الثلاثاء، 5 يونيو 2018

أنطولوجيا الوجود الإنساني بين هيغل وهايدغر؛ د. أشرف منصور



أنطولوجيا الوجود الإنساني بين هيغل وهايدغر

 

الدكتور أشرف حسن منصور


 مقدمـــة :
يقدم لنا هايدجر فلسفته على أنها أنطولوجيا للوجود الإنسانى أو الدازاين
Dasein، ويذهب إلى أن الفينومينولوجيا هى المنهج الذى يستخدمه فى تأسيس مثل هذه الأنطولوجيا، ويعلن أن الفينومينولوجيا لديه تجد أصولها عند هوسرل، لكن يقيم عليها هايدجر تعديلات جوهرية كى تناسب المهمة التى تنفذها وهى تأسيس أنطولوجيا الدازاين. والملاحظ أن فلسفة هايدجر وفق هذا التحديد العام تقترب من فلسفة هيجل، ذلك لأن هيجل هو الآخر يؤسس لأنطولوجيا تظهر فى كتابه ” علم المنطق “ ويمهد لها بمعالجة فينومينولوجية للوعى فى كتابه
” فينومينولوجيا الروح “. هيجل إذن، مثله مثل هايدجر، يؤسس أنطولوجيا عن طريق الفينومينولوجيا.
وعلى الرغم من هذا التشابه القوي فى الملامح العامة لفلسفتى هايدجر وهيجل، إلا أن هايدجر كان دائم الرفض لأى تشابه بينه وبين هيجل أو وحدة فى الأهداف والمقاصد بينهما، وأعلن أن الفينومينولوجيا التى يقصدها مختلفة تماماً عن فينومينولوجيا هيجل، وأصر طوال حياته على عدم الاعتراف بأن فلسفة هيجل تشكل أصلاً لفلسفته. والحقيقة أن هايدجر بذلك كان ينفى أي شبهة تأثر بهيجل تأكيداً على أصالة فلسفته وعدم اقتباسه لأى فكرة من هيجل. ولا ننوى نحن عقد مقارنة بينهما لبيان تأثير وتأثر، أو لكشف هايدجر وهو يستعير أو يقتبس من هيجل، بل بهدف تناول مذهبيهما لرصد تشابه واضح وحقيقى، أو بمعنى أصح تواز حدث دون قصد من هايدجر، سببه الأساسى هو انهما حاولا إقامة أنطولوجيا للوجود الإنسانى، فى اختلاف عن تاريخ الأنطولوجيات السابقة التى كانت أنطولوجيات للموجودات أو لوجود الأشياء لا للوجود الإنسانى.
ليس هناك دليل أنصع على اقتراب هايدجر من هيجل من اعترافه بنفسه أنه لاهوتى مسيحى. ففى رسالة إلى كارل لوفيث مؤرخ الفلسفة يعترض هايدجر على إلحاق لوفيث له بالتراث الوجودى ووضعه جنباً إلى جنب مع كيركجورد ونيتشه( ). والملاحظ أن هايدجر ينظر إلى هيجل أيضاً على أنه لاهوتى مسيحى كما يجمع كثير من الباحثين على ذلك. ففى مقال بعنوان ” طريقى إلى الفينومينولوجيا “ يذهب هايدجر إلى انه خلال سنوات دراسته اكتشف فى المثالية الألمانية وخاصة لدى شلنج وهيجل مبادئ فلسفية تصلح أساساً للاهوت جديد يختلف كلية عن لاهوت العصور الوسطى المعتمد على الفلسفة اليونانية( ).
والحقيقة أن هايدجر قد قام بنفسه بعقد مقارنات بينه وبين أكبر الفلاسفة القدماء والمحدثين ولم يترك هذه المهمة لغيره من الشراح والباحثين، إذ قارن بين فلسفته وفينومينولوجيا هوسرل فى ” تاريخ مفهوم الزمان “، وبينها وبين إبستيمولوجيا كانط فى ” كانط ومشكلة الميتافيزيقا “، وبينها وبين أفلاطون وأرسطو ولايبنتز خلال محاضراته بين 1925 و1928، إلا أنه لم يخصص عملاً أو فصلاً فى كتاب أو محاضرة لتناول علاقته بهيجل بتوسع، وحتى مقاله ” مفهوم هيجل عن الخبرة “ لا يعد إلا شرحاً فينومينولوجياً لهذا المفهوم لدى هيجل وليس به الكثير حول موقف هايدجر من فلسفة هيجل ككل. لكن يأتى هايدجر فى ذلك المقال باعتراف له مغزاه، إذ يقول إن ” الروح “ Spirit عند هيجل يمكن أن تفهم على أنها ”الوجود“ Being عنده [عند هايدغر]( ). والملاحظ أن فكرة الروح عند هيجل هى آخر مرحلة يصل إليها جدل الوعى فى ”فينومينولوجيا الروح“. معنى ذلك أن التشابه الذى يلاحظه هايدجر بين مفهومه عن الوجود ومفهوم هيجل عن الروح ينسحب على كل ”فينومينولوجيا الروح“ بما أنها دراسة لظهور الروح. وهذا يدفعنا نحو مقارنة عميقة بين فلسفة هايدجر وفلسفة هيجل.
يجمع كثير من الشراح على أن هايدجر قد نقل الفينومينولوجيا الهوسرلية من مجال الإبستمولوجيا والبحث فى الأنا العارفة إلى مجال الأنطولوجيا والبحث فى الأنا الموجودة. والحقيقة أن هايدجر قد رأى أن هذا النقل كان لزاماً مفروضاً عليه ويجب القيام به على فينومينولوجيا هوسرل بالذات. وفى هذا الإطار تبرز أمامنا فلسفة هيجل باعتبارها أول من أحدثت هذه النقلة من إبستمولوجيا الذات العارفة إلى نمط وجودها، واستطاع هيجل تحقيق ذلك بأن وضع أطروحته حول وحدة الفكر والوجود التى استطاع منها البحث فى الفكر على أنه نمط أنطولوجى لوجود الذات. الحقيقة أن لدى هيجل تحولاً شبيهاً بالتحول الذى أحدثه هايدجر فى فينومينولوجيا هوسرل، وهو نقل هيجل مقولة الذات الترانسندنتالية من سياقها الكانطى والفختى الإبستمولوجى إلى سياق آخر أنطولوجى، بل وتاريخى واجتماعى فى
”فينومينولوجيا الروح“.
عالج هيجل الذات الترانسندنتالية على أنها ذات طبيعة تاريخية أنطولوجية وفى سياق مقولات جديدة مثل الحياة والحياة الأخلاقية، كما تحولت على يديه إلى مفهوم المطلق، الذى يعنى عنده معان كثيرة منها المعرفة المطلقة والروح المطلق. المعرفة المطلقة هى وحدة الفكر والوجود، والروح المطلق هى وحدة التاريخ والطبيعة البشرية. وتأكيد هايدجر على أن الروح عند هيجل تعطى معنى الوجود عنده، وعلى أن المطلق الهيجلى يتشابه مع الدازاين عنده يؤكد وحدة الأهداف بينهما ويثبت أن التحول الذى أحدثه هايدجر على الفينومينولوجيا كان باتجاه إعطائها مضموناً وغايات هيجلية.
يستند التفسير الوجودى لهايدجر على جعل حديثه عن ظواهر الوجود الإنسانى: القلق والهم والاهتمام والوجود من أجل الموت ... إلخ، فى المركز، ووضع دراساته فى الأنطولوجيا وتأويلاته لكانط وأرسطو والفلسفة المدرسية فى الهامش. لكن إذا فحصنا بدقة دراسات هايدجر سواء المحاضرات أو الكتب سنكتشف أن ظواهر الوجود الإنسانى لا تتمتع بالمكانة المركزية التى ألحقتها بها التفسيرات الوجودية. فهايدجر انشغل منذ بداية حياته بالمقولات عن دانز سكوت، وبمفهوم الوجود عند أرسطو وبكتاب الأبحاث المنطقية لهوسرل وخاصة ما يتعلق فيه بالقصدية
والحدس المقولى ونظريات الكل والأجزاء. لقد كانت اهتمامات هايدجر ودراساته بعيدة تماماً عن موضوعات وظواهر الوجود الإنسانى التى لم تظهر إلا مع محاضرات تصورات الزمان، وذلك كطريقة جديدة لتناول الموضوع الأساسى عنده وهو أنطولوجيا الدازاين. يجب أن نضع فى اعتبارنا أن الكتاب التالى على الوجود والزمان هو كانط ومشكلة الميتافيزيقا، وفيه يوضح هايدجر فلسفته إزاء التفسيرات الوجودية، يوضح أن فلسفته هى أنطولوجيا للدازاين وتحليل للتناهى لا فلسفة فى حالات الوجود البشرى مثلما تذهب الوجودية. كتاب كانط هو الكتاب التالى على الوجود والزمان، أما المحاضرات التى تلت الوجود والزمان مباشرة سنة 1928 فهى المشكلات الأساسية للفينومينولوجيا وفيها تطبيق لأنطولوجيا هايدجر فى الدازاين على تاريخ الميتافيزيقا الغربية، وليس بها ما له علاقة بحالات الوجود الإنسانى إلا فى فصل أخير صغير وهو المتعلق بالزمان. حالات الوجود الإنسانى بالنظر إلى دراسات هايدجر تتصف موضوعاتها بالهامشية بالنسبة للموضوع الآخر الرئيسى وهو أنطولوجيا الدازاين والتناهى والتأويل الجديد للميتافيزيقا الغربية.
إن الأنطولوجيا الفينومينولوجية عند هايدجر هى البديل عن الفينومينولوجيا الترانسندنتالية عند هوسرل، وذلك كى يتخلص هايدجر من الأنا واحدية عند هوسرل ومن كل العبء الفلسفى الثقيل للأنا الهوسرلى والذاتية الترانسندنتالية الغارقة فى المثالية والكانطية. وهذه النقلة مشابهة للنقلة التى قام بها هيجل مع المثالية التراسنندنتالية لفخته وشلنج إلى فلسفته الجدلية الفينومينولوجية. وما دفع هيجل نحو القيام بهذه النقلة هو نفسه دافع هايدجر، أى التخلص من المثالية الذاتية لفخته وشلنج وهوسرل. وتمثل طريق هيجل وطريق هايدجر للخروج من صعوبات المثالية الذاتية فى شئ واحد وهو تحويل الفينومينولوجيا إلى أنطولوجيا، وأنطولوجيا للوجود الإنسانى على وجه الخصوص.
وما جعل فينومينولوجيا هايدجر تأخذ الطابع الهيجلى هو حالة المعرفة فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر والمتمثلة فى صعود الوضعية فى صورة نظرية ميل فى المنطق ونظرية كونت فى السوسيولوجيا، والاثنان يهدفان إلى اختزال العلوم الإنسانية إلى العلوم الطبيعية. وكذلك ظهور الكانطية الجديدة ذات النزعة الوضعية المتمثلة فى اختزال فلسفة كانط إلى فلسفة وضعية فى العلم وجعلها نظرية فى الخبرة العلمية التى هى فى النهاية الفيزياء والرياضيات، وتحول هذه الكانطية الجديدة إلى ميثودولوجيا جوفاء لم تقم إلا بترتيب وتصنيف للتصورات العلمية اختفى معه التمييز بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، ثم ظهور دلتاى فى سبعينيات القرن التاسع عشر واقتراحه العودة إلى أساس قبلى لعلوم الروح أو العلوم التاريخية وهو الحياة. كانت الفينومينولوجيا عند هوسرل وهايدجر معاً وسيلة للتغلب على هذا الوضع المعرفى الذى تسيطر عليه الوضعية والعودة إلى مجال أصلى للخبرة فى محاولة لتجاوز الكانطية الجديدة. وكما رأينا فإن هوسرل حاول القيام بذلك بتأسيس مذهب فينومينولوجيى هو فى حقيقته عودة أخرى مختلفة إلى كانط، أما هايدجر فإن رفضه للرواسب الكانطية فى فينومينولوجيا هوسرل سوف يجبره على اللجوء إلى مواقف هيجلية فى تأسيسه لمذهبه الفينومينولوجى، ذلك لأن كل من حاول تجاوز كانط أو الكانطية الجديدة وجد نفسه أمام نقد هيجل لكانط الذى كان أكثر الانتقادات راديكالية، وكذلك أمام أنطولوجيا هيجل التى كانت حلاً لإشكاليات الإبستمولوجيا الكانطية.
يقول هايدجر فى الزمان والوجود: ” يبدو أننا على اتفاق مع هيجل فى النتائج التى أعطيناها للتفسير الذى قمنا به لزمانية الوجود هناك وللطريقة التى ينتمى الوجود - الزمن إليه. لكن لأن تحليلنا يختلف من حيث المبدأ عن تحليله فى مدخله، ولأن توجهه هو بالضبط عكس توجهنا لأن توجهنا يهدف إلى الأنطولوجيا الأساسية، فإن عرضاً قصيراً لطريقة هيجل لتناول العلاقة بين الزمان والروح يمكن أن يؤدى إلى توضيح تأويلنا الوجودى الأنطولوجى للوجود الزمانى هناك، وللزمان والعالم، ولمصدر المفهوم العادى للزمان، وهذا يمكن أن يسوى هذه المسائل بطريقة سريعة “( ). يعترف هايدجر إذن أن النتائج التى توصل إليها من تحليله لزمانية الوجود هناك تتفق مع هيجل، أى أن هيجل سبقه فيها، والعجيب أن يقول هايدجر فى نفس العبارة إن ذلك لا يجعله متفقاً مع هيجل لأن هيجل استخدم منهجاً مختلفاً وكانت فى ذهنه أهداف وتوجهات أخرى. هايدجر إذن يختلف مع هيجل من حيث المنهج فقط. معنى ذلك أن منهج هيجل ومنهج هايدجر توصلا إلى نفس النتيجة، ويقول هايدجر إن الاختلاف الهام ذو الدلالة هو على مستوى المنهج والمبدأ والتوجه، لكن هل تصنع هذه الأشياء اختلافاً حقاً ؟ لا أعتقد ذلك. إن منهجين مختلفين يتوصلان إلى نفس النتيجة كما نستدل من كلام هايدجر فى آخر كتابه هو أمر يدفعنا لفحص هذين المنهجين، وخاصة أنهما يتسميان بنفس الاسم: الفينومينولوجيا، الجدلية فى حالة هيجل والأنطولوجية فى حالة هايدجر. الحقيقة أن واقع هايدجر فى هذه الفقرة يقول إن هيجل توصل إلى النتيجة التى توصلت أنا إليها، لكن اختلافى معه هو فى التوجه والمنهج وأسلوب العرض، هل هذه الأشياء تهم حقاً بعد أن اتضح أن النتيجة واحدة ؟ إن وحدة النتيجة أو تماثلها يدعونا للتفكير فى تشابه أو تماثل معين فى المنهج. الحقيقة أن هايدجر يقول إن منهجى أفضل وهو ما يميزنى على الرغم من أن هيجل توصل إلى نفس النتيجة بمنهج مختلف. هايدجر إذن فى حاجة إلى أن يثبت أفضلية منهجه على منهج هيجل، أى أفضلية الفينومينولوجيا الأساسية على الفينومينولوجيا الجدلية. إنه فى النهاية إذن صراع مناهج فلسفية مع العلم بوحدة نتائجها.
لم تكن من عادة الباحثين أن يحاولوا الكشف عن صلات بين أنطولوجيا هيجل وأنطولوجيا هايدجر، والسبب يرجع إلى أنهم قد انشغلوا بشرح وتفسير فلسفة هايدجر البالغة الصعوبة، وإذا قارنوا بينها وبين فلسفة أخرى كانت هذه فلسفة هوسرل والكانطية الجديدة لأن هايدجر نفسه قد تناول علاقته بهما فى مؤلفاته. وهناك سبب آخر لم يسمح بمقارنة مفصلة بين هايدجر وهيجل أن تقام وهى أن العلاقة الوثيقة بينهما لا تتضح بقوة إلا فى محاضرات هايدجر، بعكس مؤلفاته المنشورة التى تعرض لفلسفته فقط
*. ومع بداية نشر محاضرات هايدجر منذ الستينيات أمكن للباحثين الإطلاع على كامل فلسفة هايدجر بتفاصيلها وتطوراتها، وهذا ما أتاح وضع اليد على الصلات الحقيقية بينه وبين هيجل. صحيح أن ماركيوز وأدورنو وكوجيف وهيبوليت كان لهم السبق فى الكشف عن شئ من الصلة بينهما، إلا أنهم وجهوا نقداً هيجلياً لهايدجر يصب فى صالح الماركسية الهيجلية ولذلك تجنبها الباحثون.
أولاً - الصيغة الهايدجرية للفينومينولوجيا :
يذهب هايدجر منذ محاضرات ” تاريخ مفهوم الزمان “ إلى أن الفينومينولوجيا لا تستطيع أن تقيد نفسها بالبحث فى الوعى الخالص، بل يجب بالضرورة أن تدخل تحليلاً للوجود الإنسانى باعتباره كلاً واحداً. وهايدجر بذلك يعترض على هوسرل فى ” الأفكـــار “ وهو اعتراض على الجانب الفختى لدى هوسرل بوجه خاص. ويشير حديث هايدجر عن التعديلات الواجب إجرائها للفينومينولوجيا إلى أنها سوف تتخذ على يديه الطابع الهيجلى لا الهوسرلى. وتحت تأثير نقد هايدجر لهوسرل اضطر الأخير إلى تغيير مواقفه وتبنى فلسفة فى الحياة فى
” أزمة العلوم الأوروبية “ رداً على هايدجر، بالإضافة إلى مسحة تاريخية وغائية وهى كلها عناصر هيجلية اضطر هوسرل إلى اللجوء إليها فى آخر كتاب له.
1 - الخروج من فينومينولوجيا هوسرل :
بدأ هايدجر فى محاضرات ” تاريخ مفهوم الزمان “ بوصف الوضع الحالى للبحث الفينومينولوجى، أى وضعه على يد هوسرل، وضرورة إعادة توجيهه نحو موضوعات التاريخ والإنسان( ). أى أن هايدجر قد لاحظ لدى هوسرل غياب البعد التاريخى ووجود الإنسان وهذا ما دفعه نحو توجيه الفينومينولوجيا توجيهاً جديداً. والحقيقة أن هذا التوجيه الجديد هو عودة بالفينومينولوجيا إلى معناها الهيجلى. وخروجاً بها من الإطار الهوسرلى الضيق، وذلك بإدخال موضوعات جديدة فى مجال البحث الفينومينولوجى مثل الزمان والوجود الإنسانى، وهذا ما يجعلها منفتحة على الفينومينولوجيا الهيجلية.
كما يشير هايدجر إلى أن هوسرل قد تحول من بحثه فى علم النفس الشخصى إلى موضوع أساسى شغله طويلاً وهو ” الطبيعة والروح “، كما يذكر أن هوسرل قد أطلعه فى هذا الوقت على مخطوط كتابه ” الأفكـــار
II “ الذى يتناول مشكلة تأسيس مجالات الطبيعة والروح. وتعد محاضرات هايدجر فى مفهوم الزمان محاولة للتغلب على هذه الثنائية التى أرقت هوسرل، وذلك باكتشافه أن هذه الثنائية من الممكن أن يكون لها مصدر مشترك، أى أن الطبيعة والروح يمكن أن يرجعا إلى أصل واحد، وسيكون هذا الأصل أصلاً للعلوم الطبيعية والإنسانية فى نفس الوقت. لاشك أن هايدجر يريد بذلك التغلب على الثنائية بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية السائدة لدى الكانطية الجديدة، وهو لا يجد طريقاً لحل هذه المشكلة الإبستمولوجية إلا مجال الأنطولوجيا، أى معالجة الدازاين على أنه اتحاد الطبيعة والروح معاً، وإنطلاقاً منه يحدث الانقسام إلى طبيعة منفصلة وروح منفصل. والملاحظ فى هذا السياق أن طريقة حل هذه الإشكالية هى الطريقة الهيجلية المعتادة، أى نقل ما هو إبستمولوجى إلى المجال الأنطولوجى، كذلك فإن الأداة واحدة وهى الفينومينولوجيا التى تتمثل وظيفتها لدى هيجل وهايدجر معاً فى تناول الإبستمولوجى ونقله إلى المستوى الأنطولوجى. الفينومينولوجيا عندهما هى الوسط الذى يتحول فيه الإبستمولوجى إلى الأنطولوجى ولذلك فهى عندهما مقدمة لمذهبيهما الأنطولوجى. والذى دفع هيجل نحو الخيار الفينومينولوجى هو نفس ما دفع هايدجر بالضبط، ذلك لأن هيجل فى فترة يينا كان منشغلاً بقضية الانقسام والثنائية بين الطبيعة والروح ورأى أن هذه الثنائية لا يمكن أن تحل إلا على المستوى الأنطولوجى، لكنه اكتشف ضرورة وجود مستوى أول وتمهيدى للبحث يتم فيه نقل الطبيعة والروح من مجرد إشكاليات إبستمولوجية إلى أنماط أنطولوجية، ولذلك يبدأ منذ 1806 فى إتخاذ الخيار الفينومينولوجى. فينومينولوجيا هيجل إذن صادرة عن وضع فكرى شبيه وقريب جداً من الوضع الفكرى الذى ظهرت فيه فينومينولوجيا هايدجر، وهو محاولة التغلب على الثنائيات الفلسفية التقليدية التى أعاد كانط إنتاجها وصياغتها وتسربت إلى مذهبى فخته وشلنج، وإلى مذاهب الكانطية الجديدة وهوسرل. الموقع الذى يحتله هيجل بالنسبة لفخته وشلنج هو نفس الموقع الذى يحتله هايدجر بالنسبة للكانطية الجديدة وهوسرل، وهو موقع فرض على هيجل وهايدجر خيار الفينومينولوجيا الممهدة للأنطولوجيا كوسيلة لعلاج الثنائيات الإبستمولوجية التقليدية.
يريد هايدجر من الفينومينولوجيا أن تكون أداة للبحث فى الأنطولوجيا( )، وفى هذا السياق يوجه نقداً لهوسرل متسائلاً كيف تتجاهل فينومينولوجيا هوسرل سؤال الوجود تجاهلاً نسقياً مقصوداً فى حين أن شعارها هو العودة إلى الأشياء ذاتها، وسؤال الوجود يختص بالأشياء ذاتها ؟ يقول هايدجر: ” هل البحث الفينومينولوجى (الهوسرلى) هو فى حقيقته غير فينومينولوجى للغاية بحيث يستبعد أنسب مجال من السؤال الفينومينولوجى ؟ “( ) وهو سؤال الوجود. يوضح هايدجر بذلك أن فينومينولوجيا هوسرل ليست فى حقيقتها فينومينولوجيا، لأنها ليست مخلصة لشعارها، ويعد هذا هو سبب تسمية هايدجر لصيغته فى الفينومينولوجيا بالفينومينولوجيا الأساسية، قاصداً منها أنها هى الفينومينولوجيا الحقيقية والأصيلة، فى مقابل فينومينولوجيا زائفة لدى هوسرل. ويستند تمييز هايدجر هذا على التمييز الدينى بين النبى الحقيقى والنبى الكذاب. هوسرل هو النبى الكذاب للفينومينولوجيا مقارنة بهايدجر نبيها الحقيقى، ولعل هذا هو سبب استبعاد هايدجر لهوسرل من جامعة فرايبورج بعد أن تولى رئاستها. كان الأجدر بهايدجر ان ينظر إلى علاقته بهوسرل بالتوازى مع علاقة يشوع بموسى، فموسى هو الذى يخرج من مصر ويتيه فى الصحراء حتى يصل إلى مشارف أرض الميعاد لكن لا يدخلها، ويدخلها تلميذه يشوع الذى أوصله أستاذه إلى عتبة النهاية.
وفى نقده لمفهوم الوجود عند هوسرل يذهب هايدجر إلى أن هوسرل يفهم من الوجود الموضوعية أو ما هو قابل للتموضع بوصفه موضوعاً للعلم وللتنظير العلمى، لكنه لا يفهم من الوجود الوجود ذاته السابق على أى معالجة علمية، كذلك لا يتساءل هوسرل عن الجانب الذى يقوم بموضعة الوجود، صحيح أنه عالج مشكلات تأسيس الذات الترانسندنتالية للموضوعية، إلا أنه لم يعالج هذه الذات على أنها نمط أنطولوجى فى الوجود بل مجرد وظيفة إبستمولوجية. ونستطيع القول إن مفهوم الوجود عند هوسرل والذى ينقده هايدجر من تأثير كانط والكانطية الجديدة، إنه مفهوم معيارى لأنه يتضمن معياراً ومحكاً لاختيار ما هو قابل للتموضع العلمى ولأن يكون محل بحث وتنظير علمى، وهذه هى النزعة الكانطية المتخفية فى ثنايا فلسفة هوسرل والتى اكتشفها هايدجر. الوجود الهوسرلى إذن ليس أولياً قبلياً، أى ليس فينومينولوجياً بمعنى الكلمة بل هو وجود علمى، الوجود القابل لأن يخضع للبحث العلمى، وهذه هى النزعة العلموية فى فكر هوسرل والتى ينقدها لديه أدورنو وهابرماس.
كذلك يحول هايدجر موضوع ” الأصالة “ من المجال الإبستمولوجى عند هوسرل إلى المجال الأنطولوجى. ويتضح الفهم الإبستمولوجى للأصالة عند هوسرل مما يقوله فى ” المنطق الصورى والمنطق الترانسندنتالى “ : ” لقد تحدثنا عن المعرفة الأصيلة، والعلم الأصيل، والمنهج الأصيل. وبدون استثناء فإن الأفكار التى يهتم بها المنطق هى أفكار الأصالة. والأصيل هو ما يسعى إليه العقل نهائياً ... الأصيل هو ” المفقود “ فى الغموض والاختلاط؛ فى حين انه متحصل عليه بوضوح فى الهدف والطريق وفى الأشكال الأساسية الصادرة عن هذا الوضوح “( ). والملاحظ أن هذا الوضوح هو وضوح إبستمولوجى، والأصيل يُبحث عنه فى المعرفة والأفكار وهو الموضوع الأساسى للمنطق. لكن يحول هايدجر البحث فى الأصالة بالمعنى الإبستمولوجى السابق إلى البحث فيها بالمعنى الأنطولوجى، فالأصالة هى الوجود الحقيقى، وجود الدازاين. وفى حين أن الأصيل عند هوسرل هو المتمتع بيقين قبلى وصحة ووضوح قبليان مرتبطان بالأنا العارف، فإن الأصيل عند هايدجر هو وجود الدازاين الباحث فى معنى وجوده.
أما القصدية فيضفى عليها هايدجر معانٍ ودلالات أنطولوجية هى فى حقيقتها عودة إلى المعالجة الهيجلية للوعى الذاتى المتضمن للقصدية. يذهب هايدجر إلى أن القصدية مؤسسة أنطولوجياً فى البناء الأساسى للدازاين، وهى بنية توجهات الدازاين نحو الأشياء( ). فعلى حين تكلم هوسرل عن قصدية الوعى، يتكلم هايدجر عن قصدية الدازاين، القصدية الأولى إبستمولوجية والثانية أنطولوجية، وقصدية الدازاين هى ما يؤسس قصدية الوعى.
وفى شرحه لكون القصدية هى بناء أساسى للدازاين يذهب هايدجر إلى أن القصدية لا يجب أن تفهم على أنها علاقة بين ذات وموضوع أو أنها خاصية تظهر لدى الذات بفضل حضور الموضوع أمامها وأن هذا الموضوع إذا لم يكن حاضراً فلن يكون للذات قصدية، بل إن من طبيعة الذات أو الدازاين أن يكون هو نفسه قصدية نحو شئ، إنه ذو طابع وبناء قصدى بصرف النظر عن الموضوع. فالذات لديها موضوع فى الأصل لأنها قصدية، إذ بها بنية أو طبيعة تجعلها تموضع الشئ الذى أمامها، أى أن تجعله قائماً أمامها كموضوع. القصدية إذن تتضمن تموضع الشئ، والقصدية بهذا التأويل الهايدجرى تكرار لتحليل هيجل للإدراك الحسى فى ” فينومينولوجيا الروح “. وتأكيداً من هايدجر على فكرته عن قصدية الدازاين يقول: ” إن للدازاين نزعة طبيعية نحو أخذ كل موجود - سواء كان شيئاً ممتداً
أو شيئاً على نمط وجود الذات - باعتباره كياناً ممتداً، وأن يفهمه باعتباره ممتداً “( ). الدازاين يأخذ كل ما هو أمامه على أنه موضوع ممتد نظراً لبنائه الأنطولوجى. ويضع هايدجر هنا يده على أصل النظرة الخاطئة لكل وجود على أنه وجود لشئ ممتد، فهذه النظرة الخاطئة ترجع مباشرة إلى نزعة طبيعية لدى الدازاين لأن ينظر إلى أى موضوع على أنه شئ ممتد، وهذا هو مصدر صعوبة إدراك حقيقة القصدية وخطأ النظر إليها على أنها مجرد إدراك حسى لشئ مادى ممتد. والحقيقة أن هذا أيضاً هو مصدر النزعة الطبيعية والموضوعانية، لقد أرجعها هايدجر إلى طبيعة متأصلة فى الدازاين.
2 - الأفق الهيجلى لفينومينولوجيا هايدجر :
أول ما نلاحظه من تشابه بين هيجل وهايدجر هو أن الفينومينولوجيا عندهما هى مقدمة أو تمهيد للأنطولوجيا. ففى ” فينومينولوجا الروح “ يعلن هيجل أنها مقدمة لمذهبه( ) الذى هو مذهب أنطولوجى فى الأساس، وهذا المذهب يتجسد فى كتابه التالى وهو ” علم المنطق “. كذلك فإن هايدجر يطلق على محاضراته فى تاريخ مفهوم الزمان اسم ” المقدمة “
Prolegomena، ويقصد أنها مقدمة لفينومينولوجيا التاريخ والطبيعة( )، وكانت هذه المحاضرات هى الأساس الذى بنى عليه كتابه ” الوجود والزمان “. نستطيع من ذلك القول إن دراسته الفينومينولوجية للزمان كانت مقدمة لمذهبه الأنطولوجى فى ” الوجود والزمان “. والسبب فى كون الفينومينولوجيا عندهما مقدمة للأنطولوجيا هو أن الأنطولوجيا التى يقصدانها هى أنطولوجيا للوجود الإنسانى، وهذا النوع من الأنطولوجيا يجب أن تتقدمه دراسة للوعى الإنسانى لأن وجود الإنسان لا ينفصل عن وعيه.
يقول هايدجر فى ” الوجود والزمان “ إن الأنطولوجيا ليست ممكنة إلا باعتبارها فينومينولوجيا، وأن المنهج الفينومينولوجى يقود المعرفة الترانسندنتالية( ). لقد أحدث هايدجر بهذا القول تحولاً هيجلياً واضحاً للفينومينولوجيا، ذلك لأن هوسرل كان يفهمها ويستخدمها عبر فترة كبيرة من حياته على أنها أداة إبستمولوجية فقط ولا علاقة لها بالأنطولوجيا، وذلك من كتابه ” أبحاث منطقية “ سنة 1901 وحتى ” تأملات ديكارتية “ سنة 1928. أما عندما حاول هوسرل استخدام الفينومينولوجيا لدراسة نمط وجود الأشياء فى حقيقتها لا مجرد معرفتنا عنها ومعالجة المقولات على أنها كاشفة عن ترتيب الأشياء ذاتها لا مجرد ترتيبها فى أذهاننا وذلك فى ” المنطق الصورى والمنطق الترانسندنتالى “ سنة 1929، فإن الأنطولوجيا الناتجة عن محاولته هذه كانت أنطولوجيا صورية( )، أنطولوجيا للموجودات والأشياء لا للوجود الإنسانى. ولذلك فإن استخدام هايدجر للفينومينولوجيا لتأسيس أنطولوجيا الدازاين يعد انقلاباً على الأنطولوجيا الصورية عند هوسرل واقتصارها على الأشياء، وعودته إلى المعنى الهيجلى للفينومينولوجيا باعتبارها دراسة لنمط الوجود الإنسانى
*.
والملاحظ أن هايدجر الذى استخدم الفينومينولوجيا كمنهج كان عليه مثل هيجل وهوسرل استخدام مقولة الوعى، ولم يكن هايدجر ليتمكن من استخدام هذه المقولة إلا إذا كان لديه تصور عن ذاتية كلية تكون حاملة لهذا الوعى، ذاتية يمارس عليها تحليله الفينومينولوجى، وهى الدازاين، الموازى للروح الهيجلى والأنا الهوسرلى. ولهذا السبب يعترف هايدجر بالتشابه بين مفهومه عن الوجود ومفهوم هيجل عن الروح
**.
لم تبدأ فينومينولوجيا هايدجر فى اتخاذ ملامح هيجلية منذ ” الوجود والزمان “ وحسب، بل من محاضراته حول تاريخ مفهوم الزمان سنة 1925، إذ يحدد هايدجر هدف هذه المحاضرات بقوله: ” إن تاريخ مفهوم الزمان هو تاريخ اكتشاف الزمان وتاريخ تفسيره التصورى “( ). هايدجر إذن ليس مهتماً بمثل هذا التاريخ كما يهتم مؤرخ الفلسفة مثلاً، بل لما يكشف عنه هذا التاريخ من تكشف تدريجى للزمان تصورياً، تاريخ للوعى بالزمان على الطريقة الهيجلية، ولذلك فهو فينومينولوجيا بالمعنى الهيجلى لا بالمعنى الهوسرلى. كما أن التحليل الفينومينولوجى لمفهوم الزمان عند هايدجر لا هو بالتحليل التاريخى على طريقة علم تاريخ الأفكار ولا هو بالتحليل النسقى بل يتجاوزهما معاً نحو الإطار الأنطولوجى للزمان السابق على الانقسام إلى جانب تاريخى وجانب نسقى( ). وهذا ما يؤكد الطابع الهيجلى لفينومينولوجيا هايدجر، لأن فينومينولوجيا هيجل هى الأخرى تتجاوز التحليل التاريخى والنسقى معاً، فلا هى بفلسفة فى التاريخ ولا هى علم تاريخ الأفكار، ولا هى أيضاً تحليل تصورى نسقى يستبعد الجانب التاريخى، بل هى فينومينولوجيا للرحلة الجدلية التى يقطعها الوعى من اليقين الحسى والإدراك الحسى إلى الفهم ثم العقل وحتى الروح المطلق.
ولا يقتصر التشابه بين فينومينولوجيا هيجل وفينومينولوجيا هايدجر على تجاوزهما للتحليل التاريخى والنسقى معاً، بل يصل كذلك إلى طريقة التحليل. فما كان يقصده هايدجر بالفينومينولوجيا كمنهج حدده هيجل تحت مسمى ” النقد المحايث “
Immanent Critique. يحدد هايدجر المنهج الفينومينولوجى بأنه يتمثل فى ” أن ندع ما يُظهر نفسه يُرى فى ذاته بنفس الطريقة التى يُظهر بها ذاته “( )، أى أن المنهج الفينومينولوجى يراقب ظهور الشئ فى الوعى بنفس الطريقة التى يُظهر نفسه بها. وهذا اتفاق تام مع فينومينولوجيا هيجل، فهى الأخرى تراقب تطور الوعى وتتابعه بالطريقة التى يسير عليها ولا تتدخل فى مسيرته، ولذلك يصف هيجل منهجه بأنه وصفى( )، وبأنه يتخذ الوعى معياراً لذاته ولا يأتيه بمعيار آخر خارج عنه ليحكم به عليه، فالوعى هو حَكَم لذاته عن طريق تطوره الجدلى. ولذلك فهيجل لا ينقد الوعى وفق معيار خارجى بل يصف كيف أن الوعى ينقد نفسه باكتشافه لتناقضاته وتوضيح محاولاته لتجاوز هذه التناقضات، وهذا هو النقد المحايث،
أى النقد الذى يستخرجه هيجل من الحركة الجدلية للوعى عن طريق إبراز وقوعه فى التناقض وتجاوزه لهذا التناقض. ووقوع الوعى فى التناقض يأتى بفضل احتوائه على عنصر السلب أو النفى
Negation، لكنه سلب لتناقض معين بهدف تجاوزه نحو شئ إيجابى، ولذلك فهو سلب متعين Determinate negation( ). وإبراز كيفية وقوع الوعى فى التناقض وكيفية تجاوزه له هو نتيجة منطقية لتطبيق الفينومينولوجيا كمنهج وصفى، ذلك لأن السير مع الوعى سينتهى حتماً باكتشاف تناقضاته، والحقيقة أن هذه نتيجة مشابهة للتى يتوصل إليها هايدجر، إذ يتوصل من خلال تتبعه لأنماط وجود الدازاين إلى كيفية وقوعه فى تناقض يتمثل فى أنماط الوجود الزائف والوجود الحقيقى.
هناك تشابه آخر فى الفينومينولوجيا بين هيجل وهايدجر، وهو رفض هايدجر للخطوة الأولى فى فينومينولوجيا هوسرل وهى الإبوخيه
Epoche أو تعليق الحكم وعزل الموقف الطبيعى للوعى، غير الموجود أيضاً فى فينومينولوجيا هيجل. ففى مناقشته للإبوخيه عند هوسرل يذهب هايدجر إلى أن الهدف منه تناول الوجود القصدى لموضوعات الوعى، ويتساءل عن الخطوة التى يتم اتخاذها بعد ذلك؛ ألن نجد أنفسنا نعود مرة أخرى إلى الموقف الطبيعى؟ ذلك لأن الموقف الطبيعى نفسه موقف قصدى، ولأنه هو أول موقف قصدى للوعى فهو أول ما سنجده بعد ممارسة أول تحليل للقصدية؛ أى سوف نجد أن أول قصدية للوعى هى موقفه الطبيعى الذى عزله الإبوخيه. فلماذا إذن قمنا بالإبوخيه من البداية ؟ ولذلك رفضه هايدجر واختفى بالفعل من تحليلاته الفينومينولوجية. والملاحظ أن هيجل كان قد بدأ ” فينومينولوجيا الروح “ بهذا الموقف الطبيعى للوعى ولم تظهر لديه خطوة شبيهة بهذا الإبوخيه. ومبرر هيجل للبدء بالوعى الطبيعى هو أن الفينومينولوجيا منهج وصفى، إذ تصف تطور الوعى دون تدخل من جانبه، والحقيقة أن هوسرل الذى ينظر إلى الفينومينولوجيا هو الآخر على أنها منهج وصفى يتدخل بالفعل فى مسيرة الوعى الذى يدرسه وذلك بأن يعزل عنه موقفه الأول وهو الموقف الطبيعى الذى يتمثل فى اليقين الحسى والإدراك الحسى اللذان أسهب هيجل فى تحليلهما. وفينومينولوجيا هايدجر مثلها مثل فينومينولوجيا هيجل لا تحتوى على الإبوخيه كخطوة أولى ولا تعزل الموقف الطبيعى للوعى بل تبدأ به، ذلك الموقف الذى يعالجه هايدجر تحت اسم الوجود فى العالم.
لكن ذهب عدد من الباحثين إلى أن تحطيم هايدجر لتاريخ الميتافيزيقا هو ممارسة للإبوخيه، إلا أن هذا غير صحيح، ذلك لأن هايدجر لا يعلق الحكم على الميتافيزيقات القديمة، ولا يعزلها أو ينحيها جانباً فى تأسيسه للأنطولوجيا، بل يحللها باعتبارها وعياً زائفاً بسؤال الوجود هادفاً طرح هذا السؤال من جديد بحيث يستوعب الوجود الإنسانى لا وجود الأشياء فقط. ولأن تحطيم هايدجر للميتافيزيقا لنسيانها سؤال الوجود هو الجانب السلبى فى فلسفته فقد ربطه الكثيرون بالإبوخية عند هوسرل الذى هو الجانب السلبى عنده، إذ ينص الإبوخيه على تعليق الحكم على الفلسفات السابقة كلها. لكن لا يعلق هايدجر الحكم على الفلسفات السابقة بل يحكم عليها بنسيان الوجود.
وعلى الرغم من هذا التشابه الواضح فى استخدام المنهج الفينومينولوجى إلا أن هناك اختلافاً عميقاً، ذلك لأن هيجل يميز بين الوعى القائم بالدراسة والوعى المدروس، أى وعيه هو كباحث فينومينولوجى يمتلك المعرفة المطلقة ويعرف نهاية الرحلة، والوعى الآخر الذى يمر بالرحلة الجدلية ولا يعرف نهايتها. أما هايدجر فلم يميز بين الصور المختلفة التى يوجد عليها الدازاين ووعيه هو كباحث فينومينولوجى، والدليل على ذلك وصفه للمنهج الفينومينولوجى بأنه ما يدع الشئ يُظهر نفسه ويُرى بالطريقة التى يُظهر نفسه بها، لكن لمن يظهر نفسه ؟ لوعى آخر مستقل عن وعى الباحث ؟ لا. إنه يُظهر نفسه لوعى الباحث الفينومينولوجى ذاته، أى لهايدجر كفيلسوف. هايدجر إذن لا يهتم بما إذا كان هناك وعى آخر هو الذى ينكشف له الوجود فى حقيقته ويتضح له معنى الوجود فى العالم، وكل ما يهمه وصوله هو فقط كفيلسوف يستخدم المنهج الفينومينولوجى لحقيقة الوجود ولأنطولوجيا الدازاين. الدازاين الذى ينكشف له الوجود فى حقيقته هو هايدجر نفسه، وبذلك يعود هايدجر إلى المعتقد اليونانى القديم القائل إن الفيلسوف وحده هو الذى يستطيع الوصول إلى الحقيقة والاحتفاظ بها، هو الفرد الواحد الذى يستطيع كسر أغلاله والخروج من الكهف ورؤية الحقيقة خارجه. إن الفينومينولوجيا كما استخدمها هايدجر تحمل اتجاهاً صفوياً
Elitist. وهذا بعكس هيجل الذى يهدف من الفينومينولوجيا ” قيادة الوعى العادى نحو المعرفة المطلقة “، أى قيادة هؤلاء الذين لا يزالون فى الكهف نحو الحقيقة التى تقع خارجه بعد مساعدتهم على كسر أغلالهم.
ثانياً - عناصر التحليل الفينومينولوجى عند هايدجر ودلالاتها الهيجلية :
1 - الظاهر والظاهرة :
المنهج الفينومينولوجى هو المنهج الذى يدرس الشئ وهو يظهر ويتجلى فى صورة ظاهرة. ولذلك يجب علينا تناول تعريف هيجل وهايدجر للظاهرة.
يميز هايدجر فى تعريفه للظاهرة بين ثلاثة أشياء: الظاهر
Appearance، والمظهر الزائف Semblance، والظاهرة Phenomenon. والظاهر يعطى فى اللغة الألمانية معنى العرض Symptom، أى أعراض المرض أو ظواهره( ). الظاهر إذن ظاهر لشئ غير معطى هو نفسه كظاهر، ظاهر يشير إلى كيان آخر لا يظهر. والظاهر بهذا المعنى هو ما شرحه هيجل تحت نفس الاسم فى ” علم المنطق “. ويذهب هايدجر إلى أن الظاهر ذو طابع إشارى. والظاهر بمعنى ما يشير إلى شئ آخر يعنى أن هذا الآخر المشار إليه لا يقدم نفسه بنفسه بل عن طريق شئ آخر، وهذا الذى يختفى خلف الظاهر هو الماهية عند هيجل. إذ يذهب هيجل إلى أن الظاهر هو ظاهر لماهية تختفى. وينتقل هايدجر بعد ذلك إلى الظاهرة ويذهب إلى أنها ليست ظاهراً بالمعنى السابق لأنها لا تحتوى على صلة إشارية أو إحالية بشئ آخر، فالبناء المميز لها هو الإظهار الذاتى Self-showing. الظاهرة إذن هى ما يظهر نفسه بنفسه، أى ما تكون ماهيته ظاهرة ويعمل هو على إظهارها.
والملاحظ أن هايدجر قد اكتفى بالتمييز بين الظاهر والظاهرة وتقديم تعريفات لهما، لكنه لم يحاول اكتشاف العلاقة الجدلية بينهما. والحقيقة أن هيجل هو الذى قام بذلك. فهيجل وهايدجر يتفقان على أن الظاهر هو ظاهر لماهية تختفى ولا تظهر نفسها، لكن يستمر هيجل فى اكتشاف الجدل بين الظاهر والماهية، ويذهب إلى انه لولا هذا الظاهر لما عرفنا الماهية ولظلت خافية. الظاهر إذن هو الذى يدل على الماهية ويشير إليها، فالماهية محتاجة إلى الظاهر لتعلن عن نفسها. ولن تكون الماهية ماهية إذا ظلت مختفية، فواقعيتها وحقيقتها لن تكون مكتملة بدون ظهورها. الظاهر إذن جزء جوهرى من الماهية( ). والجدل بين الظاهر والماهية يؤدى بهيجل إلى اكتشاف أن الماهية هى التى تظهر نفسها بما أن الظهور من جوهرها، وعندما تظهر الماهية نفسها بالكامل فى صورة ظاهر تكف عن أن تكون ظاهر، أى جزء أو إشارة تشير إلى كلٍ مختفٍ، بل تصبح ظاهرة، شئ يظهر نفسه بنفسه حسب تعريف هايدجر، وينتفى بذلك التعارض بين الظاهر والماهية. وهكذا يتبين لنا أن التحليل الفينومينولوجى لدى هيجل يحتوى على جانب جدلى غير موجود لدى هايدجر.
والملاحظ أن المذاهب الميتافيزيقية القديمة كانت تميز بين الجوهر والأعراض، وتنظر إلى الجوهر على أنه الثابت والدائم وإلى الأعراض على أنها متغيرة. وكانت تنظر إلى الجوهر على أنه الماهية والأعراض على أنها الظاهر. لكن بعد توضيح هيجل للعلاقة الجدلية بين الماهية والظاهر، وبعد إثباته أن الماهية أو الجوهر يجب أن يكشف عن نفسه فى صورة ظاهرة، فهو بذلك قد أضاف تعريفاً جديداً للجوهر: إذ هو هذا الذى يظهر ذاته ولا يحتاج لشئ آخر ليظهره. وهو التعريف الذى يتفق مع هايدجر كذلك. لكن ما هذا الذى يظهر نفسه بنفسه؟ يقول هيجل إنه لا يمكن أن يكون شيئاً من أشياء الطبيعة لأنها ليست واعية بذاتها، وهذا الذى يظهر نفسه بنفسه يجب أن يمتلك الوعى، وهو الذات الواعية بذاتها والتى تعمل على تحقيق ذاتها، وهى الجوهر الحقيقى. ولذلك يقول هيجل عن المهمة التى تنفذها فلسفته إنها تتمثل فى إثبات أن الجوهر ذات( ). وهذا أيضاً يتطابق مع هايدجر، إذ يميز بين وجود الأشياء ووجود الدازاين ويذهب إلى أن وجود الدازاين هو الوجود الحقيقى وهو الجوهر الحقيقى. وهذا هو مغزى قول هايدجر إن مفهوم هيجل عن الروح التى هى الذات المتحققة بالكامل، يقترب من مفهومه هو عن الوجود، لأنهما نتيجة ظهور وانكشاف ذاتى وهما الجوهر الحقيقى.
وتسير فينومينولوجا هيجل حسب جدل الظاهر والماهية والظاهرة، ذلك لأنها تبدأ بحالة الانفصال الكامل بين المعرفة والوجود، وبالوعى الذى ينظر إلى معرفته على أنها مجرد ظاهر ليس له حقيقة بدون موضوع المعرفة، ثم يأخذ الوعى فى الدخول فى رحلة جدلية يكتشف معها وحدة المعرفة والوجود وأنه هو مكمن هذه الوحدة والنقطة التى يلتقيان عندها، ويكون الوعى بذلك قد وصل إلى الوعى بذاته باعتباره جوهراً، أى وحدة الظاهر والماهية. والملاحظ أن هذا البعد الجدلى غائب تماماً عن هايدجر، ذلك لأنه يكشف عن وحدة الظاهر والماهية والفكر والوجود فى الدازاين عن طريق التحليل الماهوى الذى ورثه عن هوسرل والذى كان يسميه هوسرل الحدس الماهوى
Essential Insight( ). ذلك التحليل الذى يجعل هايدجر ينظر إلى الدازاين على أنه كيان أنطولوجى ثابت ماهيته محددة مسبقاً لكونه وجود فى العالم. فالوجود فى العالم يسبق أى وضع أنطولوجى يتخذه الدازاين بعد ذلك. صحيح أن هايدجر يذهب إلى أن وجود الدازاين فى العالم سابق على ماهيته، إلا أنه يعامل هذا الوجود فى العالم باعتباره الماهية الأساسية للدازاين التى تحدد باقى ماهياته. ويطلق هايدجر على وصفه لأنطولوجيا الدازاين ” تحليلية الدازاين “ Analytic of the Dasein( )، وهذا ما يؤكد لنا أنها تحليل ماهوى للدازاين باعتباره ماهية ثابتة محددة سلفاً بالوجود فى العالم، وذلك فى مقابل ” جدلية للدازاين “ موجودة لدى هيجل.
2 - الوجود فى متناول اليد :
يميز هايدجر بين نوعين من الوجود: الوجود فى متناول اليد
Being at Hand، وهو وجود الشئ، والوجود فى العالم وهو الوجود الإنسانى. وليس وجود الأشياء وجوداً ” فى “ العالم بل وجود ” ضمن “ Among العالم. ويحكم هايدجر على الميتافيزيقا الغربية بأنها نسيت سؤال الوجود( )، ويقصد الوجود الإنسانى فى العالم. صحيح أنها تناولت قضية الوجود لكنها تناولت الوجود فى متناول اليد، أى وجود الأشياء لا الوجود الإنسانى، والوجود فى متناول اليد هو وجود بالنسبة للدازاين فقط( )، فالدازاين وحده هو الذى يدرك أن وجود الأشياء فى متناول يده هو، لأن الأشياء ذاتها لا تدرك أن وجودها فى متناول اليد.
ويذهب هايدجر إلى أن الدازاين يمتلك فهماً فى مستوى قبل أنطولوجى للعالم
Pre-Ontological، أى قبل فهمه الأنطولوجى الذى يقسم الوجود إلى مقولات( )، ويتمثل هذا الفهم فى التوجه الأداتى نحو العالم. فالإنسان وجود مستخدم للأداة، وهو ليس كذلك إلا لأن لديه توجهاً أداتياً نحو العالم سابق على استخدامه للأداة، وليست الأداة أداة إلا بفضل التوجه الأداتى للدازاين. وهذا التوجه الأداتى هو محدد أنطولوجى أساسى لوجود الدازاين. ولأنه كذلك فإن الدازاين يفهم أى وجود على أنه وجود فى متناول اليد، أى على أنه ما هو مدرك حسياً، يفهم الوجود على أنه وجود الأشياء وبالتالى ينسى نمط وجوده نفسه، وتترتب على هذا التحليل نتيجة هامة لم يعيها هايدجر وهى أن الدازاين نفسه هو الذى ينسى نمط وجوده نتيجة لتوجهه الأداتى الأساسى الذى يجعله يفهم كل وجود على أنه وجود الأشياء. ليست الميتافيزيقا الغربية وحدها إذن هى التى نسيت سؤال وجود الدازاين واقتصرت على وجود الأشياء، لأن الدازاين نفسه يقوم بذلك أيضاً. نسيان الوجود هو أيضاً محدد أساسى للدازاين وحتمى لأن توجهه الأداتى هو الذى يجعله ينسى نمط وجوده. وعندما يذهب هايدجر إلى ضرورة تحطيم الميتافيزيقا الغربية لأنها نسيت سؤال وجود الدازاين، فكأنه بذلك يحطم فهماً خاطئاً من قبل الدازاين نفسه لوجوده. إنه يحطم فهماً خاطئاً متأصلاً فى الدازاين تجلى فى صورة مذاهب ميتافيزيقية. ونستطيع بناء على ذلك القول إن تحطيمه للميتافيزيقا يعد نقداً لوعى زائف من قبل الدازاين نفسه، وعى يعتقد أن كل الوجود هو وجود الأشياء وينسى وجوده هو.
وهنا نجد هايدجر يلتقى مرة أخرى مع هيجل وخاصة فى الفصول الثلاثة الأولى من
” فينومينولوجيا الروح “، ذلك لأن هيجل يحلل فيها أشكالاً مختلفة من الوعى الزائف، الوعى المعتقد أن الوجود الحقيقى هو وجود الموضوع الماثل أمامه، أما هو فوجوده عارض وثانوى بالنسبة لوجود الموضوع، لأن الموضوع ثابت وباق ودائم مع اختلاف وتغير الذات( ). وتسير فينومينولوجيا هيجل بعد ذلك فى طريق توضيح كيفية وصول الوعى إلى أن الوجود الحقيقى هو وجوده هو لا وجود الموضوع، وان معرفته بالموضوع لا تستمد من الموضوع بل من ذاته، وهذه هى مرحلة الوعى الذاتى فى ” فينومينولوجيا الروح “ التى تقابل الوجود الحقيقى
أو الأصيل
Authentic عند هايدجر.
ولأن هايدجر ينظر إلى الوجود فى العالم على أنه المحدد الأساسى والشرط الأنطولوجى للدازاين فإن التوجه الأداتى أصبح هو التوجه الأساسى والأولى للدازاين. وإذا عدنا إلى هيجل محاولين البحث عن معادل لهذا التوجه الأداتى وجدناه فى مقولة العمل
Labour. لكن نلاحظ أن العمل ليس توجهاً أساسياً عند هيجل، إذ تسبقه توجهات أكثر أولية. فالوعى حسب تحليل هيجل فى ” فينومينولوجيا الروح “ يبدأ فى إدراك ذاته أولاً على أنها رغبة Desire( )، ويبدأ فى الاتصال بالآخر من خلال هذه الرغبة، سواء رغبة جنسية فى الآخر أو رغبة فى الآخر بهدف نيل الاعتراف منه فى جدل الاعتراف المتبادل. لقد أدرك هيجل أن الرغبة هى المحدد الأكثر أولية وأساسية للوعى وللوجود الإنسانى، وقد أثبت التحليل النفسى الفرويدى ذلك. والرغبة فى شئ تولد الحاجة إليه، والحاجة تدفع الوجود الإنسانى نحو العمل. ومع العمل تظهر الأداة. إن التوجه الأداتى للوجود الإنسانى وفق هيجل يأتى نتيجة للرغبة والحاجة، فالأداة والعمل وسيطان بين الذات وحاجاتها، أى بين الذات ونفسها، وبينها وبين الآخر، لا بين الذات والعالم كما يذهب هايدجر. فالتوجه الأداتى عند هايدجر يأتى نتيجة للوجود فى العالم، لكنه عند هيجل يأتى نتيجة لأن الذات تجعل من هذا العالم كله وسيطاً بينها وبين رغباتها وحاجاتها؛ العالم هو مجال تحقق رغبة الذات، وتصنع الذات من أشيائه أدوات كى تجعل هذا العالم الخارجى عالماً خاصاً بها صنعته بنفسها، أى لتجعل من الطبيعة ثقافة وتاريخ.
3 - الوجود فى ذاته والوجود لذاته :
يذهب هيجل إلى أن الوجود فى ذاته
Being in itself هو الإمكانية التى ليست متحققة بعد، وهو أيضاً الإمكانية غير الواعية بذاتها، وغير الواعية بما فيها من إمكانية( ). وينطبق الوجود فى ذاته على وجود الأشياء لأن بها إمكانية لأن تتحول إلى هيئة غير التى هى عليها، وعلى النبات مثلاً، لأن البذرة وجود فى ذاته بمعنى أنها شجرة بالقوة، وينطبق الوجود فى ذاته أيضاً على الوعى فى المراحل الأولى من تطوره، ذلك لأنه عقل وروح فى حالة كمون أو إمكان. أما الوجود لذاته Being for itself فهو الوجود الواعى لذاته والمحقق لإمكاناته، وهو الوجود الإنسانى. وما هو فى ذاته لا يكون فى ذاته إلا بالنسبة لشئ آخر هو لذاته، لأن ما هو فى ذاته لا يعرف أنه فى ذاته، لا يعرف أنه إمكانية غير متحققة أو أن نمط وجوده مستمد من غيره لا من ذاته. والوجود لذاته الذى يستمد وجوده وحقيقته من ذاته هو وحده الذى يستطيع التعرف على الوجود فى ذاته( ). ويتطابق هذا مع تحليل هايدجر للوجود الأداتى للعالم فى متناول اليد، إذ ليس هذا النمط من الوجود ممكناً إلا بفضل الوجود الإنسانى، لأن الأداة أداة بالنسبة للوجود المستخدم للأداة؛ وكذلك يقول هيجل إن الموضوع ليس موضوعاً إلا بفضل الذات التى تموضعه.
إذا نظرنا إلى فلسفة هايدجر من خلال التمييز الهيجلى السابق اكتشفنا أن تمييز هايدجر بين الوجود والموجود، بين وجود الشئ ووجود الدازاين، متضمن فى تمييز هيجل بين الوجود فى ذاته والوجود لذاته. فالوجود فى ذاته عند هيجل هو الموجود أو وجود الشئ عند هايدجر، والوجود لذاته عند هيجل هو وجود الدازاين عند هايدجر. ويذهب هايدجر إلى أن الدازاين وحده هو الذى يستطيع إدراك أن وجود الشئ وجود فى ذاته، وهو الذى يستطيع تحديد ومعرفة شيئية الشئ. الشئ شئ بالنسبة للذات التى تشيؤه لا بالنسبة لذاته، والشئ يستمد وجوده الشيئى من الدازاين أو الوجود لذاته( )، وهو ما يتفق تماماً مع تمييز هيجل. كما أن الوجود الحقيقى عند هيجل، وهو وجود الروح، هو وجود لذاته وفى ذاته فى نفس الوقت، الوجود الواعى بذاته والواعى بأنه صانع موضوعاته وخالق عالمه. ففينومينولوجيا الروح تبدأ بوجود لذاته فقط، الوجود المعتقد أن الآخر مستقل عنه ويواجهه، سواء كان هذا الآخر شيئاً أو ذاتاً أخرى، إلا أنه يكتشف أن هذا الآخر لا يكون آخراً إلا بالنسبة له، ولن يكون هو وجود لذاته وفى ذاته فى نفس الوقت إلا بالقضاء على التعارض بينه وبين الآخر( ). ولا يمكن أن يحل التعارض بين الأنا والعالم إلا عندما تصنع الأنا عالمها الخاص بها وتخرج من سيطرة الضرورة الطبيعية العمياء وتصنع قانونها الذى هو الضرورة العقلانية، كما لا يمكن القضاء على التعارض بين الأنا والآخر إلا بنشأة وجود يضم الاثنين معاً، وهو الروح المطلق الذى هو فى حقيقته وجود جماعى.
نلاحظ مما سبق أن هيجل اكتشف جدلاً بين الوجود فى ذاته والوجود لذاته ينطوى على تناقض وصراع بينهما، وأن هذا التناقض والصراع لا يمكن أن يرفع
Aufheben إلا فى الروح المطلق التى هى وجود جماعى صانع لذاته وخاضع لقوانينه التى أملاها على نفسه. ولأن هايدجر لم يلاحظ هذا الصراع والجدل فلم يشعر بضرورة تجاوز تعارض الوجود فى ذاته والوجود لذاته، أو الأنا والآخر، فى صورة ” النحن “( ) أو الوجود الجماعى المسير ذاتياً، أى لم يتوصل إلى الدلالات السياسية والاجتماعية الثورية التى تنتهى إليها تحليلات هيجل. لقد نجح هيجل فى إسباغ طابع تاريخى واجتماعى على الروح المطلق وعلى فلسفته كلها، فى حين أن هايدجر لم ينجح إلا فى إقامة أنطولوجيا للدازاين ولأنماط وجوده: الوجود من أجل الموت، والهم، والقلق، والملل، والعزلة.
نستطيع استخدام تأويل ماركيوز لأنطولوجيا هيجل فى توجيه نقد هيجلى لهايدجر. يكشف ماركيوز( ) عن أن ما يكمن تحت تمييز هيجل بين ما هو فى ذاته أو الوجود فى ذاته والوجود من أجل ذاته التمييز الأرسطى بين القوة والفعل. ومع الأخذ فى الاعتبار أن رسالة ماركيوز كانت تحت إشراف هايدجر وأن ماكيوز لا يأتى على ذكر هايدجر إلا فى المقدمة على سبيل الشكر، نستطيع القول إن رسالة ماركيوز كلها عبارة عن رد هيجلى على هايدجر فى توضيح كيف أن أنطولوجيا هيجل تتجاوز أنطولوجيا هايدجر. يذهب ماركيوز إلى أن الوجود هناك المتعين لا يكون كذلك ولا يكون عينياً إلا إذا سيطر أو وضع يده على الشروط التى تجعله متعيناً. معنى ذلك أن الوجود هناك يعد صيرورة يتحول بها الموجود من مجرد إمكانية وجود إلى وجود متحقق بالفعل بالسيطرة على شروط تحقيق وجوده وتعينه باعتباره عينياً( ). وبما أن هذه الشروط خارج نطاق الوجود فى ذاته فإن الوجود المتعين أو الوجود هناك هو الإمكانية على التحقق فى ظل الآخرية أو السلب، إمكانية الوجود لأن يتحقق فى محيط خارجى ليس هو وغريب عنه، أو بلغة فشته تحقق الأنا فى اللاأنا؛ كى يتحقق الوجود الإنسانى الكامل يجب عليه أن يسيطر على شروط تحققه، ويجب أن يتحقق فى مجال خارج ذاته، أى مجال العالم الخارجى الذى ليس هو العالم الإنسانى، أى عالم السلب. ويقول ماركيوز ختاماً لذلك إن ” الوجود هناك هو وجود قد صار (كذلك). والوجود هناك لا يمكن إلا أن يكون وجوداً قد صار، أى كنتيجة (لصيرورة) “. من الواضح أن هذا التحليل يختلف تماماً عن دازاين هايدجر الذى يبدأ هايدجر باكتشافه دفعة واحدة ويتمتع بصفات ثابتة. نكتشف من تأويل ماركيوز أن الوجود هناك أو الدازاين لا يمكن أن يكون إلا نتيجة لصيرورة والمرحلة الأخيرة لعملية صيرورة وحركة وهو كذلك يتضمن تخارجاً أو تحققاً فى الخارج، أى كما يقول هيجل وحدة الذات فى الآخرية، هوية الذات فى محيط غريب عنها. والواضح أن السلب والصيرورة والانتقال من القوة إلى الفعل عناصر غائبة تماماً عن أنطولوجيا هايدجر فى الدازاين.
نقد آخر غير مباشر لهايدجر يمارسه ماركيوز بتأويله لهيجل. يقول ماركيوز:
” إن الشئ لا يوجد هناك وحسب. إنه يعين نفسه باعتباره هناك. يمكننا فهم الوجود عينياً عندما ننظر إليه باعتباره عملية
Process فى ذاته وخارجها فى نفس الوقت (أى عملية تخارج) ... باعتباره صيرورة ذاتية (باعتباره يصير إلى ذاته). لكن هذه العملية تخص ذاتاً “( ) أى ذاتاً إنسانية أى دازاين، وليس شيئاً من أشياء الطبيعة. وهذا هو معنى أن الجوهر هو فى حقيقته ذات، لأن معنى الجوهر هو ما هو واحد وسط المختلف، الثابت وسط المتغير
أو الأعراض، وهذا ينطبق على الذات الإنسانية.
واستمراراً فى نقد ماركيوز لهايدجر بتأويله لهيجل، يقول: ” إن الوجود هناك
Dasein المباشر للموجودات لا يشكل الوحدة الأنطولوجية المناسبة للموجودات. إن وجود الموجودات لا يتأسس أبداً ولا فى أى مكان فى مجال الهناك المباشر immediate thereness ولا يعنى هذا إلا أن القابلية للحركة باعتبارها نمط وجود الموجودات لم تدرك فى عمقها (أى أن هايدجر ببحثه فى الموجودات باعتبارها وجوداً هناك لم يدرك عمقها الذى يتمثل أساساً فى القابلية للحركة) ... إن مجال (بُعد) الوجود هناك المباشر لا يكفى لتعيين الموجودات ولا لتعيين وجودها “( ). وبعبارات أخرى فإن الوجود هو فى الأساس قابلية للحركة متضمنة الصيرورة والتغير لا الوجود هناك الساكن الثابت؛ هذا النقد غير المباشر لهايدجر يتفق مع نقدنا نحن واكتشافنا أن الوجود عند هايدجر سكونى وماهوى ويستبعد الجدل، أى الحركة.
4 - زمانية وتاريخية الوجود الإنسانى :
يقر هايدجر فى بداية كتابه ” الوجود والزمان “ أن وجود الدازاين وجود زمانى، وعلى الرغم من ذلك فهو لا يأخذ فى تحليل زمانية الدازاين مباشرة، بل يبدأ بتحليل الدازاين باعتباره وجوداً فى العالم. والوجود فى العالم يستتبعه التوجه الأداتى للدازاين، وهو ما يركز عليه هايدجر، فى حين يختفى البعد الزمانى ولا يظهر إلا فى النصف الثانى من الكتاب، أما الجزء الأول كله فيتناول موضوعات بعيدة عن الزمانية مثل الاهتمام والطابع العالمى للعالم
Worldhood، والوجود ” فـى “ والوجود ” مـع “. وإذا ما انتقلنا إلى الجزء الذى يعالج فيه زمانية الدازاين لن نجد موضوعات ينطبق عليها الطابع الزمانى تحديداً إلا فى الوجود اليومى Everydayness( )، وهو زمانية زائفة، والوجود من أجل الموت، والتاريخية.
هل تحتوى فينومينولوجيا هيجل على بعد زمانى؟ بالطبع
*. ويتضح ذلك من الفصل الأول، حيث تقترب معالجة هيجل لـ ” الآن “ Now من معالجة هايدجر. كان هايدجر قد حلل تقسيمات الزمان إلى ماض وحاضر ومستقبل، وذهب إلى أن الحاضر هو فقط ما له واقعية وحقيقة. حقيقة الزمان تتمثل فى الحاضر أو ” الآن “، لأن الماضى يستمد وجوده من حيث إنه كان حاضراً فى وقت ما، والمستقبل كذلك يستمد وجوده وحقيقته من أنه سوف يكون حاضراً فى وقت ما. لكن ما هو هذا الحاضر أو ” الآن “ ؟ يذهب هايدجر إلى أن هذا ” الآن “ هو الأنا، هو الدازاين، لأن الدازاين هو الذى يمتلك الحاضر والوعى بالحاضر، فالزمان فى جوهره وعى ذاتى غير متوفر للأشياء، أى لا يمكن أن تكمن حقيقته فى الزمان الفيزيائى( ).
تقترب هذه المعالجة إلى حد كبير من معالجة هيجل لـ ” الآن “. يذهب هيجل إلى أن
” الآن “ يمكن أن يكون ليلاً أو نهاراً وليس ثابتاً أبداً، فهو يكف عن أن يكون آناً فى اللحظة التى نشير فيها إليه، إذ يمكننا أن نقول إن ” الآن “ صباحاً وبعد لحظة يصبح هذا ” الآن “ مساءاً( ). لكننا نستخدم ” الآن “ دائماً، ولذلك ” فالآن “ هو الشئ الثابت وسط تغير الزمان الفيزيائى، فنحن نستطيع أن نقول ” الآن “ على كل الأوقات، وما يقال على أشياء كثيرة هو الكلى( )، وبالتالى ” فالآن “ هو كلى، وهو فى حقيقته تعبير عن الحضور الواعى بذاته. وهذا الحضور الواعى بذاته هو الوجود الإنسانى؛ وبالتالى فالنتيجة التى تؤدى إليها تحليلات هيجل للزمان هى القول بأن الوجود الإنسانى زمانى، بما أنه حضور دائم وكلى وواع بذاته. لم يعلن هيجل عن هذه النتيجة صراحة، إذ كان منشغلاً بقضايا أخرى منها كون الكلى متضمناً فى الإدراك الحسى البسيط، لكن النتيجة المنطقية لتحليلاته تتفق فى النهاية مع تحليلات هايدجر القائلة إن ” الآن “ لا يمكن أن يكون فى الأشياء أو فى الزمان الفيزيائى بل فى الذات، فالذات التى تقول ” الآن “ هى نفسها هذا ” الآن “.
ويطلق هيجل على المراحل التى يمر بها الوعى ” لحظات “
Moments وذلك ليوحى بالصلة الدينامية المتبادلة لهذه المراحل أو الخطوات وطابعها الجدلى والزمنى. وقد كان هيجل على حق تماماً فى هذا الاختيار، ذلك لأن الوعى، كما أشار كانط، له صورة الزمان، والوعى ذاته زمانى. هيجل هنا مخلص لكانط، لكن يتجاوزه فى نفس الوقت نحو وصف أكثر شمولاً للوعى، فوصف كانط لا يزال صورياً ينظر إلى الزمان على انه الإطار الحاوى أو فى أفضل الأحوال السياق الذى يوجد به الوعى أو الأنا، أما هيجل فهو باستخدامه لكلمة اللحظة فهو يشير إلى أن نمط وجود الذات والوعى هو نمط زمانى مستبقاً هايدجر. أكبر دليل على أن فلسفة هيجل الأنطولوجية تتضمن البعد الزمانى كتابه المنطق، حيث يقيم التوازى بين الدوائر الثلاثة وبين تطور الفكر الفلسفى. وبالنظر إلى هذا البعد الزمانى القوى فى الفينومينولوجيا، ما هو وضع تحليلات هوسرل الفينومينولوجية للشعور الداخلى بالزمان وباقى تحليلاته للزمان ؟ بالنسبة لهيجل ؟ يمكن القول إن هوسرل تناول الزمان كموضوع للتحليل الفينومينولوجى عن قصد وترتيب، تناول وعى الذات بالزمان، أما هيجل فمسألة الزمان أعمق من ذلك بكثير فى فلسفته، فهولا يحلل وعياً بالزمان، بل يحلل نمطاً لوجود الذات هو نفسه زمانى، يحلل عملية تطور الوعى ومسيرته عبر مراحل جدلية، أى يحلل وجود الوعى فى الزمان، إذا نظرنا إلى الحركة الجدلية على أنها حركة زمانية وإلى اللحظات على أنها زمانية، لأتضح لنا أن الجدل هو لا شعور هذا الوعى بالزمان كما يفعل هوسرل. الحقيقة أن هوسرل لا يزال مقيداً بالإطار الإبستمولوجى الذى وضعه لنفسه، فهو يتناول الزمان من وجهة نظر إبستمولوجية: وعى الذات به، لا من وجهة نظر أنطولوجية: وجود الذات فيه.
والحقيقة أن هايدجر الذى أعلن عن زمانية وتاريخية الوجود الإنسانى أخذ فى تحليل الدازاين على أنه وجود فى العالم فقط ولم يتناول وجود الدازاين فى التاريخ، وأخذ يستخلص أنماطاً أنطولوجية من الوجود فى العالم مثل الأداتية والاهتمام والقلق، لكنه لم يستخلص أنماطاً أنطولوجية من الوجود فى التاريخ. إذا كان الوجود الإنسانى وجود زمانى، فإن التاريخ سوف يكون هو المجال الذى يتكشف فيه وجود الإنسان لنفسه وتتحقق فيه إمكاناته بالكامل، هذا إلى جانب أن التاريخ يجب أن يمدنا بأمثلة عينية على أنماط أنطولوجية للوجود الإنسانى، وكل ذلك لا نجده عند هايدجر بل عند هيجل. إذ نجد فى فينومينولوجيا هيجل معالجة لتطور الروح باعتباره تطوراً أنطولوجياً وتاريخياً فى نفس الوقت، إذ تكشف كل من الترعة الشكية والأبيقورية والرواقية والقانون الرومانى واليهودية والمسيحية الأولى وكنيسة العصور الوسطى وعصر التنوير وعصر الثورة الفرنسية أنماطاً تاريخية من الوجود تتمتع فى نفس الوقت بوضع أنطولوجى خاص فى طريق تطور الروح. لقد أدرك هيجل أن أنطولوجيا الوجود الإنسانى يجب أن تكون فلسفة فى التاريخ، بما أن وجود الإنسان وجود تاريخى يتكشف ويتحقق فى التاريخ.
ولا يتصف الوجود الإنسانى وحده بأنه زمانى وتاريخى عند هيجل، بل كذلك تتصف المعرفة المطلقة بنفس الصفة، فالمعرفة المطلقة تفترض حركة الوعى وترقيه الجدلى عبر التاريخ ولا تتحقق إلا فى ظرف تاريخى معين وبناء على قبلى تاريخى خاص. أوروبا الغربية فى عصر ما بعد الثورة الفرنسية هى التى تستطيع الوصول إلى المعرفة المطلقة، أما قبل ذلك فلم تكن هذه المعرفة ممكنة ولا متصورة. وهيجل فى فلسفة التاريخ يقول كلاماً شبيهاً بذلك. فهو يقول هناك إن الثورة الفرنسية كانت علامة على ميلاد العقل أو تحققه النهائى. المعرفة المطلقة ليست ممكنة إلا بفضل وضع تاريخى معين هو وضع اكتمال حركة التاريخ أو حركة العقل فى التاريخ ووصولها إلى نهايتها. والمعرفة المطلقة أيضاً ليست مجرد نتيجة لوضع تاريخى معين، بل هى ذاتها وضع تاريخى، طريقة أو أسلوب فى الوجود التاريخى للإنسان وليست مجرد حالة عقلية أو ذهنية أو شيئاً يمتلكه الفكر، بل هى حالة يعيشها الإنسان شرطاً جديداً
Condition للإنسانية.
5 - التناهى واللاتناهى :
أنطولوجيا هايدجر هى أنطولوجيا التناهى، أى الأنطولوجيا التى تبحث فى الوجود الإنسانى من منطلق أنه وجوه متناه. وهذا هو المعنى الحقيقى للزمان عنده، فزمانية الوجود الإنسانى لديه تعنى تناهى هذا الوجود( )، والحقيقة انه بذلك كان متأثراً بلاهوت العصور الوسطى الذى كان يقسم الوجود إلى عالم إنسانى مخلوق خاضع للزمان، وعالم إلهى متعال على الزمان وغير خاضع له. وكانت الكنيسة دائماً ما تنظر إلى سلطتها على أنها سلطة إلهية غير زمانية أما سلطة الدولة والقوانين الوضعية فهى ” سلطة زمانية “. كما أن كل ما هو دنيوى كان يسمى
Secular، وهو نفس المصطلح الذى يعنى الزمانى. وبناء على ذلك نستطيع فهم عبارة هايدجر التى يقول فيها إنه لاهوتى مسيحى، ويجب أن نفهم هذا الاعتراف حرفياً ولا نؤوله، فأنطولوجيا هايدجر تعتمد بالفعل على المعنى اللاهوتى المسيحى عن الزمان باعتباره مجال التناهى.
ولأن أنطولوجيا هايدجر هى أنطولوجيا الوجود المتناهى فقد احتل موضوع الموت مكانة مركزية فى فلسفته، بل إنه قد وصف نمط الوجود الإنسانى كله بأنه وجود تجاه الموت. ونشعر فى حديثه عن الموت أنه يتخذ المعنى الدينى عن الموت أو الفناء
Finitude.
وعندما أصدر هايدجر كتابه ” الوجود والزمان “ نظر الكثيرون إليه على أنه فيلسوف وجودى، وتم إلحاقه بزمرة الفلاسفة الوجوديين، لكنه لم يوافق على ذلك وأصر على أنه لاهوتى مسيحى، أى أصر على الدلالات الدينية لمفاهيمه عن الزمان والموت والتناهى. وكى يبعد هايدجر عن فلسفته شبهة الانتماء إلى التيار الوجودى نشر بعد ثلاث سنوات من
” الوجود والزمان “ (1926) كتاباً آخر بعنوان ” كانط ومشكلة الميتافيزيقا “ (1929). فهو يعلن فى مقدمته للطبعة الرابعة أن الهدف الأساسى من نشره لهذا الكتاب تصحيح سوء الفهم الذى علق بسؤال الوجود فى ” الوجود والزمان “( )، ويقصد هايدجر بسوء الفهم هذا التفسير الوجودى لفلسفته والذى يرفضه بشدة. وما نلاحظه فى هذا الكتاب أنه شرح لمفهوم هايدجر عن التناهى وأنطولوجيا التناهى عن طريق تأويل فينومينولوجى لـ ” نقد العقل الخالص “ لكانط. إذ ينظر هايدجر إلى كتاب كانط على أنه أول محاولة لتأسيس ميتافيزيقا للمعرفة على أساس تناهى الوجود البشرى بالضد على الميتافيزيقات القديمة.
يهدف هايدجر من تأويله لـ ” نقد العقل الخالص “ إلى توضيح أن الكتاب تكمن وراءه أنطولوجيا حول تناهى الوجود الإنسانى( )، ذلك لأن كانط يبدأ كتابه بأسئلة ثلاث: ماذا يمكننى أن أعرف ؟ وماذا على أن أعمل ؟ وما الذى يمكن أن آمل فيه ؟ ويقوم كل سؤال من هذه الأسئلة من وجهة نظر هايدجر على افتراض أن الوجود الإنسانى متناه، ويقصد هايدجر من ذلك القول بأنها أسئلة تفترض كون الإنسان وحيداً فى العالم، ملقى هناك بدون دعم
أو سند إلهى، وبالتالى فيجب عليه أن يفكر بنفسه ولنفسه؛ فكون الإنسان وحيداً فى العالم يحتم عليه التساؤل حول إمكان معرفته وحدودها وقدرته على الفعل وما يمكن أن يأمله، بعيداً عن أى مرجعية إلهية. ولذلك يطرح كانط سؤالاً رابعاً: ما هو الإنسان ؟ وهو سؤال منطقى يتفق فى نظر هايدجر مع النظرة إلى الوجود البشرى على أنه متناه. يعبر هذا السؤال عن أن الموجود الإنسانى نفسه هو الذى يسأل عن وجوده وهو الذى يعثر بنفسه على الإجابة دون مساعدة من أحد، ودون مرجعية أخرى غير ذاته. والدليل الذى يقدمه هايدجر على أن فلسفة كانط مؤسسة على أنطولوجيا للتناهى هو نظرية كانط فى الحدس الحسى، إذ يذهب كانط إلى أن المعرفة الإنسانية ليست ممكنة بدون الحدس الحسى، وليس متاحاً للإنسان أن يتلقى موضوعات معرفته إلا فى صورة حدوس حسية، أما الحدس العقلى فغير ممكن، أى تكوين معرفة مشروعة دون الاعتماد على مادة الإدراك الحسى. فلأن المعرفة الإنسانية متناهية فهى تحدس الموضوع باعتباره قائماً أمامها أو معطى للإدراك الحسى، وعلى أنه ظاهر أو تمثل أما الموضوع فى ذاته بعيداً عن ظاهره وعن النمط الذى يُعطى به للحدس الحسى فغير ممكن( ). الإنسان يعرف الظاهر ولا يعرف الأشياء فى ذاتها لأنه وجود متناه.
إن لجوء هايدجر لتأويل فينومينولوجى لنقد العقل الخالص ليشرح به مفهومه عن أنطولوجيا التناهى هو بالضبط ما يجعله عرضه للنقد الذى وجهه هيجل لكانط( ). ينظر هايدجر إلى نقد العقل الخالص على أنه نموذج لميتافيزيقا للمعرفة على أساس تناهى الموجود البشرى، وهذا الجانب فى كتاب كانط هو ما اعترض عليه هيجل وما جعله ينقد كانط فى الأساس. والأكثر من ذلك أن هيجل كان يطلق على فلسفة كانط فلسفة التناهى قدحاً فيها ورغبة منه فى استبدالها بفلسفة أخرى للاتناهى أو للمطلق بتعبيره.
كان هيجل على وعى بالشعور الذى بدأ يسود فى عصره، وهو الشعور بفناء وتناهى الموجود البشرى، أى نفس الشعور الذى نجده فى فلسفة هايدجر؛ ويتجسد هذا الشعور فى التمسك بكل ما هو فان والاعتقاد أنه هو جوهر وحقيقة الإنسان التى لا يملك غيرها، والنظر إلى كل ما هو سماوى أو مقدس على أنه لا ينتمى للبشرى. وفى رأى هيجل أن السبب فى هذا الشعور هو اختفاء القوة الموحدة من حياة الناس، تلك القوة التى كانت تجمع الناس على قيم ومثل عليا كان يوفرها الدين. أما بعد اضمحلال الدين وبعد عصر التنوير فقد اختفت هذه القوة الموحدة وذلك فى سبيل مثال جديد وهو العقلانية التى تفصل كل ما هو سماوى ومقدس ولا متناه عن حياة البشر. وهنا يحدث للروح البشرية اغتراب، إذ لا تجد نفسها إلا وهى منغمسة فى الأرضى والمتناهى. ويصف هيجل حال الروح الإنسانى فى عصره بقوله:
” إن الروح تقدم نفسها على أنها جدباء، حتى أنها، مثل الظمآن الذى يسير فى الصحراء من أجل شربة ماء، تتعطش إلى مجرد الإحساس بالمقدس. إن القدر القليل الذى يشبع الروح دليل على مدى ظمأها “( ). وهيجل لا يرضى بمجرد الإحساس بالمقدس، بل يريد امتلاك المقدس كله، يريد وضع المقدس فى صورة نسق فلسفى والتعبير عنه تصورياً. وهنا بالضبط يكمن أصل فلسفة هيجل باعتبارها أنطولوجيا للاتناهى مواجهة لأنطولوجيا التناهى عند هايدجر.
ويعلن هيجل فى الفينومينولوجيا عن عدم رضائه عن ذلك الشعور الذى يجد أمانه وطمأنينته وبيته فى التناهى، لأن ذلك تعبير عن الفقر الروحى والخواء الداخلى. ويكشف هيجل عن حكمة ذات دلالة بالنسبة لهايدجر، إذ يقول إن الفلسفة العميقة، أى الفلسفة التى تصل إلى عمق الإنسان، يمكن أن لا تكون أصيلة، فالعمق ليس شرطاً أن يعنى الأصالة، إذ يمكن أن يكون عمقاً خاوياً( )، عمقاً يعبر عن وحشة داخلية عميقة واغتراب روحى يتمثل فى صورة فراغ داخلى كبير نعتقد أنه عمق بمعنى الأصالة إلا أنه فى حقيقته فقر واغتراب روحى. وكأن هيجل يصف فلسفة هايدجر بالضبط، لأن هايدجر بالفعل هو الذى يجد أمانه وطمأنينته فى التناهى، ويبحث عن الأصالة فى فراغ داخلى كبير يعتقد أنه عمق إلا أنه خواء روحى، يسميه هايدجر الوجود تجاه الموت. هناك إذن تعارض قوى بين دوافع فلسفة كل من هيجل وهايدجر، فهيجل يعترض على نفس الشعور المسيطر على فلسفة هايدجر، ويضع إزاءه فلسفة تأخذ منطلقها من شعور مناقض تماماً، وفى النهاية يقدم لنا كل واحد منهما أنطولوجيا مواجهة للتى يقدمها الآخر: يقدم هيجل أنطولوجيا فى اللاتناهى ويقدم هايدجر أنطولوجيا فى التناهى.
لم يكتف هيجل بنقد فلسفة التناهى لدى كانط بل أدرك أن هناك تناقضاً بين التناهى واللاتناهى، بين الفلسفات الحديثة فى المعرفة والطموح الميتافيزيقى للفلسفات القديمة، وبحث عن مصدر هذا التناقض ووجد أنه تعبير عن تناقض أعمق بين الإيمان والمعرفة، بين المقدس والدنيوى، وأدرك أن الثقافة الحديثة هى سبب هذا التناقض، إذ نظرت إلى طرفى كل ثنائية على أنهما فى تعارض لا يحل، ويقصد هيجل بالثقافة الحديثة ثقافة عصر التنوير بالأخص( )، إذ أتى بمفهوم عن العقل مواجه ومعارض لكل ما هو مقدس ولا متناه.
وفى حين استطاع هيجل وضع يده على التناقض بين التناهى واللاتناهى الذى ينازع الوجود البشرى وبحث له عن أسباب، لم يلاحظ هايدجر مثل هذا التناقض، وكل ما فعله أن استغرق فى تأسيس أنطولوجيا حول تناهى الوجود البشرى فى غيبة البعد الآخر وهو اللاتناهى. ولذلك فإن مفهوم هايدجر عن التناهى عرضة للاتهام بأنه مسمط ولا يحتوى على أى تناقضات، إلا تناقضاته هو الناتجة عن الشعور بالفناء الذى يسيطر عليه. لقد حكم هايدجر على الوجود البشرى بالتناهى فى حين أننا جميعاً نشعر كأفراد بالتوتر والتناقض بين التناهى واللاتناهى، فهما يتنازعان داخل الفرد الواحد، وهذا ما عبرت عنه فلسفة هيجل تحت مصطلحات عديدة منها التناقض والسلب وشقاء الوعى. أما أنطولوجيا التناهى عند هايدجر فهى ذات بعد واحد لأنها لا تعترف بالبعد اللامتناهى ولا تعترف بأنه ينازع البعد الآخر المتناهى.
ولأن فلسفة كانط هى التى يستخدمها هايدجر لشرح مفهومه عن أنطولوجيا التناهى، فإن نقد هيجل لكانط ولنفس الجانب الذى يبرزه هايدجر وهو التناهى يعد فى نفس الوقت نقداً غير مباشر لهايدجر. وسوف نحاول فيما يلى توضيح نقد هيجل لكانط وكيف أن هذا النقد ينطبق كذلك على هايدجر.
يتركز نقد هيجل لفلسفة كانط باعتبارها فلسفة التناهى فى عمل مبكر له وهو ” الإيمان والمعرفة “ (1802). ينقد هيجل فلسفات كانط وجاكوبى وفخته لكونها نظرت إلى العقل على أنه متناه ولا يمكنه الاشتغال إلا على المتناهى، ولكونها رفعت هذا المتناهى إلى مرتبة النسق الفلسفى وصنعت منه مطلقاً. يقول هيجل: ” إن اليقين الوحيد المتيقن من ذاته لدى كانط هو وجود ذات مفكرة، عقل متأثر بالتناهى؛ وكل الفلسفة تتأسس فى تحديد الكون بالنظر إلى هذا العقل المتناهى، إن ما يسمى بنقد كانط للملكات المعرفية لا يرقى إلا إلى التقييد المطلق للعقل فى شكل متناه ... إنهم (كانط وجاكوبى وفخته) يحولون المحدودية إلى قانون أبدى ... ولذلك فهذه الفلسفات يجب أن ينظر إليها على أنها ليست إلا ثقافة ... الذهن الإنسانى العادى الذى يرتفع إلى مستوى التفكير فى الكلى “( ). ومن الواضح مدى انطباق هذا النقد على هايدجر، إذ أنه هو الآخر ” يحدد الكون “ أى يصنع أنطولوجيا، ” بالنظر إلى العقل المتناهى “ أى بالنظر إلى ميتافيزيقا فى المعرفة على أساس تناهى الوجود البشرى، ذلك لأن هايدجر يستخلص أسساً إبستمولوجية من ” الوجود فى العالم “ و ” التوجه الأداتى “ وهى كلها أشكال متناهية،
أو زمانية، من الوجود الإنسانى.
ويستمر هيجل فى نقد فلسفات كانط وجاكوبى وفخته بقوله: ” إن المثالية التى تقدر عليها هذه الفلسفات هى مثالية التناهى بمعنى أنها تضع التناهى فى شكل مثالى “( ). ولا يفعل هايدجر أكثر من ذلك إذ يجعل من البعد المتناهى فى الإنسان أساساً يقيم عليه أنطولوجيا للوجود الإنسانى كله ويجعل هذه الأنطولوجيا منطلقاً لمراجعة كل تاريخ الأنطولوجيا السابق. ويرجع هيجل السبب فى سيادة فلسفة التناهى إلى الثقافة السائدة فى عصره وهى ثقافة عصر التنوير التى فصلت بين المتناهى واللامتناهى. وفى ذلك يقول: ” إن الموقف الثابت الذى أسسته الثقافة البالغة القوة لعصرنا هو لعقل متأثر بالحواس، وفى هذا الوضع لا تستطيع الفلسفة أن تهدف إلى معرفة الإله (أو اللامتناهى)، بل فقط معرفة ما تسميه معرفة الإنسان
Cognition of Man. وما يسمى بالإنسان وإنسانيته يُنظر إليهما على أنهما نوع متناه من العقل يشكل موقف الفلسفة المطلق “( ). أليس هذا هو موقف التناهى الذى اعتنقه هايدجر وفسر على أساسه فلسفة كانط ؟ إن نظرة هيجل وهايدجر لفلسفة كانط متطابقة، فكلاهما ينظر إليها على أنها فلسفة فى المعرفة الإنسانية باعتبارها متناهية ومحدودة، وعلى هذا الأساس ينظر إليها هايدجر على أنها ترسى أسساً لأنطولوجيا التناهى، ويحكم عليها هيجل بأنها لنفس السبب تكون عاجزة عن إدراك المطلق وتحقيق مهمة الفلسفة فى العصر الحديث وهى التوفيق بين المتناقضات والقضاء على الثنائيات الفلسفية التقليدية، لأن فلسفة كانط توقعنا مرة أخرى فى الثنائيات، إذ تواجه بين الفهم والعقل، وبين عالم الظاهر وعالم الأشياء فى ذاتها، وبين العقل النظرى والعقل العملى، أى تعيد إنتاج الثنائية الأساسية بين المتناهى واللامتناهى فى شكل ثنائيات جديدة.
تصنع فلسفة هايدجر من تناهى الوجود البشرى حقيقة مثالية وتجعله أساساً لأنطولوجيا الدازاين، ولذلك فإن النقد التالى الذى يوجهه هيجل لكانط ينطبق كذلك على هايدجر:
” (ينظر كانط إلى) الفلسفة على أنها لا يجب أن تقدم فكرة عن الإنسان بل مفهوم مجرد عن الإنسانية التجريبية المنغمسة كلية فى المحدوديات
Limitations “( ). ومن الواضح أن
” المحدوديات “ التى يتكلم عنها هيجل هنا موازية لـ ” الوجود فى العالم “ عند هايدجر، لأن هايدجر يعالج هذا الوجود فى العالم على أنه الشرط الإنسانى الأساسى والذى لا يمكن تجاوزه. كما نشعر فى تحليل هايدجر للوجود فى العالم أنه انحباس فى العالم، انغماس فيه وتورط بحيث أن هذا العالم يشكل الحد النهائى الذى لا يمكننا تجاوزه، وهنا يصبح الوجود فى العالم هو المحدودية التى نقدها هيجل فى فلسفة كانط.
ويذهب هيجل إلى أن فلسفة التناهى تتضمن السلب
Negation، وهو ليس السلب الإيجابى أو المتعين الذى نجده فى ” فينومينولوجيا الروح “، بل هو سلب يعبر عن المحدودية التى ذكرناها، إذ يتمثل فى النظر إلى الجزء على أنه الكل، وأخذ الواقعة على أنها هى كل الحقيقة، وتحويل المتناهى إلى مطلق( )، والنظر إلى الفرد المتناهى على أنه الوجود الأساسى وإهمال النوع البشرى باعتباره هو الخالد واللامتناهى، أو تحويل فلسفة الدازاين إلى أنطولوجيا مثلما يفعل هايدجر. وفلسفة التناهى سالبة لأنها تسلب الأمل فى المطلق الحقيقى، ولأنها مجرِّدة، فالتمسك بالجوانب المتناهية من الوجود الإنسانى واعتبارها هى الشرط الإنسانى الأنطولوجى المطلق والنهائى هو تجريد لهذا الشرط الإنسانى الذى يحتوى كذلك على اللامتناهى بالضرورة. لا عجب أن يعثر هايدجر فى ” نقد العقل الخالص “ على حليف له، لأن الكتاب نقد لكل سعى نحو اللامتناهى والمطلق، وتقييم للمعرفة وللعقل بالتناهى والمحدودية. لقد كشف هيجل عن أن فلسفة التناهى سالبة ومجردة، وهذا هو ما تتصف به فلسفة هايدجر بالضبط كما أجمع كثير من الباحثين، إذ أن السلب عنصر أساسى للدازاين عند هايدجر، وهو يتخذ أسماء عديدة عنده أهمها العدم Nothingness؛ وهذا ما دفع سارتر نحو التركيز على عنصر العدم وتأسيس أنطولوجيا الوجود الإنسانى كلها باعتبارها جدلاً بين الوجود والعدم. إن السلب والعدم عند هايدجر وسارتر يرجعان إلى التناهى والمحدودية، أى نفس نوع السلب الذى نقده هيجل. وهذا ما يفسر لنا المكانة المركزية التى يحتلها الموت فى فلسفة هايدجر، فأنت عندما تقيم أنطولوجيا للوجود الإنسانى باعتباره وجوداً متناهياً يتضمن العدم كعنصر أساسى فسوف تجد أن الموت يشكل المقولة الأساسية أمامك.
الحقيقة أن شعور التناهى المسيطر على فلسفة هايدجر كان حالة من حالات الوعى التى نقدها هيجل فى ” فينومينولوجيا الروح “ تحت اسم الوعى الشقى
Unhappy Consciousness. الوعى الشقى هو الوعى الذى ينظر إلى نفسه على انه متناه ويواجه بين ذاته وبين اللامتناهى معتقداً أنهما فى تعارض أبدى لا يمكن حله. والوعى الشقى كذلك هو الذى ينتابه الشعور بأنه لا شئ، أى الشعور بالعدم وبأن مصيره الفناء أو الموت( ). وهذه هى فلسفة هايدجر بالضبط. لكن ما الحل الذى يقدمه هيجل لشقاء الوعى ؟ إن شقاء الوعى هو حالة الوعى المرتبطة بالديانة اليهودية وبالمسيحية الأولى، ويوضح هيجل أن الحل لمثل هذا الشقاء هو فى القضاء على التناقضات التى تقسم الوعى الشقى نصفين، أى التناقض بين الأرضى والسماوى، والإنسانى والإلهى، والتناهى واللاتناهى، والجسم والروح، والضرورة والحرية. ويذهب هيجل إلى أن القضاء على هذه الثنائيات يتطلب تغييراً شاملاً للثقافة، ولا يكفى التنوير فى نظره لتحقيق هذه المهمة، لأن عصر التنوير وقع مرة أخرى فى نفس هذه الثنائيات. والحل الذى يقدمه هيجل هو مفهومه عن الروح المطلق، الذى تتآلف فيه جميع التناقضات، وهذا الروح المطلق هو روح الشعب، الوجود الجماعى الذى يضم الأفراد فى وحدة عضوية ويقضى على التعارض بين الحرية والضرورة. هيجل إذن يشير إلى أن القضاء على الوعى الشقى وعلى التعارض بين التناهى واللاتناهى هو فى شكل جديد من الحياة الجماعية.
6 - البينذاتية الزائفة والبينذاتية الحقيقية :
فى فلسفة كل من هيجل وهايدجر جانب بينذاتى
Intersubjective واضح، لكن بينذاتية هايدجر زائفة كما سوف نرى. صحيح أننا سنجد البعد البينذاتى بوضوح لدى هايدجر، إلا أن تحليلينا يثبت أنها بينذاتية زائفة.
صحيح أن هايدجر يذهب إلى أن ” الدازاين هو الآخرون، وأن الوجود المشترك هو الشرط الصورى لإمكانية انفتاح الآخرين على الدازاين وإدراكهم له وجودياً، وأن إدراك المكانة الأنطولوجية للآخر ... شكل من أشكال الوجود “ ( ). إلا أن أنماط وجود الدازاين التى يحللها ليس لها علاقة بهذا الوجود المشترك ولا بالآخر، فالقلق والعدم والطابع اليومى والوجود تجاه الموت هى كلها ظواهر فردية فى الأساس لا ظواهر جماعية. بل إن هايدجر يذهب إلى أن الوجود المشترك مع الآخرين هو وجود زائف وذلك عندما ينخرط الدازاين فى عالمه المشترك، كما أن ” ظاهرة الوجود الزائف هى الصورة المتطرفة للوجود المشترك، وهى صورة غالبة على الدازاين فى حياته اليومية “( ). معنى ذلك أن الوجود المشترك عندما يشتد ويزيد عن حده يتحول إلى وجود زائف، وهذا بالضبط ما يؤكد لنا أن بينذاتية هايدجر ليست بينذاتية حقيقية.
تتمثل قوة البعد البينذاتى عند هايدجر فى توضيحه أن الدازاين يفهم نفسه من خلال الآخر. يذهب هايدجر إلى أن الدازاين يفهم ذاته بانعكاس
Reflection، لكنه ليس انعكاساً بالمعنى التقليدى الذى يعنى الانطواء الداخلى على الذات والحملقة فيها كما لو كانت شيئاً أمامنا، بل هو انعكاس بالمعنى البصرى أو الضوئى للكلمة، أى كسراً للاتجاه، رؤية الذات من خلال الموضوعات وفى الموضوعات. ويذكر هايدجر أن هذا المعنى للانعكاس ظهر لأول مرة لدى هيجل( )، وهذه شهادة خطيرة منه؛ فهو كأنه يقول بذلك أن فهم الدازاين لذاته والذى يقصده هو قد توصل إليه هيجل من قبل بمفهومه عن الانعكاس.
وهذه مفارقة عجيبة لأن هايدجر الذى يرفض هيجل ولا يعترف له بأى فضل يأتى بهذه الفكرة المركزية فى فلسفته ويصرح بأنها موجودة لدى هيجل. ويبدو أن هذه الفكرة ليست وحدها الموجودة لدى هيجل، فقد سبق أن ذكرنا أن هايدجر يعترف بأن مفهوم هيجل عن الروح يقترب من مفهومه هو عن الوجود، هذا بالإضافة إلى اعتراف هايدجر فى ” الوجود والزمان “ أن تحليلات هيجل للزمان متفقة إلى حد كبير مع تحليلاته هو. وكل هذه الاعترافات تبرر لنا القول بأن هايدجر أحدث انقلاباً هيجلياً على فينومينولوجيا هوسرل وذلك بأن تحول مجال البحث الفينومينولوجى لديه ناحية الموضوعات الهيجلية المعروفة بصورة تلقائية؛ ويظل هايدجر يلاحظ تشابهاً بين فكرة من أفكاره وفكرة هيجلية طوال حياته الفكرية، والحقيقة أن مصدر هذا التشابه والذى لم يعترف به هايدجر أن كل من حاول استخدام المنهج الفينومينولوجى فى مجالات أخرى غير مجالات هوسرل التقليدية، أى مجالات الإبستمولوجيا، وجد نفسه يرجع بالفينومينولوجيا إلى أصلها الهيجلى مبتعداً عن هوسرل. وهذا هو المعنى الحقيقى لقول هايدجر إن ” تطور الموضوع الفينومينولوجى يمكن أن يستمر فى اتجاه مضاد للفينومينولوجيا (الهوسرلية) “( ). أى أن توسيعاً لمجال البحث الفينومينولوجى كى يستوعب سؤال الوجود ومهمة تأسيس أنطولوجيا للوجود الإنسانى محتم عليها أن تكسر الإطار الهوسرلى، أى اقتصار الفينومينولوجيا على قضايا نظرية المعرفة. إن هايدجر يكسر الإطار الهوسرلى للفينومينولوجيا ليجد نفسه منفتحاً على أفقها الهيجلى كما لاحظ هو نفسه عدة مرات.
يقول هيجل فى ” فينومينولوجيا الروح “: ” ... إن الجوهر الحى هو الوجود الذى فى حقيقته ذات ... “، لقد سبق هيجل هنا هايدجر، لأن هيجل بذلك يكون هو أول من أدرك أن الوجود الحقيقى، أو الجوهر، ليس وجوداً لأشياء، ليس وجود الموجودات، بل الوجود الإنسانى. الحقيقة أن هايدجر قد ناقش فى المشكلات الأساسية للفينومينولوجيا قضية الجوهر وخاصة فى الفلسفة اليونانية باعتباره مرتبة من الوجود، وهيجل هنا يسبقه ويعلن أن الجوهر الحقيقى هو ذات. كما يتضح من نفس الفقرة الطابع البينذاتى لفلسفة هيجل، ذلك لأنه يقول بعد العبارة السابقة مباشرة: ” ... الجوهر ... لا يكون واقعياً إلا إذا كان هو حركة وضع ذاته (الحركة التى يضع بها ذاته) “ وهذه الحركة التى يضع بها ذاته عائدة من الآخر، من انتقاله من آخريته إلى ذاته. الجوهر إذن هو الذات التى تضع ذاتها بذاتها بتوسط آخرها، سواء كان هذا الآخر موضوعاً أو ذاتاً أخرى. عندما يكون الآخر موضوعاً فإن وضع الذات لذاتها من خلاله أو بتوسطه يكون عودة للروح إلى ذاتها بعد اغترابها فى الطبيعة، أو خلقها لذاتها بواسطة خلقها لعالم ذاتى من المادة الصماء، وعندما يكون الآخر ذاتاً أخرى يكون لدينا علاقة بينذاتية تؤسس الذاتية الحقيقية باعتبارها جوهراً( ).
وعلى الرغم من التشابه الذى يعترف به هايدجر إلا أن الفرق بينه وبين هيجل لا يزال كبيراً. ذلك لأن رؤية الذات لنفسها فى الموضوعات لدى هيجل تأتى نتيجة لإدراك الذات أنها هى التى تؤسس الموضوع معرفياً، هى التى تموضعه، أو لإدراكها أن هذا الموضوع من صنعها. وهذا البعد غير موجود لدى هايدجر. فالشرط القبلى الذى يمكِّن الذات من رؤية نفسها فى الموضوع هو أن يكون هذا الموضوع من صنعها، أى أن الانعكاس عند هيجل يفترض مقولة العمل، سواء كان عملاً عقلياً أو أداتياً، فى حين أن الانعكاس لدى هايدجر لا يتضمن مثل هذا الشرط القبلى. هذا بالإضافة إلى أن هيجل يذهب إلى أن الانعكاس لا يقتصر على رؤية الذات لنفسها فى الموضوعات، بل كذلك فى الذوات الأخرى، أى رؤية الذات لذاتها كما تراها الذوات الأخرى. وهذا البعد البينذاتى من الانعكاس غير موجود لدى هايدجر، وهذا هو معنى قولنا إن بينذاتية هايدجر ليست بينذاتية حقيقية لأنها لا تتضمن تشكيلاً لهوية الذات من خلال التفاعل مع ذات أخرى كما يذهب هيجل. وتأكيداً على هذا التحليل يقول هايدجر: ” الدازاين يجد نفسه أساساً فى الأشياء “ لا فى ذوات أخرى( ).
وفى حين أن الذات عند هيجل تفهم ذاتها مما صنعته، فإن فهم الدازاين لنفسه عند هايدجر لا يتضمن أى صنع، بل يتضمن عثوره على عالم معطى من قبل ليس له أى دخل فى إيجاده، بل هو يفهم نفسه على أنه ليس إلا وجود فى هذا العالم فقط: ” لأننا موجودون فنحن نفهم مسبقاً عالماً معطى، وقادرون على أن نفهم ونتعرف على أنفسنا ... عن طريق الموجودات التى نلتقى بها “ أى التى نجدها كما هى جاهزة أمامنا. ” إن الدازاين فى فهمه لنفسه عن طريق الأشياء فإنه يفهم نفسه على أنه وجود فى العالم “( )، أى عالمه هو الذى يجعله يدرك ماهيته، وليس فى هذا الوصف أى وجود لجانب بينذاتى. وهايدجر هنا يرجع إلى الثنائية التقليدية بين الذات والعالم ناظراً إلى الذات على أنها وجود مفرد لا جماعة بشرية متفاعلة.
والدليل على أن هايدجر يقصد بالدازاين ذاتاً مفردة هو ذهابه إلى أن الاتصال هو علاقة من قبل دازاين واحد بدازاين آخر داخلان معاً فى توجه أساسى نحو موضوع ما. ويقول فى ذلك: ” إن الدازاين بتناوله لشئ فهو يشترك مع الدازاين الثانى فى نفس التوجه (نحو ذلك الشئ) “( ). العلاقة بين دازاين ودازاين آخر تتم بتوسط العالم، وما يجمع الاثنين هو التوجه الواحد نحو العالم، لا علاقة تفاعلية بينهما. والتواصل بينهما هو أن يكون كل منهما فى نفس حالة التوجه نحو موجود معين؛ علاقة التواصل هذه إذن ليست مباشرة بل تتم بتوسط العالم والموجودات، وهى عكس علاقة التواصل عند هيجل تماماً والتى ليست محتاجة إلى وسيط ثالث. كما أن علاقة الأنا - الأنت عند هايدجر ليست علاقة أساسية بل مشتقة، إذ تعتمد على علاقة الدازاين بالوجود فى العالم( ).
وعندما يبحث هايدجر عن شروط إمكان الوجود فى العالم يذهب إلى أنها تتمثل فى قدرة الدازاين على التعامل مع الأشياء باعتبارها أدوات. فالوجود فى العالم يظهر فى صورة حضور هذا العالم أمام الدازاين فى صورة أدوات، حضور فى متناول اليد. ويعلن هايدجر بجرأة ” ليس هناك أى فرق فيما إذا كان هناك دازاين آخر حاضراً أم لا “( ). فحضور العالم أمام الدازاين باعتباره أداة ليس له أى علاقة بالصلة بين ذات وأخرى. هايدجر إذن يستبعد البينذاتية من الأداتية، فى حين أن هيجل يجعل الأداة وسيطاً بين الأنا والآخر، كما أنه يعالج العلاقة الأداتية بين ذات وأخرى باعتبارها مرحلة من مراحل تجلى الروح المطلق، أى شكل من أشكال الوجود الجماعى.
7 - وحدة الفكر والوجود :
تتمثل الركيزة الأساسية لأنطولوجيا هيجل فى مبدأ وحدة الفكر والوجود. فهذا المبدأ هو الذى يريد إثباته فى ” فينومينولوجيا الروح “ كمقدمة لمذهبه الأنطولوجى فى ” علم المنطق “ الذى يضع هذا المبدأ فى صورة نسق فلسفى. ونلاحظ مع هيجل أن أنطولوجيا الوجود الإنسانى لا يمكنها إلا أن تكون فلسفة فى وحدة الفكر والوجود؛ فلأنها ليست أنطولوجيا للموجودات أو الأشياء بل أنطولوجيا للإنسان فلا يسعها إلا معاملة أرقى أشكال الوجود الإنسانى وهو الفكر على أن يكشف عن نمط وجوده( ). وسوف نرى أن أنطولوجيا هايدجر هى الأخرى تسير فى نفس الاتجاه، فلا يسعها إلا إقامة وحدة بين الفكر والوجود لأنها أنطولوجيا للوجود الإنسانى مثل أنطولوجيا هيجل.
يذهب هيجل إلى أن الوجود الحق هو الوجود المفكر الواعى، أى الواعى بأنه وجود مفكر، وهو الوجود موضوعاً للفكر، أى المفهوم، الوجود المحتوى على ذاته؛ أى الفكر الذى يتخذ ذاته موضوعاً للتفكير. والوجود الحقيقى عند هيجل هو هذا الفكر المتيقن من ذاته والذى وصل إلى مرتبة الوعى الذاتى، وهو الروح المطلق الذى هو فكر ووجود فى نفس الوقت( ). وهدف ” فينومينولوجيا الروح “ عند هيجل توضيح كيفية وصول الروح إلى معرفة ذاتها باعتبارها الوجود الحقيقى، فهى تمر برحلة معرفية وأنطولوجية فى نفس الوقت، ويكون تحققها الأنطولوجى هو وصولها إلى معرفة ذاتها.
الوجود من ماهيته أن يتطور ويسمو حتى يصل إلى الدرجة التى يصبح عندها من الممكن التعبير عنه بالفكر، من خلال الإنسان. إن أسمى ما يصل إليه الوجود هو أن يتم التعبير عنه بالفكر، فالفكر والفكر المعبر عن الوجود الحق، هو أعلى مراتب الوجود، وهو التحقق الفعلى للوجود الحق. لا يمكن أن يتحقق الوجود الحقيقى فى شئ مادى مثلاً، أو فى الناس العاديين ذوى الوعى العادى، بل فى الفكر الخالص الذى يعبر عن هذا الوجود نفسه. الوجود يجب أن يتم التعرف عليه والاعتراف به وإلا لن يكون وجوداً حقيقياً متحققاً بالفعل بل سيظل وجوداً كامناً وبالقوة فقط فى ذاته. الوجود فى حاجة لأن يتم التعبير عنه باللوجوس لكى يصبح متحققاً بالفعل ومعروفاً. الوجود فى حاجة لأن يعرف وأن يكون معرفة. وهذا هو أصل الوحدة بينهما وأساس الأنطولوجيا الهيجلية كلها.
إذا بحثنا عن معادل لهذا الترابط الهيجلى بين الوجود والمعرفة عند هايدجر وجدناه فى معالجته لخاصية الفهم لدى الدازاين. يذهب هايدجر إلى أن الدازاين يوجد باعتباره فهماً، فهذا الفهم هو فهم للوجود، وهو فهم لوجود الدازاين بوجه خاص، وكأن هايدجر يقول إن نمط وجود الدازاين يتمثل فى أنه وجود فاهم لذاته. والحقيقة أن هايدجر بذلك ينقل الفهم من مجال الإبستمولوجيا إلى مجال الأنطولوجيا بحيث يصبح الفهم نمطاً لوجود الدازاين. ولذلك يقول هايدجر: ” يعنى الفهم أن يدفع المرء نفسه نحو إمكانية “ ويشرح هايدجر هذه الإمكانية بأنها إمكانية وجود، ويذهب إلى أن الدازاين عندما يدفع نفسه فهو يدفعها نحو نمط ممكن من الوجود، ” وهذا الدفع ليس تأملاً ذاتياً يكون فيه الأنا فى حالة معرفية ... بل إن هذا الدفع هو الطريقة التى أكون بها أنا نفسى إمكانية (وجود) “ كما أن ” الفهم باعتباره الدفع الذاتى للدازاين هو نمط حدوث
Happening للدازاين “( ). الدازاين إذن يوجد على أنه فهم، ونمط حدوثه وتحققه فى العالم هو نمط وجوده باعتباره فهماً. وهكذا يتضح لنا أن معرفة الدازاين هى وجوده، وتحققه باعتباره ذاتاً واعية بذاتها وفاهمة لوجودها هو تحقق أنطولوجى فى نفس الوقت. وبالتالى نستطيع القول إن الوجود الإنسانى هو البؤرة التى يتحد فيها الفكر والوجود عند هيجل وهايدجر معاً.
ولتوضيح مزيد من الارتباط بين هايدجر وهيجل حول وحدة الفكر والوجود نستطيع الاستعانة بمبدأ الهوية لدى فخته، ذلك المبدأ الذى أرسى دعائم وحدة الفكر والوجود لدى المثالية الألمانية وخاصة لدى هيجل. تناول فخته قانون الهوية: ” أ “ هى ” أ “، وذهب إلى أنه يعبر عن هوية أخرى وهى هوية الأنا: أنا = أنا، ويقصد بذلك أن قانون الهوية فى حاجة إلى ذات تؤكده وتضعه فى صورة قانون، وإذا لم تكن الذات القائلة به فى هوية مع ذاتها فلن تكون قادرة على التعرف عليه ووضعه. فقانون الهوية فى حقيقته هو تعبير عن هوية الذات نفسها( ).
مبدأ الهوية يتضمن الوجود والمعرفة فى نفس الوقت، ذلك لأنه تعبير عن هوية أنطولوجية مقامة على أساس هوية معرفية: هوية الموضوع مؤسسة على هوية الذات التى تدركه. وقد ظهر هذا المبدأ لدى هيجل وخاصة فى ذهابه إلى أن الذات لا توجد إلا إذا كانت حائزة على هوية مع ذاتها وواعية بذاتها فى نفس الوقت، فشرط وجود الذات هو وعيها بذاتها، أى أن شرط الوجود هو المعرفة، ومعرفة الذات بذاتها هو شكل من أشكال وجودها. وإذا قارنا هذا المبدأ بأنطولوجيا هايدجر وجدنا اتفاقاً، ذلك لأن هايدجر يعالج الفهم والتوجه المعرفى للدازاين على أنه شكل من أشكال الوجود. فما يتفق فيه هايدجر مع المثالية الألمانية وهيجل بالأخص هو معالجة المعرفة على أنها شكل من الوجود.
تظهر وحدة الفكر والوجود فى أنطولوجيا هايدجر من خلال معالجته لمفهوم القصدية وتأويله للأساس الأنطولوجى للحكم ومحاولته تجاوز ثنائية الذات والموضوع، وهذه هى نفس المواضيع التى يقترب فيها من هيجل ويبتعد عن هوسرل.
يذهب هايدجر فى الأسس الميتافيزيقية للمنطق إلى تجاوز إشكالية الذات والموضوع عن طريق مفهوم القصدية، ويفسر القصدية تفسيراً أنطولوجيا مغايراً لهوسرل على أنها تعتمد على وجود الدازاين مع الموضوع وتجاهه، ووجوده فى العالم. ثم يتساءل بعد ذلك عن مفهوم الحقيقة فى ضوء هذا المبدأ الجديد، ويقول إن الحقيقة لن تعد بعد ذلك صفة للعلاقة بين الذات والموضوع أو التمثلات وما تشير إليه من موضوعات، بل إن الحقيقة سوف يكون لها أساس أنطولوجى الآن وهو قدرة الدازاين على العلو، واكتشافه أن وجوده علو على الموجودات وتجاوز لها، ذلك لأن الوجود فى متناول اليد والوجود مع الموضوع وفى العالم كلها توجهات تفترض إدراك الدازاين لنمط وجوده الحقيقى بعلوه على وجود الموجودات( ). العلو هو الذى يستطيع الفصل بين الدازاين والموجودات وبالتالى إدراك التوجهات الأصلية الأنطولوجية له.
كما أن هناك تشابه عميق بين هيجل وهايدجر فيما يتعلق بتأويلهما للحكم ولأساسه الأنطولوجى. يقول هايدجر فى الأسس الميتافيزيقية للمنطق إن الحكم هو نشاط للكائنات البشرية، وهو تعبير عن توجه الإنسان نحو الوجود، والحكم أيضاً هو صلة مع الوجود( )، وهذه الصلة تسمى قصدية. فالحكم القائل هذه السبورة سوداء تعبير عن توجه قصدى من جانب الدازاين نحو السبورة. لا يدرك الدازاين سبورة فى جانب وسوداء فى جانب آخر بل يدرك سبورة سوداء ويتوجه إليها قصدياً، ويأتى الحكم بعد ذلك ليفصل بين ما هو متحد فى القصدية، بين السبورة والسواد ويضع فى صورة هوية أو تساوى ما هو متحد فى الأصل. لكن هذا الانقسام الظاهر فى الحكم يرجع إلى القصدية: ” إن العلاقة القصدية بين القضية والموضوع الذى يتشكل الحكم وفقاً له هى ذاتها منقسمة. أنا لا أدرك أولاً سبورة ثم سوداء ثم أصل بين الإدراكين. إن أداة الربط فى الحكم هى علاقة مع الوجود و(موضع) الانقسام (الأصلى) “ ( ). أى أن أداة الربط هى أداة ربط وفصل فى نفس الوقت، تعبير عن اتحاد أصلى وانقسام أصلى فى الوقت ذاته. هذا تطابق مع تأويل هيجل لكانط فى الإيمان والمعرفة، بالإضافة إلى أن تحليلات هايدجر تتضمن تقدماً على هيجل، ذلك لأنها ترجع أصل الانقسام والربط فى الحكم إلى أنطولوجيا الدازاين بطريقة واضحة عن طريق مفهوم القصدية، فى حين أن تأويل هيجل المشابه لا يزال يعوم فى غيام غموض الروح المطلق.
ويذهب هايدجر إلى تفسير القصدية تفسيراً أنطولوجياً تتضح فيه وحدة الفكر والوجود، فهو يقول إنه فى تكويننا لقضية أو حكم لا نتوجه أولاً نحو أنفسنا وندرك فيها تمثلات لموضوع ثم نتوجه مرة أخرى للموضوع ونعقد صلة فى صورة حكم بين تمثلاتنا وهذا الموضوع، بل إننا نتوجه مباشرة نحو الموضوع نفسه دون أى وساطة من تمثلات أو تصورات. كما أن القضايا ليست هى التى تأتى بالعلاقة بين الدازاين والوجود، بل العكس، فالعلاقة هى الأساس وهى الأصل وما القضية أو الحكم إلا تعبيراً أو تجسيداً لها ” القضايا ليست ممكنة فى الأصل إلا على أساس توجه ضمنى نحو الموجودات. إن الدازاين أو الأنا التى تكون القضايا هى وجود مع الموجودات فى الأصل، الموجودات التى تضع حولها القضايا ... إن تكوين القضايا ليس علاقة أولية مع الموجودات بل هى ليست ممكنة أصلاً إلا على أساس وجودنا مع الموجودات ... يمكننا القول إن تكويننا لقضايا عن
X ليس ممكناً إلا على أساس لعلاقتنا بـ X “( ). أى أن التوجه الأنطولوجى للدازاين نحو الموجودات هو الأصل الذى تبنى عليه التوجهات المعرفية، الأنطولوجيا أساس الإبستمولوجيا، وما يمكن لهايدجر هذا التأسيس هو التحليل الفينومينولوجى. يمكننا أيضاً القول إن التوجه المعرفى هو نوع مشتق من التوجه الأنطولوجى الأساسى.
ويؤول هايدجر قصدية هوسرل ويؤكد على أنها متجاوزة لثنائية الذات والموضوع ويذهب إلى أن القصدية لا يمكن فهمها إلا فى إطار أنطولوجى للدازاين، ذلك لأن هذه القصدية هى قصدية دازاين بالذات وهى قصدية أنطولوجية قبل أن تكون معرفية( ). لكن هل الوعى نفسه على وعى بتوجهه نحو الموجودات بالطريقة التى وصفها هايدجر، وهل هو على وعى بالقصدية كما وصفها هوسرل وهايدجر ؟ لا. هوسرل وهايدجر فقط هما من يمتلكان هذا النوع من الحقيقة. إنهما يحللان وضعاً إبستمولوجياً وأنطولوجياً هما اللذان على وعى به فقط. وهنا تكمن أهمية فينومينولوجيا هيجل، ذلك لأنها تحلل الوعى نفسه وتدرس وصوله نحو الوعى بذاته، ذلك لأن القصدية وأنطولوجيا الدازاين ينتميان إلى الوعى الذاتى بالمعنى الهيجلى. وهيجل مهتم فى الفينومينولوجيا بتوضيح كيفية الوصول إلى هذا الوعى الذاتى، لا تقويم ماهية ومضمون هذا الوعى الذاتى منذ البداية.
8 - الوجود الحقيقى والوجود الزائف للدازاين :
الفينومينولوجيا عند هايدجر هرمنيوطيقية، أى أن وصفها الفينومينولوجى هو فى حقيقته تفسير، وأن اللوجوس الخاص بفينومينولوجيا الآنية يتضح من خلال فهم الآنية للوجود، والمنهج الهرمنيوطيقى يقوم بوظيفة كانطية بالنسبة لأنطولوجيا هايدجر، فهو يعمل على إظهار الشروط اللازمة لأى بحث أنطولوجى يبين الأولوية الأنطولوجية للآنية على سائر الموجودات( ). الهرمنيوطيقا إذن هى العنصر الكانطى فى انطولوجيا ومنهج هايدجر. لكن بناء أنطولوجيا على أساس الفهم الهرمنيوطيقى للآنية سوف يوقعنا فى مشاكل عديدة. فنحن بذلك نكون ممارسين فى الحقيقة لهرمنيوطيقا لا لأنطولوجيا أساسية، فالأساس المنهجى هو الهرمنيوطيقا والبناء التالى هو أنطولوجيا الآنية الأساسية. والسؤال هنا هو هل تصلح هذه الهرمنيوطيقا فى تأسيس أنطولوجيا للآنية ؟ لا أعتقد ذلك، فهناك صعوبات عديدة تواجهنا، منها أن هرمنيوطيقا هايدجر تعتمد على تراث دلتاى وشلاير ماذر المستبعد للهيجلية والمتورط فى الإبستمولوجيا الكانطية، ومنها أن هايدجر نفسه يوضح بما فيه الكفاية منهجه الهرمنيوطيقى هذا وكيفية استخدامه فى حين أنه توسع وأسهب فى المنهج الفينومينولوجى، ومنها أن الفهم الهرمنيوطيقى للآنية هو فهمه هو كفيلسوف لا فهم هذه الآنية ذاتها كوجود فى العالم. إنه لا يميز بين وجهة نظر الفيلسوف القائم بدراسة ومتابعة ومراقبة الآنية ووجهة نظر هذه الآنية ذاتها خلال وجودها فى العالم. وهذا هو مصدر الرؤية الاستاتيكية لوجود الآنية ووضع ملامح هذا الوجود فى صورة مواقف ثابتة: الهم، القلق، الموت، اليومية، الأداتية. هذه صور استاتيكية ثابتة لوجود الآنية وليست متحركة دينامية، حتى لو ظهرت أنها متحركة مثل اليومية أو الوجود إزاء الموت، فالأخير حالة دائمة ثابتة. الآنية التى يتكلم عنها هايدجر هى هايدجر نفسه وفهم الآنية للوجود هو فهم هايدجر لا أحد آخر، وهذا نتيجة أنه لم يميز بين الفيلسوف والموضوع المدروس مثلما فعل هيجل فى الفينومينولوجيا. إذا قام بهذا التمييز فسوف يتضح له أن قضية وعى الآنية بوجودها قضية مركزية وأساسية، وأن ما يجرى على هذا الوعى من تطور وتحول هام وأساسى، وكان سوف يجد نفسه يقوم بما فعله هيجل فى فينومينولوجيا الروح. والملاحظ أن تمييزه بين الوجود الزائف والوجود الحقيقى هو تمييز من أجلنا نحن الفلاسفة المتابعين معه دراسته لا تمييز من أجل الآنية ذاتها. إنه يميز لنا نحن الوجود الزائف عن الوجود الحقيقى ليعدنا نحن لمتابعة دراسته للوجود الحقيقى، أما موضوع الدراسة وهو الآنية فلا يهم أن تصل إلى الوجود الحقيقى أو لا، لأن هايدجر يقرر أن هذا هو وجودها الحقيقى، بصرف النظر عما إذا توصلت هى إليه أم لا. هايدجر يقول لنا إن الآنية تعيش فى الوجود الزائف، لكن هذا لا يهم، ما يهم أن وجودها الحقيقى هو كذا وكذا وكذا كما أقوله وأحدده أنا، وتبقى الآنية فى وجودها الزائف ولا شأن لنا بها، فنحن الذين نعرف وجودها الحقيقى، وهذا يكفى. إن أبسط رد على هايدجر فى هذا الشأن هو أنك لا تستطيع بفلسفتك هذه نقل الآنية من وجودها الزائف إلى وجودها الحقيقى لأنك لا تهتم بذلك، كل ما يهمك الفهم الهرمنيوطيقى للوجود الحقيقى لا شئ آخر. إن نقل الآنية من وجودها الزائف إلى وجودها الحقيقى هو نقل على مستوى الوعى والوعى بالذات، وهايدجر يستبعد تماماً قضية الوعى. إذا كان هايدجر قد تناول مسألة نقل الآنية إلى الوجود الحقيقى فكان سيجد نفسه يتحدث عن الوعى لأن هذا النقل هو تغيير فى الوعى فى الأساس. هل تمييز هايدجر بين الوجود الزائف والحقيقى ينتج عنه نقد للأيديولوجيا مثلا ؟ كما نتج عن فينومينولوجيا هيجل مبحث فى نقد الأيديولوجيا ؟ لا. كل ما نتج عنه تمييز هايدجر الموضوعات الوجودية الآتية: القلق والموت والمصير والهم والعلاقة بالآخر واليومية.
انتهى هايدجر فى المرحلة الثانية من تطوره الفكرى إلى فقدان الثقة فى الفلسفة والمذهب الفلسفى ووضع ثقته وكل أمله فى الشعر، وذهب إلى أن الشعر أقدر على التعبير عن الوجود الحقيقى من الفلسفة. انتقل هايدجر بذلك من الثقة فى الفكر إلى الثقة فى الشعور والاحساس والحدس، وتحولت اهتماماته إلى شرح قصائد شعراء ألمان مثل هولدرلين وجيوركه. لكن لا يفلت هايدجر فى انقلابه هذا من النقد الهيجلى، ذلك لأن ما وجهه هيجل من نقد لشلنج ينطبق على انقلاب هايدجر على الفلسفة فى مرحلته الثانية. أصبح الدازاين فى فلسفة هايدجر المتأخرة يدرك لا بالتصورات بل بالحدس على طريقة شلنج، والشعر أقدر من الفلسفة على فهم الحقيقة والحصول عليها والتعبير عنها، والهرمنيوطيقا
أو تأويل الوجود الإنسانى هى الأقدر من الفلسفة التصورية أو المذهبية على التعبير عن الحقيقة. الهرمنيوطيقا تفترض أن الحقيقة تقدم نفسها لا فى شكل تصورى أو مفاهيمى بل فى شكل رمزى أو شعرى أو فنى، ولذلك تحل الهرمنيوطيقا محل الفلسفة المذهبية لدى هايدجر المتأخر. أما هيجل فنقده لشلنج هو نقد فى نفس الوقت لهايدجر، إذ يرفض أن تكون الحقيقة فى مطلق لا يمكن معرفته إلا بالحدس أو الإيمان أو بنوع من فلسفة الفن، الحقيقة لديه ذات شكل فكرى وتصورى ولا تدرك إلا بالمفاهيم والتصورات، وشكلها الحقيقى والأصيل هو أن توجد فى هيئة أو شكل علمى، مذهب فلسفى. يقول هيجل فى الفينومينولوجيا: ” إن القول بان الشكل الحقيقى للحقيقة هو الشكل العلمى (المذهب الفلسفى) أو بأن الحقيقة لا توجد إلا فى صورة مفهوم
Notion - هذا القول يبدو أنه يناقض نظرة أخرى فى زمننا تبدو سائدة كما أنها طموحة أكثر من اللازم ... إذا كانت الحقيقة لا توجد إلا كما يسمى بالحدس أحياناً أو المعرفة المباشرة للمطلق أو للدين أو للوجود ... إذن فالمطلوب فى عرض الفلسفة من هذه الوجهة فى النظر هو عكس الشكل المفهومى “( ) أى أن هذه الفلسفة ليست فى حاجة من الأصل إلى الشكل العلمى أو المذهبى الفلسفى، بل فى حاجة إلى شكل آخر لأنها مستغنية عن الشكل الفلسفى أصلاً، فى حاجة مثلاً إلى الشعر كما ذهب هايدجر، أو إلى الفن كما ذهب شلنج أو إلى أن تكون تأويلاً للوجود رمزياً عند هايدجر المتأخر. ” ذلك لأن المطلق (فى هذه النظرة) ليس من المفترض أن يفهم (تصورياً) بل أن يحس ويحدس، ليس مفهوم المطلق، بل الشعور به وحدسه، هو ما يجب أن يحكم ما يقال وأن يتم التعبير عنه من خلاله “( ). الشعور بالمطلق وحدس المطلق هو الخاصية المميزة للشعر الذى يمجده هايدجر والفن الذى ينظر إليه على أنه بديل للمذهب الفلسفى.
ثالثاً - الدازاين والروح المطلق :
الحقيقة أن الدازاين الذى يصفه هايدجر يتمتع بخصائص وصفات لا يتمتع بها مفهوم الذات فى الفلسفات السابقة ولا كذلك مفهوم الطبيعة الإنسانية أو مفهوم الأنا لدى فخته وشلنج، فالدازاين أكثر من كل ذلك بكثير، إنه فى حقيقته أقرب إلى الروح المطلق عند هيجل.
والدليل على ذلك أن هايدجر يصف كياناً ناضجاً مكتملاً وواعياً بذاته، ولا يمكن أن يكون هناك كيان بهذا الشكل إلا بفضل عملية تكوين أو تطور. لا يصف هايدجر تطوراً حدث للدازاين، بل يصفه باعتباره حقيقة قائمة، والسبب فى ذلك أنه استبعد الجدل منذ البداية، فأى عملية تطور يجب أن تحتوى على البعد الجدلى ضرورة. وهذا بالضبط ما نجده فى فينومينولوجيا هيجل، ذلك لأن الروح المطلق عنده هى نهاية رحلة جدلية تصل بعدها الروح إلى الوعى بذاتها، أما وصف هايدجر للدازاين فكأنه وصف للروح الهيجلى المكتمل لكن بعد إلغاء الرحلة الجدلية التى مرت بها.
يبدأ هايدجر من أولى صفحات ” الوجود والزمان “ بتناول وجود الدازاين فى العالم ومعالجته على أنه هو الشرط الأنطولوجى الأساسى. والحقيقة أنه بذلك يبدأ بالتسليم بأن الدازاين قد ميز أولاً بين ذاته والعالم، فالوجود فى شئ يتضمن تمييزاً بينى وبين الشئ الذى أوجد فيه، إلا أن فينومينولوجيا هيجل توضح أن الموقف الابتدائى للوعى ليس هو موقف التمايز بين الذات والعالم بل موقف الاتحاد المطلق والتوحد الكامل بين الذات والعالم. ولا يبدأ الوعى فى الشعور بالتمايز بينه وبين العالم إلا بعد إدراكه للزمان والمكان. يأتى بعد ذلك موقف آخر للوعى عند هيجل، وهو ليس موقف التضمن فى عالم بل موقف المواجهة بينه وبين العالم( )، أى نظرته إلى العالم على أنه شئ يقف أمامه، وهنا تكون الذات واعية بثنائية بينها وبين العالم، وهذه الثنائية أبعد ما تكون عن الوعى بالوجود فى العالم لدى دازاين هايدجر. والحقيقة أن الروح عند هيجل تصل بالفعل إلى الوعى بأنها وجود فى العالم، لكن بعد المرور بمرحلة تطور جدلى تستطيع عندها القضاء على التعارض الأول بينها وبين العالم بحيث لا يعد شيئاً مواجهاً لها وفى تناقض معها. إن الوعى بالوجود فى العالم عند هيجل يأتى بعد القضاء على التعارض والتناقض بين الذات والعالم، أى بعد رفع لهذا التناقض، بحيث تستطيع الروح إدراك أنها وجود فى العالم. لا يعالج هايدجر هذه المواقف الأولية بين الوعى والعالم والتى عالجها هيجل بدقة، وبدأ مباشرة بوصف وجود الدازاين فى العالم معتقداً أنه الشرط الأصلى والنهائى؛ صحيح أنه كذلك، إلا أنه لا يصبح وجوداً فى العالم إلا فى نهاية رحلة جدلية.
وأبرز دليل على أن دازاين هايدجر مقترب للغاية من الروح الهيجلى قوله إن الدازاين مثل الموناد عند لايبنتز، أى ليس لديه نوافذ يطل منها على العالم لأنه مفتوح كله على العالم وموجود فيه ومرتبط به ارتباطاً عضوياً( ). معنى ذلك أن معرفة الدازاين بالعالم معرفة مباشرة بدون أية وسائط، ولا يمكن أن يتوفر ذلك لوعى طبيعى فى المراحل الأولى من تطوره، ذلك لأن الوعى الطبيعى كما يحلله هيجل يفهم العالم بصورة غير مباشرة وعن طريق وسائط عديدة، مثل الإدراكات الحسية والتصورات والمفاهيم والقوانين. كما لا يمكن أن يتوفر أيضاً لذات تضع بينها وبين العالم وسائط مثل الحواس، ولا تصبح المعرفة مباشرة إلا بالنسبة للروح المطلق الذى أدرك أن معرفته بذاته هى فى نفس الوقت معرفته بعالمه. إن موقف الانفتاح على العالم والانكشاف الكامل للعالم أمام الدازاين ومعرفة الدازاين المباشرة به بدون أية وسائط هو فى الحقيقة موقف الروح المطلق عند هيجل.
إن المعنى الحقيقى للمطلق عند هيجل هو وحدة الفكر والوجود، فهذا هو الحل الهيجلى لإشكالية الفلسفة الترانسندنتالية بتنويعاتها الكانطية والفختية والهوسرلية كذلك، فكيف نستطيع تبرير الفلسفة الترانسندنتالية ونظرية كانط وهوسرل فى المعرفة ما لم نسلم بالمطلق اى بوحدة الفكر والوجود؟ يتحدث كانط وهوسرل عن تأسيس الموضوع قبلياً، فكيف يكون هذا التأسيس الإبستمولوجى متفقاً مع طبيعة الموضوع الأنطولوجية ما لم يكن هناك تساوقاً بين الفكر والوجود منذ البداية، أو ما لم تكن الذات نفسها نمطاً أنطولوجياً أعلى يتيح لها معرفة حقيقة الوجود، نمطاً يتحد فيه الفكر والوجود ابتداءً ؟
لكن يخطئ هايدجر فى فهم المطلق عند هيجل ويعتقد أنه يعبر عن الوعى الذاتى وعن كون الذات هى مبدأ وأساس المعرفة على الطريقة الكانطية والهوسرلية( )، أى على أن المطلق ذات ترانسندنتالية وأنا فختيه لا وحدة الفكر والوجود، وهى المعنى الشلنجى والهيجلى الحقيقى للمطلق كما يتضح من مقال الفرق لهيجل. إذا فهم هايدجر مطلق هيجل على أنه وحدة الفكر والوجود لرأى تشابهات قوية بينه وبين هيجل وخاصة حول مفهوم الدازاين، لأن بحث هيجل فى المطلق هو أنطولوجيا الذات الإنسانية تماماً مثل دازاين هايدجر.
تتحدث الفقرات التى يشرحها هايدجر من مقدمة الفينومينولوجيا عن المعرفة كأداة يتم الاستغناء عنها فور الحصول على المعرفة أو يقتصر دورها على مجرد الوصول إلى المعرفة فى حين أنها ذاتها معرفة، وينقد هيجل وجهة النظر القائلة إننا نستطيع أن نحصل على معرفة خالصة إذا جردناها من نصيب الأداة منها، فى حين أن المعرفة الحقيقية هى هذه الأداة ذاتها( ). وفى شرح هايدجر لهذه الفقرات يغيب عنه تفسير آخر لها، وهو أن نقد هيجل للمعرفة كأداة يصب فى اتجاه مبدأ الهوية بين الفكر والوجود. ليس الفكر مجرد أداة للتوصل إلى معرفة بالوجود، لأن الفكر ذاته نمط من أنماط الوجود، وبالتالى فمعرفة الفكر الذى هو أعلى نمط أنطولوجى هو معرفة أنطولوجية فى نفس الوقت لا مجرد معرفة إبستمولوجية. ووفق هذا التفسير تكون أنطولوجيا الدازاين عند هايدجر متفقة تماماً مع المطلق الهيجلى.
لكن فى شرح هايدجر للفقرة الثانية من المقدمة يتضح مدى قربه من هيجل، إذ يذهب فى شرحه للوعى الذاتى الهيجلى وكونه هو المطلق وكون العلم عند هيجل هو معرفة بالذات وبمعرفة الذات إلى أن المعرفة هى تمثل الذات لذاتها( ). ونستطيع إعادة تأويل شرح هايدجر لهيجل بقولنا إن هايدجر كان قد توصل إلى أن الوجود هو حضور، وحضور لذات أو لدازاين بصفة خاصة، وهو ظهور أيضاً لدازاين وكشف وتجل لدازاين، لكن الذات عند هيجل يتمثل وعيها الذاتى ويتمثل طابعها المطلق، أى كونها هى المطلق فى أنها تمثل ذاتها، تعيد تقديم ذاتها لذاتها، فإذا كان الوجود حضوراً لدازاين وكانت إطلاقية الذات ووعيها الذاتى تمثلاً، أى إعادة إحضار ذاتها أمام ذاتها، فينتج عن ذلك أن تكون الذات ممارسة لكشف وإظهار أنطولوجى وجودى عندما تفكر فى ذاتها، وذلك وفق نصوص هيجل نفسها. إذا كان الوجود كشفاً وحضوراً وظهوراً فإن هذه الأشياء أفعال تقوم بها الذات نفسها على الوجود وعلى ذاتها أيضاً، وبذلك تكون معرفة الذات ووعيها الذاتى نمطاً أنطولوجياً وكشفاً أنطولوجياً لنمط أنطولوجى. يصل الوجود إلى حقيقته عندما توجد ذات تفكر فيه وتعيد تمثيله لنفسها: الذات هى الوجود الحقيقى الذى يعلو على الأشياء وعلى العالم، ومعرفتها ووصولها إلى الوعى الذاتى هو تحقق الوجود واكتماله، هو الوصول إلى المطلق: هذا ما يتفق فيه هيجل وهايدجر وما يجمعها معاً، ومن الواضح ظهور خلفية أرسطية من وراء هذه النتيجة.
وبالنظر إلى هذا الاتفاق لفلسفة هايدجر مع فلسفة هيجل نستطيع القول إن فينومينولوجيا هايدجر عندما توسعت وكسرت الإطار الهوسرلى الذى حبست فيه وجدت نفسها منفتحة على فينومينولوجيا هيجل وانتهت إلى أن اتفقت معها نهائياً وبصورة تامة. إن كل محاولة للخروج بالفينومينولوجيا من إطارها الهوسرلى وجدت نفسها منفتحة على الأفق الهيجلى للفينومينولوجيا ومسلمة بالمبادئ الهيجلية حول وحدة الفكر والوجود والمطلق.
يصل شرح هايدجر لهيجل إلى نقطة التقاء أخرى بينه وبين هيجل، إذ يذهب إلى أنه إذا كان الوجود الحقيقى يتكشف للذات ويظهر تدريجياً، فإن هذا الظهور التدريجى للمطلق أمام الذات هو موضوع فينومينولوجيا الروح( ). تعنى فينومينولوجيا الروح الهيجلية أنها رحلة الذات وهى تكتشف الحقيقة، رحلة المطلق وهو يظهر تدريجياً أمام الذات. يمكننا أن ننظر إلى فينومينولوجيا الروح على أنها معالجة إبستمولوجية للوعى، إلا أنها معالجة أنطولوجية فى نفس الوقت، لأن من طبيعة الوجود الظهور والتجلى لذات، وتعقب هذا الظهور التدريجى هو بحث أنطولوجى لا مجرد بحث إبستمولوجى وحسب( ). ومن طبيعة الشئ الذى يكشف عن نفسه بالتدريج أن يكون غير حقيقى فى المراحل الأولى من ظهوره، أى يكون ظاهرياً وحسب، لكن ظاهريته الأولى هذه لا تنتهى بعد الوصول إلى التكشف الكامل، لأنها متضمنة فى الرحلة وفى عملية التكشف والظهور التدريجى، ولهذا السبب يعالج هيجل الظهورات الظاهرية الزائفة للوجود أمام الوعى ملحقاً بها أهمية كبيرة، فعلى الرغم من الطبيعة الزائفة وغير الكاملة للظهور الأولى للمطلق أو للوجود، إلا أنه مراحل أولى لظهور الحقيقى المطلق. ليست المعرفة الظاهرية مختلفة ومتمايزة عن المعرفة المطلقة بحيث يتم التخلى عن الأولى عندما يتم التوصل إلى الثانية، لأن الأولى هى الطريق الموصل إلى الثانية، إن من طبيعة المطلق أن يكشف عن نفسه ناقصاً وجزئياً وعرضياً فى البداية: الطريق إلى اللامتناهى يمر عبر المتناهى، والطريق إلى المطلق يمر عبر النسبى، والطريق إلى الإله الخالد يمر عبر العالم الفانى.
يذهب هايدجر إلى أن مفهوم الوجود عند كانط يتضمن التناهى والخلق والصنع، وهو فى ذلك استمرار للأنطولوجيا اليونانية التى ذهبت إلى أن المرء لا يستطيع أن يدرك أو يعرف إلا ما صنعه بنفسه، أما ما لم يصنعه فلا يعرفه تمام المعرفة، ولذلك فإن الإله يعرف العالم لأنه هو الذى خلقه، ولأننا مخلوقات فلا نستطيع معرفة وجود الأشياء الأخرى المخلوقة ولا أنفسنا لأننا لم نخلق أنفسنا. الوجود إذن عند كانط هو الوجود المصنوع أو المخلوق، أن توجد هو أن تكون مخلوقاً مصنوعاً. والإله يعرف العالم لأنه كان تصوراً أو فكرة فى العقل الإلهى قبل أن يتم خلقه، ولذلك فقد كان يعرفه قبل أن يخلقه. المعرفة إذن سابقة على الوجود، وما تحقق الوجود الفعلى إلا اكتمالاً لفكرة الشئ( ). الحقيقة أننا إذا أتينا إلى هيجل وجدناه يتبنى فى فلسفته نفس هذه الفكرة اليونانية القديمة. فالروح تعرف ذاتها لأنها هى التى خلقت ذاتها، ومعرفة الروح لذاتها يتم عن طريق معرفتها للمراحل التى صنعت نفسها عبرها، مراحل خلق الروح لذاتها، أى فينومينولوجيا للروح. هايدجر على خطأ عندما يذهب إلى أن فخته وشلنج وهيجل لم يتمكنوا من طرح سؤال وجود الدازاين والأنطولوجيا المتعلقة به عن طريق جدل الوعى الذاتى، إذ يقول إن السؤال لم يطرح فى هذا الجدل. لكن الحقيقة أن السؤال تم طرحه بالفعل وبطريقة أكثر راديكالية تتضمن بعد اللاتناهى الذى استبعده هايدجر، إن فينومينولوجيا الروح هى وصف للطرق التى كان يفهم بها الدازاين نفسه، حتى وصل إلى أعلى مراحل الفهم الذاتى أو الوعى الذاتى. هايدجر يريد الكشف عن أنطولوجيا كاملة وجاهزة للدازاين وذلك بالسؤال عن الوجود والتمييز بين الوجود والموجود وبين الوجود المفكر والوجود الممتد ... إلخ، لكن هيجل يتبع طريقاً آخر، إنه لا يسعى لإقامة أنطولوجيا للدازاين على طريقة هايدجر، بل يكشف عن كيفية فهم الدازاين لذاته، إن فينومينولوجيا الروح عبارة عن هرمنيوطيقا للدازاين، كشف عن أو تفسير أنطولوجى لاكتشاف الدازاين لذاته. هايدجر يريد الكشف عن ماهية الدازاين وطبيعته الأساسية والأزلية والقبلية، أما هيجل فيريد الكشف عن كيفية فهم هذا الدازاين لذاته، فلأنه يوحد بين الفكر والوجود، فإن الطريقة التى يفهم بها الدازاين ذاته هى فى نفس الوقت وجوده وأنطولوجياه فى اللحظة التى يوجد عليها. إذا فهم الدازاين ذاته على أنه شئ أو أنه طرف فى علاقة بين ذات وموضوع، فهو كذلك بالفعل. ولذلك فإن الدازاين الهيجلى يصل إلى غايته بأن يكتشف فى النهاية أنه روح، وروح مطلق بصفة أساسية. الماهية الكاملة والتامة للدازاين يتم الوصول إليها بالتدريج وعبر سلسلة طويلة من جدل الوعى الذاتى والصراع، إنها الغاية النهائية، لكن هايدجر يريد الكشف عنها مرة واحدة.
يحل هايدجر الدازاين محل الإله فى علم اللاهوت القديم وخاصة فى تاريخ الأنطولوجيا، والدليل على ذلك أن طريقة طرحه لسؤال وجود الدازاين ومضمون السؤال وكل الأنطولوجيا التى يؤسسها على هذا الدازاين تحمل عليه الحوامل التى كانت محمولة على الإله والوجود الإلهى فى الأنطولوجيا القديمة. الفرق أن هايدجر يجعل من أنطولوجيا الدازاين أنطولوجيا للتناهى لا للاتناهى. وهايدجر بذلك يحل الإنسان ببساطة محل الإله، إنه يعمل على أنسنة سؤال الوجود وانطولوجيا الإله فى الميتافيزيقات القديمة، ولذلك احتل الأكوينى ودنس سكوت واللاهوتيون الكاثوليك مكانة هامة فى فلسفته ومحاضراته. إنه يفعل كما فعل فويرباخ بالضبط. وهو نفسه يكشف عن ذلك بقوله إن مشكلة الوجود بوجه عام اتصلت على نحو وثيق بمشكلة الإله قبل كانط وفيه وبعده فى فلسفة ما بعد كانط، يقصد المثالية الألمانية، وخاصة فى صورتها القصية
Extreme لدى هيجل( )، ونستطيع أن نقول أيضاً إن المشكلتين متصلتان أيضاً عنده شخصياً. الحقيقة أن أكثر أنواع الوجود واقعية هو وجود الإله فى الأنطولوجيا القديمة، وكان ذلك تعبيراً عن اغتراب الإنسان الذى يلحق الوجود الكامل والتام والأصلى والنهائى والأزلى بالإله، لكن هايدجر يحول هذه الصفات كلها إلى صفات لوجود الدازاين وينحى قضية وجود الإله تماماً ويضع مكانها وجود الدازاين والحقيقة أن هيجل قد قام بشئ شبيه بذلك فى فينومينولوجيا الروح وفى المنطق أيضاً عندما أسس معالم لأنطولوجيا للوجود الإنسانى تحت اسم الروح المطلق. إذا نظرنا إلى الروح المطلق الهيجلى على أنه روح إنسانى فسوف نكتشف أن أنطولوجيا هيجل سبقت أنطولوجيا هايدجر فى كونها أنطولوجيا للوجود الإنسانى وفى كونها حلت الوجود الإنسانى محل وجود الإله فى الأنطولوجيا القديمة. الدليل على ذلك أن أنطولوجيا هيجل تصل إلى غايتها فى مفهوم الروح المطلق الذى هو الروح الإنسانى. الحقيقة أن أنطولوجيا هيجل وأنطولوجيا هايدجر كلاهما حول الوجود الإنسانى، لكن الفرق الهام والأساسى هو فى أن هايدجر يجعل أنطولوجيا الوجود الإنسانى أنطولوجيا للتناهى فى حين يجعلها هيجل أنطولوجيا لللاتناهى، لقد ألحق هيجل بالوجود الإنسانى الخاصية والصفة الأساسية التى كانت تميز الوجود الإلهى وهى اللامتناهى. فقد أبى هيجل أن يعزل هذه الصفة عن الإنسان فألحقها به هى الأخرى، أما هايدجر فاتخذ الطريق الآخر وجعل أنطولوجيا الوجود الإنسانى أنطولوجيا للتناهى، لكنه بذلك ينطلق من مسلمة ضمنية تعتقد فى مواجهة اللامتناهى للتناهى وتناقضهما المطلق، فاتخذ جانب التناهى معتقداً أن أنطولوجيا حول الوجود الإنسانى لا يمكن أن تكون إلا أنطولوجيا للتناهى، فى حين أن هيجل أثبت كيف تكون أنطولوجيا الوجود الإنسانى لا متناهية. ولهذا غاب البعد اليوتوبى عن فكر هايدجر فى حين أنه حاضر بقوة لدى هيجل، ومن هنا نستطيع تفسير انجذاب هايدجر نحو الفلسفات والمناخ الفكرى المتشائم الرافض لأى يوتوبيا فى ألمانيا فى عشرينات القرن العشرين وانجذابه نحو نيتشه، فلاسفة التشاؤم الضارى الذين غاب عنهم البعد اليوتوبى ولذلك جاءت أنطولوجيا هايدجر متناهية، فى حين أن أنطولوجيا هيجل لا متناهية ومرتبطة بالبعد اليوتوبى لديه.
خاتمـــــة :
إن ما ينكره هايدجر ويرفضه فى المثالية الألمانية يتخذه لنفسه ويمارسه بحرية تامة، ذلك لأنه يرفض المثالية الألمانية من منطلق أنها انحرفت عن كانط بأن اتخذت بعض أفكاره منطلقاً لتأملات حول موضوعات بعيدة عن اتجاه كانط الواضح مثل روح العالم المطلق عند هيجل
أو الأنا عند فخته أو المطلق عن شلنج، وشغلت نفسها بقضايا بعيدة جداً عن فلسفة كانط مثل هوية الفكر والوجود. لكن ألا يقوم هايدجر بنفس ما قامت به المثالية الألمانية ؟ ألا يؤول هايدجر نقد العقل الخالص باعتباره تأسيساً للميتافيزيقا وبحثاً فى أنطولوجيا الدازاين؟ ما الفرق بين النظر إلى نقد العقل الخالص باعتباره كذلك، والنظر إليه باعتباره مقدمة لفلسفة الأنا المطلق أو الروح المطلق أو المطلق عند شلنج ؟ ينكر هايدجر على المثالية الألمانية إقامتها لأنطولوجيات طموحة جداً تحلق فى سماء المطلق واللامتناهى انطلاقاً من فلسفة كانط، لكن ألا يؤسس هايدجر أنطولوجيا أخرى من خلال كانط أيضاً، بل من خلال تأويل فينومينولوجى أنطولوجى لنقد العقل الخالص ؟ والأكثر من ذلك أنه يعتبر كتاب كانط بحثاً فى أنطولوجيا الدازاين أو أنطولوجيا التناهى وفى الميتافيزيقا. إن ما يعترض عليه ويرفضه هايدجر فى المثالية الألمانية هو أنطولوجيات اللاتناهى التى أقامتها، وبالذات مسألة اللاتناهى لأنه يمارس ويؤسس هو نفسه لأنطولوجيا أخرى لكن للتناهى. المثالية الألمانية وهايدجر كلاهما يؤسس أنطولوجيا، لكن تؤسس المثالية الألمانية أنطولوجيا لللاتناهى فى حين يؤسس هايدجر أنطولوجيا للتناهى، وكلاهما يتخذ تأويله الخاص لنقد العقل الخالص منطلقاً ومؤيداً له. فمثلما قدم هايدجر تأويلاً له باعتباره أنطولوجيا للمتناهى قدمت المثالية الألمانية تأويلاتها له باعتباره مقدمة لأنطولوجيا اللامتناهى أو أساساً لها، وأبرز مثال على ذلك هيجل فى
” الإيمان والمعرفة “.
نستطيع مما سبق التوصل إلى نتيجة عامة حول الفرق بين أنطولوجيا هيجل وأنطولوجيا هايدجر. أنطولوجيا الدازاين عند هايدجر سكونية وتدور فى فلك ميتافيزيقا الماهيات لأنه يحاول تحديد جميع معالم هذه الأنطولوجيا مرة واحدة وإلى الأبد، تماماً مثلما يحاول كانط تحديد نطاق المعرفة الإنسانية قبلياً ومرة واحدة وإلى الأبد، لأنه مثل كانط ينظر إلى الوجود الإنسانى على أنه متناه، وهذه النظرة هى التى تجعله يقيم أنطولوجيا سكونية ماهوية حول الوجود الإنسانى. لكن هيجل كان قد أخذ اتجاهاً آخر، إذ نظر إلى الوجود الإنسانى على أنه منفتح على اللامتناهى، إمكانية مفتوحة دائماً نحو التوفيق بين وضعه المتناهى وما يصبو إليه من لاتناه، وصيرورة فى طريقها إلى التحقق لا ماهية ثابتة ومتحققة بالفعل مثل دازاين هايدجر.
هذا بالإضافة إلى أن أنطولوجيا هايدجر تظل تقليدية وبملامح أرسطية ولاهوتية واضحة، ذلك لأنها تسعى دائماً نحو الأساس
Grund والعلة الأولى والأصل، وهذا هو معنى أنها ماهوية، وبذلك استبعدت الجدل الواضح بشدة لدى هيجل، فلا يمكن تأسيس أنطولوجيا للوجود الإنسانى بدون الجدل، لأن الجدل هو شكل العلاقة الحقيقية بين الإنسان والوجود، وبين الأنا والآخر، وفى غيبة الجدل عن المذهب الفلسفى يرتد هذا المذهب مرة أخرى إلى ميتافيزيقا الأصل Metaphysics of Origins والتى نقدها هيجل.
د. أشرف حسن منصور

 

الأحد، 3 يونيو 2018

عبارات فلسفية سيئة السمعة (كل ما هو واقعي عقلي؛ العلم لا يفكر)؛ محمد الشيخ.




عبارات فلسفية سيئة السمعة

 محمد الشيخ.
 

 
ثمة من العبارات الحكيمة ما أمكن به اختزال فلسفة بأكملها. وذلك شأن إمكان اختزال الرواقية في جامع العبارة: "إنما الحكيم من لا يتبعه طلب ولا يزعجه سلب"، أو إمكان اختزال البراغماتية في القول الجامع" "الحق ما نفع".. وكأيّن من عبارة فلسفية دارت على الألسن حتى اشتهرت هي وصار قائلُها نسياً. إذ من شأن العبارة الوجيزة المركزة أنها سهلة التمثّل والحفظ والتذكير مثلها في ذلك كمثل "الرتيمة" التي كان يتخذها العرب في القديم خيطاً يُشَدّ في الإصبع أو الخاتم للعلامة أو التذكير. بيد أن لبعض العبارات الفلسفية التي ذاعت بين الناس مآل غريب. فقد أمكنها أن تلابس الفلسفة التي عبرت عنها وتلبس عليها. وما كان من مضار لمثل هذه العبارات، في حال الإيجاب، سوى مخالفة الاختزال والابتسار. لكن ضرر هذه العبارة كان، في حال السلب، أمراً بدياً. والحال إن مقالنا هذا ما كان لينظر في تلك العبارات الشائعات التي اعتبرت إيجاباً، وإنما في عباراتٍ استشنعت واستبشعت.. والحق إننا لن نعمل، ههنا، على أن نصير للشيطان محامين، ولكن غاية قصدنا هو أن ندقق معاني هذه العبارات السيئة السمعة.. وقد اخترنا من هذه العبارات الفلسفية سيئة السمعة عبارتين شكلتا إحدى أهم الدلائل على إمكان التباس المبنى واشتكال المعنى.

"ما من أمرٍ عقليّ إلا وهو واقعي، وما من أمرٍ واقعيّ إلا وهو عقليّ"

ما ألغز قول هيغل وأغربه وأشكله: ما من أمرٍ عقليٍّ إلا وهو أمرٌ واقعي، وما من أمر واقعي إلا وهو أمر عقلي. والحق إنه ما انوجدت عبارة في تاريخ الفلسفة فسرت التفاسير وشرحت الشروح وأُوّلت التآويل وفهمت على أنحاءٍ من الفهم وحملت على أوجه من المعنى وعنفت التعنيف واستكرهت الاستكراه وأسيء إلى فهمها الإساءة واستخدمت الاستخدام بوجه حق أو بغيره، مثل هذه العبارة التي وردت، بصيغتها المعهودة المتداولة، في كتاب هيغل الموسوم بوسم فلسفة الحق [المقدمة، 25 يونيو 1820]، كم عاد إليها صاحبها شارحاً موضحاً مفسراً المرار العديدة، وكم هو مهّد إليها بالتمهيدات المبينة، إلا أنه قلما هو تنوبه إلى هذا الأمر واستُند إليه. ثم إنه بناها على مقدمات "خفيت" على أغلب شراحها، وأوردها في "سياق" من القول اطّرح من طرف منتقديها.

ولسنا ندعي، ههنا، فرادةً في القول في هذا القول، وإنما شأننا عرض الفكرة كما فهمها هيغل وعلى لسانه. والحال أن مدار المسألة عند هيغل، في هذه القولة السيئة السمعة، على مفهوم "الواقع" أو "الأمر الواقعي"، ومنشأ سوء فهمها الخلط بين مفهومين لدلالة لفظ "الواقع" ألح هيغل، أيّما إلحاح وفي كم من مناسبة، على التمييز بينهما أشد ما يكون التمييز. إذ مفهوم "الواقع" يتخذ لدى هيغل دلالتين متعارضتين، دلالة "الواقع من حيث هو أمر ظاهر محض" ـ وهو عنده الشأن الطارئ العارض العابر الذي لا مبنى له ولا معنى ولا أصل لحدوثه، وذلك بسبب مخالفته لما يقتضيه العقل والمنطق. وذلك شأن أن نجد دولةً في زمن الحداثة لا زالت تسود فيها بعض مظاهر الاعتباط والارتجال والعبث بما ينافي مبدأ "عقلانية الدولة الحديثة". وأفدنا بدلالة "الواقع" الثانية "الواقع المتحقق القائم الراسخ" الذي ما كان من شأنه أن يرفعه هوى أو يحركه عبث ـ وهو الذي يستحق، في نظر هيغل، وحده دون سواه من واقع شبيهي أن يعدّ واقعاً حقيقياً وأن يطلق عليه اسم "الواقع الفعلي" أو "الواقع بالفعل". والحق إن "الواقع" [الشبيهي] الأول، إن هو تؤمِّل، وُجِد أنه ضربٌ من الوجود "عابر" أو "عارض"، الأصل فيه أن يندرج في باب "الإمكان"، وأن "الواقع" [الحقيقي] الثاني أمرٌ "متحصّل" "راسخ" .. يحدث بوفق مقتضى "الضرورة" وعلى جهة "المنطق".

والمثال على هذا التمييز بين واقع وواقع أورده هيغل في أحد مؤلفاته المبكرة. عنينا به كتاب دستور ألمانيا (1800ـ 1802): ففيه ورد المبدأ القائل: إن "ما لا يمكن تصوره بالعقل" (الأمر العقلي) لا "يوجد" (الأمر الواقعي) (1)، أو إنه ما كان من شأن "ما لا يعقل" أن "يوجَد" وجوداً حقيقياً، وأن وجوده، إن هو أمكن أن يتحقق، وجود زائف طارئ لا بد أن يرتفع. وتطبيقه شهد عليه قول هيغل: "ألمانيا ليست دولة". والحال أنه ما من امرئ ذي حسٍ سليم إلا وليس يمكنه أن ينكر وجود "دولة ألمانيا" في الواقع. لكن هيغل ميّز هنا بين "الواقع" من حيث هو "ظاهر محض" (وجود الدولة الألمانية برموزها السطحية الظاهرة التي شأنها أن توحي وحياً خدّاعاً بقيام دولة)، والواقع من حيث هو "أمرٌ فعليٌّ متحقق" (واقع تجزؤ ألمانيا إلى دويلات ذات مظهر وحدة لا رابط بينها سوى ذكرى الماضي). فقد تحصل بهذا، أن من شأن ما خالف مفهوم "الدولة" الحق ـ الدولة الشبيه أو المسخ ـ أن يكون شأناً متناقضاً وليس بشيء. ومن ثمة فهو، عند هيغل، أمرٌ "متهافت" لا "وجود" له ولا "تحقيق"، وإنما وجوده "وجودٌ زائف" أو "وجود شبيهي"؛ أي أنه مجرد أمرٍ ظاهر محض. (2)

وبالجملة، إنه واقع شبيهي وليس حقيقياً. بل إن هيغل يعتبر هذا الظاهر المحض "شراً"، ويعتبره من باب ضرورة ما لا ينبغي أن يكون؛ أعني أنه يقع، وباعتبار وجوده، ضمن واقعة أن الشر، وإن هو وُجد، فإنه ينبغي أن يلغى ويُحذف. (3)

ذلك أنه في مجال التاريخ، كما في مجال الواقع، هناك أشياء يمكن أن تكون أو لا تكون، تحدث أو لا تحدث (ظواهر محضة). وهي أشياء لا ترقى، في اعتبار هيغل، إلى مرتبة "الشأن العقلي"، وإنما هي تظل في مجال "الشأن العرَضي". غير أن تحقق الفكرة (الأمر العقلي) يكون له دوماً جانبٌ خارجي (الأمر الواقعي). وهذا الجانب قد يكون مطبقاً [مطابقاً] للشأن العقلي (الأمر الواقعي بمعناه الأحق، أو قل: الواقع الحقيقي)، وقد يكون مخالفاً له (الأمر الواقعي بمعناه الزائف، أو قل: بمعناه الشبيهي). يقول هيغل: للشأن الواقعي الحق تحققه الخارجي، وهو تحقق قد يشهد على [مبدأ] "العرضية" و"الجواز". وكما أننا نعثر على أشياءَ مجتمعة مثل الشجرة والبيت والنبتة.. فكذلك نعثر في المجال الظاهري السطحي للمجال الأخلاقي ـ أي في مجال أفعال الإنسان ـ على جوانب سيئة تثير السخط وكان من الممكن أن تكون أفضل وأحسن. والحق أننا إذا ما نحن علمنا الجوهر تجاوزنا المظهر. ولا بد لنا من الإقرار ههنا بأننا سنعثر دوماً على أناس أراذل فاسدين، لكنهم لا يحققون الفكرة (فكرة الإنسان). ففي ظاهر الأمور تتصارع الأهواء. ولكن هذا ليس الواقع الفعلي المتحقق للجوهر.

إن ما هو لحظي عابر يوجد بدون شك، ويمكن أن يسبب الكثير من المتاعب، لكنه ليس واقعاً متحققاً ولا فرديةُ الذات وأمانيها وميولها كذلك (4).

فقد تحصل من هذا أن ههنا إذاً "معنى" أي "جواز" الأشياء والأحداث، من جهة، وفردية الذات وميولاتها وتعلقها من جهةٍ أخرى ـ وههنا "معنى المعنى" ـ أي "الشأن المعقول" الذي يتحقق في الواقع. لنأخذ مثلاً دستور دولةٍ ما: فههنا مطلوبٌ منا أن نعلم بالعقل مواصفات الدستور الحق؛ أي "الفكرة". ذلك أن الشأن المتناقض المتهافت لا قرار له ولا حقيقة. وعليه لذلك أن يختفي ويزول. وإن مثل هذا الشيء ما كان له إلا وجود زمني محدد ـ وجود شبيهي لا حقيقي ـ ولا يمكن أن يستمر أو يدوم. وإذا كان قد ساد لزمنٍ معيّن، فليس من المحتم أن يستمر في سيادته، وإن ضرورة إلغائه لمتضمنة في فكرة "الدستور" ذاتها.. فإذا فهمت هذه المسألة من طرف أهل السلطة كان التغيير سلمياً وزالت المؤسسات القديمة وحلت محلها أخرى حديثة.. أما إذا ما تمادى هؤلاء في التثبت بالمؤسسات البالية مدافعين عن الشأن غير الجوهري (الأمر الظاهر المحض) منكرين الأمر الجوهري (الفكرة الحقة)، فإن هذا لا يعد إلا بمثابة حفر لقبورهم بأياديهم..

ولنأخذ، ثانيةً، مثال "الدولة". إذ ينبغي علينا عندما ندرس فكرة "الدولة" ألا نضع نصب أعيننا "الدولة الجزئية" ولا "المؤسسات الجزئية". وبدلاً من ذلك، فإن علينا أن ندرس "الفكرة"؛ نعني فكرة "الدولة". والحال إنه يمكن أن نبيّن باعتبار هذا المبدأ الجزئي أو ذاك، أن أي دولة هي دولة سيئة إذ يمكن أن نعثر فيها على هذا العيب أو ذاك. ومع ذلك، فإننا نكون عرضة للانزلاق إلى خطأ النظر إلى الجوانب المنعزلة في الدولة، وأن نتجاهل، من ثمة، حياتها العضوية الداخلية. فما كانت الدولة عملاً مثالياً من أعمال الفن، وإنما الشأن فيها أن توجد على أرض الواقع؛ أعني في دائرة الهوى والخطأ. ولا شك أن السلوك السيء يمكن أن يتشكل في ألوانٍ كثيرة. لكن أقبح رجل والمجرم وكذلك المريض والمقعد أو الأعرج، كلهم رجال أحياء. فالحياة والجوانب الإيجابية تبقى رغم العيوب. فضلاً عن هذا، فإن بعض الدول القائمة قد تكون نهضت على مبادئ غير ديموقراطية؛ من عسف وتسلط بل وطغيان. إلا أن هيغل يرى أن هذه الحالات، التي يقر بأن الواقع يشهد على وجودها، "حالات غير واقعية"؛ بمعنى أنها غير معقولة. ولما كان ما من أمرٍ غير معقول إلا وهو غير واقعي، فإن هذه الدولة الشبيهة لا محالة آيلة إلى الأخذ بعقلانية السياسة وديموقراطيتها مهما تأخرت في ذلك أو تلكأت. ويوضح هيغل هذه المسألة بقوله: "لا يكون الشيء واقعياً حتى على الرغم من أنه قد يكتسب الوجود الفعلي. إن الدولة الفاسدة أو الجسم المريض رغم أنها موجودات في العالم الخارجي، فإنها ليست متحققة بالفعل أو واقعية، واليد المبتورة لا تزال تشبه اليد ولا تزال توجد، لكنها ليست متحققة بالفعل. فالتحقق الفعلي الأصيل هو الضرورة، وما يتحقق بالفعل هو الضروري من الناحية الداخلية" (5).

خذ بنا مثلاً إلى بيان أمر هذا "المعقول" الذي يتحدث عنه هيغل في قولته السيئة السمعة والذي يلزم بحسبه أن يصير هو "الواقع" المتحقق. هذه فكرة "العقل الكوني" وما يقتضيه من مبادئ سياسية؛ شأن فكرة "الدستور" و"الحرية" و"العدالة" و"الذاتية".. فكرة يجد هيغل أنه ليس من شأنها أنها توجد في عالم مثالي غيبي، وإنما هي، لا محالة، متحققة، بالتساوي أو النقصان، في أنحاء من العالم. ولذلك فإننا "حين نؤكد على أن العقل الكلي يحقق نفسه بالفعل، فإننا في الواقع لا نتحدث في هذه الحالة قط عن الفردي مفهوماً بالمعنى التجريبي ـ فهذا الأخير يقبل درجات من الأفضل والأسوأ، ما دامت الصدفة والخصوصية الفردية قد حصلا من "الفكرة" على تفويضٍ لممارسة قوتهما الهائلة. ولذلك، فمن الممكن الاهتداء إلى الكثير من العيوب في الجوانب التفصيلية للظاهرة الكبرى. وهذا النقد ذو الطابع الذاتي الذي لا يضع نصب عينيه سوى الفرد ونقائصِه دون أن يتعرف فيه على العقل الكلي الذي يتغلغل في الكل، هو أمر هيّن" (6). إذ يشهد واقع الحال على أن فكرة "الحرية" متحققة في الواقع، إن بنسب مختلفة، وإن فكرة "الذاتية" حالة بالعالم، وإن بدرجات متباينة، وأن فكرة "العقلانية" مبسوطة في الأرض وإن بمقادير متفاوتة.. ومن ثمة، فإن مبادئ "الحرية" و"الذاتية" و"العقلانية" ـ التي هي مبادئ معقولة وتدخل في باب "الأمر العقلي" أو "الشأن المعقول" ما كانت هي داخلة في باب "ما ينبغي أن يكون" ـ أو هي لا تدخل في باب "ما ينبغي" ـ وإنما هي حالة وحاضرة متحققة؛ أي أنها صارت تدخل في باب "ما هو واقع".. ذلك أن العالم الحقيقي هو كما ينبغي أن يكون، والخير الحقيقي والعقل الإلهي الكلي، ليس تجريداً فحسب، وإنما هو مبدأ عام قادر على تحقيق نفسه.. وما تم إنجازه بحيث يكون نتيجة لهذه الخطة [الإلهية] هو وحده الواقع الحقيقي على الأصالة، وما لا يتفق معها هو وجود سلبي لا قيمة له.." (7). ولئن هو صح أنه في أصقاع عديدة من العالم لا يزال يسود مبدأ "العسف" ـ وهو مبدأ غير معقول، وإن هو تحقق بضرب من التحقق شبيهي ـ بدل مبدأ "الحرية، وأنه لا زالت تحيا "الجوهرية المتبلدة"، التي من شأنها أن تغمر الفرد غمراً، وتحل مبدأ "الذاتي"، وأنه لا زال تسود "العقلانية" [؟] وتنمو فتقمع "العقلانية".. صح أيضاً أن هذه الأمور المخالفة للعقل ـ غير المعقولة ـ يلزم أن تزول. وإن لشأنها أن تزول وتنمحي، وذلك بحكم مخالفتها لروح العصر؛ أي بحكم صيرورتها غير عقلية. بهذا قضى منطق التاريخ.

أكثر من هذا، يلحظ هيغل أن "الفكرة" ـ سيادة العقل ـ وإن هي تحققت في بعض ممارسات الدول الأوروبية، فإن بقية الدول لا تزال تشهد على غيابها. لكنه يضيف بأنه مهما كان مصير هذه الدولة، فإنه لن يكون سوى تحقيق الفكرة "الأوروبية" تحقيقاً. والمسألة، عنده، ما كانت مسألة فلسفية ومبدئية، وإنما هي مسألة أمبيريقية واختباريه، أو هي ما كانت مسألة نظر ومبدأ ـ فالنظر انتهى والأمر قضيَ ـ وإنما هي مسألة تنفيذ وتحقيق. إذ ما إن يلاحظ هيغل أن الكثير من الدول تعدم تحقيق مبدأ "العقل" في واقعها، حتى يجد أن "المسألة مسألة أمبيريقية"، أي مسألة تطبيق، ثم يعقب بأنه، بوفق هذا الوجه من الاعتبار، "لا زال هناك شيء كثير ينتظر العمل على تحقيقه" (8).

وبه يتبيّن أن مراد هيغل من القول: ما من أمر عقلي إلا وهو أمرٌ واقعي، وما من أمرٍ واقعي إلا وهو أمرٌ عقلي، ما كان هو، كما ادعى خصومه، تبرير الواقع أي واقع كان. فهو يعترف بعيوب الواقع ويفضحها في كثير من كتاباته، شأن إثارته لمشكلة "الفقر" في المجتمعات الحديثة (9)، أو التعارض الذي تشهده الديموقراطية الليبرالية بين المصلحة العامة واحترام منطق العدد (الأغلبية التي قد توجهها عوامل ذاتية) (10). إنما بغيته كانت هي تنبيه الأشخاص "المثاليين" إلى ضرورة النزول من أبراجهم العاجية والنظر إلى الواقع بنظرة واقعية. أوليس هو القائل: "أما نحن، فحين نؤكد أن العقل الكلي يحقق نفسه بالفعل، فإننا في الواقع لا نتحدث في هذه الحالة قط عن الفردي مفهوماً بالمعنى التجريبي. فهذا الأخير يقبل درجات من الأفضل والأسوأ ما دامت الصدفة والخصوصية الفردية قد حصلا هنا من الفكرة على تفويض بممارسة قوتها الهائلة. لذلك فمن المؤكد الاهتداء إلى كثير من العيوب في الجوانب التفصيلية للظاهرة الكبرى. وهذا النقد ذو الطابع الذاتي الذي لا يضع نصب عينيه سوى الفرد ونقائصه دون أن يتعرف فيه على العقل الكلي الذي يتغلغل في الكل، هو أمر هين.. ذلك أن الكشف عن عيوب في الأفراد وفي الدولة وفي تدبير الكل، أيسر من أن نرى أعماقهم وقيمهم الحقيقية. ذلك لأننا في هذا البحث السلبي عن العيوب نتخذ موقف الكبرياء والشموخ بحيث نتغاضى عن الموضوع ولا ننفذ إلى داخله، وبذلك لا نفهم وجهه الإيجابي"؟ (11).

أما بعد، أوليس لنا، بعد هذا، أن نقلب دلالة هذه العبارة التي رأى فيها ثوريو القرن التاسع عشر العبارة المعبّرة عن النزعة المحافظة بامتياز، فنرى فيها عبارة ثورية ملهمة؟ لنا في هذه الحادثة التي يرويها تلميذ هيغل الشاعر والمفكر الألماني هانريش هاينه (1797ـ 1856) خير عبرة. ففي كتابه "رسائل عن ألمانيا" ـ التي ألفت سنة 1844 ونُشِرت لأول مرة سنة 1869 ـ يذكر هاينه أنه بينما هو كان يماشي هيغل ويحاوره بدر بخاطره أن يعيب عليه قولته التي أوردها في مقدمة كتاب "فلسفة الحق": ما من أمر عقلي إلا وهو واقعي، وما من أمر واقعي إلا وهو عقلي، فلما طرح الأمر على الحكيم لم ينزعج، وإنما هو، بالضد من ذلك تماماً، علت محياه ابتسامةٌ غريبة، وبعد أن هو تأكد من أن رجال وزارة الداخلية لم يكونوا يتعقبون آثار الرجلين أو يسترقون السمع إليهما، لاحظ أن ليس بإمكاننا القول "ما من أمرٍ عقلي إلا وهو أمرٌ واقعي" فحسب، وإنما الاستدراك عليه بالإضافة: "ما من أمر عقلي إلا ينبغي له أن يصير أمراً واقعياً [أي أن يتحقق آجلاً أو عاجلاً، وإن كره حكام الزمان]".

هذه غمزة دلت على مدى فهم الحكيم الواقعي للشاعر الرومانسي. ولا أخال إلا أن هاينه فهم المسألة حين أورد هو في كتابه في تاريخ الدين والفلسفة بألمانيا (1933ـ 1934) [قد يكون الصحيح 1833ـ 1834]، الشهادة الذكية التالية عن هيغل ـ وكان آنها قد قضى الأستاذ بزمن يسير ـ "إن هيغل كان رجلاً ذا خلق. ومع أنه منح مثل السيد شيلنج الشيء الموجود والقائم في الدولة والكنيسة [الواقع] بعض التجويزات المريبة جداً، فقد حدث هذا بالنسبة لدولةٍ أقرت بمبدأ التقدم، وإن كان هذا الإقرار نظرياً على الأقل، وحدث هذا أيضاً بالنسبة لكنيسة اعتبرت مبدأ البحث الحر عنصراً حيوياً لها" (12).

 
 

 

"العلم لا يفكّر"

ثمة اعتقاد راسخ لدى هايدغر أن ما كان "العلم بالشيء" من "التفكير فيه" في شيء. أكثر من هذا، ما كانت "للعلم" المقدرة على "الفكر". وهذا أصل منشأ عبارة هايدغر السيئة السمعة: "إن العلم لا يفكّر"، أو "ما العلم بمفكّر"، و"ليس من شأن العلم أن يفكر" ولا ينبغي له (13). وقد وصف هايدغر نفسه فعل هذه العبارة في الأذهان بفعل "الصدمة". وما زالت هذه تثير التآويل الكثيرة التي صار يشنَّع بها على صاحبها، ما بين عادّه "متصوّفاً" بل "رومانسياً"، ومعتبره "ظلامياً" بل و"شعوذياً"، وأقلهم مهاجمةً لهايدغر من عدّه مفكراً معادياً للعلم. لكن الرجل لم يعتبر  نفسه أبداً مفكراً وجّه فكره ضد العلم وأداره على مناقضته، وإنما هو، بالضد من ذلك تماماً، اعتبر أنه فكر من أجل العلم، أي أنه فكر من أجل إبراز كنه "العلم" من حيث بما كان هو "علماً". وإنه ما أنكر هو أبداً أن العلم أمر "جوهري" من أمور الإنسان، بل و"أساسي" (14) ـ بل أكد على أن العلم إمكانٌ للوجود والعيش الحر (15)، وأنه "موقف حر تاريخي يتخذه الإنسان" (16)، و"إمكان وجود لكينونة الإنسان" (17)، وقوة من قوى الإنسان (18) ـ لا ولا سعى هايدغر إلى "احتقار" العلم أو "الزراية به". وكيف يكون هايدغر مفكراً ظلامياً معادياً للعلم والعبارة جاءت لحماية ما يسميه "الفكر" لا لمهاجمته؟ وكيف له بذلك وأنت تجد هايدغر انتفض ضد كل صنوف المذاهب الغنوصية التي حاول البعض تقريب فكره منها، من عبادة أسرار، ومذاهب حكمة إشراقية، ورؤى عالم بروتستانتية أو كاثوليكية.. فحتى في أقصى حال سكرته، حافظ هايدغر على صحوته؛ عنينا "يقظة الفكر".

إنما هو أكد على أن ثمة حقول نظر تظل دون العلم مستغلقة وذلك بفعل مناهج العلم التي يُعمِلها في دراسة الأشياء ويمشيها عليها (19). فالعلوم، عنده، غير قادرة على تبيّن أمر الكائن أو الشيء، ليس من جهة "كمه" أو "كيفه؛ وإنما من حهة "كينونته"؛ أي "كنهه" ومعنى "وجوده". أكثر من هذا إن من شأن مفهوم "كينونة الأشياء" أن تبقى أبداً على العلوم أمراً مستغلقاً موصوداً (20). وليس للعلم من الأفق ما يتسع ليشمل "التفكر" في أمور من قبيل مسألة "الكائن"، وكنه "الحقيقة"، وماهية "الحرية" و"حقيقة اللغة".. فثمة مضمارات تظل على العلوم مغلقةً، وثمّة أسئلةٌ تبقى دونها مقفلة. وإنما هذه الأمور شأن الفلسفة وديدنها وهجيراها. ولذلك كتب هايدغر سنة  1949 يقول: "مهما بلغ العلم من دقة، فإنه لن يبلغ أبداً جدية الميتافيزيقا. وأبداً لا يمكن للفلسفة أن توزن فكرة العلم" (21).

وما كان هايدغر لينفي عن العلم كل فكر، وإنما لئن هو كان "العلم لا يفكر"، فإنه لا يفكر على نحوٍ من التفكير "جهري". إنما تفكيره شأن "مستتر". إذ ما من علمٍ إلا وشأنه أن يقوم، من حيث أسسُه ودعائمُه، على أنطولوجيا مضمرة (22)؛ أي إنه لا بد أن ينهض على نظرة معيّنة إلى "كينونة الكائن"؛ أي أن يعتبر معنى وجوده وما من اعتبار للكائن ـ وليكن الاعتبار العلمي ـ إلا ومن أمره أن يتضمّن، بدءاً وأصلاً، فهماً معيناً لشأن "الكينونة" جلي أم غمض وانبسط أم انطوى (23)؛ وذلك حتى وإن هو لم ينظر هذا العلم في فهم أمر "الكينونة" أو يعلم عن نظره (24). ومن ثمة، ساغ لهايدغر القول: "ما من علم إلا وهو في مكنونه واستتاره فلسفة"، و"ما من علم بالكائن إلا وهو يقوم بالضرورة على أنطولوجيا ثاوية مستترة" (25). ولا يعني هذا،أن لا بد للمشتغل بالعلم أن يهتم بالفلسفة التي تحتويها العلوم بالضرورة ـ وإن احتواءً خفياً ـ ولا أن له أن يهتم بالفلسفة عامة. فالاشتغال بالعلم أمرٌ ممكن حتى دونما عدة فلسفية (26). وبالجملة، "ما من علم إلا وهو فلسفة: سواءٌ اقتدر على الإدراك هذا الأمر وأراده أم لا" (27).

فقد تحصل، أن مقتضى نقد هايدغر للعلم عبارته الذائعة الصيت السيئة السمعة: "ما كان من شأن العلم أن يفكر ولا ينبغي له". وهي العبارة التي عدّ هايدغر نفسه أن من شأنها أن "تصدم تصورنا السائر عن العلم" (28). بيد أنه إن نحن طلبنا مزيد استبيانٍ عن أمر هذه العبارة، احتاج ذلك منا، لا محالة، إلى وقفةٍ طويلة. دعنا نحدد، بدايةً، دلالة العبارة السيئة السمعة على جهة السلب؛ أي على جهة ما لا تعنيه.

بدءاً: ليس مقتضى هذا القول، أن على "الفكر" أن يكون في حلٍ من "العلم"، وأن يرمي بنفسه إلى أحضان الأسطورة والوهم (29)، لا ولا أن يكون "العلم" في غنىً عن "الفكر" ومبعداً ومنفياً (30).

تثنية: ليس معنى العبارة، "القدح في العلم" والثلب. فالقول: "ما كان بمكنة ألعلم أن يفكر ولا بمقدرته فعل ذلك حتى وإن هو رغب"، لا يلزم منه النظر إلى هذا الأمر وكأنه "عيب" يلحقه أو "آفةٌ" تعترية، وإنما بالضد إنه "ميزة" له، فبفضله يمكن للعلم أن يدرك المعطيات والموضوعات بحسب طريق بحثه، وذلك دونما أن يكلف نفسه مؤونة النظر في "ما وراء" الكائنات والموضوعات التي يدرسها؛ أي في كينونتها وكنهها (31).

تثليثاً: ما كان معنى هذه العبارة الدلالة على توق هايدغر إلى "نقد العلم" وذلك بتأسيس "إبستمولوجيا" أو "علم علم" أو "ما وراء العلم" من شأنه أن يكون دعياً مختالاً، وإنما دور الفيلسوف، أمام العلم، في اعتباره، هو أن ينظر في الدور الذي يلعبه العلم في نشر تصوّر محدد لكينونة الكائن، هو الذي يشكل أصلاً، أساس وجوده.

ولئن كنا قد حددنا، سلباً، ما لا تعنيه هذه العبارة فإن شأننا الآن أن نحدد، إيجاباً ما تعنيه. والحق إن هذه العبارة قامت على مقدمات مضمَرة، فلا يستقيم فهم معناها إلا بتبيّن أمرها:

منها، أولاً؛ شأن كل العلوم أن تنظر في أمر "الكائن" بمختلف النظر، لكنها لا تنظر في شأن النظر في الكائن؛ أي أنها لا تستشكله من جهة كينونة، وإنما هو يُعطاها، قبلاً، من حيث هو كائن. فهي، من الجهة الفلسفية، مصابةٌ بالعمى عن كينونة الكائن (32). غير أن مشكلة العلم تكمن في أن ديدنه أن ينسى حدوده هذه (33). أجل، إن شأن العلوم أن لا "تنشئ" الكائن إنشاءً، وإنما هي "تفترضه" افتراضاً، أو قل: إنه "يوضع" قبلاً. ففي اعتبارها، الكائن "وضع"، أو قل: "موضوع" positum، لا فرق. وهي علوم "وضعية" شأنها أن "تضع" الكائن ـ الطبيعة مثلاً ـ "موضوعاً" للاعتبار العلمي والعلوم، إذ "تنظر"، فهي لا "تنظر" إلا في مختلف مجالات الطبيعة، وإذ هي "تستشكل"، فلا "تستشكل" إلا في مختلف مجالات الكائن؛ من طبيعة جامدة وفيزيائية ومادية وحية.. ثم هي تقسم الكائن الحي إلى حقول مخصصة مفردة، من عالم نباتي وحيواني.. (34). هذا هو شأن البيولوجيا، مثلاً، تنظر إلى الكائن من حيث هو "حياة"، أو قل بالأحرى: يعطاها الكائن بما هو حياة، لكنها لا تستشكل موضوعها بدءاً. فالحياة معطاة لها قبلاً. وإن هذه الغفلة عن النظر في حقيقة كينونة الكائن، لهي ما سماه هايدغر ذات مرة "الجهالة الميتافيزيقية" (35). وهي الجهالة التي ما إن يستفسرها أحد المفكرين، حتى يعد استفساره هذا أمراً غير معقول، بل وهداماً للعلم. إن معنى إن: "العلم ليس يفكر"، أنه ليس "حدثاً" يؤسس لحقيقة الكائن و"يفتحها"، وإنما هو أمرٌ يستغل جهةً ما من الحق تكون قد "انفتحت" له قبلاً، وذلك من غير استشكال ولا استثارة سؤال (36).

تأسيساً على ما تقدم، ينجلي أن ليس من شأن العلوم أن تدرك كنه مجالها؛ فهو يبقى أبداً عنها مغلقاً ودونها موصداً. فلا كان من شأن العلم التاريخي أن يدرك كنه التاريخ، ولا كان من شأن العلم الرياضي أن يدرك كنه الرياضة، ولا شأن العلم الفيزيائي أن يدرك كنه الطبيعة، ولا العلم الجمالي أن يدرك كنه الفن، ولا العلم اللساني يستكنه أمر اللسان.. تلك مجالات تبقى دون العلوم أبداً موصدة. بهذا المعنى، صح القول: إن العلوم، بما صح من أنها لا تقتدر على اقتحام كنه الكائنات التي تبحث فيها، ما كان بمقدورها أن تفكر (37). يبقى إذاً أن لكل علمٍ وجهاً آخر لا يمكنه أبداً أن يبلغه أو يدركه حتى الدرك ـ ألا وهو كنه مجاله، وأصل هذا الكنه، وكذلك كنه أصل كنه المنهج الذي يطوره. ألا إن للعلم مجاهل وغياهب. ومن ثمة، فإنه جاز وصف العلوم بأنها تبقى محدودة.

غير أنه لا يلزم عن ذلك فهم هذه المحدودية فهما سالباً وحسب، بل ينبغي فهمها الفهم الإيجابي أيضاً. إذ لا يمكن للوجه المغيّب للعلوم أن يظهر إلا بالعلوم ذاتها (38). فاعتبار أن: "العلم لا يفكر"، إنما معناه، بدءاً، أنه "لا يفكر" بالمعنى الذي يفكر به المفكرون (39). ولما كانت الفلسفة هي "إبداعٌ من شأن المفكرين"، فإن العلم لا يفكر بضربٍ من التفكير الفلسفي؛ أي إنه لا يفكر تفكيراً أنطولوجياً. فمن شأن العلم ألا يدرك أبداً إلا ما أنشأته طريقته الخاصة في "التمثيل" وقبلته على أنه "موضوع" ممكن له. هذه "الجرة"، مثلاً، إذ هي توضع فيها خمرة، لا ينظر العلم إلى "الجرة" في ذاتها بوصفها ملتقى عوالم أربعة: الآلهة والبشر والأرض والأشياء، وإنما ينظر إليها بما هي جم مقعّر يحتوي سائلاً حلّ محل الهواء. ومعنى هذا، أن من شأن "العلم" أن يلغي ذاك الشيء الذي اسمه "الجرة"، وذلك من حيث أنه لا يقبل إلا خواصها الفيزيائية والكيميائية والرياضية (40). والمترتب عن هذا، قول هايدغر: إن العلم دمّر الأشياء من حيث هي كانت أشياء، وحجب شيئيتها وعمى عليها وطوح بها إلى غياهب النسيان. فما عادت هي تظهر كينونة الشيء أبداً، ولا عادت هي تسأل وتنظر وتعتبر وفي هذا تدمير للشيء بما هو شيء.

والحال إن هايدغر يعجب لهذا الأمر ويقلق. وقلقه متأتٍ من جانبين: أولهما، الادعاء الوضعي بأن من شأن العلم أن يتفوق على كل تجربة، وإن من يدرك الواقع على حقيقته كما هو وبما هو. وثانيهما، الادعاء أن العلم، إذ هو يدرس الأشياء ويكتشفها، فإنه ما كان هو ليسيء إلى كنهها، وإنما هو يتركها كما وجدها من قبل: أشياء (41). والمترتب عن هذا، أن العلم، إذ هو ينظر في الطبيعة، فإنه يحولها إلى "موضوع"، فيحدث أن تنحجب. مما يفيد أن ليس من مقدور العلم أن يحيط بكينونة الطبيعة، وأنه لا يدرك من الطبيعة إلا ما ينشئه فيها، أو قل: إنه لا يعثر في الطبيعة إلا على ما يبحث عنه فيها. ومعنى هذا، أنه ليس بمكنة العلم أن يبيّن ما إذا كان استقصاؤه الطبيعة يؤدي إلى انكشافها، كما يدعي، أم بالضد هو يتأدى إلى انحجاب كنهها على التحقيق. أكثر من هذا، ليس من مقدرة العلم حتى أن يطرح هذا التساؤل؛ وذلك لأن من شأنه أن يعكس، بدءاً وقبلاً، تأويلاً معيناً للطبيعة يصيرها موضوعاً للنظر العلمي. ومن ثمة، كان العلم أن يغلق على نفسه إمكانات مساءلة كينونة الطبيعة (42).

أكثر من هذا، ليس بمكنة العلم أن يعلم طبيعة علمه بالطبيعة، أي أن يصير العلم بنفسه. فمن المستحيل التأمل في الفيزياء، من حيث هي علم، بدءاً من المناهج التي تستند إليها. لا ولا هو بإمكان الرياضيات أن تعتبر رياضياً أو تستشكل بما هي كذلك. وقس على ذلك، أن يكون بمكنة الجيولوجيا أن تتأمل جيولوجياً، أو يكون بمكنة الفيلولوجيا أن تتأمل فيلولوجياً. وهذا يبين عن حد للعلم داخلي: فهو لا يقدر على الانعكاس على ذاته والنظر فيها. لكن هذه المسألة لا تفيد معنى "النقص" أو "الآفة" أو "المعيب" الذي يلحق كنه العلم، وإنما هي، بالضد من ذلك تكشف عن أن ثمة في العلم شأناً أخفى وأدهى يجب إيقاظه واستشكاله. ولما كان هو يستحيل التأمل في أمر العلم تأملاً علمياً، فإنه ثبت أن ليس ذلك يمكن إلا بتوسل المعرفة الفلسفية (43) لا يمكن أن يدرك إلا بالمعرفة الفلسفية؛ يعني النظر في الكائن بما هو كائن، أي اعتبار الكائن باعتبار إمكانيات كينونته وحقيقته (44).

وفضلاً عن هذا وذاك، ما كان بمقدرة العلم أن يؤسس مفاهيمه البدئية. هذا العلم الطبيعي، مثلاً، يتوسل لدراسة الطبيعة أن يحدد ما يقصده بمفهوم "الحركة" و"الجسم" و"المكان" و"الزمان. وإن من شأن العالم الطبيعي أن يحدد ما يقصده بمفهوم "الحركة"، وما يعنيه بمفهوم "المكان"، وما يفيده بمفهوم "الزمان"، لكنه ليس من شأنه أن يحدد كنه "الحركة" بما هي موضوع بحثه، وإنما هو يدرس حركاتٍ محددة، ولا بمكنته أن يحدد كنه "الزمان"، وإنما هو شأنه أن يستعمل "الزمان" من حيث هو وسيلة لقياس الحركة لا من حيث دالته الأنطولوجية. وما يصدق على العلم الطبيعي يصدق أيضاً على البيولوجيا والتاريخ والفيلولوجيا (45).

ثم إنه ما من أطروحةٍ وضعية عن "الكائن" إلا ومن شأنها أن تتضمّن معرفةً قبليةً بكينونة الكائن وفهماً مسبقاً له، حتى ولئن كانت هذه التجربة الوضعية للكائن لا تعلم شيئاً عن هذا الفهم ولا هي ترقى إلى مستوى أن تنقل إلى المفهوم ما تحصل من هذا الدرك. فهذا أمرٌ شأنه ألا تقتدر عليه إلا الفلسفة بوصفها العلم بالكينونة. فالعلوم الوضعية بالكائن لا يمكنها إلا أن تنشئ حولها الأحلام، كما قال أفلاطون؛ أي أن تنشئ موضعها إنشاءً. ولما كان من شأن الحلم ألا يحدث إلا في حال النوم، فإن ما ينقص العلم حقاً هو التيقظ إلى درك الكائن من حيث هو كائن، أي باعتبار كينونته. فمن شأن الكائن أنه يعطاه سلفاً ومسبقاً وكأنه حلم (46). أكثر من هذا، لا تكتفي العلوم بالنظر إلى الكائن (الطبيعة)، بل إنها تعمد إلى تشويه كنهه. فالعلوم، وإن هي ثبتت ضرورتها ومهما بلغت دقتها، إنما شأنها أن تعمد إلى نزع الطابع الطبيعي عن الطبيعة (47).

ولهذا الاعتبار، نجد لدى هايدغر ضرباً من الزراية بالطرق العلمية التي تعتمد، بحسب نظره على تمحل آليات "الحيلة" و"الترتيق" و"الحسابات الضيقة". ومن ثمة، كان من شأن أعجب شؤون العلوم أنها تعتمد على منزعٍ "نفعي" "ترتيقي" خالص، مع أنها تدعي كشف الحقيقة. وهي إذ تقيم ما تقيمه على أساسٍ من مبدأ "النفع" فإنها تلجأ إلى القواعد والضوابط والأعداد والآلات والأجهزة تقيمها بينها وبين الأشياء وتتخندق بها وتتمترس. لكن ما كان من شأنها أن ترى الأشياء، وإنما حيلتها مع الأشياء في الحقيقة ترى [؟]. فبالرغم من التلسكوب القوي والآلات الأخرى المعقدة التي تقيمها لتنظر بعيداً، فهي لا ترى في نهاية المطاف إلا ما تتوسله من حيل لا مقام لها إلا بها. وإنه لمن سذاجة معرفةٍ كهذه، بالرغم من كل نجاحاتها الباهرة، أن تبقى دوماً عاجزة (48). والحق إن الطبيعة الأصلية، التي اكتشفها الإغريق وأبانوا عنها، بما هي ما من شأنه أن ينبثق بذاته (phusis)، ثم إتلاف طابعها الطبيعي من طرف قوتين كانتا عنها غريبتين: أولهما؛ المسيحية التي أزرت بالطبيعة حد تصييرها "مخلوقاً"؛ مما افترض تجاوزها بما فوقها؛ أي بالخالق. وثانيها؛ العلوم الحديثة التي سلكت بالطبيعة مسالك النظام الرياضي والتصنيع والتقنية والآلية (49).

ومن مقدمات فهم قول هايدغر بانتفاء صفة "الفكر" عن "العلم"، اعتباره أن لا أفضلية للعلوم ـ لا سيما العلوم الحديثة ـ على طرق اعتبار الكائن الأخرى، فبالرغم مما شهدته العلوم الحديثة من فعالية ونجاعة واشتهار، فإنه يلزم، لهذا السبب ذاته، التنبه إلى حدودها. وهذا ما لا تقتدر عليه من تلقاء ذاتها. لهذا، فإنه لا يلزم تحكيمها في النظر في "فلسفة الطبيعة" التي كانت سائدة قبلها. فليس من شأننا أن نحكم النظر العلمي الحديث في الأنظار الأخرى في الطبيعة، وبالتالي أن نعتبرها مجرد أنظار ميتافيزيقية شعرية. أوليس العلم نفسه يلجأ إلى استعمال استعارات شعرية في تضاعيف لغته وأثناءها؟ إن الحقيقة تقتضي منا القول: إن النظر في الطبيعة لزمننا هذا ما كان هو أكثر دقة وعمقاً من سالف النظر؛ هذا إن لم نقل بالضد: إنه أكثر فظاعةً وتصلباً وصدفية (50). والمستفاد من هذا، أن لا إمكان للمقايسة بين أنحاء النظر إلى الطبيعة، فضلاً عن المفاضلة بينها، فتفضل النظر الحديث على ما سواه! فما شمس علماء الفلك المحدثين بأحق ولا بأدق من شمس راعي الغنم القديم! (51). لا ولا الفيزياء الحديثة بأدقَّ ولا بأحقَّ من فيزياء أرسطو! فقد تحصّل عن هذا هدم أساس ضرورة العلم. فلا ضرورة إلى أن يقوم العلم، وما كان قيامه بمسيس الحاجة (52). ولئن هو قام العلم، بأوكد قيام، فما كان هو بأفضلِ المعارف. ثم إنه أمر تاريخي له أصلٌ ومنبع يطلب به وبه يستعرف. أصل العلم يوناني، ومآله هو المآل الحداثي الذي كان قد أعطى الأولوية للمنهج على الموضوع ذاته، والذي انتهى به ذلك إلى أن صار محض أمرٍ تقني وتخصصي وتنظيمي وتصنيعي (53).

ومن أصول فهم قول هايدغر بامتناع "الفكر" عن "العلم"، أن لا صلة لخبرة الكينونة والكائن بالاستناد إلى درجة المعرفة العلمية به. قس على ذلك كنه "الإصغاء" مثلاً: إذ يمكن للعلم أن يعلمنا الشيء الكثير عن فيزيولوجيا الأذن، لكنه لا يمكنه أن يعلمنا شيئاً عن معنى أن يكون الإنسان كائناً مصغياً (54). أكثر من هذا وأغرب، ثمة من علماء البيولوجيا من لم يعد في حاجة إلى صلة كنهية بالطبيعة الحية حتى يحصل على نتائج بحثه ويستجيب لمتطلبات شعبته العلمية وتقدمها، وكأيّن من مؤرخي الفن الذين، بما هم مؤرخون، ما عادوا يحتاجون أن يكونوا على صلة بالعمل الفني أو على تجربةٍ بكنهه. مما يعني أن العلم صار يدمر العلاقة الحقة للمعرفة بكنه الكائن، وذلك لدرجة أن العلوم صارت اليوم فاقدة الصلة بأسسها غير موصولة بها (55). ومعنى هذا، أن درجة انجلاء الكائن عامةً لا تتوافق مع درجة المعرفة بالكائنات. بل الأمر بالضد: حيثما علم الإنسان الكائن العلم، فإن حقيقة الكائن تصير له مجهولة، وحيثما أمكن للإنسان التحكم في الكائن، صارت له حقيقة مغيبة أكثر من هذا، إن العلم بالكائن عدمٌ له ونسيان (56). وحيثما سعى الإنسان إلى العلم بكنه الأشياء ـ من تاريخ وفن ولغة وطبيعة ـ وذلك من غير أن تكون له المقدرة عليها، ظهر للناس أن من شأن الفكر أن "يعرف" أقل ما "تعرفه" العلوم؛ بينما الضد هو الصحيح. كلا؛ ما كانت العبرة بكثرة المعارف، إما العبرة بالمقدرة على استكناه حقائق الأشياء. إنما التناسب بين "المعرفة العلمية" و"المعرفة الحقة" تناسبٌ عكسيّ (57). والشاهد على ذلك "أزمة الأسس" التي شهدتها العلوم الحديثة. وفي تصور هايدغر، فإن "أزمة الأسس" تلك، ما كان هي أمراً عارضاً ولا شأناً عابراً، وإنما هي شكلت "سمةً جوهرية" من سمات المشروع العلمي ذاته، لدرجة أنه يمكن القول: "هذه الأزمة سكنت كل علم منذ أن كان العلم علماً".. وما كان المطلوب تجاوز هذه الأزمة، وإنما صار المطلوب، بالعكس من ذلك، تعميقها ما أمكن، وذلك بغاية أن نستجلي، بأجل استجلاء، ما نريده من العلم على وجه التدقيق (58). والحق إنه ما شهد العلم يوماً على التعارض المفارق بين قوة النتائج المحصل عليها ولا على عدم يقينية وغموض المفاهيم والمسائل الأكثر أساسية وبساطة بمثل ما شهد عليه العلم المعاصر. ولئن كان لنا من أمر نتبيّنه في هذا، فهو ضرورة التمثل بالقول: "ليس من شأن العلم أن يفكر" (59). وهذا يظهر إلى أي حدٍ يمكن لإنجازات العلم الوافرة والسريعة أن تحجب عنا حقيقة غموض أساسه، كما يستحثنا هو على ضرورة استفسار هذا الأساس استفساراً فلسفياً لا استفساراً نفعياً. وإن المسألة لتحتاج إلى يقظة النظر الأنطولوجي في العلوم الحديثة وإلى صحوته واعتباره لهذه العلوم اعتباراً استكناهياً (60).

لهذه الاعتبارات كلها، فإنه لا غرابة أن يختم هايدغر تأملاته في العلم باستفسار عما إذا كان من أمر العلم أنه صير الكائن أكثر كائنية، أم بالضد. ما إذا كان ثمة شيء آخر انزلق بين الكائن والإنسان العارف وكان من آثاره تمزيق صلة الإنسان بالكائن وحرمان الإنسان من كل تخبر بكنه الطبيعة وانطماس كنهه نفسه. ولعل جواب هذا الاستفسار هو أن: "الكائن اليوم الذي صار موضوع الفيزياء النظرية بخاصة والفيزياء بعامة ما عاد بالنسبة لنا أكثر كائنية بفضل تدخل العلم هذا، ولن يعود هو كذلك" (62).

تلكما كانتا عبارتين من العبارات الفلسفية التي ساءت سمعتها بالتبع إلى سوء فهم دلالتها، وذلك إما بسبب من بترها من سياقها، أو ورودها في مساقٍ سجالي، إو خفاء الأصول التي انبنت عليها عن أذهان السامع، وذلك إلى حد أن هي صارت شأن شطحات الصوفية إن ما هي استوجبت القتل أو التفكير [التكفير] فقد استوجبت التشنيع والتهويل. وقد عملنا جاهدين، في هذه المقالة، على رفع بعض أنحاء لبس هذه العبارات، وما كانت نيتُنا أن نكون لأصحابها، وقد أخذتنا حمية الفلسفة، مستبرئين كل التبرئة، وإنما كنا لخصومهم محاجين. فلا ينبغي أن ننفي عن هيغل كل نزوعٍ محافظ، أنى كان شأنه، خصوصاً وأن قولته التي حللناها ههنا وردت في سياق مساجلته لبعض خصومه السياسيين الذين كان ينعتهم بالرومانسية السياسية أو الثورية. وأعرنا لساننا لهايدغر يتحدث به عن "العلم" وقد علمنا من أمر بعض عباراته بعض جنوحاته في مهاجمة بعض أساليب الاعتبار العلمية، وذلك شأن ذهابه إلى حد التسوية بين الرؤية العلمية للعالم كما تعكسها الفيزياء الفلكية المعاصرة و"فلك" أرسطو أو "فلك" راعي الغنم! فليعتبر.

 

تجسّد العقل في التاريخ عند هيغل؛ نقاش.



نقاش حول تجسد العقل في التاريخ عند هيغل.

منشور على الفيسبوك وتعليقات:

 

المنشور: "كل وجود غير مطابق للعقل والواجب هو وجود مؤقت وطارئ.
وكل أمرٍ عقليّ ينبغي أن يتجسّد في الواقع إن عاجلاً أم آجلاً."
(شرح على هيغل)


طلال جابر:
أو لا يتجسّد. ليس بالضرورة.
 
 بالنسبة لهيغل سوف يتحقق.
لكن أظن أن هيغل يميز بين أمرين: الطبيعة والتاريخ.
فما يحكم الطبيعة هو قوانينها الثابتة، أو ما يسميه هيغل بـ "العقل المتحجر" (وهي تسمية استعارها من شلنج).
أما ما يحكم التاريخ فهو العقل والحرية، والتاريخ هو هذه السيرورة نحو المزيد من العقل والمزيد من الحرية.
أحياناً نرى فتراتٍ في التاريخ، يتراجع فيها العقل وتتراجع الحرية.. ربما هيغل سيقول بأن المحصلة النهائية لتاريخ البشرية هي المزيد من الحرية والعقلنة، وإن كان التاريخ خلال سيرورته سيواجه بعض المطبات المرحلية.
ربما كان هيغل محقاً في النهاية، لكن يبدو لي أن البشرية محكوم عليها أن تدفع مقابل كل نقلة بسيطة نحو العقلنة والحرية المزيد من المآسي والمعاناة.

 طلال جابر:
هذه الحتمية تبين انها فاشلة وغير صحيحة وما يحدث في هذا الكوكب يؤكد ذلك .الماضي والحاضر والمستقبل الذي قد يكون اسوا منهما .والا لكان صاحب كتاب نهاية التاريخ على حق .
 

الحتمية.. ربما كانت صحيحة: بمعنى أن ما حدث ما كان إلا ليحدث، هناك معطيات سابقة جعلته حتمياً.. وإن كان من الصعب البرهنة على ذلك.
لكن هل يمكن توقع ما سيحدث، أظن لا. وهذا ما ذهب إليه كارل بوبر.
هل المستقبل أفضل من الماضي؟ لا أدري.
هيغل يرى أننا نتقدم نحو الأفضل ونحو المزيد من الحرية. 
من الصعب على من يعيش هذه الأيام أن يصدق هذا الكلام..

 القول بـ "نهاية التاريخ" لا أظنه يلزم هيغل في شيء. ما هو إلا توظيف أيديولوجي كاريكاتوري للجدل الهيغلي.
أنا أظن أن فكرة الجدل هي فكرة غنية وصحيحة. لكن لا أجدني مقتنعاً بفكرة النهايات. ليس ثمة نهايات. ليس هناك إلا السيرورة التي لن تنتهي بحالة نهائية تحل فيها التناقضات. لن تتوقف هذه التناقضات عن تحفيز المسار التاريخي إلا بكارثة تنهي كل حياة.
وفكرة النهايات لم أستطع استيعابها والاقتناع بها منذ أرسطو (السبب الأول، واستحالة سلسلة الأسباب إلى ما لا نهاية، وصولاً إلى هيغل..)


الدكتور جمال نعيم:
كل ما هو عقلي هو واقعي. وكل ما هو واقعي هو عقلي.
بصياغة أخرى:
كل ما هو عقلي سيكون واقعًا، سيتحقق ولو بعد حين. وكل ما هو واقعي فعلًا ، كل ما يتمتع بوجودٍ أصيل، لا عابر ولا موقّت، هو عقلي.
بصياغة أخرى:
كل ما هو عقلاني، كل ما هو ينسجم مع العقل في فترة معيّنة، سيجد طريقه الى الواقع ويتحقق مهما كانت الصعوبات. وكل ما هو واقعي، كل ما هو متحقق فعلًا، ولا يكون عابرًا ولا موقَّتًا، هو عقلاني، أي سيجد صيغته العقلانية.
هذه تعبيرات مختلفة عن مقولة هيغل الشهيرة: كل ما هو عقلي هو واقعي، وكل ما هو واقعي هو عقلي.
إعطاء أمثلة؛
النظام الجمهوري، قبل الثورة الفرنسيّة، كان نظامًا عقلانيًّا ومنسجمًا مع العقل، لكنّه لم يكن متحقِّقًا بعد. لذا، كان على الأحداث أن تجري لكي يتحقق ويتجسّد. فكانت الثورة الفرنسية، وتدريجيًّا انتشر هذا النظام في كل أوروبا.
اذًا، النظام الجمهوري هو النظام الذي ينسجم ويتوافق مع العقل. لذا، وجوده راسخ وليس عابرًا. فعندما يتغيّر الرئيس لا يتغيّر النظام معه. النّظام الملكي الآن لا يتمتّع بأسس عقلانية. لذا، فإنّ وجوده الآن هو وجود موقّت وزائل. 
لكن الآن ألا نرى أنّنا بحاجة الى فهمٍ جديدٍ لكي نفهم ما هو عقلاني وما هو راسخ في الواقع وما هو عابر وزائل. ونحن نعتبر أنّ هناك تغيّرات وتحولات كبيرة تحدث.