الجمعة، 4 نوفمبر 2016

مفهوم الزمان؛ أندريه كونت سبونفيل.



مفهوم الزمان
أندريه كونت اسبونفيل
ترجمة حسن بيقي.
(الأوان؛ أيلول 2016)


"الحاضر وحده الموجود" خريسيبوس
ما الزمان؟ "إذا لم يسألني أي شخص عنه، فأنا أعرفه، كما ورد في اعترافات القديس أوغسطين، لكن لو قدر لي أن أُسأل عن معناه، وأنا راغب في شرحه، فلن أعرف عنه شيئا".
 إن الزمان هو بداهة ولغز: كل شخص يختبره، دون أن يتمكن أحد من استيعابه، لأنه لا يكف عن الانفلات. لو شاء الزمان أن يتوقف لحظة، لآلت الأشياء كلها إلى سكون، ولانعدم الزمان تماما، بل لما وجدت الأشياء بالمرة، ولما سرت حركة أصلا (بما أن الزمان ضروري لحدوث الحركة)، ولما تقرر السكون (بما أن الزمان ضروري من أجل أن يظل ثابتا). بدون زمان لن يكون هناك وجود للحاضر، وبالتالي سيستحيل قول "يوجد: كيف يتأتى لشيء ما أن يوجد؟ الزمان، كما أوضح كانط، هو الشرط القبلي a priori لكل الظواهر، يكفي أن أقول أنه هو الشرط بالنسبة لنا جميعا.

علاوة على ذلك، كيف يتأتى للزمان أن يتوقف، علما أن أي وقف يفترضه؟ "يا زمان! فلتعلق تحليقك! إنها أمنية صبوة شاعر، مثل ألان، ولكنها أمنية يدمرها التناقض لو تساءلنا: كم سيستغرق توقيفُ الزمن لتحليقه؟ هناك فعلا مسلكان: إما أن الزمان لا يتوقف إلا لبعض الوقت، وهو ما لم يتم حدوثه؛ وإما أنه توقف نهائيا وبالتالي يفقد مفهوما التوقف والنهاية معنييهما. لا وجود للتوقف إلا في ارتباط مع الماقبل، مثلما أن النهائي لا وجود له إلا في ارتباط مع المابعد. والحال، أن الماقبل والمابعد يفترضان الزمان، على اعتبار أن فكرة توقف الزمان، سواء أكانت مؤقتة أو نهائية، لا يمكن التفكير فيها إلا داخل الزمان.

إن الزمان، بالنسبة لنا، هو أفق الكائن، وكل كائن. وماذا عن الأبدية؟ لو كانت نقيض الزمان، سيكون من غير الممكن أن نعرف أي شيء، ولا أن نفكر في أي شيء، ولا أن نختبر أي شيء. كان ديدرو يحلو له، وهو في تجواله بين الأطلال، مناجاة ذاته ناشدا: كل شيء مآله الفناء، والفساد، والذهاب. فما من شيء يبقى خلا العالم، وما من شيء يدوم عدا الزمان". وما من شيء، بدونه، يستطيع أن يبقى، أن يمضي، أن يدوم، ولا حتى أن يفسد. إن الكينونة  Etreمعناها أن تكون في الزمان، بما أنه استمرار أو توقف. لكن ما هذا الزمان الذي ما يفتأ في المضي إلا شريطة أن ينشد الإقامة، ولا يقيم إلا شريطة أن ينساب، والذي لا يوهب نفسه، في النهاية، إلا في ظل تجربة الهروب، حيث بمقتضاها ينفلت من قبضتنا؟ لا بد إذن للزمان أن يكون، بما أن لاشيء، بدونه، يستحيل أن يوجد. لكن من يكون؟

فما ندعوه نحن بالزمان هو، قبل كل شيء، تعاقب الماضي، الحاضر، والمستقبل. بيد أن الماضي لا وجود له، بما أنه غير كائن بالمرة. ولا المستقبل، بما أنه لم يحن بعد وجوده. أما الحاضر، فإنه على ما يبدو لا يصير زمانا- لا الأبدية- إلا من حيث أنه لا يكف، لحظة لحظة، عن الانمحاء. فهو غير كائن إلا عند كفه عن أن يكون، بتعبير القديس أوغسطين، وهذا ما ننعته بالحاضر: اختفاء المستقبل في الماضي، وابتلاع ما لم يحن بعد وجوده في ما استنفد وجوده إلى الأبد. أي يوجد في منزلة بين المنزلتين؟ بل، هو عبور من هذا إلى ذاك، غير أنه عبور يتعذر استيعابه، بل هو عبور غير متناسق، لكن، بلا مدة، بما أن كل مدة، بالنسبة للعقل، مركبة من ماض ومستقبل لا وجود لهما. إنه إفناء (الحاضر) بين نمطين من العدم (المستقبل والماضي)؛ انفلات بين كيفيتين للغياب، وميض بين ليلتين. كيف لهذا الأمر أن يصنع عالما؟ وأن يصنع مدة؟

 
لنعتبر لحظة الحاضر. فأنت في هذه اللحظة بصدد قراءة هذا النص الموجز عن الزمان.. فما قمت به آنفا، هو ضرب من الماضي ولا يشكل شيئا، أو تقريبا لاشيء، أو لنقل غير كائن بالمرة، لأن هذا الشيء لا يكتسي طابع الوجود إلا إذا وجد من يبعث ذكراه في الحاضر، لكن هذه الذكرى ليست شيئا من الماضي، ولا يمكن أن تكونه: إن هي إلا أثره أو استحضاره الحالي، واللذان يعدان جزءاً من الحاضر. وبما أن ذكرى المرء عينه أمست في طي الماضي، فلن يتأتى له أبدا استذكارها: فلن تكون ذكرى بل نسيانا. الماضي لا يوجد بالنسبة لنا إلا في الحاضر أو داخل الحاضر: فهو لا يوجد، وتلك هي مفارقة الذاكرة، إلا من حيث كونه لم يمض.

 
وعليه، ألا يمكن اعتبار ماض لا يتذكره شخص ما لا شيئا، أو لا شيئا على الإطلاق؟ ليس الأمر بهذه السهولة. لأنه في نهاية المطاف ما لا يكون أبدا، يبقى حقيقيا- حقيقيا على الدوام- أن هذا الأمر سبق أن كان. لنضرب مثالا عن الفتاة الصغيرة التي ذرفت دموعا،في معتقلات Auschwitz، من شدة البرد القارص، ومن تضور بطنها جوعا، ومن إحساسها المسكون بالخوف. فقد يحدث لها أن تتعرض، ربما، في لواحق الأيام، لاختناق غازي، لنقل في ديسمبر 1942، دون أن يعلم أحد بتاتا باسمها أو بسحنات وجهها، لكون الحدث وقع منذ سنوات خلت إلى درجة أن كل من كان على علم بأمر واقعة الفتاة، أمسى في عالم الأموات، بل إن جثتها نفسها قد اختفى أثرها تماما، فكيف يتأتى لنا أن نتذكر دموعها؟ نعم. بيد أن هذه الواقعة التي جرت في الماضي تبقى حقيقية، وستبقى كذلك على الدوام، حتى وإن لم يعد حاضرا أي شخص يتذكرها في الوقت الراهن، أو لن يتذكرها في المستقبل. ذلك أن كل دمعة ذرفتها على مقلتيها هي بمثابة حقيقة أبدية كما عبر عن ذلك سبينوزا، ولن تكون الحقيقة على خلاف ذلك. فهل هذا يعني أن الماضي موجود مهما جرت الأمور؟ ليس الأمر كذلك، بما أن هذه الحقيقة حاضرة، هي حاضرة دوما: الأبدية ليست شيئا آخر، بالنسبة للفكر، إلا هذا الحضور- الدائم للحقيقي. بهذا المعنى، ليس الماضي الذي يقيم، وإنما الحقيقة هي التي لا تمضي.

ها أنت على وشك قراءة بعض السطور السابقة. هي لا تشكل إلا لحظة وجيزة من حاضرك، والتي ما تفتأ أن تنساها على حين غرة. فهل من الصواب القول أنك قرأتها؟ بلاريب، لكن يصح كذلك أن يحدث لك نسيانها.. ومع ذلك فحتى وإن تطلب الأمر تذكرها طيلة حياتك، فإن تلك الدقائق من الوقت التي أسرفتها ليست على الأقل خلفك نهائيا. صحيح أنك تستطيع إعادة قراءة هذه الصفحات في الغد أو بعد عقد من الزمان، غير أنك لن تعثر أبدا على تلك اللحظة التي أمست غير موجودة، لحظة القراءة الأولى، لحظة القراءة السابقة. لأن الزمان عينه، لا يكف عن الاستمرار، عن المضي، عن التغير، وهذا هو اللغز الحقيقي: لغز يتجلى في كون الحاضر ما ينفك من الاندثار دوما (في الماضي) دون أن يختفي أبدا (بما أنه في حالة سريان). إن هذا اللغز هو الزمان، والذي لا يستطيع الماضي أن يحتويه ولا أن يبدده. وعليه، كيف يتأتى للماضي أن يؤول زمانا بما أنه غير موجود تماما؟ كيف يتأتى للزمان أن يصير ماضيا بما أنه مقيم فيه؟

 
وما شأن المستقبل؟ بالنسبة إليك كقارئ، فان المستقبل الأقرب إليك، أو الأقرب إلى الصواب هو مثلا أن تقرأ الأسطر التي تسترسل أمام أعينك...إلا أن هذا الأمر ليس مؤكدا، طالما أن اللحظة لم تتحقق بعد: فقد يحدث أن يزعجك صديق، أو تصاب بالتعب، أو يميل فكرك إلى شيء آخر، أو يضيع منك هذا الكتيب، أو تباغتك، ربما، المنية في لحظة ما...إذا وجد المستقبل، لن يصير ما هو آت: سيغدو ضربا من الحاضر. أي لن يكون ما هو كائن عليه، وهذه هي مفارقة الانتظار إلا شريطة ألا يكون. فهو ليس من الواقع، وإنما هو ضرب من الممكن، من المفترض، ومن المتخيل. هل ستقرأ هذا الفصل إلى حد إنهائه؟ مرادك هذا، لن يتحقق إلا بعد طي صفحاته تماما: آنذاك لن يعود الأمر متعلقا بالمستقبل، بل بالماضي. وإلى حلول ذلك الوقت، ماذا تبقى؟ لن يتبقى لديك إلا أن تستمر أو أن تتوقف، لأن الأمر لا يتوقف على المستقبل بل على الماضي. أهو أمل؟ انتظار؟ خيال؟ تسوية؟ إن هذه المفاهيم هي في حد ذاتها لا توجد إلا في الحاضر: فإما أنها تكون موصولة بالراهن أو لا تكون. هل ستكون في الغد؟ في السنة المقبلة؟ أو بعد عقد من الزمان؟ فهو لا ينفك يقبل إلا لأنه لا يكون، بل إنه من غير الممكن أن يكون إلا شريطة ألا يصير واقعا. قد يجوز للمرء القفز على صفحات الكتاب، أو يتجه مباشرة إلى خاتمة المؤلف، أو الاسراع دوما في السير، أو ركوب القطارات، والطائرات، والصواريخ... إلا أنه لن يستطيع الخروج عن الحاضر، ولا من الواقع ولا من الزمان. لابد من الانتظار أو التصرف، ولا أحد قادر على ذلك، لا هذا ولا ذاك هنا والآن، كيف يؤول المستقبل زمانا ما دام وجوده لم يحن بعد؟ كيف يؤول الزمان ما هو آت، بما أنه يكون دوما سلفا هنا، وبما أنه سابق عنا، وبما أنه يصاحبنا، وبما أنه يحتوينا؟

 
الزمان ما ينفك يمضي، لكن دون أن يكون شيئا ماضيا. إنه ما يفتأ يقبل لكن دون أن يكون شيئا آتيا. فلا شيء يمضي، لا شيء يأتي، ولا شيء يقع خلا الحاضر.

 
زد على ذلك، أن هذا الحاضر لا يأتي، بوصفه حاضرا، إلا في اندثار اللحظة ذاتها: فأن يحاول المرء استيعابه يكون الحاضر قد أمسى ماضيا. لو ظل الحاضر دوما حاضرا، كما لاحظ القديس أوغسطين، دون أن يلتحق بالماضي،"فلن يؤول زمنا، بل سيصير أبدية". لكن مع ذلك، يستأنف الكلام مؤلف اعترافات، "إذا كان من الضروري أن ينضم الحاضر إلى الماضي، كي يصير زمنا، فكيف يمكن لنا أن نعلن أنه كائن، علما أنه هو ذاته يستحيل أن يكون إلا بالكف عن أن يكون؟" تتخذ النتيجة إذن شكلا مفارقا: "إن ما يأذن لنا على إثبات أن الزمن كائن، هو ميله إلى ألا يكون أبدا".

 
المعضلة هي، لربما، أقل انتشارا مما هي عليه ظاهريا. أولا لأن اعتراض القديس أوغسطين (لو بقي الحاضر حاضرا، لما صار زمانا، بل أبدية) يفترض أن الزمان والأبدية شيئان متنافران، وهو ما لم يتم البرهنة عليه وخال من الوضوح. ثم أنه لا يوجد ما يثبت أن الحاضر يلتحق بالماضي، ولا حتى أن يكون قابلا لتصوره. أين يمكن الانضمام إليه، بما أن الماضي غير موجود؟ وبأي كيفية، مادام أنه يتعذر الالتحاق بأي شيء إلا في الحاضر؟

وفي الختام، يبدو أن تحليل القديس أوغسطين ينأى عن حقل تجربتنا، سيما وأنه كان حتى ذلك الحين تحليلا نموذجيا. من سبق لأي واحد منا أن شاهد الحاضر يكف تماما؟ هل يسري عليه التغير؟ طبعا ! لكن لن يتأتى له ذلك، إلا إذا سكن فيه.

هل ما كان حاضرا لم يعد كذلك بالمرة؟ بلاريب. بيد أن الحاضر، عينه، مازال حاضرا، هل سبق للمرء أن عاش تماما شيئا آخر؟ فمنذ ولادته،هل سبق له أن عاش ثانية واحدة من الماضي؟ ألف ثانية من المستقبل؟ هل سبق له أن عاش لحظة واحدة لا تمت للحاضر بصلة، أو يوما واحدا ليس يوما موجودا؟ بأي معنى يمكن القول أن الحاضر"يكف عن أن يكون" بما أن لا شيء يمكنه أن يتوقف إلا شريطة ألا يكف الحاضر نفسه.

أما فيما يخصني، وفي جميع الأحوال، كنت دوما على يقين أنه لم يسبق لي أن رأيت الحاضر يتوارى عن نظري، بل هو دائما في استمرار ودوام وبقاء. فبعد تأمل عميق، تراءى إلي أن الحاضر هو الشيء الوحيد، بالأحرى، الذي لم يسبق له أبدا أن خذلني. ذلك أن في أغلب الأحيان أجد نفسي مفتقرا إلى النقود، وأحيانا يعوزني الحب، أو تخذلني الصحة، أو أفقد شجاعتي. لكن ما لم يخطر على البال هو أن أكون مفتقرا إلى الحاضر. هل فعلا أفتقر إلى الزمان؟ هذا شأن يسري علي مثلما يسري على كافة الناس. لكن الزمان الذي يعوزني دوما هو، تقريبا، المستقبل (هذا ما ننعته بالاستعجال عندما لا يتيسر الوقت الكافي أمام ذواتنا)، وأحيانا الماضي (الذي ندعوه بالحنين: نقص مما سبق أن كان، متروكا خلف الذات،) أما الحاضر فلا: هو كان دوما هنا، هو وحده الكائن، والمبتوت في كل شيء! وعليه، كيف يمكن أن يعوزنا ما يتوقف عليه كل عوز؟ كيف يتأتى لنا أن نراه يكف عن الوجود، من يتوقف عليه كل نظرة، كل وقف، وكل كائن؟ الحاضر لا ينفك أبدا عن الكف ولا عن الابتداء. إنه لا يأتي أبدا من المستقبل الذي لا يندثر في الماضي، لأنه يقيم، يتغير، يدوم ويتحول، بل لا يمكن له أن يتحول أو أن يتغير إلا لكونه يدوم ويقيم. وبتعبير سبينوزا "المدة هي مواصلة لا محدودة للوجود". إنها الزمن عينه: الحضور المتواصل والتغير الدائم للكائن. لهذا الأمر، يتوجب إذن قلب قولة القديس أوغسطين: "ما يأذن لنا لإثبات أن الزمن موجود، هو أنه يميل أن لا يكون بالمرة" لكن خلافا لقولة أوغسطين، فالأصح فيما يبدو لي هو: أن الشيء الوحيد الذي يسمح لنا بإثبات وجودية الزمان، هو كونه لا يكف عن صيانة بقائه. وقتئذ سيقال أن الزمان والأبدية لا يشكلان إلا شيئا واحدا. وما المانع في ذلك؟ لكن، عن هذا الأمر، سنستأنف فيه الكلام لاحقا. إن الماضي أمسى بالمرة، والمستقبل لم يستشرف وجوده بعد: الشيء الموجود هو الحاضر بوصفه الزمن الوحيد الحقيقي. ففي كل مرة، لا نعيشه بهذا الشكل. فنحن لا نعي الزمان، في المقابل، إلا لأننا ذوات تتذكر الماضي، وتستشرف المستقبل، وتتصور، بالعقل أو بساعاتنا، ما يفصل بينهما. هل يتم ذلك من خلال ساعاتنا؟ لكن هذه العقارب المتحركة، لا تعد إلا جزءا من الحاضر: فهي ليست زمانا بقدر ما هي فضاء بتعبير برغسون. العقل وحده، الذي يتذكر موقعه الفائت، والذي يتصور موقعه الآتي، من له القدرة على قراءة المدة. فأن يحذف العقل معناه ألا يبقى إلا حاضرا بلا ماض وبلا مستقبل، أي لا يبقى إلا الموقع الراهن للعقارب، وألا يبقى إلا الفضاء. إلا أن العقل يظل قائما هنا، بما أن الذاكرة حاضرة هنا، وبما أن الجسد حاضر هنا، والذي يتذكر الماضي والحاضر، بل حتى المستقبل (انظر لقاءاتنا، مشاريعنا، ووعودنا). يتعلق الأمر إذن بالمدة لا بالفضاء، بالوعي لا بالحركة، بالفاصلة لا باللحظة. لهذا السبب يمكن قياس الزمان ( حاول شيئا ما قياس الحاضر!)، لهذا السبب يتعارض الزمان، بالنسبة لنا، مع الأبدية (التي ستصير حاضرا محضا، بلا ماض وبلا مستقبل). لهذا السبب كذلك ننوجد في قلب الزمان (لا فقط في قلب الحاضر)، إن لم يكن الزمان ربما حاضرا فينا.

 
لماذا هذا التردد؟ لأن الزمان الذي نقيسه أو نتوهمه مركب على الخصوص من الماضي والمستقبل، بحيث ليس لهما من الوجود إلا بالنسبة للذهن: كيف أعلم أن هذه الحالة لا تسري، كذلك، على الزمان ذاته؟ إن هذا السؤال بما أنه سؤال عن موضوعية أو عن ذاتية الزمان فهو يكتسي صبغة فلسفية ذات أهمية كبرى. هل ينبغي أن نعد الزمان جزءا من العالم، من الطبيعة، ومن الحقيقة في ذاتها؟ أولم يوجد بالأحرى إلا من أجلنا، إلا من أجل وعينا إلا ذاتيا؟ سنلاحظ أن الأطروحتين، بالمعنى الدقيق للكلمة، لا تستبعدان بعضهما البعض. قد يجوز أن تكون هذه وتلك على صواب، بحسب منظور كل أطروحة، وبعبارة أخرى، يوجد نمطان مختلفان للزمان أو توجد كيفيتان متباينتان لتمثل الزمان؛ من جهة، هناك زمان موضوعي، زمان العالم أو الطبيعة، الذي ليس إلا أبدية الآن بتعبير هيغل، من حيث هو دوما زمان متعذر القسمة (حاول شيئا ما تقسيم الحاضر !). ومن جهة أخرى، هناك زمان الوعي أو النفس، والذي لا يكاد يكون إلا جماع – في ومن أجل الوعي – بين ماض ومستقبل ما. يجوز نعت الأول بالمدة والثاني بالزمان. لكن شريطة ألا ننسى أن الأمر يتعلق في الحقيقة بالشيء ذاته منظورا إليه من زاويتين مختلفتين: هو أن الزمان ليس إلا قياسا إنسانيا للمدة."فلكي نحدد المدة، كتب سبينوزا، نقوم بمقارنتها بمدة الأشياء التي تحتوي على حركة ثابتة ومحددة، وهذه المقارنة تسمى الزمان" لكن ليست أي مقارنة قادرة أن تصنع كائنا. فهذا ما يحد الخلط بين المدة والزمان، بل كذلك من أن يميز بينهما على نحو تام، كما لو أنهما يوجدان على قدم المساواة. والحال، أن الأمر ليس كذلك. المدة هي جزء من الواقع، بل هي بالأحرى الواقع عينه: إنها المواصلة اللامحددة لوجودها. بينما الزمان، ذاته، ليس إلا كيانا للعقل: إنه كيفية تفكيرنا، أو قياس ديمومة الكل التي لا تقبل القسمة ولا القياس.

 
إن المدة هي من طبيعة الوجود، أما الزمان فهو، بهذا المعنى، من صنيعة الذات. هذا الزمان الأخير، الزمان المعاش، الزمان الذاتي (الذي هو وحده من يسمح له بقياس الزمان الموضوعي: لا وجود للساعة إلا من أجل وعي معين)، وهذا ما كان فلاسفة القرن 20 ينعتونه طوعا بالزمانية. هو بعد من أبعاد الوعي بقدر ما هو بعد من أبعاد العالم. وبتعبير القديس أوغسطين هو تمدد للنفس بقدر ما هو تمدد للكائن. وعلى حد قول كانط، هو صورة قبلية للحساسية أكثر منه حقيقة موضوعية أو حقيقة في ذاتها. هو معطى للذات أكثر منه معطى للموضوع. لكن وإن كنا غير قادرين على اختبار الزمان إلا عبر الذاتية، فإن الفكرة مردها بالأساس إلى كانط أو هوسرل، فهذا لا يثبت كل سعي إلى اختزاله فيها، ولا حتى، فيما يبدو لي، كونه قريبا من الصحة. ذلك أنه لو صح أن الزمان لا يوجد إلا من أجلنا، كيف يتأتى لنا الوقوع في الزمان؟ أية حقيقة تعطى لهذه الملايير من السنين والتي لا تقدم نفسها للوعي (بفضل،علمائنا الفيزيائيين والجيولوجيين وعلماء آخرين في البليونتولوجيا) إلا على نحو استعادي، شأن الزمان القائم قبلنا، وشأن الزمان القائم قبل وعينا، زمن ما قبل الوعي، الذي كان عليه، إضافة إلى ذلك، أن يوجد قبله، ويعجز عن الظهور بدونه؟ فما بين الانفجار الكوني (Big-bang)  وظهور الحياة: كيف فعل الزمان لكي يمضي، بما أنه لا يوجد إلا من أجلنا؟ كيف يتأتى للطبيعة أن تتطور، أن تتغير، أن تبدع، إذا كان الزمان لا ينساب في الماضي؟ وإذا لم يكن الزمان إلا ذاتيا، كيف بإمكان الذاتية أن تتبدى في الزمان؟

 
لنتصور هنيهة من الزمان، وليكن هذا النهار الذي نعيش في رحابه. سنرى في جزء منه قد أدبر، وفي جزء آخر في طور الإقبال...أما الحاضر الذي يفصل بين الجزئين، ما هو إلا لحظة بلا مدة (لو دام الحاضر، سيكون هو نفسه مركبا من الماضي والمستقبل)، والذي لن يكون زمانا. إذا عشناه كزمان، فلأن وعينا يحتفظ بما لم يعد قائما بتاتا، ويستشرف ما لم يحن وجوده بعد. بإيجاز ينوجد في نفس الحاضر- الحاضر المعاش- والذي لا يمكن أن يوجد حقا على نحو جماعي. لهذا السبب، فإن الزمانية لا تتيح لنا، برأي مارسيل كونش، فهم الزمان إلا لأنها، قبل كل شيء، سلب له: الإنسان يقاوم الزمان (بما أنه يتذكر، وبما أنه يستشرف)؛ وبمقتضى ذلك يعي زمانه. العقل دوما ينفي، وهو ذاته ذاكرة، خيال، عناد، وإرادة... بل لا نقاوم الزمان إلا داخل الزمان، بل إن الذاكرة والخيال والعناد والإرادة ذاتها لا توجد إلا في الحاضر. بل لا يوجد العقل إلا في العالم أو الجسد، وهذا ما نطلق عليه بفعل الوجود. كيف سيتأتى لنا الانتصار على الزمان مادمنا عاجزين على مجابهته إلا بشرط أن أن ننتمي إليه أولا وقبل كل شيء؟

 
يبقى الزمان دوما الأقوى، لأنه دائما حاضر هنا، ولأنه هناك دوما زمان، ولأن الحاضر هو الصيغة الوحيدة لوجود الوجود، والذي بموجبه كل شيء يمضي، دون أن يمضي هو. لهذا السبب تنخرنا الشيخوخة، ولهذا السبب يدب فينا الموت. وفي بيتين شعريين للشاعر رونزار، ورد كلام جوهري عن الزمان:

 
الزمان يمضي، الزمان يمضي، سيدتي
 
وحسرتاه، الزمان لا يمضي، بل نحن الماضون !"

هذا سبب إضافي يحث المرء على الاستلذاذ بمرحلة الشباب والحياة، لكن كيف؟ هل نكتفي بالعيش في الحاضر؟ سيكون ذلك أفضل، بما أنه الشيء الوحيد الموهوب لنا. هل نكتفي بالعيش داخل اللحظة؟ كلا. سيكون ذلك من باب التخلي عن الذاكرة، عن الخيال، عن الإرادة، بل عن العقل وعن الذات. كيف سيتأتى للمرء أن يفكر دون أن يتذكر أفكاره؟ وأن يحب دون أن يتذكر أولئك الذين يحب؟ وأن يتصرف دون أن يتذكر رغباته، مشاعره، أحلامه؟ إذا كان يعد دروسه أو يدخر مالا لتأمين تقاعده، فإن إعداده هذا، يتيح له، وعن حق، مستقبلا مريحا. غير أن فعل الدراسة وفعل الادخار لا يتحققان لديه إلا في الحاضر لا في المستقبل! إذا كان متمسكا بوعوده، فلأنه، قبل كل شيء، يتذكرها، وهذا أمر ضروري، لكن الوفاء بالوعود يحدث في الحاضر لا في المستقبل! فأن يعيش المرء في الحاضر، ليس معناه أن يبتر من الذاكرة أو من الإرادة، بما أنهما جزءان ينتميان إلى ذاته، وليس معناه أن يعيش اللحظة، بما أنها تحيل على الدوام، وعلى الاستمرار، وبما أنها تدل على الكبر أو الشيخوخة، فلا وجود للحظة تكون إقامة للإنسان. وحده الحاضر الذي يدوم ويتغير، بل إن العقل وحده الذي يتخيل ويتذكر. فأن لا يوجد هذا العقل ذاته إلا في الحاضر- في الدماغ- هو أمر أقرب إلى الصواب. نحن نكون من العالم فندعوه جسدا، ونكون في العالم فننعته عقلا: هما، في نظري، مظهران لشيء واحد. لكن العالم هو بلا عقل مثلما أن العقل ليس العالم. لهذا السبب فالإنسان مهدد دوما بالنسيان، بالموت، بالكلال، بالغباوة، وبالعدم. أن يوجد المرء في العالم معناه أن يقاوم. أن يفكر المرء معناه أن يبدع. وأن يعيش معناه أن يتصرف.

كل هذه الأمور، لا يمكن أن تجري إلا في الحاضر- بما أنه ليس هناك شيء آخر- حيث لاشيء يعقبه إلا حاضر آخر. من يستطيع الاكتفاء بالعيش في الماضي والمستقبل؟ لابد للمرء ألا يوجد بالمرة، أو أن وجوده لم يحن بعد. فأن يحيا الحاضر، بحسب قول الرواقيين والحكماء، ليس حلما ولا مثالا ولا طوبى: إنه الأبسط والأصعب حقيقة للعيش. وماذا عن الأبدية؟ إذا كانت تعني"حاضر دائم"، كما أراد لها القديس أوغسطين، سيكون من العبث انتظارها إلى الغد. وإذا كانت تدل على "حاضر خالد" بحسب تعبيره. كذلك، فستؤول الحاضر عينه: فهي ليست نقيض الزمان بل حقيقته، والذي ما يفتأ يكون دائم الحضور، وبالتالي دائم الراهنية، ودائم الفعل. نقرأ في هذا الصدد في مؤلف الإتيقا "إننا نحس ونختبر أننا كائنات أبدية". لكن هذا لا يعني بتاتا أننا كائنات غير فانية، أو بمنأى عن الزمان. بل يدل على أن الموت لا يسلب منا شيئا (بما أنه لا يسلب منا إلا المستقبل، مستقبل غير موجود)، وأن الزمان لا يسلب منا شيئا (بما أن الحاضر هو كل شيء)، بل ومن العبث، في نهاية المطاف، أن يأمل المرء الأبدية (بما أننا ننوجد فيها سلفا). وكما ورد في كلام فيتغنشتاين، "إذا كنا نتصور الأبدية، ليست مدة لانهائية، بل لازمانية، آنئذ سينعم من يعيش داخل الحاضر بحياة أبدية ". نحن إذن ننعم بها كلنا وعلى نحو دائم، لأننا نكون بذلك قد انقدنا أنفسنا مسبقا. هل لأننا كائنات لازمانية؟ ليس هذا هو اللفظ الذي يروق لي استعماله. وإنما لأن الأبدية لم تعد شيئا آخر، في حقيقتها، سوى الحضور- الدائم للواقع وللحقيقي. من منا اكتفى بالعيش لأمس واحد؟ لغد واحد؟ فنحن لا نحيا إلا الأيام، وهذا ما دأبنا نحن البشر على نعتها بالحياة.

إن النظرية النسبية لن تغير منها أي شيء. فأن يتوقف الزمان بالسرعة والمادة، كما عرفنا ذلك منذ أينشتاين، فإنه لن يكون بإمكانه أن يوجد ما ليس موجودا أبدا، ولا ما لم يحن بعد وجوده. إن"ما يثير في فكر أينشتاين عن النسبية، كما لاحظ بشلار، هو كونها هنيهة من الزمان، وطول الزمان". بل هي ليست حتى الحاضر. وهذا ما يؤكده مثال أينشتاين الذائع الصيت" jumeaux de Langevin ".  إنها تعتبر بمثابة تجربة فكر، تجربة إثبات صدقيتها العمليات الحسابية والتجربة (على مستوى الجزيئات الأولية). وفحوى المثال هو: أن أخوين توأمين، أحدهما مكث في الأرض، بينما الأخ الآخر سافر إلى الفضاء العلوي بسرعة أقرب إلى سرعة الضوء. بعد مضي سنوات من السفر،عاد المسافر الفضائي من رحلته إلى الأرض دون أن يوشم الزمان على جسده أثر الشيخوخة خلا قدرا قليلا، خلافا لما خلفت صروف السنين من أثار الشيخوخة على ملامح جسد أخيه الجاثم على الأرض. هكذا نخلص من الحكاية، عن حق وبلا أدنى شك، أن الزمان يتغير موازاة مع السرعة، وألا وجود بالتالي لزمان كوني ومطلق كما اعتقد نيوتن، بل ما يوجد هو مجرد أزمنة نسبية أو أزمنة مطاطية، معرضة للتمطيط إلى حد ما، موازاة مع السرعة... لكن هذا الأمر، لا يمكن أن يوجد الماضي ولا المستقبل. بل إن التوأمين لن يتمكنا من ترك الحاضر ولو للحظة واحدة. لهذا السبب، كما ذهب أيضا بشلار، "تظل اللحظة، بشكل أدق، مطلقة في مذهب آينشتاين، إنها نقطة الزمكان:" hic et nunc(الآن وهنا)، وليس هنا ولا الغد، ولا هناك ولا اليوم"، بل الآن وهنا. إنها الحاضر عينه، أو بالأحرى الحاضر بصيغة الجمع. إنها كلها في اختلاف، كلها في تغير، إلا أنها كلها كذلك في الراهن. وهذا ما يطلق على تسميته بالكون، هذا ما نسميه بالكون والذي يوجد في المكان أكثر مما يوجد في الزمان، على اعتبار أنه الزمكان(espace-temps)  وحقيقته الوحيدة.

 
كيف يمكن الخروج من الحاضر بما أنه يشمل كل شيء؟ لماذا نبتغيه بما أن العقل عينه ينتمي إليه؟ انظر إلى هذا الفصل الذي نحن على وشك ختمه: فهو يكاد يكون خلفك نهائيا، كماض ما فتئ يندثر. لكن لن تقرأه ولن تتاح قراءته أبدا إلا في الحاضر مثلما إني لم أكتبه إلا في الحاضر. وهذا الأمر يسري على حياتك، والتي تكتسي بشكل أو بآخر أهمية قصوى لديك. فهي ليست متوارية في المستقبل، كقدر أو حيوان وحشي مهددين. ولا هي محجوبة في السماء كفردوس أو وعد. ولا هي موصدة في بواطن ماضيك، كأنها أشبه بمغارة أو غيهب سجن. إنها هنا والآن: إنها ما تعيشه وما تفعله. هي حاضرة في قلب الكائن، وفي قلب الحاضر. بل توجد في قلب كل شيء، وفي مهب ريح عاتية تغمر الواقع وتعم ما نحياه. لا شيء مكتوب، ولاشيء موعود به. إذا كان الحاضر هو الشيء الوحيد الموجود، بحسب الرواقيين، فإن الأفعال هي وحدها الحقيقية. وماذا نقول عن الحلم، والإستيهام، والخيال؟ إنها أيضا تعد شكلا من أشكال فعل التصرف، بما أنها تعني أن تعيش. لكنه عيشة في حدودها الدنيا. سيكون من الخطأ أن يمنع المرء من فعل ذلك، إن لم يكن كذلك خطأ أكبر الاكتفاء بقدر أدنى من الحياة. فلتأخذ مصير حياتك بالأحرى بين يديك: كن بالأحرى حاضرا في الحضور! "إن أكبر ما يعوق الحياة، بحسب سينيكا، هو الانتظار". كل ما سيجري من حوادث لاحقا هو من باب اللايقين: عش حياتك منذ الآن.

(
اقطف يومك)Carpe diem ؟ هذا أمر غير كاف، بما أن الأيام تمضي، وبما أن لاشيء يقيم. فلتقطف بالأحرى حاضرك، الذي يتغير ويستمر : aeternitatem Carpe

هل يكتفي المرء بأن يعيش في اللحظة؟ سيكون هذا ضرب من المستحيل. إذ كيف يتأتى له، في لحظة معينة، أن يعد نفسه للامتحانات أو للأسفار، وأن يفي بوعوده. وأن ينسج رباط صداقة أو حب؟ هل نكتفي بالعيش في الحاضر؟ إنه السبيل الوحيد المتبقي له ولا شيء غيره. وإلا كيف يمكن له أن يشتغل، أن يستمتع، أن يتصرف أو أن يحب في المستقبل؟
 إن الحاضر هو المأوى الوحيد للفعل، للفكر، بل مأوى حتى للذاكرة وللانتظار. إنه kairos العالم (اللحظة المواتية، اللحظة الملائمة: لحظة الفعل)، أو العالم بوصفه كايروسا، أو واقعا بالفعل.
 
ليس معناه أن الكائن يدوم، لأنه داخل الزمان، بل يوجد الزمان لأنه يدوم. فما معنى أن نكتفي بالعيش في الحاضر؟ إنه ببساطة أن نحيا حياة الحقيقة. نحن نكون سلفا في المملكة، لأن الأبدية، معناها الآن.

André Comte-Sponville Présentations de la philosophie. éd. Albin Michel S. A,2000
 


ليست هناك تعليقات: