الأحد، 27 نوفمبر 2016

المقاربة الفينومينولوجية للتاريخ.


المقاربة الفينومينولوجية للتاريخ.
بقلم عبد الرحمن تيمحري
(مؤمنون بلا حدود، يونيو 2013)


لايمكن أن نرص الوقائع والأحداث والأفكار والنظريات والمناهج المتعلقة بعلم النفس رصا، وندعي مع ذلك أننا قدمنا تاريخا لها، دون وعي مسبق بهذا التاريخ، وبما ينفتح عليه من إمكانات وإشكالات. أحد أسس هذا الوعي هو تحديد نوع المقاربة التي بها ستتم معالجة ذلك التاريخ. يحدد لاروسLarousse المقاربة بأنها"الكيفية التي بها يتم الاقتراب من موضوع للمعرفة من جهة وجهة النظر ـ التي ينظر بها الدارس ـ ومن جهة المنهج المتبع". (وبهذا المعنى يتم نعت مقاربة لدراسة أدبية بالسوسيولوجية مثلا).

"إن وجهة النظر هي التي تخلق الموضوع" ـ هكذا قيل دائما ـ ووجهات النظر تتباين بتباين مستويات الوعي لدى الناظر. ومن العجيب أن تتزامن وجهات نظر متناقضة، بل ومتناحرة في الزمان نفسه والمكان نفسه وداخل الوسط المجتمعي نفسه. إذ نجد في القرن الواحد والعشرين وجهات نظر لنفس الأفراد المعاصرين لبعضهم بعضاً، تتراوح بين الحسية والواقعية الساذجة والخرافية والدينية المتزمتة (الحرفية والنصية) والميتافيزيقية والعلمية والإيديولوجية والفلسفية والمتفتحة. ولكل منها"نسقه الخاص" الذي "يعالج" داخله المعطيات والأحداث. وفي حالة علم النفس، سنجد من يعتبر النفس "شيئا محايثا". ومن يعتبرها "شيئا مفارقا"، ومن يعتبرها "أساسا مخيا". ومن يعتبرها "أمرا إلهيا روحيا"، ومن يعتبرها "مبدأ الحركة والغذاء والتنفس والنطق أي الحياة"...إلخ. وعندما يتعلق الأمر "بالمرض النفسي" فسيزداد تباين وجهات نظر الأفراد بخصوصه إلى حد لايمكن تصديقه، إذ قد يكفر بعضهم بعضا بسبب وجهة نظره، فالذي يؤمن بالعلم ليس كالذي يؤمن بالأرواح الشريرة. وداخل العلم بذاته تختلف وجهات النظر التي ترجمها اختلاف المدارس والاتجاهات السيكولوجية.

وبما أن كل واحد منا هو"خصوصية"Singularité – في حد ذاته - ويحمل في ذاته الدلالة العميقة لهويته الفريدة، وبما أنه مثال لنمط مجرد ولنوع معين، فإن كل موضوع يتمظهر لإحساساتنا في العالم، وكل ظاهرة، يمكن أن ينظر إليهما كحاملين لمعنى في وجودنا الخاص أو كنموذج Exemplaire، أو كتجسيد أو كمفهوم علمي.[1] وبهذا المعنى، "فالتعريف الذي نعطيه لموضوع علم ما، يكون تابعا بشكل كلي للرؤية التي نحملها لهذا الموضوع"[2]، ولا تغير هذه الرؤية في شيء حقيقة الموضوع السابقة عليه - غير أن ما نعرفه عن هذه الحقيقة والخطابات - التي نقيمها حولها عادة ما يكون مختلفا وغير متجانس ولايخضع لنفس الإكراهات المنطقية. تحضر الأنانية بمثل ما يحضر المستوى الذي وصل إليه العلم أو الفلسفة في عدم تجانس تلك الرؤى. "فكل واحدة منها - أي تلك الرؤى - تعتبر ذاتها أنها الأنفذ والأعلم، وبحسب ما ينتظره الناس من العالم ومن بعضهم بعضاً، وبحسب ما علمتهم إياه الفلسفة أو العلم - الخاص بعصرهم -، فإنهم حملوا هذه الرؤية أو تلك عن الظواهر"[3]، سواء كانت ظواهر مادية فيزيائية كشكل الأرض وحركة الشمس، أو ظواهر علمية وفكرية وروحية كموضوعات علم النفس والرياضيات والدين وغيرها. وبتعبير آخر، فوجهة النظر هي دائما تاريخية ووعيية وابستمولوجية. ووجهة نظرنا منفتحة على الإنسان وعلى ما هو صميم فيه؛ على هويته وعلاقته وغايته. أما المنهج فنريده فينومينولوجيا، فما المقصود بالمنهج الفينومينولوجي؟

إنه"محاولة للوصف المباشر بتجربتنا كماهي، ومن دون أية مراعاة لنشأتها[4]السيكولوجية أو للتفسيرات السببية التي يمكن أن يوفرها العالم أو المؤرخ السوسيولوجي".[5] ليس الوصف هنا على طريقة العلماء، والذي به يتم بلوغ سبب الأشياء، أو تطور نشأة المفاهيم، بل الوصف وليس التفسير أو التحليل."وبالضبط فهذه التعليمة التي أصدرها هوسرل Husserl للفينومينولوجيا المبتدئة، وهي أن تكون"سيكولوجيا وصفية" أو تعود" إلى الأشياء ذاتها"، هو ما يتبرأ منه العلم"[6]. يعني الرجوع إلى الأشياء ذاتها، الرجوع إلى العالم قبل المعرفة التي تتحدث عنها المعرفة دائما، والتي لن يكون كل تحديد علمي حيالها إلا مجردا وتابعا، كالجغرافيا حيال المشهد الطبيعي الذي تعلمنا فيه أولا ما هي الغابة، وما هو المرج وما هو النهر. وهذا هو الفرق بين أن يكون الإنسان في العالم، وأن يستمد معرفته منه عن طريق التجربة المباشرة، كوعي مدرك للعالم والأشياء بالتجربة الشخصية للوعي الخاص به، وبين المعرفة التي يقدمها العلم باستخدام العقل الذي يجزئ الأشياء ويصنفها ويقيسها بغرض الانتفاع بها كما يرى برجسون Bergsonوالتي لا تتجاوز كونها تحديدات وتفسيرات مصطنعة لن تبلغ حقيقة الإدراك الإنساني، لأنها لم تفهم أولا من هو هذا الإنسان ولا ما هو وضعه في العالم.

يوضح ميرلوبونتي Merleau-Ponty ذاك الفرق المشار إليه بالقول: "ليس للعلم، ولن يكون له أبدا نفس معنى الوجود في العالم المدرك، لسبب بسيط هو أن العلم تحديد أو تفسير"[7]ويستدل على هذا الفرق قائلا: "لست مجرد كائن حي"أو حتى "إنسان" أو حتى "وعي"، بكل الخصائص التي يقر بها علم الحيوان وعلم التشريح الاجتماعي وعلم النفس الاستقرائي لهذه المنتوجات الطبيعية أو التاريخية"[8]. وكما هو واضح، فهذه المنتوجات المفاهيمية تنتمي إلى العلم. لذلك عرَّفها ميرلوبونتي بالنفي ليثبت ماينتمي إلى الفينومينولوجيا: "إنني أنا المنبع المطلق، ولاينشأ وجودي عن أسلافي، ولا عن محيطي الفيزيائي والاجتماعي، بل إن وجودي هو الذي يتجه نحوهما(أي المحيط والأسلاف) ويدعمهما، لأنني أنا الذي أجعل ملكا لي تلك التقاليد التي أختار استرجاعها وذلك الأفق الذي قد تنهار المسافة التي تفصلني عنه، لو لم أكن موجودا لأعبرها بنظرتي لأنها- أي المسافة - لا تنتمي إليه– أي إلى الأفق - كخاصية".[9]

لهذه الاعتبارات، يصف ميرلوبونتي الرؤى العلمية التي تجزئ الإنسان وتشيؤه بالساذجة والمرائية، ولكونها أيضا تعتبر الذات لحظة فقط من العالم. فهي يفهم منها، ودون أن تشير إلى ذلك، أن هناك رؤية أخرى، رؤية الوعي والتي بموجبها يتهيأ عالم من حولي ويشرع في الوجود بالنسبة لي. فالعالم موجود هنا قبل أي تحليل يمكنني أن أقوم به. وسيكون من المصطنع أن أستخرج سلسلة من التركيبات التي تربط الإحساسات ثم المظاهر البصرية للموضوع، في حين أن الأولى والثانية هي في الحقيقة منتوجات للتحليل، ولايمكن أن تتحقق قبل هذا "التحليل".[10] يسمي ميرلوبونتي العالم أحيانا بالواقع، ويعتبره "نسيجا صلبا، لا ينتظر أحكامنا لكي يلحق بذاته كل الظواهر المثيرة للدهشة، وللتخلي عن كل خيالاتنا المحتملة".[11] وبناء على هذا، تصبح المهمة التي يحددها ميرلوبونتي- وقبله هوسرل-للفينومينولوجيا هي وصف الواقع لا بناؤه أو تشكيله، مما يعني أنه لايمكن للذات أن تدمج الإدراك في التركيبات التي هي من صنف الحكم أو الأفعال أو التنبؤ.[12] لأنها أساسا دراسة الماهيات، وكل المشكلات تؤوب إلى تحديد الماهيات: ماهو الإدراك، ماهو الوعي ؟... وتعيد الماهيات إلى مكانها في الوجود، ولا ترى أن بالإمكان فهم الإنسان والعالم من خلال وضعهما المزيف والمصطنع Facticité. إنها فلسفة ترنسندنتالية تعلق كل إثباتات الاتجاه الطبيعي، من أجل فهم الإنسان والعالم. فالعالم هو دائما بالنسبة لها"موجود قبلا" قبل أي تفكير، كحضور غير مستلب، وكل الجهد- بالنسبة لها- هو إيجاد هذا اللقاء العضوي مع العالم وإعطاؤه وضعا فلسفيا. وهي طموح هذه الفلسفة لكي تصير "علما دقيقا".[13] ليس هنا مقام الوقوف على أهم العناصر المنهجية للفينومينولوجيا من اختزال فينومينولوجي، وقصدية...إلخ، إذ سنفرغ لها عندما نعالج الفينومينولوجيا كمدرسة أو اتجاه في علم النفس، وأيضا عند دراسة الوعي، وسنعود إلى بيان بعض أوجه العلاقة بين الفينومينولوجيا والتاريخ، مادمنا سنسعى إلى محاولة إنجاز مقاربة فينومينولوجية لتاريخ علم النفس الحديث:

- العلاقة بين الفينومينولوجيا والتاريخ قوية وإن كانت تتعرض أحيانا إلى الإهمال من لدن الباحثين: مؤرخين وسيكولوجيين، وأحيانا أخرى إلى النقد غير المبرر من لدن المثقفين[14] كالعروي صاحب النزعة التاريخانية الذي يحمل على الفينومينولوجيا، على حساب تحليل الأعمال الفكرية والتاريخية ورصد الوقائع... والحال أنه يمكننا تحليل خصائص فكرنا القومي بتحليل الأعمال الفكرية والأدبية والاستشهاد بالنصوص، ورصد الوقائع وإعطاء البيانات والإحصائيات وتأييد هذه بالأرقام. ولكن في الحقيقة لايمكن الانتقال من الوقائع إلى الماهيات أو من الأشياء إلى المعاني. هذه الاستحالة هي إحدى حدود النزعة التاريخية. لكن يمكن تحليل تجاربنا الفكرية ومحاولة تعرف ماهيات مستقلة لها، يدركها كل من يشارك فيها، ومن ثم تتحول إلى حقائق موضوعية. ولا تعني الموضوعية هنا خروج الماهيات من الوقائع المادية، بل تعني عموم الماهيات وتطابقها في التجارب المشتركة. وبالتالي فالمنهج الفينومينولوجي هو أقرب المناهج لتحقيق هذا الغرض. إنه يساعد على تحليل التجارب الشعورية التي يعيشها المفكر في العصر الراهن، ويحاول إدراك ماهياتها المستقلة، ويكون مقياس صدقها هو مدى اشتراك المفكرين الآخرين في هذه التجارب المعيشة وفي الماهيات المدركة. إذ يمكن الاختلاف في درجة عيش التجربة بين الحدة والبرودة، وفي تعليل الظاهرة، ولكن لايمكن الاختلاف في وجود الظاهرة ووصف الماهية، لأن المنهج الفينومينولوجي يعنى بسؤال الماهية لابسؤال النشأة، ويهمه الفهم لا التفسير، لأن الذي يحدد الظاهرة ويفسر نشأتها ليس هو البناء التحتي أو البناء الفوقي، وأيهما علة وأيهما معلول، بل هو البناء الشعوري الناتج عن تجربة المعيش[15]؛ أي أن الأمر يتطلب القيام بمجهود تأويلي، تأويل فينومينولوجي: "إذ يتعين على الإنسان أن يجد الحقيقة في التطبيق (لا في التنظير). أي في الواقع والقوة، أي ما دون تفكيره"[16]، حتى يتجلى معنى ما كتبه ماركس سنة1845:"لم يعمل الفلاسفة إلا على تأويل العالم بمختلف الكيفيات، في حين أن المطلوب هو تغييره"[17]. والحق أن التغيير يبدأ أولا في النفس، في الشعور، في الوعي؛ "لأن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

تأتي قوة العلاقة بين الفينومينولوجيا والتاريخ من روافد كثيرة، يستحسن تركيزها في أهمها:
o الغموض الذي يلف مصطلح التاريخ والتأريخ، الواقعة التاريخية والعلم التاريخي. يعبر هذا الغموض كما يلاحظ ليوطار Lyotard عن لبس وجودي مضمونه أن موضوعSujet العلم التاريخي هو ذاته كائن تاريخي. من هنا الأسئلة الابستمولوجية الشائكة: كيف يكون علم للتاريخ ممكنا؟ هل يجب على الكائن التاريخي أن يتعالى على طبيعته التاريخية ليمسك بالواقعة التاريخية كموضوع للعلم، وهل يمكنه ذلك؟ وهل يمكن لتاريخية المؤرخ أن تتلاءم مع إمساك بالتاريخ يستجيب لشروط العلوم؟ [18]
o حضور الزمنية والماضي في الوقائع والأحداث التاريخية، حضورا غير آني وغير متصل وغير مستمر وغير منسجم. كوقائع، يطرح الزمن الماضي إشكالا يتعلق بإعادة البناء الذي يتم بمحاولة الفهم، سواء تم ذلك من الجزئيات إلى الكل، أو تم ذلك بمنظور غالب: سياسي أو اقتصادي أو حربي أو مصلحي شخصي أو نفسي، أو إغرائي ( دور الحب والنساء في بعض الأحداث التاريخية المهمة في مصر مع كليوباترا، وفي روسيا ودور راسبوتين في إفساد نساء البلاط...).
- إن الوعي الذي يطمح إلى إدراك الواقعة التاريخية اللامحدودة ومتعددة الجوانب يكون عليه أن يدرك أن وعيه قصدي بالأساس، وأن نية ما وغرضا معينا يحركانه، وأنهما ليسا دائما موضوعيين أو موعى بهما، سواء تعلق الأمر بالواقعة المادية أو الواقعة الفكرية ( تاريخ علم ما، كعلم النفس مثلا). ولعل أهم عناصر ذلك الإدراك هو القطيعة مع وهم التسلسل والاستمرارية. ولقد نبه باشلار Bachelard إلى ذلك بالقول:" يعود واحد من الاعتراضات الأكثر طبيعية من القائلين بالاستمرارية في الثقافة ليطرح من جديد فكرة الاستمرارية في التاريخ. وما دمنا نقوم بهذا السرد المستمر للأحداث، فإن الاعتقاد يسود بإمكانية عيش هذه الأحداث ثانية في استمرارية الزمن، وبالتالي يعطي للتاريخ كل هذه الوحدة والاستمرارية التي نعطيها للكتاب."[19]
- أهمية الوعي الفردي والجمعي في التأريخ : كما أن"العلم التاريخي شكل من أشكال وعي جماعة ما بذاتها"[20] كما يقول ريمون آرون R.Aron، فإن الوعي الصحيح يكون تاريخيا، بإدراك الزمن ونوعه وشروطه، والمكان ونوعه وظروفه، وأيضا الناس والأحداث والعلاقات فيما بينها. ولأن الوعي دائما وعي بشيء ما، وإيضاح سيكولوجي وفينومينولوجي لما سيقوم به هذا الوعي من استيفاء( إتمام ) لسلسلة لانهائية من القصديات؛ أي من الوعييات، وتدفق للمعيشات[21] يتم في الحاضر، فإن التساؤلات التي تطرح بهذا الصدد هي:

إذا اتضح أن لا ضمان للاستمرارية التاريخية على المستوى الموضوعي، فما هي شروط إمكان هذا الدفق الوحدوي للمعيشات على المستوى الذاتي؟
كيف يمكننا المرور من المعيشات المتعددة للأنا؟ علما بأن لاشيء يوجد داخل هذا الأنا باستثناء تلك المعيشات؟[22]

- القيمة الكبرى للمعنى: إن الفينومينولوجيا ليست فلسفة مغلقة نهائية، منتهية مكتملة داخل نسق ما، يعود إليها المهتمون لفهمها وقراءتها بموضوعية، بل هي حركة فكرية خاصة بكل واحد ليستعمل وعيه في إدراك وفهم ذاته والعالم والعلاقة مع الأغيار وإعطاء كل ذلك معنى خاصا به، تأسيسا على مجموعة من العناصر المنهجية كالاختزال الفينومينولوجي، والقصدية..إلخ". إن مهمة الفينومينولوجيا هي الكشف عن لغز العالم ولغز العقل...(مستعملة) نفس مقتضيات الوعي ونفس إرادة الإمساك بمعنى العالم أو التاريخ وهو في حالة الميلاد".[23] لندع العالم جانبا، ولنهتم بالتاريخ ونطرح السؤال مع ميرلوبونتي ذاته: كيف نمسك بمعنى التاريخ، وهو في حالة الميلاد؟ هل يتوجب علينا فهم التاريخ انطلاقا من الإيديولوجيا، أم انطلاقا من السياسة، أم انطلاقا من الدين أم انطلاقا من الاقتصاد؟ هل ينبغي أن نفهم مذهبا معينا من خلال محتواه الظاهر أم من خلال سيكولوجية مؤلفه والأحداث التي مرت عليه في حياته؟

يجيب ميرلوبونتي: "ينبغي أن نفهم بكل هذه الأساليب. فلكل شيء معنى، وسنجد خلف كل تلك الإبلاغات نفس بنية الكائن. فكل تلك الرؤى حقيقية بشرط ألا نعزلها، وأن نذهب إلى عمق التاريخ وأن نعود إلى الانضمام بالنواة الوحيدة للدلالة الوجودية Existentielle التي تتمظهر في كل منظور"[24]. وانطلاقا من تعليقه الدال على قولة ماركسMarxبأن التاريخ لايمشي على رأسه، يبين ميرولوبونتي رؤيته التكاملية داخل المقاربة الفينومينولوجية للتاريخ بالقول إن التاريخ أيضا لايفكر برجليه. والأحرى أن لا ننشغل برأسه أو رجليه، وإنما بجسده ككل. وهذه إحدى ميزات المقاربة الفينومينولوجية التي يود البعض أن يعتبرها مغرقة في الذاتية والمثالية بتركيزها على المعنى الذي يضفيه وعي الذات على العالم والتاريخ والعلاقات. إن هذا الوعي ليس معزولا ولا صوفيا ولا غفلا، بل هو يستحضر داخله كل العوامل والشروط والظروف والروافد التي تضافرت، فأعطت الوقائع موضوع الدراسة، فيعمل على تجلية معناها والكشف عن أسرارها. وهذا جهد ذاتي للعامل أو الباحث الفينومينولوجي، ذلك أن "المفكر لا يفكر أبدا إلا انطلاقا مما هو ce qui’il est".[25] وبتعبير آخر، بكيفية وجودية. هنا أيضا ينبغي التنبيه إلى بضعة إشكالات يمكن أن تبرز بشكل ملح بسبب إثارة تساؤلات المعنى والذات والموضوع والتأويل في التاريخ وإعادة البناء والتركيب...إلخ، وسنركز في هذا المدخل على المعنى مع الذات والموضوع. وإذا كان يخدع فلأنه يقصد غرضا ما، ولأنه يدل على شيء ما".[26] ولكن التاريخ ليس تاريخا مجردا، إنه تاريخ للإنسان يصنعه الإنسان، ولولا الإنسان لما كان التاريخ، أي تاريخ، سواء تاريخ الطبيعة أو تاريخ المؤسسات أو تاريخ العلوم. ولهذا يستدل ليوطار على قوله السابق بأن هناك دلالة متوسطةMoyenne وإحصائية لمشاريع الناس الملتزمين داخل وضعية ما، وبالتالي فالتاريخ لايتحدد إلا بهذه المشاريع ويعتبر حاصلا لها. والمعنى الخاص بتلك الوضعية، إنما يضفيه الناس. وهم يقدمون ذلك المعنى لمختلف جوانب الوضعيات التي وجدوا فيها أو عاشوا أحداثا داخلها؛ فللتاريخ معنى هو ذلك الذي يعطيه الناس له وفقا لشروط موضوعية وأيضا وفقا لمستوى وعي المؤرخ، مما يطرح العلاقة بين الذاتي والموضوعي في بناء معنى الوقائع التاريخية. فلا معنى إذن للمعنى الوحيد والمطلق والقبلي للتاريخ على الطريقة الهيجيلية التي تعتبر أن المعنى الذي يحمله التاريخ وحيد وضروري وقدري وحتمي، وأن الناس ما هم إلا أدوات وأغراض في يده، يسخرهم لغرضه المعلوم مسبقا داخل فلسفته المطلقة[27]. ولهذا بالذات، لا يوجد فهم كلي ونهائي ووحيد للتاريخ. إن التاريخ مفتوح باستمرار على أبواب فهم الناس له، معناه معروض باستمرار للاكتشاف من طرف الذوات.

- عن الذات والموضوع: كيف يمكن فهم التاريخ إذن؟
كيف يمكن الإمساك بمعنى التاريخ إذن إذا كان هذا المعنى غير مجسد وغير قبلي وغير نهائي يكمن في الماضي؟ كيف تلعب الذات دورها في فهم الموضوع وإضفاء المعنى على وقائعه؟
إذا كان المعنى الذي يضفى على التاريخ متعددا وليس أحاديا، جماعيا وليس فرديا خالصا، مشكلا من الدلالات الجمعية التي تنتجها الذوات التاريخية في محاولة إعادة تملك المعنى الكامن وراء الدلالات دون ادعاء بلوغ مستوى موضعةObjectivation معنى التاريخ، وبالتالي ادعاء إغلاق باب البحث عن دلالات أخرى من لدن ذوات أخرى تصقل المعنى أو تبلوره أو توضحه أو تعدله؛ فكيف تتحدد العلاقة بين الذاتي والموضوعي؟ كيف يتداخل الذاتي مع الموضوعي ويتفاعلان في الإمساك بمعنى التاريخ؟

يقدم ليوطار إحدى الإضاءات على هذه الأسئلة بالقول: "ليس هناك"موضوعي" Objectif من جهة، و"ذاتي" Subjectif من جهة أخرى غير مجانس له ويعمل في أحسن الأحوال على التطابق معه(...) ولايمكن إعادة الإمساك بالتاريخ عبر النزعة الموضوعية Objectivisme، ولا عبر النزعة المثاليةIdéalisme، ولا- أيضا -عبر اتحاد إشكالي للاثنتين، بل عبر تعميق للأولى والثانية يؤدي بنا إلى الوجود الفعلي للذوات التاريخية في "عالمها"؛ حيث تظهر النزعة الموضوعية والنزعة المثالية كإمكانيتين غير كافيتين كل واحدة من جهتها، حتى تعول عليهما الذوات في فهم ذاتها في التاريخ"[28]. بنقده للنزعة الموضوعية وللنزعة الذاتية( المثالية )، يبقى الفهم الوجودي Compéhension existentielle هو البديل،[29] فما هو الفهم الوجودي؟ يعتبره ميرلوبونتي في إطار أشمل هو"التصور الوجودي للتاريخ"، ويجدد التأكيد على تعدد الدلالات والمعاني فيقول: " لا توجد دلالة واحدة للتاريخ. وما نقوم به، له دائما عدة معان، وبهذا يتميز التصور الوجودي للتاريخ عن الاتجاه المادي وعن الاتجاه المثالي ".[30] ويتجلى تداخل الذاتي مع الموضوعي في هذا التصور في التكامل الجدلي بين قوى التاريخ وقوى الذوات. فكما أن تصورات القانون والأخلاق والدين والبنية الاقتصادية تتداخل دلاليا في وحدة Unité الحدث الاجتماعي، تنخرط أجزاء الجسد مع بعضها بعضاً في وحدة الحركة مثلما تترابط البواعث الفيزيولوجية والسيكولوجية والأخلاقية في وحدة فعل ما. ولهذا، يستحيل اختزال الحياة بين الإنسانية إلى مجرد العلاقات الاقتصادية، أو مجرد الصلات القانونية والأخلاقية التي فكر فيها الناس، أو إلى مجرد المعرفة التي لنا عن هذه الحياة. بل ينبغي فتح هذه الحياة على كل تلك البواعث الموضوعية المذكورة في علاقتها بوعي الذوات ومقاصدها.

ماذا يعني التكامل الجدلي بين الموضوعي والذاتي؟
يتعلق الأمر "باسترجاع إرادي، وبمرور من الموضوعي إلى الذاتي، يستحيل القطع فيه أين تنتهي قوى التاريخ وأين تبدأ قوانا الخاصة. ولايتعلق الأمر بمسألة الصرامة، مادام لا وجود لتاريخ إلا بالنسبة لذات تعيشه، ولا وجود لذات إلا متموقعة تاريخيا"[31]. يتمتع الفهم الوجودي للتاريخ بالخصائص نفسها التي تتمتع بها الفينومينولوجيا. فكما أنها تفكير جذري وحوار لانهائي وحركة مستمرة وغير نهائية، واشتغال دؤوب يتطلب الحضور الصارم للوعي، ويسعى للإمساك بمعنى العالم والتاريخ، فإن الفهم الوجودي للتاريخ لايكون كاملا ولانهائيا ولامطابقا، لأن التاريخ ليس كاملا ولانهائيا. إنه يصنع باستمرار، والذين يصنعونه هم الناس، والناس يصنعونه وفقا لظروفهم وشروطهم وقواهم المختلفة موضوعيا وذاتيا. وبالتالي لاتوجد دلالة وحيدة للتاريخ، ومعنى قبليا ونهائيا له. وسيبقى معناه مفتوحا على الدوام مادام هناك كائن إنساني واع في الوجود، مما يعني أن التاريخ كالفلسفة، كلاهما سعي مستمر لإعطاء المعنى الأول للأحداث، والثاني للوجود ككل. على أن مساواة التاريخ بالفلسفة في سعيهما، لاتحصر التاريخ أبدا في سجن مثالي وذاتي؛ فلقد بينا خطأ هذه النزعة. كما أشرنا إلى أن الفلسفة ذاتها تسعى إلى أن تصير "علما دقيقا"، وهذه هي المهمة التي تحملها الفينومينولوجيا على عاتقها، والتي عمل هوسرل Husserl طوال حياته العلمية من أجلها. إن التاريخ واقعي، ينطلق من وقائع تسمى أحداثا، إنها موضوع العلم التاريخي. هذا الموضوع الذي يقدم ذاته للمؤرخ على هيئة علامات ومخلفات وآثار وروايات وأدوات ممكنة، يحتاج إلى قراءة وإلى صياغة علمية وإلى إعادة بناء تضفي عليه المعنى وتجعله "علما"، إن المعنى مزدوج وموزع بين طرفين وضفتين هما: علامات الموضوع التاريخي، والمعنى الذي تفك به ذات المؤرخ تلك العلامات. وقد عبر ليوطار عن هذا بدقةلما قال: "هناك طريق مفتوح نحو الماضي، سابق على عمل العمل التاريخي، إنها العلامات التي تفتح لنا هذا المسلك، فنَنسَلُّ منها مباشرة إلى معانيها. ولا يعني هذا أننا نملك معرفة صريحة بمعاني هذه العلامات وأن الموضعة العلمية Thématisation[32] لا تضيف شيئا إلى فهمنا، بل وحدها هذه الموضعة وهذا البناء للماضي، هو ما يعتبر إعادة بناء"[33]. ولأجل ذلك، ينبغي على العلامات التي تنطلق منها الموضعة أن تحمل في ذاتها معنى الماضي، وإلا فلا سبيل إلى تمييز الخطاب التاريخي عن التخريف، وبالتالي العلم عن الأساطير، والخطاب العلمي عن الخطاب العامي المتخيل. ويمكن أن نعبر عن العلامات بكونها المادة التي يشتغل عليها المؤرخ في مختبره، بالجمع والفرز والفحص والتحقيق والتدقيق والنقد والتعديل والموازنة واستخراج المعنى بعد بلوغ الدلالات، وربما طمحنا إلى الإمساك بمعنى المعنى، وهو ما يميز التأويل الإنساني للوقائع والأحداث.

--------------------------------------------------------------------------------

الهوامش
[1]- Parot, Françoise et Richelle, Marc. 1992, Paris, PUF, Introduction à la psychologie-histoire et méthodes, P8.
[2]- Ibidem
[3]- Ibidem
[4]- مع ملاحظة أن هوسرلHusserl أشار في آخر أعماله إلى"فينومينولوجيا تكوينية" و"فينومينولوجيا بنائية". انظر: "تأملات ديكارتية"، ص:120 وما بعدها، والتأمل السادس. وأيضا: إسماعيل المصدق في دراسته المعنونة بـ: المحطات الأساسية لفينومينولوجيا هوسرل، مجلة مدارات فلسفية، المحمدية، مطبعة فضالة، العدد الرابع، يونيو2000، ص ص:29-47، وخاصة، ص41 وما بعدها.
[5]- Paris, PUF, Maurice Merleau-Ponty, 1945,Phénoménologie de la perception, Gallimard, Paris, P:I.
[6]- Ibid, PII.
[7]- Ibid, PIII.
[8]- Ibidem
[9]- Ibidem
[10]- Ibid, P IV.
[11]- Ibid,P V.
[12]- Ibid,P IV.
[13]- Ibid,P I.
[14]- كمثال على النقد غير المبرر ما كتبه عبد الله العروي عن الطريق الفينومينولوجية في: الإيديولوجيا العربية المعاصرة،ترجمة: محمد عيتاني، بيروت، دار الحقيقة1979(ط3)، ص ص:21-23، وسنعود إلى هذا النقد لاحقا.
[15]- د. حنفي حسن ،1988، الدين والثقافة الوطنية، القاهرة، مكتبة مدبولي، ص ص62-63.
[16]- Marx, Karl, Thèses sur Feurbach, p84, Annexe in : Engels , Feurbach et la fin de la philosophie classique allemande, Moscou, Editions du progrès, 1979, P :84.
[17]- Ibid, p86.
[18]- Lyotard, Jean François La phénoménologie, Paris, PUF(que sais je ?)1995,(12éd) ;P :91.
[19]- Bachelard, Gaston, 1980, épistémologie, Paris, PUF, P :185.
[20]- Aron, Raymond, 1938,Introduction à la philosophie de l’histoire, Paris, Gallimard, P :88.
[21]- Vécusالمعيشات.
[22]- Lyotard,Jean François ,La phénoménologie,pp 92-93.
[23]- Merleau-Ponty,Maurice ,Phénoménologie de la perception,P : XVI.
[24]- Ibid,P :XIV
[25]- Merleau-Ponty, Maurice ,phénoménologie de la perception, même page.
وفي نفس السياق يقول جان جوريس Jean Jaures"إننا لا نعلم ما نملكce qu’on a ولكن ما نحن إياهCe qu’on est".
[26]- Lyotard,ibid p116.
[27]- Ibid, P :118.
[28]- Ibid, P.119.
[29]- الوجوديExistentiel يعني ما ينتمي إلى الإحساس بالوجود. والفلسفة الوجوديةExistentielleهي وصف سيكولوجي أو معنويMorale لهذا الإحساس بالوجود كما يقول ياسبرزJaspers، ويتمظهر هذا الإحساس في الوضعيات الأشد اختلافا(الألم، القتال، الخطيئة أو الحدود القصوى كالموت) إنها تهتم بوصف الحالات الخاصة. وهي تتميز عن الفلسفة الوجودية Existentiale التي تهتم بالتحليل الميتافيزيقي للعناصر الأساسية المكونة للوجود كما يقول هايدجر Heidegger، مثال هذه العناصر:الحرية والتيه وحدوث وجودنا. أي أنها تهتم بتحليل الخصائص العامة لكل وجود إنساني.
Cf : Didier Julia, 1984, Dictionnaire de la philosophie, Paris, Larousse, matière : Existentiel.
[30]- Maurice Merleau-Ponty.ibid.P :202.
[31]- Ibid, P :202.
[32]- نضع الموضعة العلمية كمقابل لـ thématisation والوضعنة العلمية كمقابل Objectivation .
[33]- Lyotard, ibid,p100

ليست هناك تعليقات: