الثلاثاء، 14 يناير 2020

ولادة "المثقف" [أو تاريخ "المثقف"]؛ الدكتور جمال نعيم




ولادة "المثقف" 
(د. جمال نعيم)

مع ڤولتير (١٦٩٤-١٧٧٨)، مع قضيَّة كالاس التي سُمِّيت قضيَّة ڤولتير، بدأت ولادة المثقَّف التي ستعرف ولادتَها النِّهائيَّة مع الكاتب الفرنسي إميل زولا (١٨٤٠-١٩٠٢) في قضيَّة دريفوس الشَّهيرة.
ومُلخَّص قضيَّة كالاس أنَّ تاجرًا بروتستنتيًّا يعيش في بيئةٍ كاثوليكيَّةٍ ادَّعى بعدما وجد ابنه منتحِرًا، أنَّ القضيَّة تتعلَّق بجريمة قتلٍ خوفًا من إقدام الكاثوليك على إحراق ابنه بسبب مخالفته تعاليم المسيح بانتحاره. لكنَّ برلمان تولوز حاكم الأبَ واتَّهمه بأنَّه هو الذي قتل ابنه منعًا لانتقاله إلى الكاثوليكيَّة، فتمَّ إعدامُ الأب ومصادرة أملاكه. لكنَّ عائلته لم تستسلم وأقنعت ڤولتير بالدِّفاع عنها، فكتب كتابه "محاولة في التَّسامح" وأعاد فتح ملف القضيَّة حيث أعلن برلمان باريس براءة المتهم وأوصى الملك بدفع تعويضٍ لذويه عمَّا لحق بالأبِ من ظلمٍ دينيٍّ.
هذه القضيَّة صارت تقليدًا عند مثقّفي فرنسا الذين باتوا يمثِّلون ضمير الأمَّة الفرنسيَّة، لا بل ضمير أوروبا، ومن ورائها ضمير الإنسانيَّة جمعاء.
وفي نهاية القرن التَّاسع عشر، أدانت إحدى المحاكم الفرنسيَّة ضابطًا فرنسيًّا يهوديًّا بالتَّجسُّس لصالح ألمانيا، فتمَّت إهانته أمام الملأ ونفيه إلى جزيرةٍ نائيةٍ. وانبرى للدفاع عنه إميل زولا الذي كان ككاتبٍ، ملتزمًا بالقضايا الكونيَّة. فوجَّه رسالة إلى رئيس الجمهوريَّة بتاريخ ١٢ كانون الثَّاني ١٨٩٨، بعنوان: "إنِّي أتَّهم...". وممَّا جاء فيها: "ولأنَّهم تجرَّأوا، فإنَّني سأتجرَّأ، أنا الحقيقة سأقولها، لأنّني وعدت بقولها إذا تخلَّى القضاء، رغم معرفته بها، عن قولها كاملةً غير منقوصةٍ. فواجبي يكمن في أن أتكلَّم. إنَّني لا أريد أن أكون متواطئًا، وإلَّا فإنَّ لياليَّ ستصبح مهووسةً بشبح البريء الذي يقف هناك، وسط أفظع أشكال العذاب، عقوبةً عن جريمةٍ لم يرتكبها".
وقد نجح زولا في الدِّفاع عن الضَّابط الفرنسيّ دريفوس وتمَّ إعلان براءته. ومن وقتها صار المثقَّف ضمير الإنسانيَّة. وهو يتدخل في ما لا يعنيه، فيدافع عن قيم العدالة والمساواة والحرّيّة. لكنَّه لا يتحوَّل إلى رجل سياسةٍ إذ يبقى في موقعه كأديبٍ أو مفكِّرٍ، يجد من حقِّه، لا بل من واجبه، أن يستعمل مهابته وسلطته الأدبيَّة ليرفع الظُّلم عن المظلومين.
فارس العدالة، ضمير الإنسانيَّة، المدافع عن البشريَّة جمعاء وعن القيم الإنسانيَّة اليونيفرساليَّة كالعدالة والحرّيّة والمساواة. هذا هو المثقَّف الكلِّيُّ الذي كان سارتر أكبر ممثِّلٍ له.
هذا المثقَّف الذي كان يمثِّل ضمير الإنسانيَّة والذي كان يقبض على الحقيقة ويقولها للنَّاس، قد مات بعد ثورة الطُّلاب في العام ١٩٦٨. ونشأ مكانه المثقَّف النَّوعيّ أو الخصوصيّ بحسب تعبير فوكو الذي أعلن ولادته بعدما رفع العلماء النَّوويُّون الصوت عاليًا انطلاقًا من اختصاصهم بالذَّات ليحذروا النَّاس من مخاطر السِّلاح النَّووي.
وبالإمكان إعطاء أمثلةٍ أخرى، كأن نعتبر أنَّ اختصاصيَّة التغذية يجب أن ترفع الصَّوت عاليًا إذا ما تبيَّن لها أنَّ هناك خطرًا على السَّلامة العامَّة للمواطنين. وهكذا، فإنَّ المثقَّف الخصوصي لا يدافع عن العدالة والحريّة والمساواة كقيمٍ متعاليةٍ ولا يتعاطى في الشَّأن العام بوصفه القابض على الحقيقة وبوصفه ضمير الإنسانيَّة، بل ممَّا وجده في اختصاصه بالذَّات ويشكِّل قضيَّة يجب الإعلان عنها أمام الرَّأي العام.
أمَّا المثقَّف العضويُّ فهو المثقَّف المنتمي أو الثوريّ الذي ينطق باسم جماعةٍ
معيَّنةٍ كحزبٍ معيَّنٍ أو طبقةٍ معيَّنة، ويتبنَّى أفكارها ويلتزم بمشروعها للتَّغيير. لكنَّه يتمايز من أفرادها.
والمثقَّف العضويُّ يشبه المثقَّف الدينيّ، كما كان حال مرتضى مطهَّري، الذي ينطق باسم جماعته ويخترع الوسائل النَّظريَّة للتغيير.
إذًا، المثقَّف لا يمثِّل ضمير الإنسانيَّة، ولا يتدخَّل في كلِّ ما لا يعنيه، بل في ما يخصُّ قضايا جماعته. وقد قسَّم غرامشي أجهزة الدَّولة إلى أجهزةٍ أيديولوجيَّةٍ كالمدرسة والإعلام والجامعة... وأجهزةٍ قمعيَّة كالشّرطة والجيش...
أمَّا المثقَّف الهامشيُّ فهو مثقَّفٌ لا منتمٍ، والذي يمارس هامشيّته لتصبح الحياةَ أفضل أو يمكن أن تُعاش. لا ينتمي إلى أيِّ جماعةٍ ولا أيِّ حزبٍ ويمارس ثقافته كما لو كان في مدينته الأمثليَّة، مع أنَّه بممارسته هذه يلتزم ويعارض ولو بشكلٍ غير مباشر.
وهناك المثقَّف كوسيطٍ فاعلٍ أو كعميلٍ معرفيٍّ كما أعلنه علي حرب عندما تكلَّم على أوهام المثقَّفين الخمسة: أي وهم النُّخبة ووهم الحرّيّة ووهم الهويّة ووهم المطابقة ووهم الحداثة.
والدّور الرَّئيسيُّ لهذا المثقَّف الذي تخلَّى عن رسوليَّته ونخبويّته وطلبعيَّته، هو الخلق للغاتٍ أفهوميَّةٍ ومناخاتٍ حواريَّةٍ تسمح ببلورة قيمٍ مشتركةٍ تتيح اللقاء بين فردٍ وآخر، بين حزبٍ وآخر.

(عن الفيسبوك)

ليست هناك تعليقات: