الأربعاء، 4 يوليو 2018

تكريم جورج زيناتي في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية.




تكريم جورج زيناتي في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية.

في التاسع عشر من حزيران الماضي، التقى لفيفٌ من أساتذة الجامعة في قسم الفلسفة بحضور عميد كلية الآداب، في قاعة الدكتور نزار الزين في كلية الآداب الفرع الأول لتكريم الدكتور جورج زيناتي الذي تقاعد منذ سنوات. زيناتي الذي ندر نفسه للفلسفة. وللفلسفة فقط.
قامةٌ تستحق التكريم حقاً، وإن جاء التكريم متأخراً. وكم كان فرحاً بذلك، وبدا أنه في أسعد لحظات حياته من خلال هذه اللفتة المعنوية لشخص أمضى عمره في القراءة والتأمل والتعليم.


شهادات في زيناتي.
في العام 1993 كنا ندرس مواد الدبلوم للدراسات العليا، وكان زيناتي يعلمنا مادة الفلسفة المعاصرة. كان ناصيف نصار يومها عميداً لكلية الآداب، وكان في زيارة للفرع الخامس في صيدا. تعرفنا يومها على ناصيف نصار المتواضع (كنا نسمع عن أكاديميته)، دخل إلى غرفة صفنا بتواضع كبير وقال: أهنئكم أن جورج زيناتي يعلمكم.
كان قبلها المرحوم الدكتور كامل حْمُود رئيساً لقسم الفلسفة. كان يختلي بنا ويقول: حاولوا أن تستفيدوا قدْر ما تستطيعون من جورج زيناتي.

من ميزات جورج زيناتي أنه يجعلك تظن الفلسفة سهلةً واضحة، فهو يلجأ إلى الأمثلة الحسّية اليوميّة لتوضيح الأفكار الفلسفية. ولشدّة ما نظن من سهولتها، قلّما كنا ندوّن ما يقول. لكن كنا نكتشف صعوبةَ تلك الأفكار حين نريد أن نكتب عنها.


كانت محاضراتُه ممتعة إلى حدود بعيدة. ولا يجد صعوبةً في الإجابة عن أكثر الأسئلةِ تنوعاً. ما يمتاز به زيناتي أيضاً تسامحه مع الفكر المختلف: أن تكون متديّناً أو غير متديّن أو غير مؤمنٍ بالمرّة. كان يستمع إليك باهتمام ثم لا يعلّق. وهي ميزةٌ أظنها أثّرت فيّ كثيراً. إلا ربما إذا تعلق الأمر بابن رشد، فهو لم يكن يتساهل في الحديث عنه أبداً. كانت المسألة تبدو شخصيةً جداً..
يقول الدكتور جمال نعيم الذي كان يوماً تلميذاً لزيناتي: انظروا الى هذا الرّجل نجم هذا التّكريم، وقد أشاع نوعًا من الفرح، من الفرح الفلسفيّ، قلّ نظيره في هذه الأيّام، حين أكّد على فرحه بطلّابه أوّلًا وعلى فرحه بزملائه ثانيًا وعلى فرحه بالفلسفة ثالثًا، وعلى فرحه بلغة العرب وبحضارتهم وبفلسفتهم أوّلًا وآخرًا. رجلٌ يصنع أمّةً وحضارةً بفكره.
لقد عبّر زيناتي عن فرحٍ لا يُوصف، بل عن غبطةٍ ما بعدها غبطة وهو يشهد هذا التّكريم من لدن كوكبة من زملائه وطلّابه. كنت أقول دائمًا: الفلسفة لا تعرف الحزن لأنّها نوعٌ من الفرح الدائم. وزيناتي فيلسوف فرِحٌ وجذلٌ دائمًا.
وبالعودة إلى مناسبة التكريم، فقد تحدثت في المناسبة الدكتورة سعاد الحكيم والدكتورة تغاريد بيضون. وكانت مداخلة للدكتور رضوان السيد..

وهي أحاديث من يعرف زيناتي عن قرب. فمن يعرف زيناتي يعرف بأن تلك الكلمات قد لامست حقيقته في  العمق وبشفافية.
تقول الدكتورة سعاد الحكيم:
عندما التقيتُ للمرة الأولى بالزميل الرصين الدائم الابتسام الدكتور جورج زيناتي منذ ربعِ قرنٍ تقريباً في قسم الفلسفة.. أنصتُ لكلامه، فأدركتُ أنني أمام رجل ممتلئ بحكمةِ الفلسفة.. وكان واضحاً أنها تشغل وجدانه ويحقق بها وجود إنسانه. إن سكتَ تراها غليلةً في أعماقه وإن نطق تراها مجدولةً بكلماته.. حديثُهُ كلُّهُ عنها. ومع مرور الزمان وجدته يعمل بمهارة وحرفية – تأليفاً وترجمة – على فتح قنواتٍ لمساراتٍ لها حديثة عربية..
وقد سبق ولفت نظري نهجه الخاص في كتابة الفلسفة، وذلك عندما شاركت في ندوة حول كتابه "الفلسفة في مسارها". يمتلك جورج زيناتي نهجاً متفرداً في تدوين الفلسفة، لم أصدفه عند غيره من الفلاسفة أو المؤرخين الرحّالة في تاريخ الفلسفة شرقاً وغرباً.. ويمتاز نهجه – من وجهة نظري – بسمات أربع هي:
1 –
الأسلوب الروائي: يحول جورج زيناتي تاريخ الفلسفة إلى رواية تشبه قصص أبطال الرحلات وما يتعرّضون له من عقبات وقواطع.. يحاربون التنين ويولدون مما يشبه الرماد. فأصبحت الفلسفة السيّالة من ريشته مادةً حيوية، بسيطة اللغة، واضحة التراكيب، قريبة من القارئ؛ شكلاً ومضموناً.
2 –
الرؤية والمواقف: إن كلام جورج زيناتي في رواية قصة الفلسفة لا يشبه كلام غيره من الباحثين، فهو لا يضع بينه وبين القارئ مئات المصادر والمراجع والاقتباسات، بل يتجلى كصاحب رؤية في الفلسفة وتاريخها.. هذه الرؤية التي سمحت له باتخاذ العديد من المواقف الواضحة التي تظهر في كتابته لمسار الفلسفة. واستناداً إلى هذه المواقف حُسمت الإجابات على الأسئلة الكبرى: متى نشأت الفلسفة؟ وأين نشأت؟ ولماذا التفلسف؟
3 –
أنسنة الفلاسفة: لقد عهدنا التعامل مع الفيلسوف على أنه عقل فقط، وعندما كشف لنا جورج زيناتي عن وجه الشخص صاحب هذا العقل وهذه الأفكار، أصبح للنظرية وجه إنسان، يحب ويكره، يتزوج وينجب، أو يختار التبتل رهبة ورغبة.. اقتطف مقطعاً يرسم فيه إنسان كانط لأدلل على مهارة زيناتي في أنسنة الفلاسفة، يقول: «كانت حياته منتظمة تماماً، ينامُ في العاشرةِ ليلاً، ويستيقظ في الخامسة صباحاً، وفي السابعة يبدأُ التدريس ثلاث ساعات، بعد الظهر يقوم في ساعة منتظمة بنزهة يومية، لا يغيِّرُ عاداته حتى أنَّ جيرانه يستطيعون أن يضبطوا ساعاتهم على وقع خطوات مروره، لم يتزوجْ، ولم يكن في حياته مكانٌ لأيةِ مغامرةٍ عاطفيةٍ. في مرحلة من عمره قرَّر أن يدعو أصدقاءَهُ إلى مائدته، كان محدثاً لبقاً ومرحاً، ولكنه كان يرفض الأحاديث الفلسفية على الطعام: كان يعتبرُ النظر الفلسفيَّ ميدانه الحميم الذي لا يريد أن يشاركه فيه أحد، يقرأ ويحرر في هدأة الليل والعزلة، لم يسافرْ ولم ينتقلْ.. تحمس لاندلاع الثورة الفرنسية، ويقال بأنه يومها قَبِلَ أن يغيّر قليلاً في مجرى حياته الروتيني ليبتاع صحيفة».
4 –
شخصنة الفلسفة: نشعر أن الفلسفة تحولت إلى شخص في رواية زيناتي لتاريخها.. إنها أميرة أبية، لها أب، ولها ابن أول مدلّل، تجد نفسها أحياناً وحيدة بعد أن يغادرها أبناؤها.. هناك من يطالب بموتها، تغادر تهرب هلعةً فزعة، تهاجر تتشرد، تتعرض للاضطهاد، وأحياناً تكون صاحبة السطوة والكلمة..
وربما نتساءل: إن الفلسفة مؤنثة.. فهل أصبحت عند جورج زيناتي في "رتبة الأنثى" وأغنته عن كل أنثى من جنس البشر؟!..
أقولُ ختاماً.. إن زيناتي فيلسوفٌ أصيل.. آمنَ بالفلسفة، ويتنبأُ لها بالانتصار دوماً وبالعودة دوماً.. يقتنعُ بأن الفلسفة هي الحل.. ويقترح على "المقربين" منه التداوي بالفلسفة، فالسعادةُ – كما يرى أرسطو ويتماهى معه ويبشر بذلك – ليس لها حدٌ إلا في التأمل. الفلسفة عند زيناتي هي التي تحرر الإنسان، تجعله مستقلاً، وتُبعده عن هموم الحياة اليومية.

 

أما الدكتورة تغاريد بيضون فقد تحدثت عن "جورج زيناتي هكذا وبدون ألقاب" قائلةً:
أن تكون بلا ألقابٍ، فهذا يعني أنَّك تمتلكُها وتعلوها وتتجاوزُها جميعًا.
طارئةٌ هي وليست تُلزِم الإنسانَ الذي فينا ما دام هذا الإنسان حقيقيًّا وبسيطًا.
هكذا، وعلى هذه الصُّورة، عَرَفت جورج زيناتي في الفترة القصيرة التي كنت ألتقيه فيها في قسم الفلسفة.
لم يكن يأتي مع بواكير النّهار، ولكنَّه كان دائمَ العجلةِ من أمره.
قليلةٌ هي الدَّقائق التي كان يتناول فيها حديثًا مع أحد الزُّملاءِ قبل دخوله لإلقاء محاضرته؛ ليس لأنّه كان يعتصم دومًا خلفَ رُقِيٍّ نَدُرَ وجودُهُ، ولا لأنَّه شيَّدَ حدودًا صارمةً مع الآخرين وحسب، وإنَّما بسبب أنَّ كثيرًا من الأحاديث التي كانت تدور في مثل هذه الدَّقائقِ المقتطعةِ لم تكن لتتناول في جوهرها الهمَّ الأكاديميَّ الفلسفيَّ.
على النَّقيض من حاله التي كانت تجمعُه مع طلابه. هنا تجدُه كثير الاسترسال، تدفعُه الى ذلك رغبةٌ عارِمةٌ لوضع طلَّابه في قلب معلوماتٍ ومعارفَ اختزنها عقلُه ووفَّرَتها تجربته.
جورج زيناتي كوزموبوليتيّ، منفتح، بل ومؤمن بفكرة الآفاق الرَّحبة التي اعتَنقها غادامير.
جورج زيناتي من الرَّعيل الذي آمن بالفلسفة سلوكًا عمليًّا يدعمه النَّظر.
هو استثنائيٌّ ليس لأنَّه متخصِّص في الفلسفة فريد، ولا لأنَّه تتلمذ على يد فيلسوف التَّأويل الأوَّل بول ريكور، ولا لعلاقته الجدِّيَّة بسارتر، ولا لأنّه من الأساتذة الكبار وحسب،
إنَّه استثنائيٌّ لأنَّه كان يحيا في الفلسفة وبها. هو راهب الفكر الفلسفي عن جدارة.
وإذ يستحقُّ هذا اللَّقب فعلًا، فلأنَّه عجزَ عن استثمار هذا كلِّه، بل ترفَّع عن استثمار هذا كلِّه وقصَّر عن تكوين حيثيَّة كانت ستضعه في الصَّدارة، في صدارةٍ تتجاوزُ كلَّ صدارةٍ ركبها كثيرون ممَّن لم يكن لهم باعٌ سوى على صعيد الطَّائفة والمذهب والمنطقة والإيديولوجيا.
جورج زيناتي! هذا القادم الى لبنان من أصولٍ غير لبنانيَّةٍ لم يمتلك القدرة، وربَّما لم يمتلك الرَّغبة لأن يكتسب "مفهوم الشَّطارة" اللبناني، هذا المفهوم الذي برَعَ فيه بعض الأكاديميِّين، فسيَّروا الجامعة في نهجٍ غير النَّهج المطلوب.
باختصار، لم يتمكَّن جورج زيناتي بالرُّغم من فضائله العلميَّة من "تسويق" نفسه وعلمه ومعلوماته وتاريخه.
هذا القادم من أصول غير لبنانيَّة لم يجد أحدٌ من القيِّمين على الجامعة مصلحةً في إبرازه وتقديم خبراته وإخلاصه في خدمة هذا الصّرح العريق.
هذا الوافد الذي أتى الى لبنان، مغمورًا مسكونًا بألم الاضطهاد الذي عاناه في أوَّل سني عمره، لم يتمكن من رفع الظُّلم عن نفسه. لقد ظلم نفسه بقدر ما ظلمه أهل الجامعة. لكنَّ الحقيقة الحقَّة هي أنَّ الجامعة نفسها قد ظُلِمت بهذا الظُّلم؛ لأنَّها حُرِمت من الاستفادة التي كان من الممكن أن تُسديها لها قامةٌ علميَّةٌ وفلسفيَّةٌ على هذا القدر من الوعي والوفاء والفكر والعلم.
جورج زيناتي لم يقتحم حصونًا كان عليه أن يقتحمها، أعلن زهده باكرًا.
جورج زيناتي لم يكن يريد أن يوقظ في ذاته معاناته المرَّةَ، فبقي مسكونًا بالانكفاء إلا عن الاستزادة من العلم.
فظهرت خشيته من الاضطهاد مناقضة لشغفه بالفلسفة.
وهل للفلسفة من اكتمال من دون الجرأة أو من دون تجاوز الذَّات؟
لقد استعاض زيناتي عن هذا كلِّه بالنَّفاذ الى أعمق أعماق الفلسفة فجعلها ميزانًا لسلوكه ولحياته العائليَّة مسقطًا الفارق والمصطنع بين النَّظر والعمل، ومزيلًا التَّقاطب الماثل بين الأخلاق والقيم وبين الفاعليَّة الواقعيَّة ليبتكرَ وضعيَّةً خاصَّةً به يلائم فيها بين الإيثار والإستئثار. ولئن بدا هذا الابتكار في جوهره وجدانيًّا وروحيًّا، فإنَّ ذلك لا يُلغي كونه يقع في منزلة الجوهر من الفلسفة؛ لأنَّه قام على الرِّضى العقليِّ والاعترافِ بالآخر.
والحقيقة أنَّ أكثر من يفهم ما نرمي إليه، وكيف تجسَّدَ كلُّ ذلك عمليًّا هو هذا العدد القليل من الزُّملاء الذين هم على معرفةٍ وثيقةٍ بالجهد المشرِّف والإنسانيّ، عالي القيمة الذي بذله هذا الزَّميل للاهتمامِ بمن تبقّى من أفراد أسرته والتَّفاني في خدمتهم واستسهال أيِّ بذلٍ في سبيل ردِّ الجميل والاعترافِ بالحقوق. فهل استقام هذا الميزان بعد هذا؟
ربما لأنَّ جرأته أتت لحساب الآخرين ومصالحهم، لا لحساب نفسه ومصالحها. وإنِّي لأرى أنَّ الاعترافَ بالآخر هو أرقى وأسمى أنواع الفلسفة وأكثرها جرأةً وأقدرها على تجاوز الذات.

 

صور من المناسبة.

 
 






 

ليست هناك تعليقات: