السبت، 13 يوليو 2019

كارل بوبر؛ (نصوص من كتاب "أسطورة الإطار")





أسطورة الإطار؛ كارل بوبر؛ سلسلة عالم المعرفة.

لست أعتبر نفسي خبيراً، لا في العلم ولا في الفلسفة. غير أني بذلتُ طوال حياتي محاولاتٍ جادةً، لكي أتفهّم شيئاً ما عن العالم الذي نحيا فيه. وأعتقد أن المعرفة العلمية، والعقلانية الإنسانية التي تُنتِج هذه المعرفة، دائماً يتربّص بهما الزلل، أو أنهما معرّضتان للوقوع في الخطأ. بيد أنهما أيضاً ـ فيما أعتقد ـ فخر الجنس البشري.
وعبر سنواتٍ عديدة كنت أسوق الحججَ ضد البدع العقلية الشائعة في العلم، وأكثر من هذا ضد البدع العقلية الشائعة في الفلسفة. بشكلٍ عام، يكون المفكر ذو البدعة الشائعة سجين بدعته، وأنا أعتبر الحرية من القيم العظمى التي يمكن أن تهبنا إياها الحياة، إن لم تكن القيمة الأعظم طرّاً، سواءٌ الحرية السياسية أو العقل الحرّ المتفتّح. (25)
كما يكون المفكر ذو البدعة الشائعة سجين بدعته، يكون الخبير سجين تخصصه، بينما التحرر من البدع العقلية ومن الخصصات هو الذي يفسح في المجال أمام العلم والعقلانية. (26)
"قد أكون على خطأ، وقد تكون أنت على صواب، وببذل الجهد، قد نقترب أكثر من الحقيقة"
.. إن هذين السطرين كانا محاولةً لتلخيص جزء جوهريٍّ جداً من مقالاتي الأخلاقية عن الإيمان. وأنا أسمي النظرة التي توجزهما "العقلانية النقدية". (29)
كان المقصود من [هذين السطرين] أن يحتويا بإيجازٍ شديد على اعترافٍ بالإيمان، تم التعبير عنه ببساطة وبلغةٍ عاديّةٍ غير متفلسفة؛ إنه الإيمان بالسلام وبالإنسانية، بالتسامح والتواضع، الإيمان بمحاولة أن يتعلم المرء من أخطائه، وبإمكانات المناقشة النقدية. (30)
ولعلّه من المثير أن أكشف لكم عن أنني أدين بفكرة صياغة هذين السطرين إلى شابٍّ كارينتي [من جنوب النمسا] من أعضاء الحزب الاشتراكي القومي، لم يكن جندياً ولا رجل شرطة، لكنه يرتدي زيّ الحزب ومزوّدٌ بمسدّس. وبالتأكيد لم يكن قبل العام 1932 بوقتٍ طويل ـ العام الذي صعد فيها هتلر إلى سدّة الحكم في ألمانيا ـ حين قال لي ذلك الشابّ: "ماذا؟!.. أتريد أن تجادل؟ أنا لا أجادل: أنا أطلق الرصاص!" ولعلّه ألقى بهذا بذور كتابي "المجتمع المفتوح". (31)
إن المستقبل يعتمد علينا نحن. ونحن الذين نتحمّل المسؤولية بأسرها.
لهذا السبب نستمسك بمبدأٍ مهم: واجبنا هو أن نظلَّ متفائلين.
المستقبل مفتوح. إنه غير محتّمٍ سلفاً، ولهذا لا يمكن التنبؤ به ـ اللهم إلا عرضاً. الإمكانات التي يحملها المستقبل لا نهاية لها. وحين أقول "واجبُنا أن نظل! متفائلين"، فإن هذا لا يتضمّن انفتاح المستقبل فقط، بل أيضاً أننا جميعاً مساهمون في صنعه بكل ما نفعله: نحن جميعاً مسؤولون عمّا يخبئه المستقبل بن طياته.
وعلى هذا لا يكون واجبُنا هو النبوءة بالوبال الآتي، بل هو ـ بالأحرى ـ النضال من أجل عالمٍ أفضل. (31)


[تطوّرية بوبر]
 [يوازي كارل بوبر بين ثلاثة مستويات من التطور: البيولوجي والسلوكي والنظريات العلمية. تخضع جميعها إلى ما يسميه التوجيه الداخلي أو من الداخل حين تواجه تكيفاً أو استجابةً غير مناسبة لطارئ أو لصعوبةٍ ما، ويوازي بين الاستجابة أو التكيف الملائم من خلال ما يسميه الحدس الفرضي في النظريات العلمية، التكيف الذي يستبعد ما لم يستطع مواجهة الظروف الجديدة أو ما تستطيع التجربة تفنيده في النظرية، ليبقى بالتالي ما هو أنسب. يوازي بين هذا النوع من الاستجابة أو الحدس الفرضي أو النظرية الجديدة وبين "الانتخاب الطبيعي".]
يقول بوبر:
إن هذه النظرة التي ترى أن تلك المحاولات المبدئية لا تعود إلى توجيهٍ من الخارج، من البيئة، تجد تدعيمها (وإن يكن واهياً) من حقيقةٍ مؤداها أن كائناتٍ حيةً شديدة التماثل قد تستجيب في بعض الأحيان للتحدي البيئي الجديد عينه بأساليبَ شديدة التباين.
أما المرحلة التالية فهي الانتخاب من بين الطفرات والتحولات المتاحة: من بين المحاولات المبدئية الجديدة تُستبعَد تلك التي تمثل تكيفاً رديئاً. هذه هي مرحلة استبعاد الخطأ. فقط المحاولات التوجيهية للتكيّف الجيد بدرحةٍ أكثر أو أقل هي التي تبقى وتُتوارَث بدورها. وعلى هذا النحو نستطيع أن نتحدث عن التكيّف بواسطة "منهج المحاولة والخطأ"، أو بتعبيرٍ أفضل "منهج المحاولة واستبعاد الخطأ". إن استبعاد الخطأ، أو استبعاد المحاولات التوجيهية لتكيّفٍ رديء، يمكن أيضاً أن نسميه "الانتخاب الطبيعي". (36)
***
إننا بشكلٍ عام لا نصل أبداً بأي من تطبيقات منهج المحاولة واستبعاد الخطأ، أو عن طريق الانتخاب الطبيعي، إلى حالةٍ من التكيّف ثابتة ومتوازنة تماماً. وذلك، أولاً، لأنه من غير الممكن الظفر بمحاولة مكتملة ومثلى لحل المشكلة. وثانياً ـ وهو الأهم ـ لأن بزوغ بنياتٍ جديدة أو توجيهات جديدة يتضمن تغيراً في الموقف البيئي. قد تصبح عناصر جديدة في البيئة ذاتَ علاقة بالكائن الحيّ. وبالتالي قد تنشأ ضغوط جديدة وتحدياتٌ جديدة ومشاكل جديدة كنتيجة لتغير البنية الذي نشأ عن صميم الكائن الحيّ. (36)
إذا كان التقدم لافتاً فسوف تختلف المشكلات الجديدة عن المشكلات القديمة: سوف تكون المشكلات الجديدة على درجةٍ من العمق تختلف اختلافاً جذرياً. وعلى سبيل المثال، حدث هذا مع نظرية النسبية. وحدث مع ميكانيكا الكم..
.. إن أفضل طريقة لتقييم تقدمنا هي المقارنة بين مشكلاتنا القديمة والمشكلات الجديدة. وإذا كان التقدم المحرَز عظيماً، فسنجد المشكلات الجديدة من نوعية لم تتراءَ لنا من قبل. سوف يكون ثمّة المزيد من المشكلات الأعمق. وكلما تقدمنا أكثر في المعرفة، تبينّا بوضوح أكثر ضخامة ما نجهله. (37)

"حرية الفعل المنعكس"
ثمة فارقٌ آخر بين التغير الجيني وتغيّر السلوك التكيّفي، يتمثّل في أن الأول يؤسس دائماً بنية جينية راسخةً لا تتبدل. أما تغير السلوك التكيّفي فلنعرف بأنه هو الآخر يؤدي في بعض الأحيان إلى نمطٍ سلوكي راسخ إلى حدٍّ ما يجري التشبث به بصورة دوغماطيقية. يحدث هذا بشكلٍ جذري في حالة الطبع والتطبع (كونراد لونتز)، ولكنه في الحالات الأخرى يؤدي إلى نمطٍ مرن يسمح بالمخالفة أو التعديل. يمكن مثلاً أن يؤدي إلى سلوكٍ استكشافي، أو إلى ما أسماه بافلوف "حرية الفعل المنعكس". (39)

العالم الفرنسي كلود برنار (1813ـ 1878) أبو الفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) الحديثة، وذلك بفضل إزاحته لفرض القوى الحيوية الذي كان سائداً من قبلُ، ويعني أن الكائن الحيّ مزوّدٌ "بقوةٍ حيوية" تنظم المظاهر الحيوية فيه وأداءه المتكامل لوظائف الحياة، وتحرره من المؤثرات الفيزيوكيميائية، مما يبرر ـ مثلاً ـ احتفاظ الكائن الحيّ بدرجةِ حرارته ثابتةً في البيئة الباردة والبيئة الحارة على السواء. وهذا الفرض يعني انقطاعاً بين العلوم الحيوية والعلوم الفيزيوكيميائية. فقدم برنار بدلاً منه مفهوم البيئة الداخلية ليفسّر قيام الجسم العضوي بوظائفه كوحدةٍ منسجمة. ولا يزال هذا المفهوم من أسس الفسيولوجيا الحديثة. هذا بخلاف كشوفه في الهضم والسموم والتخدير وغيرها..
على أنّ برنار توقف هنيهة في خضمّ أبحاثه العلمية التي لا يشغله عنها شاغل، ليضع في عام 1865 كتابه "مدخل إلى دراسة الطب التجريبي، الذي يعد من كلاسيكيات فلسفة العلم ونظرية المنهج العلمي، وقام بدورٍ كبير في التأكيد على أهمية الفرض الذي يبدعه العالِم وأن الأمر ليس مجرد تعميم لملاحظاتٍ مستقرَأة.
(يمنى الخولي؛ "أسطورة الإطار"؛ صفحة 256)
يقترن اسم الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون (1561ـ 1626) بحمل لواء الدعوة إلى المنهج التجريبي أو الاستقرائي أساس شريعة العلم الحديث؛ فاقترن اسمه بحركة العلم الحديث، وعُدَّ وكأنه أبوه الشرعي الذي صاغ صك شهادة ميلاده الرسمية. [اشتُهر بسبب] كتابه الصغير الحجم والذائع الصيت الذي نشره العام 1620 "الأورغانون الجديد" أي الأداة الجديدة أو الآلة الجديدة، في إشارة واضحة إلى أن أورغانون أرسطو أي المنطق الأرسطي الذي ساد طوال العصور الوسطى قد أصبح أداةً قديمة بالية عفى عليها الدهر، والكتاب يقدم الأداة أو الآلة الجديدة الممناسبة لاحتياجات العصر، وهي المنهج التجريبي. وبطبيعة الحال قدّم بيكون صورةً مبدئيةً ـ بل فجّةً ـ للمنهج التجريبي خضعت لتعديلات وتطويراتٍ جذرية، لكنه في حدود عصره كان أقوى المجسّدين لروح العلم ومنهجه. وسوف يناقش بوبر ذلك بشيء من التفصيل في الفصلين الرابع والتاسع من هذا الكتاب [أسطورة الإطار].
(يمنى الخولي؛ صفحة 257)
تعمل المقاربة الاستقرائية أو اللاماركية بفكرة التوجيه من الخارج [التكيّف: مثل طول عنق الزرافة بسبب تناولها الطعام من الأشجار العالية] ، أو من البيئة. بينما لا تسمح المقاربة النقدية أو الداروينية إلا بالتوجيه من الداخل [الطفرة] ـ من داخل البنية ذاتها.
والحق إنني لا أقتنع بوجود شيء من قبيل التوجيه من خارج البنية، أو من قبيل الاستقبال السلبي لفيضِ المعلومات الذي يفرض ذاته على أعضائنا الحسّية. كل الملاحظات ملقَّحة بنظرية. ولا توجد ملاحظةٌ صافية نزيهة متحررة من النظرية. (ونستطيع أن نستبين هذا، حين نسخر قليلاً من الخيال، ونحاول المقارنة بين الملاحظة التي يقوم بها الإنسان والملاحظة التي تقوم بها النملة أو العنكبوت.)
لقد كان فرنسيس بيكون على حق إذ ساوره القلق من أنّ نظرياتِنا تجعل ملاحظاتِنا متحيّزة. ودفعه هذا إلى نصح العلماء بأنهم يجب أن يتجنّبوا أيَّ تحيّز، وذلك عن طريق تصفية عقولهم من كل النظريات. وما زلنا نستمع إلى مثل هذه الإرشادات. بيد أننا لا نستطيع بلوغ الموضوعية بعقول خاوية. إن الموضوعية تعتمد على النقد وعلى المناقشات النقدية والاختبار التجريبي النقدي. وبصفةٍ خاصة، يجب أن نستبين جيداً كيف أنّ صميم أعضائنا الحسّية تجسد ما يعدّ تحيّزات. لقد شدّدت فيما سبق على أن النظريات تشبه الأعضاء الحسّية، والآن أودّ التشديد على أن أعضاءنا الحسّية تشبه النظريات. إنها تجسّد نظريات التكيّف (كما نرى في حالة الأرانب والقطط). وتلك النظريات محصلة للانتخاب الطبيعي. (41)
[الموضوعية الصعبة. يقترح بوبر الاقتراب من تحقيقها بفضل النقد]
** هامش: اكتشف علماء النفس السلوكيون الذين يدرسون "انحياز المجرِّب" (بكسر الراء) أن أداء بعض الفئران البيضاء يكون قطعاً أفضل من أداء فئرانٍ أخرى، إذا سيطر على المجرِّب اعتقادٌ (خاطئ) مؤدّاه أن الفئران الأولى اختيرت لأنها تنتمي إلى سلالةٍ ذكارها أرقى.
والدرس الذي يخرج به مؤلِّفا هذا البحث هو أن التجارب ينبغي أن يجريها "مساعدون للباحث لا يعرفون المحصّلة المطلوبة". هذان المؤلِّفان مثل بيكون، يعربان عن أملِهما في العقول الخاوية، متناسين أن توقعات من ينظِّم البحث، وبغير إعلانٍ صريح، قد تتواصل إلى المساعدين في البحث، تماماً كما يبدو وكأنها تتواصل من كل باحث إلى فئرانه. (ص 243)
** هامش: الحركة البراونية هي الحركة الدائمة لجزيئات السائل والتي تبلغ أقصاها في حالة الغليان، ولا تتوقف أبداً إلا في حالة التجمّد. وسمّيت بالحركة البراونية نسبةً إلى مكتشفِها روبرت براون (1773ـ 1858) عالم النبات الاسكتلندي الذي لاحظ في صيف العام 1827 أن بعض الجزيئات الميكروسكوبية العالقة بالماء في حالة اهتزاز دائم، يحدث على منضدة متحركة أو على حامل ثابت، في أيّ وقتٍ وفي أيِّ مكان. وفي العام 1880 انتهت تجارب العالم البلجيكي الأب إجناس كاربونيل والعالم الفرنسي لويس جوى إلى أنّ هذه الحركة الدائمة للجزيئات لا تقتصر على الماء، بل تتحقق في جميع السوائل، وأنها حركةٌ دائبةٌ في جميع الأحوال وتحت كل الظروف، ولا تتوقف ابداً إلا في حالة التجمد كما ذكرنا. وهذه الحركة عدّت تمرداً خطيراً على حتمية نيوتن الميكانيكية، لأنها ليست نتيجةً لأيِّ مؤثّرٍ خارجي ولا تخضع لأيّ عامل محدّد، بل هي حركةٌ عشوائية تماماً ولا يمكن دراستها إلا بمناهج الإحصاء وحساب الاحتمال. (يمنى الخولي؛ أسطورة الإطار؛ ص 258)

[الميكرو والماكرو]
وإني لأجد هذه الثنائية مبهرة. وأقصد الصورة الثنائية العجيبة لعالم فيزيقي يتكوّن من بنيات ثابتةٍ نسبياً ـ أو بالأحرى، عمليات بنائيّة ـ على كل المستويات المتناهية الصغر "الميكرو" والمتناهية الكِبر "الماكرو"، ومن بنيات فرعيّة على كلّ المستويات، جميعُها في حركةٍ تبدو موزّعةً توزيعاً كايوسياً "فوضوياً" أو عشوائياً: حركةٌ عشوائية تمثّل قطاعاً من آليةٍ داعمةٍ لكل تلك البنيات والبنيات الفرعية، وتجعل لها بذوراً عن طريق التوجيه، وعن طريق الانتخاب والتوجيه تنمو وتتكاثر. هذه الصورة الثنائية المبهرة تتفق مع الصورة الثنائية الشهيرة للعالم، وإن كانت تختلف عنها بالكلّية، أعني صورة العالم من حيث هو لاحتمي في تفاصيله الصغرى، بسبب من لاحتمية ميكانيكا الكوانتم، وحتمي في صورته الكبرى، بسبب من حتمية فيزياء العالم الأكبر. والواقع أن وجود بنيات تمارس التوجيه، وتضفي شيئاً من الاستقرار في قلب العالم، يبدو كأنه يرتكز كثيراً على تأثيرات الكوانتم. (45)
[حدوس غير عقلانية لنظريات علمية]
ينبغي أن يتضّح أمامنا أن موضوعية التقدم العلمي وعقلانيتَه لا ترجعان إلى الموضوعية الشخصية وعقلانية العالِم. [العالِم] العظيم والعلماء العظام، شأنهم شأن الشعراء، كثيراً ما يستلهمون حدوساً غير عقلانية. وكذلك علماء الرياضيات العظام. وكما أشار بوانكارّيه وهادامارد، قد يُكتَشف البرهان الرياضي بمحاولات لاواعية، مسترشِدة بإلهام ذي طبيعة جماليةٍ حاسمة، بدلاً من أن يُكتَشَف بتفكيرٍ عقلاني. هذا حقّ وعلى قدْرٍ من الأهمية. ولكن من الواضح أنه لا يفضي بنا إلى نتيجةٍ مؤداها أن البرهان الرياضي لاعقلاني. وفي كلّ حال لا بدّ أن يصمد البرهان الرياضي في وجه المناقشة النقديّة: يصمد في فحصه من قِبل علماء الرياضيات المنافسين. ولسوف يدفع هذا بالمغامِر الرياضياتي إلى أن يُخضِع النتائج التي توصّل إليها بصورةٍ لاواعية أو حدسيّة، لمجهر التمحيص العقلاني. وبالمثل، نجد الأحلام الفيثاغورية الجميلة التي راودت كبلر بهارمونية [انسجام] نظام العالَم لا تنتهِك موضوعية قوانينه الثلاثة وقابليّتها للاختبار أو عقلانيّتَها؛ ولا هي تنتهك عقلانيةَ المشكلة التي تطرحها هذه القوانين أمام النظرية التفسيريّة. (47)
أحسب أن العقبات الكبرى للتقدم في العلم ذات طبيعة اجتماعية، وأنها يمكن أن تنقسم إلى زمرتين: العقبات الاقتصادية والعقبات الإيديولوجية.
من الناحية الاقتصادية ربما يمثّل الفقر عقبةً هزيلة الشأن.
.. إن الترف يمكن أن يكون هو الآخر عقبة. الجنيهات الوفيرة جداً قد لا تمسك إلا بأفكارٍ ضئيلةٍ للغاية.
إن العلم الجسيم قد يدمّر العلم العظيم، وتضخّم المنشورات والمطبوعات قد يئد الأفكار. (47)
[هناك] روابط موجودة بالفعل [بين العلم والإيديولوجيا]، .. تدفع بالبعض إلى دمج العلم والإيديولوجيا، وتمييع الفارق بين الثورات العلمية والثورات الإيديولوجية.
وأحسب أنّ هذه المشكلة تغدو خطيرةً حقاً حينما يقع العقلاء، ومن بينهم العلماء، في إسار الإعجاب بإيديولوجيات وبدع عقلية شائعة. قد يعود هذا إلى ترجع دور الدين، إلى الاحتياجات اللاواعية وغير المشبعة لمجتمعنا المفتقر إلى الأب. (وإن مجتمعاتنا الغربية، بطبيعة بنيتها، لا تُشبِع الحاجة إلى شخصية الأب. (هامش))
وبخلاف شتى الحركات الاستبدادية الشمولية التي عاصرتها في حياتي، كنت شاهد عيان على عددٍ لا بأس به من الحركات التي ترفع لواء الثقافة العقلية الرفيعة وتجاهر بأنها حركاتٌ لادينية وهي متصفة من بعض الجوانب بخصائص دينية لا تخظئها العين بمجرد أن تراها. (ومن الأمثلة الناصعة الوضوح، أدوار القائد الملهم التي لعبها، في حركاتٍ شتى، سيغموند فرويد وأرنولد شوينبرج وكارل كراوس ولودفيغ فتغنشتين وهربرت ماركيوز (هامش))
وأفضل هذه الحركات كانت تلك التي تستلهم الملمح الأبوي لأينشتاين. (51)
سوف أستخدم مصطلح "إيديولوجيا" للدلالة على أية نظرية أو عقيدة أو رؤية غير علمية للعالَم تثبت أنها جذابة وتشغل الناس، بمن فيهم العلماء. (51)
لكي تصنَّف [العبارات] على أنها علمية، يجب أن تكون قادرةً على الدخول في صراع مع ملاحظات محتملة أو ممكن تصوّرُها. (هامش صفحة 250)
لا أقصد أن العلماء العظام الذين يقودون الثورة ينبغي أن يكونوا كائنات عقلانية من رأسهم حتى خمص قدميهم. بل على العكس: على الرغم من أنني أقمت الحجة من أجل عقلانية الثورات العلمية، يتراءى لي أن العلماء الأفرد لو أصبحوا دائماً وأبداً "موضوعيين وعقلانيين" بمعنى أنهم "ذوو نزاهة وغير متحيّزين"، فسوف تصادفُنا عقبة كؤود أمام التقدم الثوري في العلم. (57)

أسطورة الإطار
على الرغم من أنني معجب بالتقاليد، وعلى وعيٍ بأهميتها، فإنني في الوقت ذاته أكاد أكون مناصراً أصولياً للاأصولية: إنني أستمسك بأن الأصولية (الأرثوذوكسية) هي الأجل المحتوم للمعرفة، ما دام نموّ المعرفة يعتمد بالكلية على وجود الاختلاف. وكما نسلّم جميعاً، الاختلاف في الرأي قد يؤدي إلى النزاع، بل وإلى العنف. وأرى هذا أمراً بالغ السوء حقاً، لأنني أستفظع العنف، غير أن الاختلاف في الرأي قد يؤدي أيضاً إلى النقاش وإلى الحجة، وإلى النقد المتبادَل. (60)
دعوني أشرح ما هو موضوعي، وما الذي أقصده بعنوان "أسطورة الإطار". سوف أناقش الأسطورة وأقيم الحجة ضدها: حكاية زائفة مأخوذ بها على نطاق واسع، خصوصاً في ألمانيا. ومن ألمانيا انتقلت لتغزوَ أمريكا..
ويمكن أن نطرح أسطورة الإطار في جملة واحدةٍ كالآتي:
المناقشة العقلانية والمثمرة مستحيلة ما لم يتقاسم المساهمون فيها إطاراً مشتركاً من الافتراضات الأساسية، أو على الأقل، ما لم يتفقوا على مثل هذا الإطار لكي تسير المناقشة.
تلك هي الأسطورة التي أنا الآن في سبيلي إلى نقدها. (61)
إن بعض الناس قد يعتقدون أن ما وصفته بأنه أسطورة هو مبدأ منطقيّ، أو قائم على أساس مبدإٍ منطقي. وأنا على العكس من هذا، لا أراه تقريراً زائفاً فحسب، بل أيضاً تقريراً فاسداً وشرّيراً، إذا عمّ اعتقادُه، لا بدّ أن يدمّر وحدة الجنس البشري، وبالتالي يتزايد معه إلى حدٍّ كبير احتمال العنف والحرب. وهذا هو السبب الجوهري الذي يجعلني أريد أن أكافحَه، وأن أفنِّدَه. (61)
وعلى الرغم من اقتناعي بأن ثمّة مبالغةً خطيرةً جداً في القول إن المناقشة الخصيبة المثمرة مستحيلة، ما لم يتقاسم المساهمون فيها إطاراً مشتركاً [أي فئةً من الافتراضات الأساسية أو المبادئ الأساسية المشتركة]، فإني على أتمّ استعداد للتسليم بأنّ المناقشة سوف تكون عسيرةً إذا كان التشارك بين الأطر محدوداً. وسوف تكون أسهل كلما اتسع نطاق التداخل والتوافق بين الأطر. والحق إن المساهمين إذا اتفقوا على كل النقاط، فسوف تغدو المناقشة عقلية وهيّنة ليّنة على الرغم من أنها قد تكون مملّةً إلى حدٍّ ما. (61)
لا يحتمل أن تكون المناقشة بين الذين يتقاسمون كثيراً من الآراء خصيبة مثمرة. (62)
مناقشة هيغل. (كل ما هو عقلي واقعي..)
بعض الناس يناصرون الأسطورة القائلة إنه لا يمكن مناقشةُ أطرِ القوانين والعوائد مناقشةً عقلانيةً. إنهم يقرّون أن الأخلاقية هي ذاتها الشرعية أو العوائد أو السنن، وبالتالي لا يمكن الحكم بما إذا كان نظامٌ من العوائد أفضل من الآخر أخلاقياً، ولا حتى مناقشة هذا، ما دامت شتى الأنظمة الكائنة للقوانين والعوائد هي فقط المقاييس المتاحة للأخلاقية.
ترتدّ هذه النظرة إلى صياغة  هيغل الشهيرة: "كل واقعي معقول" و"كل معقولٍ واقعي". "كل" أو "كل واقعي" هنا يعني العالَم، متضمّنا قوانينه وعوائده التي هي من صنع الإنسان. أما أنها من صنع الإنسان فهذا ما أنكره هيغل، الذي أقرّ أنها صنيعة روح العالم أو العقل، وأولئك الذين يبدون وكأنهم صانعوها ـ الرجال العظام، صنّاع التاريخ ـ مجرد منفّين للعقل، حميّاهم [حماستهم] هي أرهف أدوات العقل. إنهم الكاشفون عن روح عصرهم. والكاشفون في النهاية عن الروح المطلق، التي هي الربّ ذاته.
(هذه حالةٌ مثلى من حالاتٍ عديدة يلجأ فيها الفلاسفة إلى الربّ من أجل أغراضهم الخاصة، أي يجعلونه .. متّكأً لبعض حججهم المتهافتة).
كان هيغل نسبوياً ومطلقاً معا: دائماً كان لديه كلا الطريقين، وإذا كان الطريقان غير كافيين، يطرح طرقاً ثلاثة. إنه يقف في طليعة تسلسلٍ طويل من الفلاسفة البعد كانطيين [يطعّمون فلسفة كانط بعناصر غير عقلانية]، أي البعد نقديين أو البعد عقلانيين ـ وأساساً الألمان ـ الذين ناصروا أسطورة الإطار.
وتبعاً لهيغل، نجد الحقيقة ذاتها نسبويّة ومطلقة معاً. كانت الحقيقة معه نسبية لكل إطار تاريخي أو ثقافي. ومن ثمّ لا يمكن المناقشة العقلانية بين تلك الأطر، ما دام لكلٍ منها مقياسُه المختلف للحقيقة. لكن هيغل استمسك بمبدئه القائل بأن الحقيقة لكي تصدق صدقاً مطلقاً تكون بالنسبة إلى إطار أو إلى آخر، ما دامت جزءاً من فلسفته الخاصة به، النسباوية. [الترجمة هنا غير واضحة]
إن زعم هيغل باكتشافه الحقيقة المطلقة لا يبدو الآن جذّاباً للكثيرين. ولكن لا يزال يجذبهم مبدؤه القائل بالحقيقة النسبية والصورة التي اتخذتها أسطورة الإطار معه. وبعد هيغل، كان ماركس بلا شك المساهم في هذه الأسطورة ذات التأثير الأكثر نفاذاً. ولست أجدني في حاجةٍ لأن أذكركم بفكرته عن الحدود الطبقية للعلم ـ عن العلم البروليتاري والعلم البورجوازي ـ وكل منهما رهين إطاره الخاص. وبعد مارك، واصلت هذه الأفكار تناميها، خصوصاً مع الألماني ماكس شيلر، والمجري كارل مانهيم. وأطلقا على نظرياتِهما اسم "علم اجتماع المعرفة"، واستمسكا ـ مثل ماركس ـ بأن كل إنسان له إطاره المفاهيمي الي يتحدد عن طريق موطنه الاجتماعي. (74)
الإطار المغلق:
من خلال مناقشاتٍ ساخنة ومسهبة في أعقاب الحرب العالمية الأولى اكتشفت كم كان شاقاً أن تنضم أينما كنتَ إلى قومٍ يعيشون في إطار مغلق، أقصد قوماً من أمثال الماركسيين والفرويديين والآدلريين. لا أحد منهم كان يمكن أن تتزعزع النظرة التي اتخذها للعالَم. وكل حجةٍ مضادة لإطارِهم كانوا يؤوّلونها بحيث تتلاءم داخله. وإذا غدا هذا عسيراً، أمكن دائماً إقامة الحجة من التحليل النفسي أو التحليل الاجتماعي: نقد الأفكار الماركسية راجعٌ إلى الانحياز الطبقي، ونقد الأفكار الفرويدية راجعٌ إلى الكبت، ونقد الأفكار الآدلرية راجعٌ إلى الجدل لإثبات تفوّقك، إنه جدلٌ راجعٌ إلى محاولةٍ لتعويض الشعور بالنقص.
لقد وجدتُ القالب النمطي لهذه الاتجاهات محبِطاً ومنفّراً، بالإضافة إلى أنني لم أستطع أن أجد شيئاً من هذا القبيل في مساجلات الفيزيائيين حول النظرية العامة لآينشتين، على الرغم من أنها كانت موضوعاً لمساجلاتٍ ساخنة في ذلك الوقت.
وهاك الدرس الذي خرجتُ به من تلك الخبرات. إن النظريات مهمةٌ ولا غناء عنها لأننا من دونها لن نستطيع أن نيمّمَ جهودنا شطر هذا العالَم، لن نستطيع أن نعيش. وحتى ملاحظاتُنا يتم تأويلها بمعونة النظريات. يرى الماركسي الصراعَ الطبقيّ بالمعنى الحرفي في كلّ مكان، وبالتالي يعتقد أنّ أحداً لن يعجز عن رؤيته إلا أولئك الذين يتعمّدون إغماضَ عيونِهم. (81)

[هيغل]
بطبيعة الحال، يميّز هيغل بين "المظهر" و"الواقع" (لا يترجِم والاس مصطلح هيغل ".." بـ "الواقع" بل بـ "الفاعلية")
الربّ هو "الأشد واقعية". إنه سبحانه "هو فقط الواقع الحقيقي"، ما يوجد بالعرض محضُ "مظهر". كتب هيغل يقول: "من ذا الذي لا يمتلك المهارة الكافية لكي يرى أن الكثير مما في بيئته ليس هو ما ينبغي أن يكون؟" ويقول إن علاقة الفلسفة فقط بالفكرة، والفكرة ليست مجردة من القوّة بحيث تحدد فقط ما ينبغي أن يكون وليس ما هو كائن في الواقع. (الاقتباس من هيغل، موسوعة العلوم الفلسفية بإيجاز؛ المنطق، المقدمة)
وطبعاً، يكفي هذا للخلط، والإرباك بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وبالتالي للدفعا الفعلي عن أيّ رأيٍ (وربما نقيضه). (262)
كلود برنار
العالم الفرنسي كلود برنار (1813ـ 1878) أبو الفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) الحديثة، وذلك لفضل إزاحته لفرض القوى الحيوية الذي كان سائداً من قبل، ويعني أن الكائن الحيّ مزوّد بـ"قوّة حيوية" تنظم المظاهر الحيوية فيه وأداءه المتكامل لوظائف الحياة، وتحرره من المؤثرات الفيزيوكيميائية، مما يبرر ـ مثلاً ـ احتفاظ الكائن الحي بدرجة حرارته ثابة في البيئة الباردة والبيئة الحارة على السواء. وهذا الفرض يعني انقطاعاً بين العلوم الحيوية والعلوم الفيزيوكيميائية. فقدّم برنار بدلاً منه مفهوم البيئة الداخلية ليفسّر قيام الجسم العضوي بوظائفه كوحدة منسجمة. ولا يزال هذا المفهوم من أسس الفسيولوجيا الحديثة. هذا بخلاف كشوفه في الهضم والسموم والتخدير وغيرها.. على أن برنار توقف هنيهة في خضم أبحاثه العلمية التي لا يشغله عنها شاغل، ليضع في عام 1865 كتابه "مدخل إلى دراسة الطب التجريبي"، الذي يُعدّ من كلاسيكيات فلسفة العلم ونظرية المنهج العلمي، وقام بدورٍ كبير في التأكيد على أهمية الفرض الذي يبدعه العالِم وأن الأمر ليس مجرد تعميم لملاحظات مستقرأة. (يمنى الخولي؛ أسطورة الإطار؛ هامش؛ ص 256)
جشطالت:
المربع المرتكز على أحد أضلاعه، يبدو لنا جميعاً شكلاً هندسياً مختلفاً عن المربع المرتكز على إحدى زواياه. ثمّة تبدّل جشطالتي [للبنية الإجمالية] حقيقي في الانتقال من أحد هذين الشكلين إلى الآخر. (87)
النقد الصائب والنقد الخاطئ:
نستطيع أن نميّز تمييزاً منطقياً بين منهج نقدي خاطئ ومنهج نقدي على صواب. المنهج الخاطئ يبدأ من السؤال: كيف يمكن أن نؤسس أو نبرّر أطروحتَنا أو نظريتَنا؟ وبهذا يؤدي إلى الدوغماظيقية، أو إلى ارتداد لانهائي، أو إلى المبدأ النسبوي القائل بالأطر العقلية الخاضعة للامقايسة [أي استحالة المقارنة بينها]. وعلى العكس من هذا، يبدأ المنهج الصائب للمناقشة النقدية من السؤال: ما معقّبات أطروحتنا أو نظريتِنا [أي ماذا يترتّب على الأخذ بها]؟ وهي هي جميعاً مقبولة؟ (89)

العقل أم الثورة
.. والواقع إن نظريّتي الاجتماعية ـ التي تحبّذ الإصلاح التدريجي والجزئي، الإصلاح المحكوم بالمقارنة النقدية بين النتائج المتوَقَّعة والنتائج المحتملة ـ تعارض نظريتي في المنهج، والتي أتفق أن تكون نظريةً في الثورة العلمية والفكرية.
من السهل تفسير هذه الواقعة وتفسير اتجاهي نحو الثورة. ولنبدأ من التطور الدارويني؛ إن الكائنات الحيّة تتطوّر عن طريق المحاولة والخطأ، وعادة يتم استبعاد محاولاتها الخاطئة ـ طفراتِها الخاطئة ـ عن طريق استبعاد الكائن الحيّ "حامل" الخطأ. ومن مقوّمات إبستيمولوجيّتي، أن كل هذا قد تغيّر في حالة الإنسان تغيّراً جذرياً، من خلال تطوّر اللغة الوصفية والجدالية. لقد أحرز الإنسان إمكان أن يكون ناقداً لمحاولاتِه هو المبدئية، للنظريات التي ييضعها. لم تعد هذه النظريات متوشّجة في كيانه العضوي أو في نظامه الجيني. يمكن صياغتها في كتب أو صحف. ويمكن مناقشتها مناقشةً نقديّة، وتبيان أنها خاطئة، بدون قتلِ أيٍّ من المؤلفين أو حرق كتب ـ بدون تدمير "حامليها".
وبهذه الطريقة بلغنا إمكاناً جديداً بصورةٍ جذرية: يمكن للمناقشة العقلانية أن تستبعد محاولاتنا، فروضنا المبدئية، بغير أن تستبعدنا نحن أنفسنا. وفي الحق، ذلكم هو غرض المناقشة العقلانية النقدية.
.. حتى الآن لم نكتشف بديلاً للعنف إلا الحجة النقدية. (95)
إذ يتأسَّسُ منهجُ الممناقشةِ العقلانيةِ النقدية، فسوف يبطل استعمال العنف. وحتى الآن لم نكتشف بديلاً للعنف إلا الحجّةَ النقديّة.
إن الواجب الصريحَ على كل المفكرين هو أن يعملوا من أجل هذه الثورة ـ من أجل أن تحلَّ الوظيفة الاستبعادية للمناقشة النقديّة محل الوظيفة الاستبعادية للعنف.
على أنّ العمل من أجل هذه الغاية، يستلزم التدريب المتواصل على الكتابة والحديث بلغةٍ واضحةٍ وبسيطة. ينبغي صياغةُ كلِّ تفكيرٍ في صورةٍ واضحةٍ وبسيطةٍ قدْرَ المستطاع. ولا يمكن إحرازُ هذا إلا بالعمل الشابقّ. (95)
[المشروع النقدي لكارل بوبر]
منذ سنواتٍ عديدةٍ وأنا ناقدٌ لما يسمّى "علم اجتماع المعرفة" أو سوسيولوجيا المعرفة، وليس هذا لأنني رأيتُ كلَّ ما قاله مانهايم (وشيلر) خطأً. بل على العكس، لم يكن الكثير منه إلا صادقاً بصورةٍ سطحيّةٍ للغاية. وكان ما تصدّيتُ له هو معتقدُ مانهايم بأنّ ثمّةَ اختلافاً جوهرياً بين العالِم الاجتماعي والعالِم الطبيعي، أو بين دراسة المجتمع ودراسة الطبيعة، فيما يتعلق بالموضوعية. كانت الأطروحة التي تصدّيتُ لها هي أنه من السهل أن تكون موضوعياً في العلوم الطبيعية، بينما لا يستطيع إحراز الموضوعية في العلوم الاجتماعية، إن أمكن هذا أصلاً، إلا نختةٌ من ذوي العقول المتميّزة: العقول "المتوازنة في توجهاتها" والتي "تحط على شاطئ التقاليد الاجتماعية في جولاتٍ حرّة".
وفي مواجهةِ هذا شدّدتُ على أن الموضوعية في العلوم الطبيعية والاجتماعية لا تقوم على حالة الحياد العقلي لدى العلماء، بل فقط، على واقعةٍ هي عموميةُ وتنافسيةُ المشروع العلمي، وبالتالي على جوانبَ اجتماعيةٍ معيّنةٍ له. وهاك ما دوّنتُه: "إن ما يغيب عن "سوسيولوجيا  المعرفة" هو سوسيولوجيا المعرفة ـ السمة الاجتماعية أو العمومية للعلم". جملة القول، إن الموضوعية تقوم على النقد العقلاني المتبادَل، على المقاربة النقدية، على التقليد النقدي.
ليس علماء العلوم الطبيعية ذوي عقولٍ أكثرَ موضوعيةً من عقول علماء العلوم الاجتماعية، ولا هم نقديون أكثر منهم. وإذا كان ثمّة موضوعيّةٌ أكثر في العلوم الطبيعية، فلأن فيها تقاليدَ أفضلَ ومقاييس أرفعَ للوضوح وللنقد العقلاني.
في ألمانيا، تتم تنشئة العديد من العلماء الاجتماعيين كهيغليين، وهذا تقليدٌ مدمّر للعقل وللتفكير النقدي. وإحدى النقاط التي أتفق فيها مع ماركس، هي ما كتبه قائلاً: "لقد أصبح الديالكتيك في صورته التي تعمي الأبصار، البدعةَ الشائعةَ السائدةَ في ألمانيا". ولا يزال البدعةَ الشائعة السائدة في ألمانيا. (96)
.. الحقائق .. تبيّن .. أنّ الخطوات التقدمية العظمى مازال يقطعها أولئك الذين يستمتعون بمجال رحيب من الاهتمامات. (99)
وإذا علا نجمُ تلك الكثرة من المتخصّصين، فسوف يكون هذا اليوم هو نهاية العلم كما نعرفُه ـ العلم العظيم. سوف تكون كارثةٌ روحيّةٌ تضاهر كارثة التسليح النووي من حيث نواتجها. (99)

الموقف من ماركس
بالنسبة إلى ماركس، أكنّ احتراماً عظيماً له كمفكّر وكمناضل من أجل عالمٍ أفضل، على الرغم من أنني أختلف معه في عديدٍ من النقاط ذات الأهمية الحاسمة. وقد نقدتُ نظرياتِه بإسهابٍ وافر. ليس من السهل دائماً أن تفهم تفصيلياته، لكنه يبذل دائماً قصارى ما يستطيعه لكي يكون مفهوماً، وذلك لأنّ لديه ما يقوله، ويريد أن يفهمه الناس. (104)
مدرسة فرانكفورت
سمعت لأول مرة عن مدرسة فرانكفورت إبّان الثلاثينيات، ولكن بناءً على بعض القراءات التجريبية قرّرت آنذاك، وأ،ا صادق الضمير، ألا أطالع إنتاجها.
وكما ذكرتُ في مقالي "العقل أم الثورة؟"، طولبت في العام 1960 أن أفتتح المناقشة في مؤتمر بمدينة توبنجن، وأخبروني أن أدورنو سوف يتولّى التعقيب على كلمتي. وقادني هذا إلى محاولةٍ أخرى لقراءة منشورات مدرسة فرانكفورت وخصوصاً كتب أدورنو.
يمكن تقسيم معظم أعمال أدورنو إلى ثلاث مجموعات. الأولى هي مقالاته في الموسيقى والآداب، أو الثقافة، وقد وجدتها بعيدةً عن ذائقتي. [..] وتصادف أن تتسم هذه المقالات بأنها لا علاقة لها بالمسائل الاجتماعية.
ثم تأتي المجموعة الثانية من الكتب، في الإبستمولوجيا أو الفلسفة. وهي تبدو تماماً شيئاً من ذلك النوع الذي يطلق عليه بالإنكليزية "تخاريف وخزعبلات" (أو بالألمانية ألاعيب وهراء).
وطبعاً، كان أدورنو هيغلياً وبالمثل ماركسياً. وأنا معارضٌ لكلا الاتجاهين: للماركسية، وبوجه أخص للهيغلية.
بالنسبة إلى ماركس، أكنّ احتراماً عظيماً له كمفكّر وكمناضل من أجل عالمٍ أفضل، على الرغم من أنني أختلف معه في عديدٍ من النقاط ذات الأهمية الحاسمة. وقد نقدتُ نظرياتِه بإسهابٍ وافر. ليس من السهل دائماً أن تفهم تفصيلياته، لكنه يبذل دائماً قصارى ما يستطيعه لكي يكون مفهوماً، وذلك لأنّ لديه ما يقوله، ويريد أن يفهمه الناس.
أما بالنسبة لأدورنو، فإني لا أستطيع الاتفاق ولا اختلاف مع القطاع الأكبر من فلسفته. وعلى الرغم من بذل غاية الجهد لفهم فلسفته، تبدو لي بأسرها، أو في معظمها، مجرد حشد ألفاظ. لا شيء لديه البتّة ليقوله، وهذا اللاشيء يقوله بلغةٍ هيغلية.
ولكن هناك المجموعة الثالثة من كتاباته. المقالات التي تنتمي إلى هذه المجموعة الثالثة أساساً شكاوى من العصر الذي نعيش فيه. ولكن بعضها شائق بل ومثير للمشاعر. إنها تعطينا تعبيراً مباشراً عن مخاوفه: عن قلقه، كما يسميه هو شخصياً، وعن حزنه العميق. كان أدورنو متشائماً. وبعد أن اعتلى هتلر مقاليد السلطة ـ ويقول إن هذه واقعةٌ فاجأته بوصفه سياسياً ـ أصابه اليأس من البشر، وتخلّى عن إيمانه بالإنجيل الماركسي للخلاص. إنها نبرة قنوط بالغ تصدر عن هذه المقالات ـ نبرة مأساوية يائسة. (104)
ولكن على قدر ما نجد تشاؤمية أدورنو فلسفية، على قدر ما نجد محتواها الفلسفي صفراً. إن أدورنو يعارض الوضوح بقصدٍ وتعمّد. بل إنه في أحد المواضع يشيد بأن الفيلسوف الألماني ماكس شيلر طالب بـ"مزيد من الظلام" منوّهاً إلى الكلمات الأخيرة لغوته، الذي طالب بمزيدٍ من النور.
ويصعب أن نتفهم كيف يطالب ماركسيٌّ مثل أدورنو بالظلام. كان ماركس، بالقطع، نصيراً للتنوير. أما أدورنو فقد نشر، برفقة هوركهايمر، كتاباً بعنوان "ديالكتيك التنوير" حيث يحاولان أن يبيّنا أن صميم فكرة التنوير، بتناقضاتها الداخلية، تفضي إلى الظلام ـ الظلام الذي يدّعون أننا نعيش فيه الآن. وبطبيعة الحال، هذه فكرة هيغلية. ومع هذا نبقى أمام لغز، وهو كيف يمكن لمفكر اشتراكي، أو ماركسي، أو ذي نزعةٍ إنسانية، مثل أدورنو أن يرتدّ قافلاً إلى مثل هذه الرؤى الرومانتيكية، ويرفع شعار "مزيدٍ من الظلام" على شعار "مزيد من النور". وقد عمل أدورنو بشعاره عن طريق نشر كتابات يتعمّد أن تكون غامضةً وتحمل طابع النبوءة. ولا يمكن تفسير هذا إلا بتقاليد الفلسفة الألمانية في القرن التاسع عشر، وبنشأة "فلسفة النبوءة"، كما أسميتها في كتابي "المجتمع المفتوح" ـ نشأة مدرسة من نسميهم المثاليين الألمان. لقد نشأ ماركس نفسه في هذه التقاليد، لكن كان له رد فعل قويّ ضدها. وفي كتابه "رأس المال" أبدى ملحوظةً بشأنها، وبشأن الجدل، ظلت دائماً مثار إعجابي. قال ماركس في "رأس المال": "لقد أصبح الديالكتيك في صورته التي تعمي الأبصار البدعةَ الشائعة السائدة في ألمانيا". ولا يزال الديالكتيك البدعةَ الشائعة السائدة في ألمانيا. ولا يزال "في صورته التي تعمي الأبصار".
على أنني أود أن أقول بضع كلماتٍ أيضاً عن هوركهايمر. بالمقارنة مع أدورنو، نجد كتابات هوركهايمر هي الوضوح ذاته. لكن ما يسمى "نظرية هوركهايمر النقدية" خواء وفراغ ـ إنها خلوٌ من المضمون. وهذا ما أقرّه بدرجةٍ أو بأخرى ناشر كتابِه "النظرة النقدية"، حين كتب يقول: "من المستحيل تقريباً أن تصب تصور هوركهايمر في قالب قضايا قابلة للفهم". وكل ما يبقى هو نزعةٌ تاريخانية ماركسية ملتبسة وتفتقر إلى الأصالة: لم يقل هوركهايمر شيئاً يمكن الدفاع عنه إلا وقيل من قبل بطريقةٍ أفضل. ويمكن القول إن آراءه غير ذات أهمية من الناحية الموضوعية، بما فيها تلك الآراء التي أوافقه عليها.
إذ إنني عثرت في كتابات هوركهايمر على بعض القضايا التي يمكن أن أتفق معه فيها. بل ويمكن أن أوافقه على صياغته لأهدافه القصوى. بعد أن رفض هوركهايمر النزعة اليوتوبية، في المجلد الثاني من كتابه "النظرية النقدية"، يقول: "على الرغم من كل شيء، فإن فكرة مجتمع المستقبل بوصفه تجمعاً للأحرار.. لهي فكرةٌ ذات مضمون ينبغي أن تناصره خلال كل تغير (تاريخي)". وأنا بالقطع أوافق على هذه الفكرة، فكرة مجتمع من الآحرار (وأيضاً على فكرة مناصرته). إنها فكرة ألهمت بالثورتين الأمريكية والفرنسية. ولسوء الطالع، ليس لدى هوركهايمر أي شيء ذي قيمة ليقوله بشأن كيفية الاقتراب من هذا المثل الأعلى المنشود.
في واقع الأمر، يرفض هوركهايمر إمكان إعادة صياغة ما يسمى بـ "النظام الاجتماعي"، يرفض هذا من دون أيّ حجة، وبليّ عنق الوقائع التاريخية. ويعادل هذا لاقول: دع الجيل الحالي يقاسي ويهلك ـ لأن كل ما نستطيع أن نفعله هو أن نستعرض قبح العالم الذي نعيش فيه، وأن نصب اللعنات على الذين يقومون بقمعنا، على "البورجوازية". وتلك هي الخلاصة النهائية لما يسمى بالنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت.
إن إدانة ماركس ذاته لمجتمعنا لها مغزاها: لأن نظرية ماركس تستبقي الوعد بمستقبل أفضل. أما إذا تخلينا عن هذا الوعد، كما فعل أدورنو وهوركهايمر، فتغدو النظرية خاويةً وغير مسؤولة. لهذا السبب وجد أدورنو أن الحياة لن تكون جديرةً بأن تعاش. ذلك أن الحياة لن تكون بأن تعاش إلا إذا استطعنا العمل من أجل عالمٍ أفضل الآن، ومن أجل المستقبل القريب جداً.
إنها لجريمةٌ، أن نبالغ في قبح ووضاعة العالم: العالَم قبيح، لكنه أيضاً جميلٌ جداً، لا إنساني، لكنه أيضاً إنساني جداً. وتهدده أخطارٌ عظمى. أخطرها الحرب العالمية. إنها تقريباً في خطورة الانفجار السكاني. لكن هناك الكثير من الخيرات في هذا العالم. إذ إن ثمّة قدراً كبيراً من الإرادة الخيّرة، الملايين من الناس الذين يعيشون الآن ويمكن عن طيب خاطر أن يخاطروا بحياتهم إذا اعتقدوا أن ذلك يمكن أن يجعل العالم أفضل. (106)
نستطيع الآن أن نفعل الكثير لتخفيف المعاناة، والأهم لكي نضاعف من الحرية الإنسانية الفردية. يمكن بسهولة أن يخذلنا التاريخ، وأيضاً أن تخذلنا الثورة. كان هذا الخذلان من نصيب مدرسة فرانكفورت، وأسفر عن يأسِ وقنوط أدورنو. لا بدّ أن ننتج أفكاراً نخضعها للاختبار النقدي، أفكاراً حول ما يمكن وما ينبغي أن نفعله الآن، ولا بد أن نفعله الآن.
ولنجمل كل هذا بتعبير لريمون آرون، إنني أنظر إلى كتابات مدرسة فرانكفورت باعتبارها من قبيل "أفيون العقول". (107)
(*) هامش للمترجمة: تقول يمنى الخولي بأن "بوبر الذي يسرف في ضرورة الترحيب بالرأي الآخر وبكل الحلول المطروحة للمشكلات.. يكاد يفقد أعصابه ويتجاوز الحدود لدرجة اللسان السليط حين يناقش خصومه في الرأي. وهذه اللهجة الحادة التي رأيناها في حديثه عن مدرسة فرانكفورت تذوى أمام شراسة هجومه وتجاوزه الحدود أحياناً في حديثه عن فتجنشتين والوضعية المنطقية وهيغل. (275)
ملاحظة: اللافت أن المترجمة تنتقد بوبر خلال حديثه عن "فكرة مجتمع المستقبل بوصفه تجمعاً للأحرار.. ألهمت بالثورتين الأميركية والفرنسية". وتقول بأنه كان يجب أن يذكر الثورة الفرنسية أولاً لأنها حصلت تاريخياً قبل الثورة الأميركية.
ما تقوله المترجمة غير صحيح. فقد حصلت الثورة الأميركية قبل الثورة الفرنسية بحوالي عقد من السنين. ثانياً، حتى لو كان ذلك صحيحاً، فإن الأمر لا يستحق التعليق عليه.

[إنّ] ما أفضى إلى العلم النووي إنما هو التفنيد التجريبي لحلٍّ تأمّلي لإحدى مشاكل تفهّم العالَم. (147)
[بوبر هنا يردّ على الوضعيين الذين يعارضون علميّة الحلول التأمّلية]
كان الوضعيون دائماً، منذ باركلي وحتى ماخ، يعارضون هذه التأملات. والأكثر إثارةً أن نرى ماخ ظل رافعاً لواء النظرة القائلة إنه من غير الممكن أن توجد نظرية فيزيائية للمادة )ولم تكن المادة بالنسبة إليه إلا "جوهراً" ميتافيزيقياً وفي حدّ ذاته زائداً عن الحاجة إن لم يكن بلا معنى) حتى (بعد العام 1905) حينما أصبحت النظرية الميتافيزيقية عن البينة الذرية للمادة نظريةً فيزيائية قابلة للاختبار كنتيجة لنظرية آينشتين في الحركة البراونية.
أما ما عساه أن يكون من سخرية الأمور، وبالقطع أكثر إثارةً، فهو أن نظريات ماخ تلك بلغت ذروةَ تأثيراتها حينما لم يعد أحدٌ البتّة يشكك بجدية في النظرية الذرية، وأنها ظلت ذات نفوذ أكبر بين روّاد الفيزياء الذرية، خصوصاً بوهر وهيزنبرج وباولي. (148)

مقاربة تعددية لفلسفة التاريخ
لقد أطلقت اسم "النزعة التاريخانية historicism على النظرية التي تقول بوجود خطة للتاريخ، سواءٌ أكانت إيمانية أم إلحادية. (160)
وحين تقدمت بهذا الاسم قلت كل ما أستطيعه، وفي معرض هذا أوضحت أنني لم أكن أناقش مبدأ نسبية التاريخ الذي أشير إليه بوصفه "نزعة تاريخية" historism
(*) هامش للمترجمة:
ما يقصده بوبر بالنزعة التاريخية historism هو النظرة السوسيولوجية التي تذهب إلى تحليل النظريات والاتجاهات والمذاهب الاجتماعية المختلفة وتفسير الفوارق بينها عن طريق الإشارة إلى علاقاتها بالميول والتوجهات السائدة، أو بالمصالح السياسية والاقتصادية والطبقية، في فترتها التاريخية المعيّنة. وهذا اتجاه تطوّر فيما بعد ودخل الآن في ما يُعرَف باسم علم اجتماع المعرفة وعلم اجتماع العلم. وقد رأينا بوبر فيما سبق يهجمُه ويرفضُه بضراوة، ومع ذلك لا مندوحةَ عن الإقرار بأنه مبحث مهمّ الآن. المهم أن نلاحظ أن النزعة التاريخية historism تختلف عن النزعة التاريخانية historicism التي يناقشها بوبر في هذا الفصل والتي تعني أن التاريخ يسير في مسار محتوم وفق خطةٍ معيّنة محدّدة سلفاً. (يمنى الخولي؛ ص 239)
كتب أحد الصحفيين الأميركيين: النخبة تعطينا وهم حرية الاختيار، لكنها تتحكم في كل الخيارات. إنها تخيّرنا بين خمسمائة قناةٍ تلفزيونية، لكنها جميعاً تعيد الكلام نفسه. إنها تخيّرنا بين مئات المرشحين السياسيين، لكن اختيارنا لا يؤثر في شيء، لأن كلا الطرفين جرى شراؤه وتمويله من نفس الأشخاص. إنهم يخيّروننا بين شتى البنوك للاستثمار والاقتراض والإسكان، ولكن عندما ينهار النظام، يصبح مفهوماً للجميع أن كل شيءٍ يقوم على أساس الوهم العامّ على قدرة الدولار. ومن الطبيعيّ أن تتحكم النخب السياسيةُ والماليّة في كل ذلك، فإذا لم تستوقف نفسك لتفكّرَ مليّاً في ذلك، فقد كُتِب عليك أن تظلَّ محكوماً ومسيّراً في كل أمورِك.
ـ هل هناك خطةٌ للتاريخ؟ (أو خطةٌ للتاريخ الإنساني على الأقل؟)؛ [يمكن أن نردّ] بأن نقول إن الإجابة تبدو بشكلٍ عام "أجل". (على الرغم من أنني أودّ أن أوضح بمزيدٍ من الجلاء أن هذا لا يضعف أبداً من شأن نقدي للنزعة التاريخانية. فمازلتُ أعتبر التاريخانية خطأً فادحاً).
ذلك أنه منذ اختراع التفكير النقدي والتدوين، قد حدث شيءٌ ما يمكن وصفه بأنه تنامي المعرفة. وأصبح للمعرفة، وتناميها، تأثير متعاظم على حياة البشر، بصورةٍ مباشرة وعن طريق التطبيقات التكنولوجية. وأنا أفترض أنّ تأثير تنامي المعرفة لم يتّضح تماماً إلا في غضون المائتيّ عامٍ الأخيرة.
.. حتى أربعمائة عام خلت لم يكن نموّ المعرفة العلمية حقيقة تاريخية بل بالأحرى حلماً ـ إنه حلم النبي الزائف جداً فرنسيس بيكون.  (162)
نجد كل العلماء المبدعين تقريباً لديهم معرفةٌ وافيةٌ بتاريخ المشكلات التي يبحثونها، وبالتالي معرفةٌ بالتاريخ. إنهم ملزمون: بأنك لا تستطيع أن تفهم نظريةً علميةً فهماً حقيقياً من دون أن تفهم تاريخها. (163)

لقد زعمتُ أن قصة تنامي مختلف أنواع المعرفة الإنسانية ـ ومن قبلها قصة تطور الحيوانات والحياة الإنسانية ـ يمكن أن يقول عنها المرءُ إنها خطةٌ نستطيع استكشافها في التاريخ. وإذ أقول هذا، أبغي أيضاً التأكيد على أن هذه التطورات (التقدمية) هشّةً وغير متوقّعة. أما أنّ الأِشياء كان لا بد أن تحدث كما حدثت، فإن هذا قلليل الاحتمال إلى حدٍ بعيد، ليس فحسب بل أيضاً كان من السهل جداً أن تنتهي كل هذه التطورات. (166)
[عن كارل بوبر
يتبنى كارل بوبر المنظور الداروِني للتطور ويعارض المنظور اللاماركي. لامارك يعتبر بأن التطور ينتج عن تكيف بيولوجي بما يتلاءم مع الظروف الخارجية. بينما يرى دارون بأن التطور يحدث نتيجة طفرات داخلية عشوائية لا علاقة بردات الفعل على ما يحصل في الخارج، وبتنتيجة الانتخاب الطبيعي وبقاء الأنسب، تنقرض التحولات غير الملائمة ولا يبقى إلا ما يتلاءم مع البيئة الخارجية.
التطور عند الإنسان تطور ثقافي ومعرفي. وينطلق أيضاً من الداخل، من نقد للفروض القائمة في محاولة فهم العالم، إلى حدوس افتراضية متقدمة على الفروض السابقة، لكنها بانتظار نقدٍ جديد وتجاوز من خلال فرضيات وحدوس افتراضية جديدة.
وهذه الفروض لا هي جزر منعزلة بين الحضارات، هذه العزلة التي يطلق عليها بوبر: "اللامقايسة"، بمعنى أن كل حضارة لها أطرها الفكرية التي تستطيع من خلالها تفسير العالم، مع استحالة الحوار مع الأطر الفكرية لحضارة مختلفة مكتفيةٍ هي الأخرى بأطرها الفكرية، مما يؤدي إلى ما يسمّى بالنسباوية.
ولا هي مستحوذة على "الحقيقة" المطلقة. إنها في طريق الاقتراب من الحقيقة. كل فرضية أو نظريةٍ جديدة أفضل من سابقاتها بفضل تنحية أخطاء النظريات السابقة، وبانتظار فرضيات جديدة نقدية تستبعد أخطاء النظريات الحالية.
يمكن القول بأن نظرية بوبر داروينية بشكلٍ ما. وبخاصة ما يتعلق ببقاء الأنسب.
الفرق أن التطورية عند الإنسان هي تطورية معرفية وثقافية وبالتالي يتم توريثها للأجيال القادمة، كثقافة جمعية وليس كحالات فردية وراثية.
وثانياً، هي تحولات مقصودة وليست عشوائية.
(محمد الحجيري؛ 2019/7/15)
لكن أيّ شخص آخر يبدو على ثقةٍ تامةٍ من أّنّ الاختلافات بين منهجية التاريخ ومنهجية العلوم الطبيعية اختلافات شاسعة. فنحن على يقين من أننا في العلوم الطبيعية، كما هو معروف جيداً، نبدأ من الملاحظة ونسير عن طريق الاستقراء إلى النظرية. ألا يبدو واضحاً أننا في التاريخ نسير في مسارٍ مختلفٍ تماماً؟
أجل، أوافق على أننا نسير في مسارٍ مختلفٍ تماماً. ولكن في العلوم الطبيعية أيضاً.
إننا نبدأ في كليهما من أساطير ـ من انحيازات تقليدية، تكدّرت بفعل خطأ؛ ومنهما نواصل المسير عن طريق النقد: عن طريق الاستبعاد النقدي للأخطاء. في كليهما، دورُ البيّنة أساساً في تصويب أخطائنا، أو انحيازاتنا، أو نظرياتنا المبدئية ـ أي أن تلعب دوراً في المناقشة النقدية، في استبعاد الخطأ. وبتصويبنا لغلطاتنا، نثير مشكلاتٍ جديدة. ولكي نحلّ هذه المشكلات، نبتدع حدوساً افتراضية، أي نظرياتٍ مبدئية، نخضعها للمناقشة النقدية، المتجهة صوب استبعاد الخطأ.
ويمكن تمثيل العملية بأسرها عن طريق تخطيط مبسّط يمكن أن أسمّيه تخطيطاً رباعياً:
م1 (مشكلة 1) ن د (نظرية مبدئيّة) ق ق (مناقشات نقدية) م2 (مشكلة 2) (171)
ـ يحدث كثيراً، أن تكون المشكلة التي انبثقت عنها النظرية في أول الأمر مشكلةً عملية. فهكذا كانت، على الأقل، بعض من المشاكل الشهيرة لأرخميدس. ولكن فور أن يطرح الحل، يضطلع النقد بالأمر، والنقد هو القوة المحركة لنموّ المعرفة، كما يبين تخطيطنا الرباعي. (172)
ـ كما نسلّم جميعاً، الوضع الراهن لمعرفتنا قد يحفل بالعديد من الأخطاء، ولكن هذا لا يعني أن الحقيقة نسباوية. يعني فقط أن استبعاد الأخطاء والاقتراب من الحقيقة عملٌ شاق.
ليس هناك معيار للحقيقة/ الصدق، ولكن هناك ما يشبه معيار الخطأ: إن التصادمات التي تحدث داخل معرفتنا أو بين معرفتنا وبين الوقائع تشير إلى أنّ هناك شيئاً ما خطأ. وبهذه الطريقة يمكن أن تنموَ المعرفة من خلال الاستبعاد النقدي للخطأ. وتلك هي الطريقة التي يمكن بها أن نقترب أكثر من الحقيقة/ الصدق. (173)
أنت لا تستطيع أن تبدأ من الملاحظة: فعليك أن تعرف أولاً ماذا سوف تلاحظ. أي إنك يجب أن تبدأ من مشكلة، علاوةً على ذلك، لا يوجد شيءٌ من قبيل ملاحظة غير مؤوّلة. كل الملاحظات مؤوّلة في ضوء نظريات. (176)

النماذج والأدوات والصدق
علينا الاعتراف بأن أنجح النظريات العلمية ما هي إلا تبسيطاتٌ مفرِطة سعيدة الحظ. (183)
[لقد قرّرتُ تكريس ثلث هذه المحاضرة] من أجل الهجوم على فلسفة العلم الأداتية؛ وهي نظرية فلسفية برغماتية لا تزال طرازاً شائعاً وتخبرنا أنَّ نظرياتِنا ما هي إلا أدوات. وسوف أعارض هذا بوجهات النظر الخاصّة بي، والتي تبعاً لها تكون النظرياتُ خطواتٍ في طريق بحثنا عن الصدق؛ أو التي تبعاً لها نكون أكثرَ صراحةً وأيضاً أكثرَ تواضعاً في بحثنا عن حلولٍ أفضل وأفضل لمشكلاتٍ أعمقَ وأعمق (حيث "أفضل وأفضل" تعني.. "أقرب وأقرب من الصدق") (184)
يتوقف نمو المعرفة دائماً على تصويب معرفةٍ أسبق. ومن الناحية الترايخية، يبدأ العلم بمعرفة قبل ـ علمية، بأساطير قبل ـ علمية وتوقعات قبل ـ علمية. وهذه ـ بدورها ـ ليست لها "بدايات". إنها تبدأ حينما تبدأ الحياة. (185)
.. ويمكن أن يكون ثمة معيار جيد لخصوبة نظرياتنا وعمقها هو خصوبة وعمق المشكلات الجديدة، التي تنشأ عنها. (185)
إن المعرفة الراسخة لا تنمو. (186)
إن النظرية تبقى دائماً فرضية، أو حدسية افتراضية. تبقى دائماً عملاً من أعمال التخمين، لا توجد نظرية لا تكتنفها مشكلات. (186)
على الرغم من أننا لا نستطيع أن نحكم على نظرياتنا إلا "حكماً نسبياً"، بمغزى أننا نقارن بينها وبين بعضها البعض (ولا نقارن بينها وبين الصدق، الذي لا نعرفه)، فإن هذا لا يعني أننا نسباويون (بمغزى التعبير الشائع بأن "الحقيقة نسبية"). بل بالعكس، إننا نحاول بمقارنتنا بين النظريات، أن نجد النظرية التي نحكم بأنها اقتربت أكثر من الصدق (المجهول). وهكذا تلعب فكرة الصدق (الصدق المطلق) الدور الأهم في مناقشاتنا. إنها فكرتنا الحاكمة الرئيسية. وعلى الرغم من أننا لا نستطيع أبداً تبرير الدعوى بأننا بلغنا الصدق/ الحقيقة، فإننا في أغلب الأحوال نستطيع إعطاء أسبابٍ وجيهة، أو تبرير، لوجوب الحكم على نظرية ما بأنها أقرب إلى الصدق من سواها. (191)
إن الملاحظات والتجارب والمقاييس مثيرة للاهتمام فقط في سياق المناقشة النقدية لنظريةٍ ما. فلا هي نقطة بدايات للعلم، ولا هي معطيات. (192)

[إن النموذج النيوتني للنظام الشمسي] لا يتضمّن الشهب والنيازك ولا الغبار الكوني. لا يتضمّن ثقف ضوء الشمس ولا ثقل الأشعة الكونيّة. إنه لا يتضمّن حتى الخصائص المغناطيسية للكواكب، أو المجالات الكهربية الناتجة بجوارها عن حركة تلك المغناطيسيات. ولعل الأهم من هذا أنه لا يتضمّن أيَّ شيءٍ يمثّل تأثير الكتل النائية على أجرام النظام الشمسي. إنّ هذا النموذج تبسيط مفرط إلى حدٍّ بعيد، شأنه في هذا شأن كل النماذج.
وفي ما أعتقد، علينا الاعتراف بأن أنجح النظريات العلمية ما هي إلا تبسيطات مفرطة سعيدة الحظ. (204)
وعلى الرغم من أن هذا لا يطعن بالضرورة في صحة القوانين العمومية، يبدو هذا الطعن في الصحة لا مندوحة البتّة عنه بالنسبة إلى تشييد النماذج، في العلوم الطبيعية وفي العلوم الاجتماعية على السواء، وذلك لأنّ النماذج تبسيطٌ مفرطٌ للوقائع، ولهذا لا تمثّلها بصدق. (204)
إن التمييز الأساسي هو أن معتقدات الشخص ذي الصحة العقلية تكون قابلةً للتصويب: الشخص ذو الصحة العقلية يبدي استعداداً معيّناً لتصويب معتقداته. قد لا يفعل هذا إلا على مضض، لكنه مع ذلك مستعدٌ لتصويب رؤاه تحت وطأة الأحداث، والآراء التي يتمسك بها الآخرون، والحجج النقدية.
وإذا كان الأمر هكذا نستطيع إذاً القول إن عقلية الإنسان ذي وجهات النظر القاطعةِ الرسوخ، "الإنسان المتعصّب:، مماثلةٌ لعقلية الإنسان المجنون. ربما كانت كل آرائه الراسخة "موائمة" بمغزى أنها أتت لتتوافق مع أفض رأي متاح في وقتها. ولكن على قدر ما هو متعصّب، فإنه ليس عقلانياً: سوف يقاوم أيَّ تغيير، وأيَّ تصويب. وطالما أنه لا يمكن أن يمتلك الصدق المحكم الدقيق (ولا أحد البتّة يمتلكه) فسوف يقاوم التصويب العقلاني ولو حتى للمعتقدات الفادحة الخطأ. وسوف يقاوم حتى لو كان تصويبها واسع القبول إبان حياته. (213)
الإبستيمولوجيا والتصنيع
[حكم الفلاسفة]
أودّ أن أطرح دعوى تقول إن العالم محكومٌ بالأفكار: بالأفكار الجيّدة والسيّئة كلتيهما. وبالتالي محكوم بأولئك الذين ينتجون تلك الأفكار ـ أي بالفلاسفة، وإن يندر أن يحكمه الفلاسفة المحترفون.
وبالطبع الدعوى القائلة إن الفلاسفة هم الحكام فعلاً، ليست جديدة؛ في العام 1838 عبّر عنها هنريش هاينه على النحو التالي: "انتبهوا، يا رجال الفعل المزهوّين: أنتم لستم إلا أدواتٍ لاواعية لرجال الفكر، إنهم يعينون المهمة الأثيرة لكم، وغالباً في انعزال وتواضع. لم يكن ماكسميلان روبسبيير إلا ذراع جان جاك روسّو". (217)
.. وثمّة أمثلةٌ لا تحصى، تبيّن القوّة السياسية لأفكارٍ فلسفية.. [لقد] اعتلى ماركس سدّة السلطة، بعد وفاته بأربعةٍ وثلاثين عاماً، وذلك في شخص لينين، وهذا ما تكرّر بالتقريب حين اعتلى روسو سدة السلطة، بعد وفاته بستين عاماً، في شخص روبسبيي. (218)
وبالطبع، الماركسية الأصولية تنكر الأطروحة القائلة بالسلطة السياسية للأفكار: إنها ترى الأفكار أساساً كمعقّبات [كمترتّبات] لازمة عن التطورات التكنولوجية والصناعية. ويعلمنا ماركس أنّ وسائل الإنتاج هي التي تتغيّر أولاً.
وبالارتكان على هذا، سوف يتغير البناء الطبقي للمجتمع، وتتبعه الأفكار الدارجة. وفي النهاية، حين تتغيّر مجمل البنية التحتيّة، سوف يتغيّر نظام السلطة السياسية أيضاً. على أن التاريخ قد فنّد هذه النظرية، التي تناقض أطروحَتنا بسلطة الأفكار الفلسفية. خذ مثلاً تاريخ روسيا حتى العام 1917. هاهنا ما حدث أولاً كان اعتلاء السلطة؛ أي ما يجب أن يحدث لاحقاً وفقاً لنظرية ماركس. وبعد هذا أتت فكرة لينين العظيمة: الفكرة القائلة إن الإشتراكية هي ديكتاتورية البروليتاريا بالإضافة إلى الكهربة. وأخيراً جاءت الكهربة والتصنيع والتغييرات التي جرت في ما يسمى بالبنية الاقتصادية التحتية. وبالتالي، فرض هذا التغيير من أعلى، وعن طريق أداةٍ مستجدة للسلطة، هي الديكتاتورية المستجدة للطبقة.
وسوف أعمل لاحقاً على تبيان كيف ألهمت الأفكار الفلسفية أيضاً بأول ثورة صناعية، وهي الثورة الصناعية الإنجليزية. (218)
لنتذكر أنّ فكرة السلام على الأرض فلسفية مثلما هي فكرةٌ دينية، وأن فيلسوفاً هو إيمانويل كانط كان أول من صاغ فكرة الاتحاد الفيدرالي العالمي في عصبة للأمم. (219)
ويمكن اعتبار انتصار فكرة السلام انتصاراً متأخّراً لإرازموس الروتردامي بعد وفاته بما يقرب من أربعمائة عام.
.. شن لوثر هجومه على إرازموس لأنه رأى فكرته عن السلام مرتبطةً بفكرة التسامح، وكتب يقول: "لو لم أكن قد رأيت هذه الاضطرابات (يتحدث لوثر عن الحرب وإراقة الدماء) لحقّ لي القول إن كلمة الرب ليست على الأرض. أما الآن وقد رأيتُها، فإني أقرّ عيناً..". "إن الرغبة في تهدئة هذه الاضطرابات ليست أقلّ من هجران كلمة الربّ وإخماد جذوتها". ويرد على احتكام إرازموس للسلام والتفاهم قائلاً: "لنوقف العويل والنواح، لنوقف محاولات الإبراء (لأدواء العالم)! هذه الحرب حربُ إلهنا الربّ. سبحانه افتتحها، وسبحانه يساندها، ولن تتوقف أبداً إلا حين يصبح كل أعداء الربّ روثاً تحت أقدامنا". وفي هذا المقام ينبغي أن نتذكّر كيف أنّ إرازموس ورفاقه لم تنقصهم الشجاعة الأدبية. ثمة صديقان لإرازموس، هما السير توماس مور وجون فيشر، ناصرا مثلَه التسامح، وفي الأصل لم يستشهدا من أجل الكاثوليكية الرومانية، بل كانا ـ فيما أعتقد ـ شهيدين لفكرة النزعة الإنسانية، من حيث كانا معارضَين للبربرية والحكم التعسفي والعنف. وإذا كنا اليوم ننظر إلى المسيحية كقوّةٍ دافعةٍ للسلام والتسامح، فإننا بهذا نشهد على الانتصار الروحي لإرازموس. (220)
ربما كانت فكرة السيادة على الطبيعة في حدّ ذاتها فكرةً محايدة. وحين يكون الأمر هو مدّ يدِ العون لإخواننا البشر، حين يكون التقدم الطبي والكفاح ضد الجوع والبرس، فإني بطبيعة الحال أرحّب بالقوة التي ندين بها لمعارفنا عن الطبيعة. ولكني أخشى أنّ فكرةَ السيادة على الطبيعة تتضمّن في الغالب عنصراً آخر ـ إنه إرادة القوّة في حدّ ذاتها، إرادة الهيمنة. ولا أستطيع أن أتعاطف مع فكرة الهيمنة. إنها هرطقةٌ ودنس واستكبار في الأرض. ليس البشر آلهة، ويجب أن يعرفوا هذا. لن نهيمن على الطبيعة أبداً.(226)
بيكون .. هو من المنظور العقلاني أو النقدي لم يكن من فلاسفة العلم العظام. كتاباتُه هزيلة ويسودها الادعاء والغرور، تقع في التناقضات وضحلة وفجّة. وكانت نظريته عن الاستقراء الذائعة الشهرة والنفوذ، وعلى قدر ما قام بتطويرها، غير ذات علاقة بالإجراءات الفعلية في العلم. (وكان الكيميائي العظيم جوستوس ليبج هو الذي بيّن بقوّة ومضاء). لم يفهم بيكون أبداً المقاربة الثظرية لكوبرنيقوس، أو لجلبيرت، أو لمعاصريه جاليليو وكبلر. ولا هو تفهم مغزى الأفكار الرياضية بالنسبة إلى العلم. ومع هذا يصعب أن يجاريه في نفوذه أيٌّ من فلاسفة العصور الحديثة. وحتى يومنا هذا لا يزال كثيرون منالعلماء يعدونه أباهم الروحي. (226)
آمن [بيكون] بأنه في غضون عامين أو ثلاثة، سيستطيع أن يقرأ مجمل كتاب الطبيعة وينجز مهمة العلم الجديدة مكتملة..
كان المنهج الذي طرحه غير ذي علاقة البتة بمنهج العلم الجديد لدن جيلبرت أو جاليليو أو كبلر، أو بالمكتشفات اللاحقة لبويل ونيوتن. (229)
تعلمنا من أينشتاين أن العلم يعطينا دائماً مجرد فروضٍ أو حدوس افتراضية بدلاً من معرفة يقينية. (233)
في عصرنا هذا قد تخلينا عن فكرة المعرفة اليقينية المطلقة، لكننا لم نتخلّ أبداً عن فكرة البحث عن الصدق/ الحقيقة.
.. الفروض لا تقبل التحقق أبداً، ولكن يمكن تكذيبها. يمكن تعريضها للنقد، واختبارها. (233)
كانت نظرية أفلاطون في الخطأ هي أن ميلادنا نوعٌ من السقوط الإبستيمولوجي، سقوط من أعلى الأعالي: حين نولد ننسى الجانب الأبهى من معرفتنا، الذي هو اتصالنا المباشر بالحقيقة. وبالمثل، جاهر بيكون (وديكارت) بأن الخطأ لا يفسّره إلا نقائصنا الشخصية. نحن نقع في الخطأ لأننا نتشبث بانحيازاتنا بعناد بدلاً من أن نفتح عيون البصر أو عيون البصيرة على الحقيقة البيّنة. نحن خطّاؤون إبستمولوجياً.



ليست هناك تعليقات: