتطلّب هذه المفارقة تفسيراً؛ فحين أعلن فوكو نهاية الميتافيزيقا، أعلن في الوقت عينه ظهور الإنسان كما هو معطى في المعرفة الحديثة. الإنسان هو للمرة الأولى موضوعُ الفكر، للمرة الأولى في التاريخ (في الأقل الغربي)، وقد اجتمعت شروط إمكان قيام فكرٍ حول الإنسان. كان لا بدّ أولاً من ارتداد الإنسان إلى داخل ذاته، أي أن يعود إلى تركيبته العضوية، إلى البنية الداخلية، إلى نسيجه كي يتسنى أركيولوجياً (حفرياً) أن يكون الإنسان موضوع معرفته، غير أن علينا أن ندرك أن هذا الارتداد إلى داخله لا يمثّل نوعاً من النزول إلى الطابق السفلي للكائن الإنساني، أو عملية ولوج بالعمق إلى ظلمات الرغبة اللامتناهية، بل يعني أن تُطرح مسألة الإنسان وأن تُقارَب من منظور تحليلية التناهي، أي أن تُقارَب من حيث أن الإنسان كائن حيّ يعمل ويتكلم. يخضع انكماش الإنسان على ذاته وبقاؤه ضمن داخله لقوانين داخلية تكتشفها المعرفة، لأن الإنسان "يسيطر عليه العمل والحياة واللغة، لذا فإن وجودَه المجسّد يجد فيها ما يحدده ويعينه ويشكّله". [الاقتباس من كتاب "الكلمات والأشياء"]
هكذا، "يبرز هنا بإلحاح تناهي الإنسان في وضعية المعرفة". نعرف أن الإنسان متناهٍ، مثلما نعرف تشريح الدماغ وآلية تكلفة الإنتاج أو نظام التصريف الهندو ـ أوروبي" (الكلمات والأشياء). هذا الإنسان وُلِد في ظروفٍ معيّنة في القرن التاسع عشر، وربما كان من حق فوكو تماماً أن يعلن عن نهايته القريبة، وذلك حين تتغيّر الظروف التي سمحت لإمكان وجوده أن تكون. غير أن هذا الإنسان ليس هو الإنسان بل إنه خليط من معلوماتنا البيولوجية والاقتصادية والألسنية الراهنة. إنه تابعٌ لأركيولوجيا (حفريات) حصلت في فترة معيّنة ولمجتمع معيّن؛ فهل يمكن منتوجاً ذهنياً نشأ في مجتمع معيّن وفي حقبةٍ معيّنة أن يُعتبر الشرط الضروري لدوام بقاء الإنسان واستمراره؟ هل يمكن أن ننظر إليه على أنه الوجود ذاته للإنسان، وما هو سوى إنتاجٍ جزئيٍّ يتغيّر حين تتغيّر الظروف؟

(ص 9..، 13)


تاريخ الفلسفة والأنموذج العلمي (علمية الفلسفة)

إن القبليّة الأساس التي تجعل من الإنسان معطىً إمبيريقياً، أو كينونةً خاضعةً للموضوعية المعرفية، تقول إن الإنسان كائنٌ متناهٍ. في مثل هذا الوضع، يصبح الإنسان غرضاً من الأغراض العلمية. إن الأطروحة التي يدافع عنها فوكو في "الكلمات والأشياء" تبرهن على أن الإنسان لم يُنظر إليه ككائن متناهٍ موجود في ثقل جسده وفي ظروف عمله إلا اعتباراً من القرن التاسع عشر. "تستطيع الثقافة الحديثة أن تفكر الإنسان لأنها تفكر المتناهي انطلاقاً من ذاته" (فوكو). إذا كانت الإبيستميه الحديثة قد استعادت الإنسان بمعنى ما بأن أدمجته في حقله، فهل استطاعت بالفعل أن تحرّره بشكلٍ نهائي من الميتافيزيقا؟ هل علينا بعد اليوم أن نتوجه إلى العلوم والعلوم الإنسانية ـ علم الأحياء (البيولوجيا) والاقتصاد وفقه اللغة ـ كي نجيب عن السؤال الكلاسيكي لكانط: ما هو الإنسان؟ هل على الفكر الفلسفي بعد اليوم أن يستغني عن الميتافيزيقا كما يريد فوكو؟ هل علينا أن نستغني بصورةٍ نهائية عن كل فكر تفكّري؟ إن التفكر الفلسفي داخل حدود لعبة القوانين الداخلية للتناهي البشري ـ أي داخل فلسفةٍ تدير ظهرها للميتافيزيقا وتبقى تدور في عالم حيث "ليس من أخلاقيات ممكنة" (فوكو) ـ هل له بالفعل أيُّ معنى؟
يكمن عمق هذه المشكلة في كل فلسفة ترى أن تكون مصوغةً بحسب أنموذج علمي، والحال أن كل فلسفة تريد أن تكون علمية ليست فلسفة، وإن بدا مثل هذا الأمر مفارقةً غريبة. والسبب هو أن كل فلسفة وضعية تنطلق من سوء فهم أصلي لأنها ستكون مجرد استعمال مكرّر للعلوم والعلوم الإنسانية حين تريد أن تظل داخل إمبيريقية النشاط البشري فتفقد سبب وجودها وتحطم نفسها. إنه لأمر سويّ؛ وشرط إمكان وجود جميع العلوم الإنسانية في الإنسان بما هو متناهٍ يتكشف في الممارسة العملية. تلقي هذه العلوم أضواءً كثيرةً على السلوك البشري وتسجل تقدماً كبيراً وباهراً في بعض الأحيان. إني لا أنكر أهميتها ولا ضرورتها، غير أن الفلاسفة حين ينبهرون بالنجاح الساطع لإنجازاتها، تماماً كما تفعل الجماهير، ويحاولون تقليدها، فإنهم يجازفون بتوجيه ضربةٍ قاضية إلى الفلسفة، وبتعبيرٍ آخر، تشكل تحليلية التناهي الإنساني موضوع العلوم والعلوم الإنسانية. ولا تملك مثل هذه العلوم الوضعية والإنسانية الحق فحسب في الاستغناء عن الميتافيزيقا، بل من واجبها فعل ذلك. على الأب أن يرضى برصانةٍ تامة أن ثمّة أبناءً بلغوا سن الرشد ويملكون تماماً الحق في الاستقلال الذاتي. من ناحيةٍ أخرى، على الفلسفة أن تتخلى عن هاجس الأنموذج العلمي، "إذ ليس عليها أن تكرر ما تأتي به العلوم، والعلوم الإنسانية. إن الفلسفة العلمية مجرد أسطورة" (بارديائيف). إن الصفة الخاصة لكل علمٍ هي التقدم المستمر في حين أن الفلسفة هي عودةٌ دائمة إلى الأسئلة عينها. إن مسألةً علمية قوبلت بالاحتجاج في فترةٍ زمنية معيّنة تجد في أغلب الأحيان رداً دقيقاً في زمنٍ لاحق، لكننا غير متأكدين من أن مسألة فلسفية طُرحت في زمن أفلاطون قد تجاوزها الزمن. إن فيزياء أرسطو ما عادت صالحةً في أيامنا، لكن هل نستطيع بالفعل أن نطلق الحكم عينه على الميتافيزيقا ـ وهو يسميها الفلسفة الأولى ـ التي وضع أسسها؟
لكن ما هي العلاقة بين الفلسفة والعلم؟ إنها في العمق علاقةٌ خاصةٌ جداً، وهي فريدةٌ من نوعها؛ فمن ناحية، هناك تكاملٌ بينهما، ومن ناحيةٍ أخرى، يلغي أحدُهما الآخر. هما متكاملان لأن الفلسفة لا تستطيع أن تتجاهل ما يأتي به العلم، وعليها أن تأخذ في الحسبان مجمل المعرفة الإنسانية كي تكون فلسفةً صالحة. وهي تحاول بمعنى ما أن تجيب عن الأسئلة التي تركتها العلوم بلا جواب.
هناك عملية إلغاءٍ بينهما، وهذا يعني أن العلم حين يجيب عن جميع الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه، فإنه يضع حداً للفلسفة.
إن فلسفةً تقدم نفسها على أنها علمية تقع في الفخ الذي نصبه العلم، وهو أن الإنسان في مجمل وجوده يمكن تفسيره علمياً؛ أي إنه موضوعٌ من الموضوعات التي يدرسها العلم. غير أن مثل هذه الفلسفة توقع على قرار موتها. حين اكتشف فوكو الإنسانَ بوصفه موضوعاً للإبيستميه الحديثة، وحين أخذ هذا الإنسان على أنه وحدَه الإنسان، لم يستطع إلا أن يعلن موت الفلسفة.
أين يكمن موضوع الفلسفة إذاً؟ وبأي منهجيةٍ تستطيع أن تعالجه؟ فرضيّتي الأصلية هي الآتية: يطرح الإنسان أسئلة تتعلق بأصله وبمصيره، وقد قدّمت العلوم والعلوم الإنسانية أجاباتٍ عنها هي في أحسن الأحوال جزئية يغلب عليها التشتت. إن الإجابة الشاملة عن هذه الأسئلة المتعلقة بالآنسان قد تخج دوماً عن نطاق كل إبيستميه بحسب مفهوم فوكو. وسبب وجود الفلسفة هو طرح هذه الأسئلة والتفكير فيها وتقديم إجاباتٍ عقلانية عنها، هي ذاتيةٌ أيضاً في جوهرها وماهيتها. يكمن الطابع العلمي للفلسفة ـ كما حاله دوماً ـ في تماسكها العقلاني وفي قوة الحجج المنطقية التي تأتي بها. وستبقى الفلسفة تمثل الجهد العقلاني الذي تقوم به ذاتٌ فاعلة تفكر في نفسها عينها، وتحاول من خلال مجموعةٍ من التساؤلات أن تجيب عن السؤال الأخير ـ وهو الأخير والحاضر دوماً والغائب أيضاً في جميع الميادين الأخرى ولا يمكن اختزاله إلى علمٍ دقيق لأن محاولات موضعته كلها لا يمكن أن تغطي كل غناه: من أنا؟ وهذا يمثل طريقةً أخرى لطرح السؤال الذي طرحه كانط: من هو الإنسان؟ إن جميع العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية لا يمكن أن تغطي، لو استطاعت ذلك، سوى بنيتي ككائن مخلوق، لكنها لن تستطيع أن تغطي بنيتي ككائن مخلوق ـ خلاّق.

(ص ص؛ 15، 17)


ليست هناك تعليقات: