الأربعاء، 11 ديسمبر 2019

نيتشه متحدثاً عن الأحلام




نيتشه متحدثاً عن الأحلام

ثلاثة نصوص لنيتشه عن الأحلام في كتابه "إنسان مُفرِط في إنسانيته"، ترجمة كنان القرحالي، الطبعة الخامسة (2019)، الصادر عن "دار كلمات للنشر والتوزيع" في دولة الكويت.

[حفريات]
منطق الحلم:
يكون الجهاز العصبي أثناء النوم في تهيّجٍ مستمرٍّ من خلال مختلف المحفّزات الداخلية، وتعمل جميعُ الأعضاء تقريباً بشكلٍ مستقلٍّ وبحيويّةٍ كبيرة، حيث تتسارع الدورةُ الدمويّةُ، وتضغط وضعيةُ النائم على بعض أجزاء الجسد، حتى الأغطيةُ تؤثر على الأحاسيس بأشكالٍ مختلفة، وتُدير المعدةُ الجهازَ الهضميَّ وتتصرّف بانسجامٍ مع أعضاءٍ أخرى، كما تكون الأمعاء في حالة عملٍ وتقدّي وضعيةُ الرأسِ إلى عملٍ غير معتاد، أما القدمان فتكونان بلا أحذيةٍ ولا تضغطُ على الأرض، وهما مصدرُ أحاسيسَ جديدةٍ أخرى، وينطبق الأمرُ ذاتُه على ملابس كامل الجسد؛ تؤدي جميع هذه الأمور مع صخبِ ساعاتِ اليوم ومن خلال المشاعر الجديدة إلى حركةٍ في جميع أنحاء منظومة الجسد، والتي تشمل وظائف الدماغ، وهكذا تحفّز مئات الظروف التشوّشَ في العقل وهذا ما يدفعه للبحث عن سببِ هذه الاستثارة.
إنّ الحلمَ ما هو سوى بحثٍ وتمثيلٍ لأسباب استثاراتِ الشعور هذه، أي الأسباب المفترَضة لها، مثلاً قد يحلم من كانت قدماه مقيّدتين بحبلين بزوجٍ من الثعابين الملتفّة حول قدمية، هذه مجرّد فرضيّة، لكن حلماً كهذا قد يترافق مع صورةٍ متخيَّلةٍ مصاحبةٍ وحجةٍ لدى صاحب الحلم تقول بأنّ "تلك الثعابين هي سبب هذه الأحاسيس التي أشعر بها وأنا نائم"، هكذا يحلل عقلُ النائم الأمور، وتصبح أحاسيسُه وقائعَ بالنسبة له نتيجة هذه الاستثارة الكبيرة.
نعرفُ جميعاً من تجربتنا كيف سيحوّل الحالم صوتاً حاداً إلى آخر من طبيعةٍ مختلفةٍ تماماً، مثلاً يتحوّل صوتُ جرسٍ إلى دويّ مدفع، وفي الحلم يدرك الحالم التأثيرات أولاً، والتي يفسّرها لاحقاً بفرضيةٍ معيّنة تنطوي على قناعته بالطبيعة الحدسية البحتة للصوت، لكن كيف لعقل الحالِم أن يتمادى في تيهه عندما يكون نفس العقل المستيقظ حذراً دقيقاً جداّ في تعامله مع الفرضيات؟ لماذا تُنال الفرضيةُ الأولى اللاحقة لإحساس الحالِم هذه المصداقية؟ (إذ ننظر إلى ما يجري في الحلم كما لو أنه واقعٌ، وهكذا تقبل فرضياتُنابشأنها على أنها مثبتةٌ تماماً).
لا شكّ لديّ في تفكير البشرية بأحلامها عبر آلاف السنوات كما يفكر الناس في أحلامهم اليوم حتى في لحظات اليقظة، إذ يتمّ التعامل مع أوّل سببٍ يتبادر إلى العقل عندما يبحث المرء عن تفسير حلمٍ ما على أنّه تفسيرٌ صحيحٌ (يُظهر البشر البدائيون نفس النزعة كما تذكر تقارير الرحّالة)؛ يُظهِر هذا الأثر الرجعي للإنسانية نفسَه في دواخلنا، فهو الأساس الذي طوّرت به الملَكة العقليّةُ نفسَها، وما زالت تطوّر نفسَها في داخل كلِّ فرد. تعيدنا الأحلام إلى المراحل الأولى للثقافة الإنسانية، بل وتتيحُ لنا سبلَ فهمِها بشكلٍ أوضح.
نفكّر في الحلم بسهولةٍ فائقة، فهذا ما تدرّبنا عليه جيداً عبر مراحلَ لانهائية من التطوّر، والتي ساد فيها الشكلُ الخياليُّ والمبسَّط من النظريات المعلّقة به؛ إن الحلم منشّطٌ للدماغ نوعاً ما، إذ يلبّي الدماغُ الحاجاتِ الكثيرة للفكر المدرَّب الذي كوّنته ظروف الحضارة الأسمى، وإن شئنا نكون حسّاسين حتى في لحظات يقظتنا للحالة التي تكون بمثابةِ بابٍ ومدخلٍ للحلم، وإذا أغلقنا أعينَنا يستحضر الدماغُ على الفور باقةً من الانطباعات الضوئية واللونية، وهو نوعٌ من التمثيل والانطباعات التي فُرِضَت على الدماغ خلال لحظات اليقظة، وبالتعاون مع الخيال يقوم العقل بتحويل هذه الأحاسيس إلى أشكالٍ محدّدةٍ متحرّكة ومناظرَ طبيعيةٍ، فما يحدث لا يخرج عن كونه نوعاً من المنطق بدءاً من التأثير وصولاً إلى السبب، ويتساءل الدماغ حائراً: من أين جاءت هذه الانطباعات الضوئية واللونية؟ ويأخذ بافتراض الأسباب المحفّزة لهذه الأضواء والألوان ولتلك الأشكال والمظاهر، أيّ إنه يسخّرها لخدمةِ أسبابه المفترَضة، وهو ما اعتاده الدماغ عندما تكون العينان مفتوحتين والحواسّث متيقّظة، إذ يُرّدُّ كلُّ ضوءٍ ولونٍ إلى سببٍ وضعه بنفسه.
أما المخيّلة فتدخل عبر صورِها المتزايدة يوماً تلوَ آخر لتشاركَ في إنتاج الانطباعات الناجمة عن الأحاسيس، وهو ما يقوم به خيالُ الحالم بالضبط، وهكذا يتمُّ تحديد السببِ المفترَض اعتماداً على أثر الحلم، ويحدث هذا بسرعةٍ مدهشة، وهذا يعني أنّ الأمر مشابه لما تنطوي عليه الشعوذة وألعاب الخفّة من تشويشٍ للعقل فيخرج ما بعد أثر الحلم ليظهر على شكل فعلٍ متزامنٍ، فعلٍ فيه تعاقبٌ معكوسٌ للأحداث.
انطلاقاً من هذه الاعتبارات يمكننا رؤية كيفية تطوّر الفكر المنطقي الصارم مؤخراً، وما نتج عنها من تمييز بين السبب والأثر في الحلم، خاصةً وأنّ ملَكتنا الفكرية والعقلانية الحالية تعود إلى عملياتِ الاستنتاج البدائية، حيث يمضي نصفَ العمرِ عملياً في ظروفٍ تحريضيةٍ شديدة، حتى إن الشاعر والفنّان ينسبُ لحالاته الوجدانية والعاطفيّةِ أسباباً بعيدةً عن الصِحة،وهذا تذكيرٌ للبشرية بماضيها البدائيِّ نوعاً ما ويمكن لهذا أن يساعدَنا في فهمها بشكلٍ أفضل.

سوء فهمِ الأحلام:
اعتقدت البشريّةُ خلال عصورِ الحضارةِ البدائيّةِ الأولى أنّها تدخل عالماً حقيقياً ثانياً في الحلُم، ويكمن هنا مصدر كلِّ ما هو ميتافيزيقي، فبدون الحلُمِ لم يكن للبشرِ أن يمتلكوا دافعاً يحرّضهم على تحليل العالم، حتى إنّ التمييز بين الروح والجسد يرجع كلّياً إلى التصوّر البدائي للحلُم، كذلك الأمر مع فرضيّةِ الروح المجسّدة، والتي تطوّرت منها جميع الخرافات، فما وجدَه البشرُ في هذا السياق كان على شاكلةِ أنّ "الأمواتَ لا يزالون على قيد الحياة، لأنهم يظهرون للأحياء في أحلامِهم"، هذا ما استنتجَه البشرُ ذاتَ مرّةٍ واستمرَّ لآلاف السنوات. (17)

الحلم والحضارة:
إن الذاكرةَ هي الوظيفة الدماغيّةُ الوحيدة التي يؤثّر النومُ عليها سلباً، فهي لا تُعلّق بالكامل، إنما تنحسرُ إلى حدٍّ كبيرٍ كما كان عليه الحال في العصورِ البشريّةِ البدائيّة، إذ كانت تلك حالةُ الجميع سواءٌ أكانوا نياماً أم مستيقظين، كانوا خارج السيطرة ومشوّشين، فهي تخلطُ الأشياءَ دوماً عند أدنى تشابه فيما بينها، على أنّ الأمم تخرج بأساطيرِها من بين ركام هذا التشوّش العقليّ وانعدام السيطرة، وهذا ما يلحظه رحّالةُ اليوم عندما يرَوْنَ الإنسانَ البدائيَّ في بعض البقاع النائية، فهو عرضةً للنسيان، وكيف يتوه عقلُه إثر أقلِّ جهدٍ تتكبّده الذاكرةُ حيث يتفوّه بالخزعبلات والهراء من فرط الإنهاك، وهكذا فإننا جميعاً مشابِهون لهذا الإنسان البدائيِّ في الأحلام.
إنّ عدم كفاية التمييز والخطأ في المقارنة هما أساس الأمور العجيبة التي نفعلها ونقولُها في الأحلام، حتى إنّ الدهشةَ تغمرنا من الغباء الذي يُقطّر منها عندما نستذكرُها، إنّ التمييز المطلَق لجميع صوَرِ الأحلامِ والمصاحبَ للإيمان بحقيقتِهم الجوهريّة يذكّرنا بالظروف التي عاشتها البشريّةُ في وقتٍ سابق، حيث كان للهلوسةِ حيويّةٌ استثنائيةٌ سيطرَت على مجتمعاتٍ كاملةٍ وحتى أممٍ بأكملها، وهكذا فإننا نحج إلى البشريّة الأولى مجدّداً عبر النوم والحلم. (18)

ليست هناك تعليقات: