الثلاثاء، 3 يناير 2017

الديموقراطية عند ماكس فيبر؛ ترجمة ياسين السويحة.




الديمقراطية عند ماكس فيبر

جريدة الجمهورية؛ 22 يوليو 2014



هل بإمكاننا تجنّب سيطرة البيروقراطيّة والتكنوقراطيّة في المجتمعات المُركّبة؟ هل من طريقة لكبح جنوح هذا، تواجدت في جوهر انشغالات عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (١٨٦٤-١٩٢٠). سوّد كاتب الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرأسماليّة عشرات الصفحات مفكّراً في هذه المسائل، وغيرها من المعضلات التي تشكّل نواة الديمقراطيّة.
أسوةً بشومبيتير 1، اعتبر ماكس فيبر أن هوامش المشاركة المباشرة في الحياة السياسيّة ضيّقة. انصبّت أعماله نحو تثبيت مفهوم الديمقراطيّة بكونها وسيلة لاختيار أصحاب القرار، ولوضع أثقال مضادّة للتخفيف من تجاوزات أصحاب القرار هؤلاء. في كتاباته، ساجل ماكس فيبر بشكل متكرر حول عوامل الحرّية الفردية في حقبة عاشت تطورات اجتماعية واقتصادية وسياسيّة هدّدت جوهر الثقافة السياسيّة الليبراليّة.
بإمكاننا القول إن عصب عمل فيبر كمن في البحث عن التوازن ما بين القوّة والحق،ّ السلطة والقانون، حُكم الخبراء والسيادة الشعبيّة. وقد عنت اشتغالات فيبر بهذه الشؤون مراجعة تأسيسية للأسس الليبراليّة، وبرزت كأكثر التحديات النظريّة تماسكاً وإقناعاً للماركسيّة، ولا سيما في الفضاء الأنغلوساكسوني. لذلك، تمتّع فكر ماكس فيبر بنفوذ كبير في نتاج من لحقه من المفكرين والأكاديميين، الذين تكوّنت أعمالهم على صدى أطروحات عالم الاجتماع الألماني الأشهر.
العقلنة والتحرر من السحر
لا يعني التضادّ المتكرّر بين ماكس فيبر وكارل ماركس افتراقاً كاملاً بين المفكّرَين، ففيبر يقبل، إلى حدًّ بعيد، أطروحات ماركس حول طبيعة الرأسماليّة، رغم أنه يرفض الأفكار السياسيّة الماركسيّة بالمطلق. إن كانت الرأسماليّة، في بعض أوجهها، نظاماً اجتماعياً-اقتصادياً إشكالياً، ولا سيما فيما يخص التوازن بين الحرّية والمساواة، فلا براهين عقلانيّة على أن استبدال الرأسماليّة بالاشتراكيّة سيحلّ هذه الإشكاليات.
يتفق فيبر على أهمية الصراع الطبقي الضاري في حقب عديدة من التاريخ، ويوافق على أهمية العلاقة بين الرأسمال والعمل المأجور في تفسير خصائص الرأسماليّة الصناعيّة، لكنه يخالف اختزال تفسير الصراع بتحليلات المسألة الطبقيّة، فهو يعتبر أن الطبقات ليست إلا بُعداً واحداً من أبعاد توزيع الموارد والصراع على السلطة. الأحزاب السياسيّة والدول-الأمم هي بدورها «جماعات وضعيّة» –حسب تعبيره– ولا تقلّ أهمية عن الطبقات، وحرارة التضامن الجمعي والتعاضد الإثني وجاذبيّة السلطة والقوميّة هي أيضاً عوامل مهمة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، حسب رأي فيبر. الصراع الطبقي عامل مهم، لكنه ليس وحده محرّك التاريخ.
عدا هذا، يرى فيبر في الرأسماليّة الصناعية ظاهرة غربيّة الأصول والقيم بامتياز، وفي هذا يخالف تحليل ماركس للمفهوم، ويرى أيضاً أن «العقلانيّة» هي الخاصّيّة الغربيّة الأبرز للرأسماليّة، وهي خاصّيّة أعقد من أن تُفسّر بالاقتصاد وحده.
العقلانيّة، حسب فيبر، هي مدّ المنطق التقني ليشمل مساحات أوسع من فضاء الحياة. التخصّص والعلم والتكنولوجيا عوامل يجب أن تنمو لتلعب أدواراً أكثر أساسيّة في الحياة الحديثة، وهذا يؤدي لما أسماه «نزع السحر». لم يعد هناك رؤى إجماعيّة للعالم نتيجةً للضعف الذي حلّ بالأسس التقليدية للمجتمعات. حسب فيبر، لم يعد هناك، خارج خيارات الفرد، تفسير أخير ومطلق لـ«أيّ إله خصم علينا أن نعبد». على كلّ فرد أن يختار القيم التي يدافع عنها، وهذا هو «مآل الحقبة التاريخية التي تغذّت من شجرة المعرفة».
في عالمٍ ذي قيم متضادة، حيث لا يجوز اعتبار قيمة بعينها صالحة موضوعياً بمعزل عن غيرها، لم تعد الأفكار حول حياة سياسيّة مبنيّة على قيمة أخلاقيّة واحدة ممكنة. عند هذه النقطة، ليس بالإمكان المرافعة عن السياسة الليبراليّة إلا على أساس الإجرائيات، وهذا يعني التأكيد على أهمية الآليات التي تسهّل المنافسة بين القيم. أي، بمعنى آخر، حرّية الاختيار في عالم مُعقلن. من هنا تنطلق أهمية الديمقراطيّة كمكوّن حيوي للإصلاحات المؤسساتية اللازمة للحفاظ على الثقافة السياسيّة الليبراليّة.
اعتبر فيبر أن العقلنة تستوجب امتداد البيروقراطيّة بشكل حتمي، وفي حين عنى ماركس وإنجلز الإدارة العامة بكتاباتهم عن البيروقراطيّة، استخدم فيبر معنىً أوسع للمصطلح، شمل الدولة والشركات والصناعة والنقابات والأحزاب والجامعات. اتفق فيبر مع ماركس في القول بأن البيروقراطيّة ليست ديمقراطيّة، إذ إن البيروقراطيين غير مسؤولين أمام السكان المتأثرين بقراراتهم، لكن فيبر أكّد على عموميّة مشكلة الهيمنة البيروقراطيّة، إذ لا سبيل لتجاوز إلا بتحديد امتداد البيروقراطيّة، حيث أن تجاوز الدولة، ببساطة، مستحيل.
دور البيروقراطيّة
ينشأ اعتبار التنظيم البيروقراطي كمكوّن طفيلي في المجتمع من أطروحات ماركس نفسه، بالإضافة لمساهمات ماركسيين آخرين، ولا سيما لينين. ينفي فيبر إمكانية الاستغناء عن الإدارات المركزيّة، خاصة وأنه يؤكد على استحالة تطبيق الديمقراطية المباشرة كنظام للحكم والإدارة.
لم يعتبر فيبر أن الديمقراطية المباشرة مستحيلة التطبيق لعلل في ذاتها، بل طرح أنها مستحيلة الاستخدام في تنظيمات واسعة ومركّبة مثل الدول الحديثة. تقتضي الديمقراطية المباشرة مساواة تامة بين جميع المشاركين، ومجتمعاً متجانساً إلى حدّ بعيد. لذلك، كان من الممكن تخيّل الديمقراطية المباشرة في أرستقراطيات الدول-المدن في إيطاليا العصور الوسطى، أو في بعض بلديات الولايات المتحدة، أو ضمن جماعات مهنيّة نخبويّة مثل أساتذة الجامعات. أما في المجتمعات المعاصرة، بما تحمله من تنوّع وتعقيد، فالصعوبات أمام إمكانية تطبيق ديمقراطية مباشرة أكبر من أن يمكن التغلّب عليها.
اعتبر فيبر أن تركيب المجتمعات المعاصرة وتعقيدها هو ما يلغي إمكانيّة أي طرحٍ بديل للدولة، ورأى أن ماركس وإنجلز ولينين خلطوا بين الطبيعة الطبقيّة للدولة (كأداة في يد البرجوازيّة) وبين السؤال حول ضرورة الإدارة البيروقراطية المركزيّة لإحراز تنظيم سياسي واجتماعي. هنا، يؤكد فيبر أنه لا يمكن للمواطن الحديث أن يُنشئ بُنىً إداريّة غير بيروقراطيّة.
كلما ازداد تعقيد وتمايز الحياة الاقتصاديّة والسياسيّة، زادت الحاجة للإدارة البيروقراطيّة، ولهذا الواقع علاقة بمشكلات النظم الاقتصادية الحديثة ومجتمعات الاستهلاك. تحتاج الشركات وسطاً سياسياً وقانونياً متوقّع السلوك، ودون ذلك لا تستطيع هذه الشركات إدارة شؤونها الذاتية وعلاقاتها مع المستهلِكين. الفعاليّة والاستقرار التنظيمي، وهما عاملان مستحيلا الإنجاز على المدى الطويل دون بيروقراطيّة، ضرورتان أساسيتان لنمو التجارة والصناعة.
ساهمت الكتل السكانية في تسريع العملية البيروقراطيّة، والتي بدأت كاستجابة للاحتياجات الرأسماليّة، إذ إنّ تضاعف أعداد المواطنين من زاد الطلب على الدولة، كمّاً ونوعاً. هؤلاء الذين حصلوا لتوّهم على حقّ الاقتراع يحملون مطالب أكبر للدولة، ولا سيما في مجالات الصحّة والتعليم، ما يزيد الطلب على إدارات متخصصة. صحيح أن تجنّب حُكم الموظفين هو أمر ممكن، لكن نفوذهم، المبنيّ على استحواذهم على المعلومات وقدرتهم على الوصول إلى الأسرار الحكوميّة، يمنحهم سلطة مهيمنة بشكل كبير، ما قد يتسبب بتبعيّة السياسيين في مراحل كثيرة.
شكّلت معضلة السيطرة على التسلّط البيروقراطي مسألة مركزيّة بالنسبة لفيبر، إذ عبّر عن قناعته بأن العجز عن السيطرة على هذا التسلّط سيوقع النظام العام فريسة الموظفين، وتحت نفوذ المصالح الخاصة (مثلاً، الرأسماليين المنظَّمين والإقطاعيين الكبار). رأى أيضاً أن التسلّط البيروقراطي يمكن أن يُفرز قيادات عاجزة عن التصرّف بفعاليّة وحكمة في أوضاع الطوارئ الوطنيّة، فالبيروقراطيون، على عكس السياسيين عموماً، عاجزون عن اتخاذ مواقف حاسمة وثابتة، ويفتقدون للتأهيل اللازم لأخذ العوامل السياسية والاقتصادية والتقنية بعين الاعتبار لحظة اتخاذ القرار.
جعلت الأفكار المذكورة أعلاه من ماكس فيبر نقدياً للغاية أمام الفكر الاشتراكي، إذ اعتبر أن إلغاء الرأسماليّة الخاصة يؤدي لهيمنة البيروقراطيّة على القرار الأعلى في الشركات المستملَكة والمؤمَّمة، ورأى أنّ إلغاء السوق يعني خسارة ثقل مضاد لهيمنة الدولة. الاشتراكيّة، حسب فيبر، لن تُنهي هيمنة رأس المال، بل ستتحوّل إلى نمط أصمّ من البيروقراطيّة، يُنهي كلّ التعبيرات عن المصالح المتضاربة باسم تعاضد وهمي، تحكم الدولة البيروقراطيّة فيه وحدها. أمام هذه الاحتمالات، دافع فيبر عن التنمية المرتبطة بحكومة برلمانية ونظام أحزاب، واعتبر أن هذا النموذج هو أفضل الممكن لتجنّب استلاب الموظفين لسلطة الدولة.
البرلمان والديمقراطية
لم يرَ فيبر تأثيراً للنفوذ المتزايد للكتل السكانية في السياسة على مبدأ حُكم الأقلية، متفقاً في هذا المبدأ مع شومبيتير. الفعل السياسي، كمُعطىً، محكوم بمبدأ العدد القليل، أي إن الفعاليّة السياسية والمقدرة على المناورة بمرونة متناسبتان عكساً مع عدد أفراد المجموعة الحاكمة. بهذا المعنى، يؤثر دخول الكتل السكانية إلى السياسة على آليات اختيار أعضاء مجموعة الحُكم، وليس على حجم هذه المجموعة.
تُبنى المرافعة الفيبريّة عن الديمقراطيّة وفق رؤيتها أن دور الكتل السكانية في السياسة يأخذ، بفضل الديمقراطيّة، أشكالاً منظّمة. لا مفرّ من تعميم حقّ الاقتراع، لكن هذا لا يعني أن تتبوأ كتل السكان دور الصدارة في القرار السياسي. اتخذ فيبر، عموماً، آراء قليلة الثقة بالناخبين، واعتبر أنه لا فرص فعليّة للناخبين في المشاركة في الحياة المؤسّساتية. في نصّه الشهير «السياسة كموهبة» (وهو نصّ واجب القراءة على كلّ طالب علوم سياسيّة) أشار فيبر إلى الطابع الانفعالي للناخبين، الذي يجعلهم قليلي الأهليّة لفهم الشؤون العامة والحُكم فيها.
رغم ذلك، لم يعتبر فيبر أن تعميم حقّ الاقتراع هو الموضوع الأكثر إلحاحاً للمجتمعات في زمنه، بل أشار إلى نموّ بيروقراطيّة جهاز الدولة وتضاعف مستوى الأوليغارشيّة ضمن المنظمات السياسيّة. لذلك، رأى أن وضع البيروقراطيّة تحت السيطرة هو أحد أهم المسائل التي تواجه السياسة في المجتمعات الحديثة، واعتبر أن البرلمان القوي وحده هو الأسلوب الناجح لحلّ هذه المعضلة. دون ذلك، تواجه الديمقراطيّة مصير التحوّل إلى حُكم الموظفين، كما كان الحال في ألمانيا تلك الحقبة، حسب رأيه.
ترك خروج بيسمارك من مستشاريّة الرايخ عام ١٨٩٠ الحُكم بيد الموظفين، فقد ألغى «المستشار الحديدي» كل منافسيه وخلفائه المحتملين، تاركاً فراغاً مطلقاً في قيادة الدولة. عدا ذلك، كان الوضع الدستوري للبرلمان ضعيفاً للغاية، فالدستور الألماني لم يمنح البرلمان سلطة تشكيل الحكومات على غرار الملكيات الديمقراطيّة الأوروبيّة، بل كلّفه بمهامّ لا تتعدى مسؤوليات الميزانيّة، وكان على كلّ مسؤولٍ حزبي مهمّ يتم تكليفه بحقيبة وزارية أن يترك مقعده في البرلمان، ما أدى إلى إفراغ البرلمان من الخطوط الحزبية الهامة. يضاف على ما سبق التوجّه، السائد آنذاك، بتعيين موظفين على رأس وزارات، ما أدى لوجود حكومات وظيفيّة للغاية، وعديمة المسؤوليات السياسية.
كيف كان بالإمكان الحفاظ على الفرديّة والحريّات في وجه المنحى التسلّطي للبيروقراطيّة؟ بالنسبة لفيبر، الحلّ الوحيد لمنع الهيمنة البيروقراطية هو تنمية الحياة البرلمانيّة. البرلمان القوي ليس ضرورةً فقط من أجل جمع القيادات السياسيّة، بل هو المكان الأنسب كي يكوّن القادة السياسيون أنفسهم، وكي ينموا ضمن السجال السياسي.
وضع فيبر نقاطاً عديدة لبرهنة أهمية وحيويّة وجود البرلمان. في المقام الأول، اعتبر أن البرلمان يكفل درجة من النفوذ والوصول إلى الحكومة، كونه المنبر المؤسسي للحوار حول السياسات العامة، وهذا ما يمنح فرصة للأفكار المتعارضة للتعبير عن نفسها، وهو أمر شديد الأهمية في زمن تعدّدية القيم. بالإضافة إلى ذلك، تكمن أهمية البرلمان أيضاً في كونه حيّز تجربة، قوامه النقاش البرلماني ومهارات الخطابة المطلوبة للإقناع لدى مرشحي المناصب القيادية، ليطرحوا مواقفهم ورؤاهم، ويحشدوا رأياً عاماً لصالحهم وليقدموا برامجهم السياسية.
يوفّر البرلمان، أيضاً، فرصة للتفاوض ما بين المواقف المتضادّة، حيث يطرح الممثلون السياسيون البدائل على الأفراد والمجموعات ذوي المصالح المتنافرة، ما يمكّن من الوصول لحلول وسطى بين هذه المواقف والمصالح المتعارضة. لذلك، بإمكان البرلمانيين أن يقدّموا أطروحات ومواقف تتلاقى مع رؤى المواطنين المتغيّرة، وتتناسب مع الاستراتيجيات الموضوعة من أجل تحقيق انتصارات انتخابيّة ووطنيّة. بالمحصلّة، يرى فيبر أن البرلمان هو آلية جوهرية للحفاظ على التنافس القيمي.
أوليغارشيّة الأحزاب والقيادة
رغم إيمانه الكبير بالبرلمان، اهتم فيبر أيضاً بنموّ الأوليغارشيّة داخل الأحزاب السياسيّة. فقد أدّى نموّ عدد الناخبين، الناتج عن تعميم حقّ الاقتراع، إلى استفحال معارك استقطاب الأصوات. لذلك، بدأت الأحزاب السياسيّة باتخاذ بُنى تنظيمية أكثر تعقيداً لتحسين قدرتها على الاستقطاب، ونموّ البيروقراطيّة الحزبيّة هذا أدّى لتبنّي إجراءات صارمة وصلبة، ترمي للوصول لأوضاع تماسك كبيرة على مستوى الأعضاء الحزبيين والبرلمانيين، ما يقلّل من فرص إقامة نقاشات وحوارات حقيقية وحرّة ضمن الحزب.
نمو الأحزاب السياسيّة الجماهيريّة (الشيوعيين، الاشتراكيين الديمقراطيين، الديمقراطيين المسيحيين) أثّر سلباً على المنطق الليبرالي الكلاسيكي في اعتبار البرلمان مكاناً للتفكير والنقاش العقلانيَين. صحيح أن البرلمان هو، من حيث المبدأ، الجسم الشرعي الوحيد القادر على سنّ القوانين وسكّ السياسات الوطنيّة، لكنّ الواقع يرينا أن السياسات الحزبويّة هي المهيمنة على الحياة السياسيّة.
تحتاج القوى السياسيّة لتحريك موارد وتجنيد أتباع وكسب أفراد لصالحها من أجل تحقيق أكبر قدر من النفوذ السياسي، وهذا المستوى من التنظيم يؤدّي لوجود أنماط من التبعيّة للجهاز الحزبي، أي للسياسي المحترف. هذا الواقع، برأي فيبر، يتعارض مع الطبيعة البرلمانية الصحيحة، فالأحزاب السياسيّة تنحو باتجاه نبذ الانحيازات التقليديّة، وتفرض نفسها كمراكز ولاء، رافعةً منسوب الضغط باتجاه المرافعة لصالح السياسات الحزبيّة، حتى على المسؤولين المنتخبين. محصّلة هذه الآلية السلبية، كما يُشير فيبر، هي تحوّل الممثّلين المنتخبين إلى ثلّة من الكسالى، يصوّتون لصالح خيارات الحزب بانضباط، مهملين ديناميكيات الحوار البرلماني الصحّي والصحيح بالكامل.
ختاماً، نشير إلى أن مسألة القيادة أخذت، بدورها، حيزاً كبيراً من الفكر السياسي لفيبر، لكن أفكاره حول الموضوع لم تكن دوماً واضحة. في بداية تفكيره بالموضوع، اعتبر فيبر أن القائد السياسي يجب أن يخرج من البرلمان حصراً، إذ اعتبر أن النظام البرلماني وحده القادر على إنتاج القادة السياسيين المؤهّلين، والذين سيتحوّلون لاحقاً لمسؤولين ضمن إدارة الدولة. لاحقاً، في كتاباته حول الشكل المستقبلي للدولة الألمانية (١٩١٨) دافع فيبر عن فكرة أن يكون الرئيس الألماني منتخباً من الشعب بشكل مباشر، حيث رأى أن «أي رئيس للرايخ منتخب من البرلمان، وفق حسابات وتوافقات وتحالفات حزبية معيّنة، سيكون رئيساً في حكم الميّت سياسياً حالما تتغيّر هذه الحسابات والتوافقات والتحالفات».
الاقتباس المذكور أعلاه يصوّر بوضوح الفرق بين القائد القوي، المنتخب بمشاركة عموم الشعب من جهة، ومن جهة أخرى البرلمان كساحة تلتقي فيها تعبيرات المصالح الجماعية. في معرض دفاعه عن فكرة الرئيس المنتخب شعبياً، اعتبر فيبر أن هذا النظام الرئاسي، وليس البرلماني، هو الديمقراطيّة الحقيقيّة. هكذا، يبدو أن فيبر وصل لقناعة مفادها أن الديمقراطيّة هي إعادة تكوين القيادة الكاريزميّة بشكل غير تسلّطي. القائد الشرعي هو الرئيس المنتخب –أو المعزول– بحرّية من قبل محكوميه، ولا وجود للكاريزما القيادية دون أن تُشرعن ديمقراطياً عبر الانتخابات.
بعض الملاحظات الختامية
تمكّن فيبر في كتاباته من تكثيف بعض المعضلات التي ما زالت سارية المفعول حتى يومنا هذا. لا شكّ بأننا نعيش في مجتمعات تزداد تعدديّتها مع مرور الوقت، ولا شك أيضاً أن الديمقراطية تحوي جوانب إجرائية كثيرة لضمان التنافس الحرّ بين القيم، وهذا ما دعاه للتفكير المديد والقلِق في موضوع توسّع أشكال الحُكم البيروقراطيّة. ليس هذا موضوعاً بسيطاً في المجتمعات المركّبة، حيث ينتظر المواطنون الكثير من الحكّام. يستوجب، في هذا المجال، فهم البيروقراطيّة وفق أوسع تعريفات المفهوم.
الآن، وبما أننا في خضم النقاش حول دور الدولة مقابل نفوذ المنظمات التكنوقراطيّة فوق الدوليّة 2، علينا ألا ننسى تحذيرات فيبر في هذا المجال، أكان بخصوص نفي حتميّتها كأطر تنظيم، أو بما يخص الحاجة للسيطرة عليها والحفاظ على اعتدالها، ولا سيما أننا شهود على انعدام مسؤوليتها السياسيّة. ما هي حدود التكنوقراط؟ وما هي حدود السياسة؟ إنها تساؤلات ما زالت راهنة في وقتنا الحاضر، بل ثمة فرعٍ متكامل في العلوم السياسيّة يُعنى بدراسة العلاقة، المُعقّدة دوماً، بين البيروقراطيين والمسؤولين المنتخَبين.
يصحّ القول إن فيبر وضع ثقة زائدة في دور البرلمان في الحياة السياسيّة، ويصحّ أيضاً أن إنذاراته حول تنامي الأحزاب الجماهيريّة حملت بعض المبالغة. في الواقع، شهد فيبر احتضار السياسة الليبراليّة النخبويّة وولادة الأيديولوجيات الكبرى. حمل التجديد السياسي هذا نتائج كارثيّة لبلده ألمانيا، وهذا ما يجعلنا نعتبر أن انعطافه الفكري نحو دور القائد الكاريزمي المنتخب شعبياً ربما كان تطوّراً فكرياً، ناتجاً عن خيبات معايشته لممارسات سياسية بعيدة كلّ البُعد عن فكرته المثاليّة: الممارسة السياسيّة المعتدلة والتعدديّة ضمن المؤسسة البرلمانيّة.

(عن مجلة جوت داون الثقافية الإسبانية)

الأخلاق في السياسة
من خلال محاضرة ماكس فيبر "مهنة رجل السياسة والتزامه"
كمال بنعلي
(مؤمنون بلا حدود؛ 2014)


الملخّص:
إنّ ما ننشغل بالتفكير فيه في هذه الدّراسة، هو إشكاليّة عامّة وعريقة ما انفكّت تؤرّق التفكير السياسي، وهي طبيعة العلاقة المفترضة بين الأخلاق والسياسة. لذلك نعاود التفكير فلسفيّاً في هذه المسألة بالاستناد إلى محاضرة فيبر الموسومة بـ"مهنة رجل السياسة والتزامه"، لا سيّما أنّ هذه المحاضرة ما تزال تحتفظ براهنيّتها إلى اليوم، وذلك من جهتين على الأقلّ:
أوّلاً: إنّ السّياق الثوري الذي حفّ بإلقاء هذه المحاضرة شبيه إلى حدّ بعيد بالوضع الذي نعيشه اليوم، إذ بعد أخذ الأنظمة الشموليّة في التهاوي تباعاً، يفرض السؤال التالي نفسه: ما هو شكل النظام السياسي الذي يستجيب لتطلـّعات إنسان ما بعد الثورة؟ لقد قدّم فيبر حلاًّ متمثلاً في دولة مهيكلة ومنظّـمة بيروقراطيّاً، كما أبدى إعجابه بالكاريزم كرمز لرجل السياسة المفترض. لكن لا يهمّنا الحلّ الذي قدّمه بقدر ما يهمّنا اليوم كيف فكّـر في آنيّته، وكيف اضطلع بمسؤوليّته بصفته مفكّـراً سياسيّاً.
ثانياً: لقد اتّـسم الوضع الثوري في عصر فيبر بـ"حرب بين القيم" التي تعني تعدّد التجاذبات والمماحكات القيميّة، وهو ما نشهد طغيانه اليوم. هل يجب أن يكون العمل السياسي مشروطاً بقيم دينيّة أم ديمقراطيّة أم كونيّة أم براغماتيّة؟ وبالتالي إنّ التردّد بين قيم متباينة - الذي حكم تفكير فيبر في السياسة- هو نفسه ما نلحظ حضوره الحارق اليوم.
في استجماعنا للنقطتين السابقتين، تظهر لنا المشكلة التي نعتزم البحث في تفاصيلها، وهي كيفيّة توحيد الشأن العامّ السياسي حول مشروع مجتمعي مشترك بعدما مزّقته الصراعات السياسيّة، ثم وبالقدر نفسه كيف نؤسّس لقيم متجانسة تكون المرتكز الأخلاقي للفعل السياسي؟ بذلك نفهم رهان تحديد فيبر للسياسة، كمهنة من ناحية، وكالتزام من ناحية أخرى، وهو تحديد يُؤلّـف بين القدرة على الفعل وبين الحكمة العمليّة التي ينبع منها ذلك الفعل.
هكذا نستأنف النظر في التساؤل الذي طرحه فيبر أثناء محاضرته، والذي ما زال إلى اليوم يحتفظ بكامل وجاهته: "كيف يطرح المشكل المتعلّـق بالعلاقات الحقيقية بين الإيتيقا والسياسة؟". تتفرّع عن السؤال المركزي عدّة إحراجات منها: أيّ علاقة ممكنة بين الممارسة السياسية والإيتيقا؟ وكيف للسائس أن يعيّن فعله في وضع تتجاذبه فيه عدّة عناصر متباينة، منها الاقتناع والمسؤوليّة والمجازفة والمبادرة واتّخاذ القرار الذي قد لا يخلو من ممارسة العنف؟ وإذا كان السائس ملتزماً بالقيم الأخلاقيّة، ألا يمثّل ذلك عائقاً أمام نجاعة فعله؟ أليس من الحنكة السياسيّة أن يستقلّ السّائس عن كلّ ضروب المعايير الأخلاقيّة؟ أم أنّ الفعل السياسي يجب أن يلتزم بإيتيقا معيّنة كي لا يسقط في الطغيان؟ ألا تمثل الإيتيقا جملة من الضوابط الملزمة والمؤطّرة للفعل السياسي؟ ألا يكفي السائس احتكاره ممارسة العنف كي نترك له أيضاً احتكار القيم الأخلاقيّة وتوظيفها للمزيد من تبرير العنف؟
نحاول في بحثنا أن نفصّل هذه المشكلات، وأن نتعرّف على موقف فيبر منها، ثمّ سننفتح على إجابات أكثر جذريّة من تلك التي قدّمها في محاضرته، وذلك استئناساً ببعض مفكّري الشأن السياسي والأخلاقي في أواخر القرن العشرين.
يحمل العنصر الأوّل الذي يمثّل قطب هذه الدّراسة عنوان "في إيتيقا السياسة"، تناولنا فيه عرض فيبر لقاعدتين أساسيّتين للفعل السياسي، هما: "إيتيقا الاقتناع" و"إيتيقا المسؤوليّة". لقد عدنا إلى المعاجم الفلسفيّة كي نظفر بتعريف دقيق للاقتناع. ثمّ لمّا كان أصلها الديني يعود إلى "إيتيقا الإنجيل المطلقة"، كما بيّن ذلك فيبير، وجدنا تأصيلها الفلسفي في "أخلاق الواجب الكانطية"، لذلك كانت العودة إلى "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" ضروريّة. ثمّ انتهينا بعد ذلك إلى التضارب الصارخ بين الاقتناع في نسختيه المسيحيّة والكانطيّة مع الفعل السياسي، وذلك بسبب واقعيّة الثاني ونسبيّته، وإطلاقيّة الأوّل ومثاليّته. هذا الأمر دعانا إلى اختبار "إيتيقا المسؤوليّة في علاقتها بالفعل السياسي" بالاستناد إلى فيبير: حيث قمنا بمقارنة الاقتناع والمسؤوليّة، ثمّ انتهينا إلى أنّ الفعل السياسي لا بدّ أن يشترط المسؤوليّة على النتائج المترتّبة عليه، سلبيّة كانت أم إيجابيّة. إلا أنّ المسؤوليّة كما قدّمها فيبر تبدو ذات مدى محدود كما برّرنا ذلك. لهذا الغرض، انفتحت هذه الدّراسة على مدى وجودي أعمق لمفهوم المسؤوليّة مع جان بول سارتر إذ إنّ الإنسان بإطلاق ـ وليس السياسي فحسب ـ محكوم عليه أن يختار الفعل الذي يريد ضمن وضعيّة وجوديّة مخصوصة شرط أن يكون مسؤولاً عمّا يفعل.
أمّا العنصر الثاني، فنقديّ بالأساس لموقف فيبر من الإشكالية موضوع البحث. وقد ركّزنا نقدنا على ما يُسمّى "بالقراريّة الفيبريّة" التي تعني الحياد الكلّي للسياسة عن كلّ المعايير الأكسيولوجيّة،وبالتالي من حقّ السياسي أن يمارس العنف متى كان ناجعاً دون الاحتكام لعقل عملي يكون بمثابة الضابط الأخلاقي. إنّ هذه "القراريّة" أفرزت تبعات كارثيّة على مستوى الممارسة السياسيّة (حروباً عالميّة / أنظمة شموليّة) كما أنتجت تنظيراً سياسيّاً وفلسفيّاً للاستبداد، وقد استندنا في هذا المستوى على نقد كلّ من هابرماس وآلان رونو لمنطق القراريّة. ثمّ بعد ذلك خلصنا، في خاتمة هذا البحث، إلى فتح آفاق نحو الحلّ الفلسفي البديل عن فشل السياسي، فكان حلاّ ذا طبيعة إيتيقيّة من خلال تناول نظريّة الفعل التواصلي لهابرماس.

ليست هناك تعليقات: