الجمعة، 16 يونيو 2017

موجات الحداثة الثلاث؛ ليو شتراوس.






موجات الحداثة الثلاث
ليو ستــروس* ترجمة: مشروحي الذهبي

في أواخر الحرب العالمية الأولى خرج إلى الوجود كتاب يحمل العنوان المشئوم التالي : أفول، أو غروب الغرب. لاشبنغلر (spengler) لا يفهم من الغرب ما تعودنا أن نطلق عليه الحضارة الغريبة، أي تلك الحضارة التي انبثقت من اليونان، بل يفهم منه الثقافة التي بزغت بأوربا الشمـالية حـوالي ق 1000م. وتشمل علاوة على ذلك، الثقافة الغربية الحديثة. لقد تنبأ، إذن بأفول الحداثة أو بغروبـها، ويعتبر كتابه وثيقة دامغة على أزمة الحداثة. وحقيقة وجود هذه الأزمة أصبح اليوم جليا حتى لذوي الأفهام الضعيفة. ولكي نفهم أزمة الحداثة يجب أن نفهم بادئ ذي بدء خاصية الحداثة.
تتجلى أزمة الحداثة أو تكمن في واقع كون الإنسان الغربي الحديث لم يعد يفهم ما يريد ولم يعد يعتقد أن بإمكانه أن يعرف ما هو خير وما هو شر، ما هو صحيح وما هو خاطئ. وإلى بضعة أجيال خلت كان من المسلم به عادة أن بإمكان الإنسان أن يعرف ما هو صحيح وما هو خاطئ، ويعرف النظام الاجتماعي العادل أو الحسن أو الأحسن. وباختصـار يعرف أن الفلسفة السياسية ممكنة بل وضرورية. هذا الاعتقـاد فقد نفوذه في زماننا. ووفقا لرأي سائد فإن الفلسفة السياسية مستحيلة: لأنـها كانت حلما، قد يكون حلما رفيعا، لكنه يبقى حلما على أية حال. وفي الوقت الذي يوجد فيه اتفاق واسع حول هذه النقطة فقد اختلفت الآراء حول سبب قيام الفلسفة السياسية على خطأ أساسي. وفقا لرأي واسع الانتشار فكل المعارف التي تستحق اسم معارف هي معارف علمية. لكن المعارف العلمية لا تبرهن على أحكام القيمة بل تقتصر على الأحكام الواقعية. بيد أن الفلسفة السياسية تفترض مسبقا بأنه يمكن البرهنـة عقلانيا على أحكام القيمة. ووفقا لرأي آخر أقل انتشارا لكن أكثر دقة، فإن التفرقة السائدة بين الوقائع والقيم لا يمكن الدفاع عنها: لأن مقولات المعرفة النظرية تنطوي بداهة وبهذه الطريقة أو تلك، على مبادئ التقييم. لكن مبادئ التقييم تلك، إلى جانب مقولات الفهم، فهي كلها متغيرة تاريخيا ومن عصر لآخر. ولهذا السبب يستحيل الجواب بطريقة معترف بـها كونيا عن مسألة الصحيح والخاطئ أو مسألة النظام الاجتماعي الأحسن، وبطريقة صالحة لكل الفترات التاريخية، كما تستوجب الفلسفة السياسية.
إن أزمة الحداثة، إذن، هي في المقام الأول أزمة الفلسفة السياسية الحديثة. يبدو هذا الأمر غريبا: لماذا يلزم أن تكون أزمة ثقافة ما، في المقام الأول، أزمة مبحث أكاديمي واحد من بين عدة؟ لكن الفلسفة السياسية ليست أساسا مبحثا أكاديميا: لأن معظم فلاسفة السياسة العظام لم يكونـوا أساتذة جامعيين. أضف إلى ذلك، وكما هو معترف به عموما، فالثقافة الحديثة هي بالتأكيد ثقافة عقلانية تؤمن بسلطة العقل. وإذا ما فقدت ثقافة كهذه، إيمانـها بقدرة العقل على إقرار صحة غاياتـها القصوى فهي في أزمة بكل تأكيد.
ما هي إذن خصوصية الحداثة؟ تبعا لمفهوم شائع جدا فالحداثة إيمان ديني دنيوي. لقد أصبح الإيمان التوراتي بالعالم الآخر، جوهريا، إيمانا بـهذا العالم. وبطريقة أبسط: ليس المبتغى هو الحياة في الجنة، بل تحقيق الجنة فوق الأرض بوسائل إنسانية صرف. وهذا بالضبط ما كان أفلاطون يدعي عمله في "جمهوريته": إحداث قطيعة مع كل شر فوق الأرض بوسائل إنسانية صرف. بكل تأكيد لا يمكن أن يقال عن أفلاطون إنه علمن الإيمان التوراتي. وإذا ما أراد شخص أن يتحدث عن علمنة هذا الإيمان وجب عليه أن يكون إلى حد ما أكثر تحديدا. من المؤكد، مثلا، أن روح الرأسمالية من أصل ديني طهري. أو لنعط مثالا آخر، فهوبز Hobbes يرى الإنسان من منظور القطبية الأصلية لغرور الشر والخوف النافع  من الموت العنيف. يمكن لأي واحد أن يلاحظ بأن ذلك ما هو إلا رواية معلمنة للقطبية الدينية للغرور الآثم والخوف النافع من الرب. تعني العلمنة، إذن، الحفاظ على  الأفكار والأحاسيس والعادات ذات الأصل التوراتي بعد انمحـاء أو اضمحلال هذا الإيمان. لكن هذا التعريف لا يبين لنا شيئا عمـا هو نوع المقومات المحتفظ بـها في العلمنات. زد على ذلك فهي لا تفيدنا شيئا عما هي العلمنة إلا بشكل سلبي: أي اضمحلال أو انمحاء الإيمان التوراتي. لكن الإنسان الحديث كان موجها في الأصل من طرف مشروع وضعي.
ربما لم يكن بالإمكان تصور ذلك المشروع الوضعي بدون مساعدة المقومات المتبقية من الإيمان التوراتي. لكن إذا كانت هذه هي الحالة في واقع الأمر، فلا يمكن تحديد ذلك قبل أن يفهم المرء هذا المشروع. لكن هل بوسع المرء أن يتحدث عن مشروع أوحد؟ لا شيء يميز الحداثة أكثـر من هذا التنوع الهائل وتواتر التغير الجذري بـها. فالتنوع كبير جدا إلى حد يشك معه المرء فيما إذا كان بوسعه أن يتكلم عن الحداثة كشيء أوحد. إن مجرد تحقيب الزمن لا يقيم وحدة ذات معنى: فقد يوجد مفكرون في الأزمنة الحديثة لا يفكرون بطريقة حديثة. كيف يمكن للمرء، إذن أن يتحاشى الاعتباطية أو النـزعة الذاتية؟ نفهم من الحداثة تعديلا للفلسفة السياسية ما قبل حديثة. وهو تعديل يبدو لأول وهلة كرفض للفلسفة السياسية ما قبل حديثة. وإذا كانت هذه الأخيرة تملك وحدتها الأساسية وملامحها الخاصة، فإن الفلسفة السياسية الحديثة، أي نقيضها ستمتلك بدورها وحدتـها الأساسية وملامحها الخاصة، ولو على مستوى النظر العقلي على الأقل. وهذا ما سيؤدي بنا لنرى بأن هذه هي الحالة في واقع الأمر بعدما حددنا بدايةً الحداثة من خلال معيار غير اعتباطي. وإذا كانت الحداثة قد انبثقت عبر قطيعة مع الفكر ما قبل الحديث، فإنه من المؤكد أن الأدمغة العظيمة التي حققت تلك القطيعة كانت على وعي بما كانت تقوم به. من يكون إذن ذلك الفيلسوف السياسي الأول الذي صدع برفضه لكل الفلسفات السياسية السابقة عليه على أساس أنها غير كافية بل وغير صائبة ؟ ففيما يتعلق بالجواب فليست هناك صعوبة: لأن الشخص المقصود هنا هـو هوبز. بل إن دراسة أكثر عمقا للموضوع تبين أن قطيعة هوبز الجذرية مع تقاليد الفلسفة السياسية لا تكمل، وإن بطريقة جد أصيلة، سوى ما كان قد أنجز من طرف ماكيافيلّي (Machiavelli) في المقام الأول.
لقد شكك هذا الأخير في الواقع بطريقة جذرية، لا تقل عن طريقة هوبز، في قيم الفلسفة التقليدية : فادعى أساسا، وبوضوح لا يقل عن هوبز بأن الفلسفة السياسية الحقة تبتدئ معه على الرغم من كونه عبر عن دعـواه بلهجة أكثر اعتدالا إلى حد ما من لهجة هوبز.
هناك قولان لماكيافيلي يبرزان كامل إرادته وبكل وضوح. يمثل الأول ما فحواه: إن ماكيافيلي على خلاف عميق مع آراء الآخرين بخصوص كيف يجب على الأمير أن يتصرف تجاه رعاياه وأصدقائه وسبب هذا الخلاف هو اهتمامه بالحقيقة العملية الواقعية وليس بالتخيلات. فكثيرون هم الذين تخيلوا جمهوريات وإمارات، لم يكن لـها وجود قط لأنـهم كانوا يتوجهون إلى كيف ينبغي للناس أن يعيشوا حياتهم عوض كيف يحيا النـاس حياتـهم فعلا. يعارض ماكيافيلي مثالية الفلسفة السياسية التقليدية بمقاربة واقعية للشؤون السياسية.
لكن هذا ليس سوى نصف الحقيقة (أو بعبارة أخرى فواقعيته من نوع غير مألوف). أما النصف الآخر فيعرضه في هذه المفردات: الحظ (Fortuna) امرأة يمكن مراقبتها باستعمال القوة… ولفهم حمولة كلتا القولتين على المرء أن يتذكر أن شأن الفلسفة السياسية التقليدية كان بحثا عن أحسـن نظام سياسي أو احسن نظام حكم، أي كحكم يسعى جيدا إلى ممارسة الفضيلة أو يسعى إلى ما ينبغي للناس أن يعيشوا حياتـهم عليه. وتبعا للفلسفة السياسية الكلاسيكية فإن إقامة أحسن نظام حاكم يعتمد بالضرورة على الحظ المراوغ والغير مضبوط أو المصادفـة (Chance). وحسب جمهورية أفلاطون مثلا فميلاد أحسن نظام حكومي يعتمد على الصدفة (Coincidence) أي اللقاء البعيد الاحتمال بين كل من الفلسفة والسلطة السياسية. أما أرسطو الواقعي المزعوم فيتفق مع أفلاطون في هذين المنحيين الهامين جداً: إن أحسن نظام حكومي هو النظام الأكثر ملاءمة لممارسة الفضيلة. وإن تحقيق النظام الحكومي الأحسن يعتمد على المصادفة. لأنه بالنسبة لأرسطو لا يمكن تحقيق أحسن نظام حاكم إذا لم تكن المادة اللائقة متوفرة. وبعبارة أخرى، إذا كانت طبيعة الأرض الموجودة وطبيعة الناس الموجـودين لا تلائم النظام الحكومي الأحسن فوجود هذه المادة أو عدم وجودها لا تعتمد إطلاقا على مهارة المؤسس بل على المصادفة. يبدو أن ماكيافيلي يتفق مع أرسطو في القول بأن لا أحد يمكنه إقامة النظام السياسي المطلوب. إذا كانت المادة فاسدة أي إذا كان الناس فاسدين. لكن ما كان مستحيلا بالنسبة لأرسطو اكتسى عند ماكيافيلي صعوبة جمة فقط؛ ويمكن التغلب على هذه الصعوبة بواسطة إنسان سام يستعمل وسائل غير عادية لتحويل مادة فاسدة إلى مادة صالحة. هذه العقبة التي تقف في وجه إقامة النظام الحكومـي الأحسن والتي هي الإنسان كمادة أي المادة البشرية، هذه العقبة يمكن تذليلها لأنـها قابلة للتحويل.
إن ما يسميه ماكيافيلي الجمهوريات المتخيلة للكُـتاب الأوائل، يقوم على فهم خصوصي للطبيعة، وهو يرفضه ضمنيا على الأقـل. وبحسب هذا الفهم فكل الكائنات الطبيعية، أو على الأقل كل الكائنات الحية، موجهة نحو غاية أي نحو كمال تتعطش إليه. هناك كمال خصوصي يخص كل طبيعة خصوصية وهناك على الخصوص كمال إنساني تحدده طبيعة الإنسان كحيوان اجتماعي وعاقل.
فالطبيعة تعطي النموذج. وهو نموذج مستقل كلية عن إرادة الإنسان وهذا يعني أن الطبيعة خيرة. والإنسان يحتل مقاما محدودا وسط الكل أي مقاما رفيعا جدا. ويمكن للمرء أن يقول بأن ذلك الإنسان هو مقياس كل شيء، أو أنه هو العالم المصغر لكنه يحتل هذا المقام بالطبيعة، أي أنه يحتله داخل نظام لم ينشئه. فعبارة "الإنسان مقياس كل الأشياء" هي بالضبط على النقيض من "الإنسان سيد كل الأشياء". يحتل الإنسان مقاما داخل الكل: أي أن قدرة الإنسان محدودة وأنه لا يستطيع تجاوز قصور طبيعته. فطبيعتنا، كما يقول أرسطو، مستعدة بشتى الطرق، أو كما يقول أفلاطون، إننا دمى في يد الآلهة. يتجلى هذا القصور خاصة في القوة الحتمية للمصادفة. فالحياة الخيرة هي حياة تتماشى مع الطبيعة وهي تعني الوقوف عند حـدود معينة لأن الفضيلة أساسا هي الاعتدال. ولا يوجد ثمة فرق في هـذا الصدد بين الفلسفة السياسية الكلاسيكية وبين مذهب اللذة (Hedonism) الغير سياسي: ليس المرغوب فيه هو تحقيق القدر الأكبر من اللذات لأن السعادة تتوقف قطعا على تحديد رغباتنا.
ومن أجل إصدار حكم صائب على مذهب ماكيافيلي، يتوجب علينا في نـهاية المطاف أن نأخذ بعين الاعتبار، من وجهة نظر صارمة، وجود توافق بين الفلسفة الكلاسيكية والتوراة، بين أثينا والقدس، على الرغم من الاختلاف العميق بل والتعارض الموجود بينهما. وحسب التـوراة فالإنسان خلق على صورة الله ومنحت له السيادة على جميع المخلوقات الأرضية: فهو لم يمنح السيادة على الكل بل وضع في الجنان ليخدمه ويحرسه. لقد أعطي مقاما لأن الاستقامة هي الرضا بالنظام الإلـهي القائم، كما هو الشأن تماما في الفكر التقليدي الذي يرى بأن العدالة هي الامتثال للنظام الطبيعي كما أن الاعتراف بالمصادفة المراوغة يطابق القرار بعناية إلـهية لا يكتنه سرها.
كما يرفض ماكيافيلي التقاليد الفلسفية واللاهوتية جملة وتفصيلا. ويمكننا عرض طريقة تفكيره كما يلي: إن الآراء التقليدية إما أنها تقود إلى الاستنتاج بأن الشؤون السياسية لا ينظر إليها بجدية (الابيقورية)؛ وإما أنـها، بعبارة أخرى، تفهم على ضوء كمال متخيل أي جمهوريات وإمارات متخيلة. والأكثر شهرة من بينهما هي مملكة الرب. على المرء أن يبتدئ من كيف يعيش الناس بالفعل، أي يجب أن يوجه نظره إلى الأسفل. والخلاصة الطبيعية المباشرة هي إعادة تأويل الفضيلة: لا ينبغي أن تفهم الفضيلة كما لو أنـها الغاية التي وجدت من أجلها الجمهوريات، بل إن الفضيلة توجد أساسا من أجل الجمهوريات. فالحياة السياسية الصرف ليست موضوعا للأخلاق، كما أن الأخلاق ليست ممكنة خارج المجتمع السياسي. إنـها تفترض مسبقا المجتمع السياسي ولا يمكن لـهذا الأخير أن يقام وأن يحافظ عليه بالبقاء داخل الحدود التي ترسمها الأخلاق، لسبب بسيط هو أن النتيجة أو المشروط لا يمكنه أن يتقدم السبب أو الشرط. وعلاوة على ذلك، فإن إقامة مجتمع سياسي، بل وحتى المجتمع السياسي المرغوب فيه جدا، لا تتوقف على المصادفة، لأن هذه الأخيرة يمكن أن تقهـر، أو لأن المادة الفاسدة يمكن تحويلها إلى مادة صالحة. هناك ضمانة للحل المتعلق بالمشكل السياسي لأن (أ) الـهدف أدنى وينسجم مع ما يرغب فيه معظم الناس بالضبط. ولأن (ب) المصادفة يمكن قهرها. يصبح المشكل السياسي مشكلا تقنيا. وكما يعرض ذلك هوبز "عندما تؤول الجمهوريات إلى الانحلال نتيجة للخلافات الداخلية فالخطأ لا يكمن في الناس باعتبارهم المادة بل لأنهم صانعو تلك الجمهوريات". فالمادة ليست فاسدة ولا شريرة ولا يوجد شر في الإنسان لا يمكن التحكم فيه. فليس المطلوب عفوا إلهيا ولا أخلاقا ولا تكوين شخصية، بل المطلوب هو إقامة مؤسسات مرهوبة الجانب. أو إذا استشهدنا بكانط، فإن قيام النظام الاجتماعي العادل لا يتطلب، كما دأب الناس على القول، أمة من الملائكة: "إن مشكل إقامة الدولة (الدولة العادلة) يبدو عويصا وهو قابل للحل حتى بالنسبة لأمة من الشياطين شريطة أن يمتلكوا ألبابا" أي شريطة أن تقوّم أنانيتهم [؟].
فالمشكل السياسي الأساس ببساطة هو ذلك المتعلق ب "التنظيم المحكم للدولة والذي هو في متناول الإنسان فعلا".
ومن أجل إنصاف التغيير الذي أنجزه ماكيافيلي يجب الأخذ بعين الاعتبار تغيرين عظيمين حدثا بعد عصره لكن كانا في انسجام مع روح أفكاره. فالحدث الأول هو الثورة التي وقعت في العلوم الطبيعية، أي بزوغ العلوم الطبيعية الحديثة. فرفض العلل الغائية (وبعدها مباشرة تم رفض مفهوم المصادفة بدوره) قوض القاعدة النظرية للفلسفة السياسية الكلاسيكية.
فالعلم الطبيعي الحديث يختلف عن مختلف أشكال العلم الطبيعي القديم، ليس فقط بسبب فهمه الجديد للطبيعة بل وخصوصا، بسبب فهمه الجيد للعلم؛ إذ لم تعد المعرفة تفهم، كما هو الشأن مع الإنسان ولا مع النظام الكوني، كسعي وراء معرفة تقبلية أساسا. فالمبادرة في الفهم هي استدعاء الإنسان للطبيعة قبل تحكيم عقله. إنه "يضع الطبيعة موضوع السؤال" (بيكون Bacon). فالمعرفة نوع من الصناعة والفهم الإنساني يفـرض على الطبيعة قوانينه. فسلطة الإنسان لا متناهية الكبر عكس ما كان يعتقد به حتى الآن. ليس بإمكان الإنسان فقط أن يحول مادة إنسانية فاسدة إلى أخرى صالحة، أو أن يقهر المصادفة، لأن كلا من الحقيقة والمعنى متأصلان في الإنسان، وليسا ملازمين لنظام كوني يوجد باستقلال عن النشاط الإنساني. وبالمقابل لم يعد الشعر يفهم بدوره كتقليد ملهم أو كإعادة إنتـاج بل كإبداع. لقد أعيد تأويل هدف العلم: كوسيلة للسيطرة (propter potentiam) من أجل تحسين وضع الإنسان والسيطرة على الطبيعة ومن أجل التحكم الأقصى أي التحكم المنهجي في الشروط الطبيعية للحيـاة البشرية. إن السيطرة على الطبيعة تعني أن الطبيعة عدو وفوضى يجب إخضاعها للنظام. فكل شيء حسن مرده إلى عمل الإنسان أكثر مما هو راجع إلى هبة الطبيعة. فالطبيعة لا تمنح سوى المواد التافهة تقريبا. وبناء عليه فالمجتمـع السياسي ليس طبيعيا بأية حال من الأحوال. والدولة ببساطة شيء اصطناعي ونتاج للاتفاقات. فليس الكمال الإنساني هو الغاية الطبيعية للإنسان بل إنـه المثل الأعلى الذي شكل بحرية من طرف الإنسان.
أما التغيير الثاني المابعد ماكيافيلي والذي ينسجم مع روح فكره فيخص الفلسفة السياسية أو الأخلاقية فقط. فماكيافيلي فك فيه كلية الارتباط بين السياسة والقانون الطبيعي، أي مع عدالة تفهم كشيء مستقل عن اعتباطية الإنسان. فالثورة الماكيافيلية لم تحقق كامل قوتـها إلا عندمـا أعيد تحقيق ذلك الربط: أي عندما أعيد تأويل العدالة أو الحق الطبيعي بروح ماكيافيلية. هذا هو في المقام الأول العمل الذي قام به هوبز. ويمكن أن يوصف التغيير الذي أحدثه هوبز كما يلي: في الوقت الذي فهم فيه القانون الطبيعي سابقا على ضوء تراتبية غايات الإنسان، والتي تحتل فيها مسألة الحفاظ على الذات مرتبة أدنى، فهم هوبز القانون الطبيعي بصيغة الحفاظ على الذات. وبارتباط مع ذلك فالقانون الطبيعي أصبح مفهوما بالأساس في صيغة الحق في الحفاظ على الذات كشيء متميز عن أي ضرورة أو واجب، وهو تطور يبلغ ذروته مع حلول حقوق الإنسان محل القانون الطبيعي (عوضت الطبيعة بالإنسان وعوض القانون بالحقوق). وكما تقدم عند هوبز نفسه، فالحق الطبيعي في الحفاظ على الذات يتضمن الحق في "حرية جسدية"، وفي وضع لا يسأم فيه الإنسان من الحياة. فهذا الحق الطبيعي يقارب الحق في حفاظ على الذات بشكل مريح هو محور تعاليم لوك. لا يسعني هنا إلا أن أؤكد على أن التشديد المتزايد على الدراسات الاقتصاديـة ما هو إلا نتيجة لذلك. وفي نـهاية الأمر نصل إلى الرأي القائل بأن الفيض الكوني والسلام هما الشرطان الضروريان والكافيان للعدالة المكتملة.
أما الموجة الثانية للحداثة فقد ابتدأت مع روسو. لقد غير هذا الأخير المناخ الأخلاقي بنفس العمق الذي أحدثه ماكيافيلي. وكما تعاملـت بالضبط مع حالة ماكيافيلي سوف أصف مميزات فكر روسو وذلك بالتعليق على جملتين أو ثلاث من جمله. فخاصيات الموجة الأولى للحداثة كانت اختزالا للمشكل السياسي والأخلاقي في المشكل التقني. وأصبح مفهوم الطبيعة كما لو كان في حاجة إلى تغليفه بالحضارة كمجرد شيء اصطناعي. كلتا الخاصيتين كانتا محط نقد روسو. ففيما يتعلق بالخاصية الأولى "يتحدث قدامى السياسيين بلا توقف عن العادات الحسنة وعن الفضيلة في حين لا يتحدث سياسيونا سوى عن التجارة والمال" يحتج روسو ـ باسم الفضيلة، أي الفضيلة الأصلية واللانفعية للجمهوريات الكلاسيكيـة ضد المذاهب الواهنة والمتلاشية لسابقيه. لقد عارض العقلنة الخانقة للملكيـة المطلقة والروح التجارية الأكثر أو الأقل قسوة للجمهوريات الحديثة. بيد أنه لم يعمل على إعادة الاعتبار للمفهوم الكلاسيكي للفضيلة باعتباره الغاية الطبيعية للإنسان وككمال لطبيعته. لقد أرغم على إعادة تأويل الفضيلة لأنه تبنى المفهوم الحديث للحالة الطبيعية كحالة يجد فيها الإنسان نفسه وقد عاد إلى البداية. لم يستعر روسو هذا المفهوم من هوبز وأتباعه فحسب، بل استقاه انطلاقا من النتائج المرتبة عليه: " كل الفلاسفة الذين فحصوا أسس المجتمع شعروا كلهم بضرورة العودة إلى حالة الطبيعـة لكـن لا أحد منهم بلغ هذا الـهدف".
لكن روسو استطاع بلوغه لأنه رأى بأن ذلك الإنسان الذي يعيش على الحالة الطبيعية هو إنسان مجرد من كل ما اكتسبه بمجهوداته الخاصة.
فالإنسان في حالة الطبيعية إما أنه أدنى من مرتبة الإنسان (Subhuman) أو ما قبل إنساني (prehuman). أما إنسانيته أو عقلانيته فقد اكتسبها عبر سيرورة طويلة. وفي كتابات ما بعد روسو، فإنسانية الإنسان لا ترجع إلى الطبيعة، وإنما إلى التاريخ أي إلى السيرورة التاريخية. وهـي سيرورة وحيدة أو فريدة ولا غائية: فنهاية السيرورة أو قمتها كانت غير متوقعة ولا يمكن توقعها، بل ظهرت للعيان فقط مع اقتراب إمكانية التحقيق الكلي لعقلانية الإنسان أو لإنسانيته. إن مفهوم التاريخ، أي السيرورة مفردة والتي يصبح الإنسان فيها إنسانا بدون رغبة منه، إنما هي نتيجة لتجذير روسو لمفهوم الحالة الطبيعية عند هوبز.
لكن كيف يتسنى لنا معرفة أن حالة معينة من تطور الإنسان هي القمة؟ أو بصيغة أعم، كيف يمكننا تمييز الحسن من القبيح إذا كان الإنسان بطبعه دون مرتبة البشر، أو إذا كانت حالة الطبيعة أدنى من منزلة البشر؟ لنكرر القول: إن الإنسان الطبيعي عند روسو لا يفتقر، كما هو شأن الإنسان الطبيعي عند هوبز، إلى الاجتماعية وحسب، بل ويفتقر إلى العقلانية أيضا. فهو ليس حيوانا عاقلا، بل إنه حيوان فاعل حر. أو بعبارة أوضح إنه حيوان يملك مرونة، أو كمالية لا محدودة تقريبا. لكن كيف يلزمه أن يتشكل أو يشكل نفسه؟ فطبيعة الإنسان تبدو غير كافية على الإطلاق لإرشاده. وهي تزوده بإرشاد يتحدد فيما يلي: تحت شروط محددة، أي في طور محدد من تطوره، يكون الإنسان عاجزا عن الحفاظ على ذاته ماعدا في حالة إقامة مجتمع مدن[ي]. بيد أنه سيعرض الحفاظ على ذاته للخطر إذا لم يتأكد من أن للمجتمع المدني بنية محددة أي بنية تفضي إلى الحفاظ على ذاته: أي يجب أن يحصل الإنسان في المجتمع على الرديف الكامل للحـرية التي كان يمتـلكها في حالة الطبيعة. ويجب أن يكون كل أفراد المجتمع خاضعين بالتساوي، وعلى وجه الإطلاق للقوانين، التي ينبغي لكل واحد منهم المساهمـة في تسطيرها. ويجب ألا تكون هناك إمكانية للاستئناف من القوانين أي القوانين الوضعية إلى قانون أعلى أي القانون الطبيعي. فمثل هذا الاستئناف سيعرض سيادة القوانين للخطر.
إن مصدر القانون الوضعي، ولا شيء آخر غير القانون الوضعي، هو الإرادة العامة، أي إرادة ملازمة ومتأصلة في المجتمع المؤسّس بمعنى الكلمة، والتي تحل محل القانون الطبيعي المتعالي. وتبتدئ الحداثة مع الاستياء من الـهوة التي تفصل بين ما هو كائن (The is) وما ينبغي أن يكون (The ought) أي بين الواقعي والمثالي. أما الحل المقترح من طرف الموجة الأولى للحداثة فهو: تقريب ما ينبغي أن يكون مما هو كائن، وذلك بالتقليل من شأن ما ينبغي أن يكون عن طريق إدراك ما ينبغي أن يكون كأنه لا يتطلـب من الإنسان أشياء جداً صعبة المنال، أو كأنه في انسجام مع أعم وأقوى نزوع لدى الإنسان. وعلى الرغم من هذا التقليل، فالاختلاف الجوهري بينهما يبقى قائما، ولو أنه لم يكن بإمكان هوبز أن ينكر ببساطـة، شرعية الاستئناف مما هو كائن، أي النظام القائم، إلى ما ينبغي أن يكون، أي القانون الطبيعي أو الأخلاقي.
إن تصور روسو للإرادة العامة (general will)ـ والتي بما هي إرادة عامة لا يمكنها أن تضل. والتي هي ببساطة كينونة ما ينبغي أن يكون ـ ولـهذا تبين كيف يمكن التغلب على الهوة الفاصلة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وبصريح العبارة فإن روسو لم يبين هذا إلا شريطة أن مذهبـه في الإرادة العامة، أي مذهبه السياسي الصرف، مرتبط بمذهبه في السيرورة التاريخية. إلا أن هذا الربط كان أيضا عمل كل من لاحقيه العظيمين كانط وهيغل عوض أن يقتصر على روسو بالذات. وتبعا لهذا الرأي فالمجتمع العادل، أو المجتمع العقلاني المتميز بوجود إرادة عامة معروفة بكونـها هي الإرادة العامة أي المثل الأعلى، يتحقق بالضرورة في سياق السيرورة التاريخية بدون أن يهدف الإنسان إلى ذلك التحقيق .
لماذا لا يمكن أن تضل الإرادة العامة؟ ولماذا تكون الإرادة العامة خيرة بالضرورة؟ والجواب هو: أنـها خيرة لأنـها عقلانية. وهي عقلانية لأنـها عامة. إنـها تنجم عن طريق تعميم الإرادة الخاصة، والتي بما هي إرادة خاصة فإنـها ليست خيرة. ما كان يشغل بال روسو هو حاجة كـل فرد إلى مجتمع جمهوري من أجل أن يصوغ رغباته وطموحاته تجاه أنداده في شكل قوانين. ولا يمكن أن يترك ذلك بالقول: "لا أريد أن ادفـع ضرائب "بل من الواجب أن يقترح قانونا يلغي الضرائب. وعندما يصوغ رغبته في قانون ممكن، عندها يدرك حماقة إرادته الأولية أو الخاصة. هذا هو إذن التعميم المجرد لإرادة تكفل خيرها. ولا حاجة إلى اللجوء إلى أي اعتبار فعلي لما تتطلبه طبيعة الإنسان أو كماله الطبيعي. لقد بلغ الفكر الناتج عن هذه الحقبة وضوحه الكامل في مذهب كانط الأخلاقي: إن الاختبار الكافي لمحاسن القواعد العامة للسلوك هو قابليتها أن تصبح مبادئ للتشريع الكوني، وهو الشكل المجرد للعقلانية، أي أن الكونية تكفل محاسن المحتـوى. وبناء عليه فالقوانين الأخلاقية، كقوانين للحرية، لم تعد تؤخذ كقوانين طبيعية. إن المثل العليا الأخلاقية والسياسية قد أنشئت بدون العـودة إلى طبيعة الإنسان: لقد تحرر الإنسان كلية من حجر الطبيعة. والحجج التي تعارض المثل الأعلى والمقتبسة من طبيعة الإنسان كمـا فهمت عبر تجارب لا يرقى إليها الشك، على مدى العصور، هذه الحجج لم تعد تكتسي أهمية تذكر. وما يزعم أنه طبيعة بشرية إن هو إلا نتيجة للتطور الإنساني حتى الوقت الحاضر. إنـه الماضي الإنساني فحسب، والـذي لا يستطيع منح أي إرشاد للمستقبل الممكن للإنسان. فالإرشاد الوحيد المتعلق بالمستقبل وبما يجب على الإنسان فعله أو ما يطمح إليه لا يمنح سوى من طرف العقل. فالعقل يعوض الطبيعة. وهذا هو معنى التوكيـد على أن ما ينبغي أن يكون ليس له أي أساس بتاتا فيما هو كائن.


هذه الحصيلة هي التي ألهمت كانط والفلسفة المثالية الألمانية أي فلسفة الحرية. لكن هناك فكرا جوهريا لروسو لا يقل أهـمية عما أشير إليه، والذي تخلى عنه فعلا كانط وأتباعه، والذي أعطى ثمارا في مكان آخـر من العالم الحديث. لقد تقبلت الفلسفة الألمانية وجذرت فكرة الإرادة العامة وتضميناتـها وبذلك تخلت عن مؤهلات روسو في هذه الطريقـة من الاستدلال. "ولد الإنسان حرا، ولكنه مقيد في كل مكان. كيف حـدث هذا التغيير ؟ لست أدري. وما الذي يجعل هذا التغيير شرعيا ؟ أعتقد أنني أستطيع الجواب" أي أن المجتمع الحر المتحققة فيه إرادة عامة يتميز عن المجتمع المحكوم استبداديا. تميز الرابطة الشرعية من غير الشرعية؛ رغم أن هذه الأخيرة تبقى في حد ذاتـها رابطة. لن يجد الإنسان حريته في أي مجتمع كان. وهو لن يعثر عليها إلا بالعودة من المجتمع مهما كان خيرا أو شرعيا إلى الطبيعة. وبتعبير آخر فإن الحفاظ على الذات، وهو مضمون الحـق الطبيعي الأولي الذي انبثق عنه العقد الاجتماعي ليس هو الحقيقة الأساسية. فالحفاظ على الذات لن يكون حسنا إذا كانت الحياة الفعلية والوجود الفعلي غير خيرين. فخير الوجود الفعلي يتم اختياره من خلال الإحساس بالوجود. وهذا الإحساس هو الباعث على الاهتمام بالحفـاظ على الوجود وعلى كل نشاط إنساني. لكن هذا الاهتمام يحرم الإنسان من المتعـة الأساسية ويجعل الإنسان تعيسا. وبالرجوع فقط إلى التجربة الأوليـة يمكن للإنسان أن يصبح سعيدا. وقليل من الناس فقط يستطيع تحقيق هذا الأمر في وقت يستطيع فيه كل الناس تقريبا التصرف وفقا للحـق المشتق في الحفاظ على الذات، أي العيش كمواطنين. أما بالنسبة للمواطن فالمطلوب منه القيام بواجبه، كما يجب عليه التحلي بالفضيلة. لكن الفضيلة ليست هي الطيبوبة. فالطيبوبة (حساسية، إشفاق) بدون شعور بالواجب وبدون إلزام وبدون جهد ـ لا فضيلة بدون جهد ـ هي ما يحمي الإنسان الطبيعي. ذلك الإنسان الذي يعيش على هامش المجتمع بـدون أن يشكل جزءا منه. فمن جهة هناك هوة لا يمكن ردمهـا بين عالم الفضيلة والعقل والحرية الأخلاقية والتاريخ ومن جهة أخرى الطبيعة والحرية الطبيعية والطيبوبة.
وفي هذا الصدد يبدو إعطاء ملاحظة عامة حول مفهوم الحداثة ملائما. منذ البداية فهمت الحداثة في تعارضها مع العصور القديمة وهكذا تتضمن الحداثة العالم القروسطوي. فالاختلاف بين الحديث والقروسطي من جهة، وبين العالم القديم من جهة ثانية، أعيد تأويله حوالي 1800 م كاخـتلاف بين الرومانسي والكلاسيكي. وبالمعنى الضيق كانت الرومانسية تعني حركة الفكر والشعور التي استهلها روسو. وبالطبع فالرومانسية تبدو حديثة أكثر من الكلاسيكية بمختلف تلاوينها.
لعل الوثيقة الأعظم التي تعبر عن الصراع الخصب بين الحداثة والعالم القديم، مفهوما كصراع بين الرومانسي والكلاسيكي، هي ديوان الشاعر الألماني غوته (Goethe): فاوست (Faust). لقد دعي فاوست من طرف الرب ذاته "رجلا طيبا" وهذا الرجل الطيب يقترف جرائم رهيبة خاصة أو عامة على السواء. لن أتحدث عن واقع كونه يكفر عن ذلك بإنجاز عمل ذي مصلحة عامة أي عمل يمكنه من مواصلة طريقـه على أرض حرة بمعية قوم أحرار. وان هذا العمل السياسي الصالح ليس إجراميا أو ثوريا بل شرعيا بمعنى الكلمة: لقد أصبح العمل ممكنا بواسطة حصوله على إقطاعية من الإمبراطور الألماني. وسأقتصر بالتأكيد على أن طيبوبة فاوست ليست فضيلة بدون شك. أي أن الأفق الأخلاقي لأشهر مؤلفات غوته قد تم فتحه من طرف روسو. صحيح أن طيبوبة فاوست لا تتطابق مع المعنى الذي يعطيه روسو لهذه الكلمة. ففي الوقت الذي تنسجـم فيه طيبوبة روسو مع الامتناع عن الفعل ومع نوع من الراحة ، فإن طيبوبة فاوست هي كفاح لا متناه، وعدم ارتياح وعدم اقتناع بكل ما هو متناه ومنته ومكتمل أي "كلاسيكي". ما يجسده فاوست بالنسبة للحداثـة، أي الطريقة التي يدرك بـها الإنسان الحديث نفسه كإنسان حديث قد أعطيت اعتبارا خاصا من طرف اشبنغلر الذي دعا الإنسان الحديث بالإنسان الفاوستي. ويمكننا أن نقول أن اشبنغلر عوض كلمة "رومانسي" بكلمة "فاوستي" في معرض وصفه لخاصية الحداثة.
وبما أن الموجة الثانية للحداثة تنتسب إلى روسو فالموجة الثالثة تنتسب إلى نيتشه. فروسو يجابهنا بتناقض الطبيعة من جهة، وبالمجتمع المدني والعقل والأخلاق والتاريخ من جهة أخرى. بحيث إن الظاهـرة الأساسية هي الإحساس بالوجود البهيج، أي الاتحاد والمشاركة في الطبيعة. وهو جزء لا يتجزأ من الطبيعة بما هي متميزة عن العقل والمجتمع. ويمكن أن توصف الموجة الثالثة للحداثة بأنها تقوم على أساس فهم جديد للشعور بالوجود: وهذا الإحساس هو تجربة الرعب والمعاناة بدل الانسجام والسلام. وهو كذلك إحساس بالوجود التاريخي باعتباره مأساويا بالضرورة. وهكذا يبـدو المشكل الإنساني لا حل له بالفعل كمشكل اجتماعي كما قال روسو: إذ لا توجد ثمة إمكانية للهروب من الإنساني إلى الطبيعي ولا إمكانية تحقيق السعادة المثلى بل إن أقصى ما يستطيع الإنسان الوصول إليـه لا علاقة له بالسعادة أصلا.

واستشهد بـهذه الفقرة لنيتشه: "كل الفلاسفة يشتركون في نفس الخلل حيث ينطلقون من إنسان الوقت الحاضر ويعتقدون أنـهم بلغوا هدفهم عن طريق تحليل إنسان الوقت الحاضر. إن غياب الحس التاريخي هو الخلل الموروث عند كل الفلاسفة". فنقد نيتشه لكل من سبقـه من الفلاسفة ما هو إلا صياغة أخرى لنقد روسو لكل من سبقه كذلك. لكن ما يكتسي أهمية عند روسو يبدو غريبا جدا عند نيتشه. وذلك لأنه في المرحلة الفاصلة بين كل منهما قد تم اكتشاف التاريخ. فالقرن الذي يفصلهما هو عصر الحس التاريخي. ويلمح نيتشه إلى ما يلي: لقد أسيء لحد الآن فهم ماهية التاريخ. وهيجل هو أقوى فيلسوف للتاريخ. وبالنسبة لـهذا الأخير فالتطور التاريخي تطور عقلاني ومعقول. وهو تقدم سيبلغ ذروته مع الدولة العقلانية أي دولة ما بعد الثورة. والمسيحية هي الدين الحق، أي الدين المطلق. لكن المسيحية تشتمل في تصالحها مع العالم على روح العصر (Saeculum) في علمنته الكاملة، وهو صيرورة بدأت مع حركة الإصلاح، واستمرت مع الأنوار، واكتملت مع دولة ما بعد الثورة، وهي أول دولة تقوم بشكل واع على الاعتراف بحقوق الإنسان. وفيما يتعلق بـهيجل فنحن مجبرون فعلا على القول، إن ماهية الحداثة هي المسيحية المعلمنة على اعتبار أن العلمنة هي هدف هيغل الواعي والبيّن. وحسب هيغل فللتاريخ قمة ونـهاية. وهذا ما مكنه من مصالحة فكرة الحقيقة الفلسفية مع حقيقة أن أي فيلسوف هو ابن لعصره: فالفلسفة الحق والنهائية تنتسب إلى اللحظة المطلقة في التاريخ أي إلى قمة التاريخ. أما الفكر ما بعد الهيغلي فقـد رفض فكرة أن يكون للتاريخ قمة أو نهاية. إن ذلك الفكر فهم السيرورة التاريخية على أنـها غير مكتملة وغير ممكنة الاكتمال. بيد أنه حافظ على الاعتقاد المفتقر إلى الأسـاس حاليا في العقلانية، أي الميزة التقدمية للصيرورة التاريخية.
وكان نيتشه أول من واجه هذه الوضعية. إن النظرة التي ترى بأن مبادئ الفكر والعمل هي مبادئ تاريخية لن ينقص منها التمني المفتقر إلى أساس. أي أن يكون التعاقب التاريخي بهذه المبادئ تعاقبا تقدميا أو أن يكون للسيرورة التاريخية معنى جوهري أي ذات استقامـة جوهرية. فكل المثل العليا هي حصيلة للأفعال الإنسانية المبدعـة، ونتاج مشاريع إنسانية حرة، تشكل ذلك الأفق الذي تصبح ضمنه الثقافـات الخصوصية ممكنة. وهذه المثل العليا لا تنتظم داخل نسق وليس هناك إمكانية لتركيبها تركيبا حقيقيا. ومع ذلك فإن كل المثل العليا المعروفة تدعي امتلاك سند موضوعي: أي تجد ذلك السند في الطبيعـة أو في الإلـه أو في العقل. إن النظرة التاريخية تقوض هذا الادعاء وفي نفس الوقت تقوض كل المثل العليا المعروفة. وبالتدقيق، فتحقيق الأصل الحقيقي لكل المثل العليا ـ سواء في المشاريع أو الابداعات الإنسانية ـ يسمح بنوع جديد من المشاريع جديد كل الجدة وبإعادة التقييم لكل القيم وهو مشروع يتناسق مع النظرة الجديدة التي لم تستنبط منه بعد (لأنه من منظور آخر لا يرجع إلى فعل خلاق).
ألا يعني كل هذا أنه قد تم اكتشاف الحقيقة في نهاية المطاف، أي تلك الحقيقة المتعلقة بكل المبادئ الممكنة للفكر والعمل؟ يبدو أن نيتشه يتأرجح بين التسليم بـهذا الأمر وبين تقديم فهمه للحقيقة كمشروعه هو أو تأويله هو، بيد أنه في حقيقة الأمر يعتقد أنه اكتشف الوحدة الجوهرية بين إبداع الإنسان وباقي الكائنات الحية: "أينما وجدت الحياة فثمّة إرادة القوة". إن إعادة التقييم لكل القيم التي حاول نيتشه تحقيقها تجد تبريرها، في آخر المطاف، في حقيقة أن أصلها هو الإرادة الأسمى للقوة، أي إرادة أعلى للقوة التي كانت هي السبب في بروز كل تلك القيم الأولى. ليس الإنسان كما كان آنذاك ولا حتى في أحسن تقويمه بل الإنسان الأعلى هو وحده من سيكون بمقدوره العيش في انسجام مع إعادة التقييم لكل القيم. إن النظرة الغائية في الموجود تقود إلى المثل الأعلى النهائي. لم يدع نيتشه، كهيغل، بأن النظرة الغائية تعقب تحليل المثل الأعلى النهائي. وبدلا من ذلك تفتح النظرة الغائية الطريق لتحقيق المثل الأعلى النهائي. وفي هذا المضمار، فوجهة نظر نيتشه تشبه وجهة نظر ماركس. [لماذا مقارنة ماركس مع نيتشه تحديداً، فماركس يشبه هيغل في قوله بالحتمية، ثم هو لا يشبه نيتشه في القول بالإنسان الأعلى، بل يقول بوصول طبقة العمال، ولا أرى تشابهاً بين هذه الطبقة والإنسان الأعلى].
 لكن يوجد ثمة هذا الاختلاف الجوهري بين كل منهما: فمجيء المجتمع اللاطبقي يعتبر بالنسبة لماركس ضـرورة، في حين أن مجيء الإنسان الأعلى عند نيتشه يتوقف على الاختيار الحر للإنسان. بالنسبة لنيتشه هناك شيء واحد فقط لاشك فيه يتعلق بالمستقبل: لقد انتهى الإنسان كما عرف حتى اليوم وما سوف يأتي سوف يكون إما الإنسان الأعلى أو الإنسان الأخير. والإنسان الأخير هو الأحط والأوضع. هو إنسان القطيع بلا مثل عليا ولا طموحات، لكنه جيد التغدية حسن المسكن والملبس، مطبب جيدا من طرف أطباء عاديين كما من طرف أطبـاء نفسانيين. وهذا الإنسان هو إنسان ماركس المستقبلي منظورا إليه من وجهة نظر لا ماركسية. [اتضحت الإجابة عن التساؤل السابق].
 بيد أنه رغم التعارض الجذري بين كل من ماركس ونيتشه، فدولة القمة النهائية تتميز في نظر كل منهما بحقيقة كونـها تسجل نهاية سيادة المصادفة: سوف يصبح الإنسان لأول مرة سيد مصيره.
هناك صعوبة واحدة خاصة جدا بنيتشه. فكل حياة إنسانية حقيقية وكل ثقافة عالية بالنسبة له تملك بالضرورة خاصية تراتبية أو أرستقراطية. وأما الثقافة الأسمى للمستقبل فيجب أن تكون منسجمة مع النظام الطبيعي للترتيب ضمن البشر والذي يفهمه مبدئيا وفق الخطوط العريضة للأفلاطونية [الطبقة الذهبية والفضية ..].
 لكن كيف يمكن أن يوجد هناك نظام طبيعـي للترتيب إذا كانت هناك قوة لا متناهية للإنسان الأعلى إذا صح القول؟ فبالنسبة لنيتشه كذلك، فحقيقة أن كل الناس تقريبا ناقصون ومشتتون لا ترجع إلى طبيعة سلطوية لكنها لن تكون سوى موروث من الماضي أو من التاريخ كما جرى حتى يومنا هذا. ومن أجل تلافي هـذه الصعوبة [أي صعوبة الاعتراف بأن التفاوت بين الطبقات ناجم عن تاريخ مضى، وبالتالي فإننا في المستقبل أمام احتمال انتفاء هذا التفاوت، وهذا ما يعرض فكرة نيتشه عن الإنسان الأعلى إلى مشكلة]، أي تلافي التوق إلى المساواة بين جميع الناس عندما يكون الإنسان في أوج قوته، فإن نيتشه يحتاج إلى الطبيعة، أو إلى الماضي كماض ذي طابع سلطوي، أو ماض لا مفر منه على الأقل. وبما أنه لم يعد بالنسبة إليه حقيقة لا يمكن إنكارها فعليه أن يشاءه أو يسلم به. هذا هو معنى مذهبه في العود الأبدي. يجب أن تُـشاء عودة الماضي في كليته إذا كان الإنسان الأعلى ممكن الوجود. [هل هذا يعني لجوءاً إلى مساواةٍ أصلية مفترضة تحاشياً للتفاوت الذي يفترضه مبدأ السعي نحو الإنسان الإعلى؟]
وبدون شك فإن طبيعة الإنسان هي إرادة القوة. وهذا يعني في المستوى الأول، إرادة السيطرة الشاملة على الآخرين: فالإنسان لا يشاء بالتساوي. ويستمد الإنسان متعته من خلال السيطرة الشاملة على الآخـرين وعلى نفسه أيضا. فإذا كان الإنسان الطبيعي عند روسو شفـوقا، فإن الإنسان الطبيعي عند نيتشه فظ.
وما يقول به نيتشه حول العمل السياسي أكثر عمومية وغموضا مما يقول به ماركس. وبمعنى آخر فكل استخدام سياسي لنيتشه يعد تحريفا لتعاليمه. ومع ذلك فقد قرأه رجال السياسة واستلهموا ما قاله. وهذا يعني إذن أن مسئولية نيتشه عن الفاشية كمسئولية روسو عن اليعقوبية.
هنا استنتج خلاصة سياسية من الملاحظات السابقة. فنظرية الديمقراطية الليبرالية، مثلها مثل الشيوعية، كانت ناتجة عن الموجة الأولى والثانية للحداثة. في حين أن التجسيد السياسي للموجة الثالثة تبين أنه الفاشية. ومع ذلك فهذه الحقيقة، التي لا يمكن دحضها، لا تسمح لنا بالعـودة إلى الأشكال المبكرة للفكر الحديث: فنقد العقلانية الحديثة، أو نقد الإيمان الحديث بالعقل، والذي قام به نيتشه، لا يمكن نكرانه أو نسيانه. وهذا هو السبب العميق في أزمة الديمقراطية الليبرالية.

واضح جدا تفوق الديمقراطية الليبرالية على الشيوعية الستالينية أو ما بعد الستالينية. وفوق كل ذلك فالديمقراطية الليبرالية في مغايرتـها للشيوعية والفاشية تستمد سندها القوي من طريقة في التفكير لا يمكن اعتبارها حديثة على الإطلاق: أي الفكر ما قبل حديث لتقاليدنا الغربية.
----------------------------
المصدر : مجلة ( فكر ونقد - العدد 2(15) )

 مقالة جيدة توضح فكرة نيتشه عن الدولة.
كيف فكر نيتشه في الدولة؟/ طارق عثمان


(1)
ذات ليلة، قرر آل أندروود، فرانك (كيفين سباسي)، وزوجته كلير (روبين رايت)، دعوة “الرجل الأقوى في العالم الحر”، الرئيس الأمريكي وزوجته، إلى العشاء في منزلهما، فدار بينهما هذا الحوار:
كلير: ماذا سنقدم للرئيس على العشاء؟
فرانك: سُم السيانيد.
كلير: السيانيد سيكون التحلية، أنا أسأل عن الطبق الرئيس.
بالطبع، لم يكن فرانك مضطرًا أبدًا لمثل هذه الوسائل البربرية كتسميم الرئيس بسُم السيانيد (نفسه الذي استخدمه هتلر في محارقه)، لكي يستطيع الجلوس مكانه خلف المكتب البيضاوي، إنها دعابة بين الزوجين، ولكنها تفصح ببلاغة عن نوايا هذه العائلة الطيبة؛ ففي تلك الليلة قد أطعما ضيفيهما، الريش Ribs، التي يصنعها فريدي المجرم التائب، والمحببة كثيرًا لدى فرانك.
يأخذنا هذا المشهد من مسلسل House of cards إلى نيتشه مباشرة؛ ففي الكتاب الأول من زرادشت، نجد هذه الشذرة: “دولة؛ أسمى موضع كل الذين يكرعون من السموم، الصالحون والطالحون معًا، دولة؛ حيث يضيع الجميع أنفسهم، الصالحون والطالحون معًا، دولة؛ حيث الانتحار الجماعي البطيء يُدعى حياة” (نيتشه، 2007: 105). ثمة قرابة مدهشة إذن بين استعارة نيتشه ودعابة فرانك أندروود: السم. إن فرانك بدعابته هذه قدم شاهدًا واقعيًا على استعارة نيتشه عن الدولة.
(2)
لننطلق من دعابة فرانك وكلير إلى نيتشه، لنتساءل: كيف فكر نيتشه بعامة في الدولة الحديثة؟ وما هي صورة الدولة في فكره؟ لنجيب أولًا بالسلب: لم يفكر نيتشه في الدولة كفيلسوف سياسي، له قول فلسفي نسقي في الشأن السياسي، ولا بوصفه سوسيولوجيًا محترفًا، راح يتتبع أصل الدولة الحديثة وتطورها كظاهرة اجتماعية. فواقع الأمر أن نيتشه ما كان أبدًا بفيلسوف سياسي أو سوسيولوجي بالمعنى النسقي والأكاديمي لكلمة فيلسوف سياسي أو سوسيولوجي.
لذلك؛ أزعم أنه من غير اللائق عند التأريخ للفلسفة السياسية، وضع اسم نيتشه جنبًا إلى جنب دونما حذر مع أسماء ماكيافيللي وهوبز وماركس وغيرهم؛ نفتح مثلًا كتاب تاريخ الفلسفة السياسية، وهو كتاب ضخم حرره وأشرف عليه ليو شتراوس وجوزيف كروسبي (شتراوس وكروسبي، 2005 )، على الفصل المخصص لنيتشه، نجد كل شيء عن نيتشه إلا فلسفته السياسية، فقط في آخر الفصل ثمة إشارة قد غدت مبتذلة، من فرط تكرارها، عن توظيف الفاشيين لتعاليم نيتشه وكأن فلسفة نيتشه السياسية ليست سوى جدل عقيم حول حقيقة الأصول النيتشوية لفاشيات القرن العشرين (النازية خاصة). والحق أن ليو شتراوس نفسه يؤكد بشكل جذري على أنه “كل استخدام سياسي لنيتشه يعد تحريفًا لتعاليمه” (Strauss, 1989: 98). إذن؛ يبدو أن وجود نيتشه في سياق التأريخ للفلسفة السياسية، هو وجود غامض، ويبعدنا عن نيتشه أكثر مما يقربنا منه.
(3)
كيف فكر نيتشه في الدولة إذن؟ لقد فكر فيها أنطولوجيًا، وليس سياسيًا أو سوسيولوجيًا، إنه يرد مسألة الدولة إلى الإنسان نفسه، أو إلى نمط وجود الإنسان في العالم، إن شئنا الدقة. والحال، أن نيتشه يفهم الحياة كلها وليس الدولة أو السياسة فقط من خلال الإنسان؛ إنه يقسم النوع البشري إلى طرازات، لكل طراز نمط وجود معين (أو دازين معين لو أردنا أن نتكلم بلغة هايدجرية) له حالة فيسيولوجية (وسيكولوجية) معينة، تنتج إرادة اقتدار معينة، ومن ثم تنتج موقفًا معينًا من الحياة بعامة؛ موقف من المعرفة، من الفن، من المؤسسة الأخلاقية، وأيضًا من السياسة؛ فكل طراز بشري ينتج الأفق السياسي الذي يناسبه، والدولة ليست سوى الأفق السياسي المناسب للطراز الذي ينتمي إليه الإنسان الحديث: طراز الإنسان الأخير، كما يسميه هو. ومن ثم لفهم تقييم نيتشه للدولة الحديثة، علينا أن نفهم تقييمه لطراز الإنسان الحديث/ الأخير.
لنتساءل بداية: ما هي دلالة الأخير هنا؟ هل هي دلالة زمنية محضة؟ إنها دلالة إستاطيقية aesthetic أكثر منها زمنية في واقع الأمر، دلالة على طراز ما، صادف أنه قد وجد في الزمن الحديث. إن دلالة الأخير هنا، تتمثل في كونه الإنسان الذي يتموقع بالضبط ما بين موت “الإله” وبين ظهور الإنسان الأعلى (أو ما بعد الإنسان إن شئنا الدقة)، إنه آخر سلالة العدميين الذين أتوا بعد إعلان موت “الإله”، إنه يمثل خاتمة العدمية الحديثة، إنه يقف على عتبة المستقبل الذي يمكن أن يأتي بما بعد الإنسان.
والحال، أن نيتشه قد احتقر هذا الطراز البشري، بكل ما أوتي من قدرة على الاحتقار: “سأحدثكم عن أكثر الكائنات حقارة إذن: ذلك هو الإنسان الأخير” (نيتشه، 2007: 48). “سيأتي زمن الإنسان الأكثر حقارة، ذلك الذي لم يعد حتى قادرًا على احتقار نفسه” (المرجع نفسه: 49). “ها هي الأرض وقد غدت صغيرة، وفوقها يتقافز الإنسان الأخير، الذي يصغّر كل شيء، نوعه غير قابل للانقراض، تمامًا مثل فصيلة البراغيث، إن الإنسان الأخير لهو الأطول عمرًا” (نفسه). الإنسان الأخير طراز حقير من البشر إذن، فما هي مظاهر انحطاطه؟
إنه إنسان راض عن نفسه تمامًا، فهو غير قادر على احتقار نفسه، كما يصفه نيتشه، أي إنه غير قادر على تقييم نفسه أصلًا، ويرجع ذلك لكونه وبعدما مات “الإله” وانهار سلم القيم، لم تعد لديه أية معايير يقوّم نفسه على أساسها؛ لذلك هو كعدمي يشعر أنه كائن سعيد، يردد ساخرًا وغامزًا: “لقد ابتكرنا السعادة” (نفسه).
إنه إنسان غير شجاع، يخلد للراحة والدعة (ونيتشه يرى أن الحياة هي مخاطرة أو لا تكون)؛ لذلك هم أناس قد “هجروا الأماكن التي كان العيش فيها مرهقًا، فالمرء بحاجة للدفء” (نفسه).
إنه إنسان مطمئن للأفكار الجاهزة، يسخر من كل متسائل شكاك، فـ “أن تكون للمرء ريبة، فذلك مما يعد لديهم خطيئة” (نفسه).
إنه إنسان مستسلم لملذاته، والتي يشترط أن تأتيه هي أيضًا دونما مشقة؛ فـ “للمرء ملذاته الصغيرة بالنهار، وملذاته الصغيرة بالليل، لكن على المرء أن يظل حريصًا على العافية” (نفسه: 50). هذا هو إذن طراز الإنسان الحديث، الذي ناسبته الدولة الحديثة كأفق سياسي حميم له، إنه طراز يصلح للدولة، كما أن الدولة تصلح له. فكيف هي صورة الدولة في فكر نيتشه؟
(4)
الدولة عند نيتشه هي “الصنم الجديد” الذي ورث “الإله” الذي تم الإعلان عن موته: “لا شيء فوق الأرض أعظم مني، يد الله المرتبة أنا” (نفسه: 104). لما كان الإنسان الأخير هو إنسان عدمي بلا إله، كان عليه أن ينتج صنمه الخاص، إن الدولة هي صنم الإنسان الأخير. والحال أن نيتشه قد جعل مهمته الفلسفية الأهم، هي تتبع الأصنام في كل مكان، بغرض تحطيمها بمطرقته (التفلسف بوصفه قرعًا بالمطرقة)، تفجيرها بنفسه (أنا مادة متفجرة – كتلة ديناميت) هنا يبين فرقًا جذريًا بين هوبز ونيتشه؛ فالدولة عند هوبز هي إله حقًا، فقط هو إله فانٍ؛ بينما الدولة عند نيتشه هي صنم، إله زائف. لقد مجّد هوبز الدولة بوصفها حلًا أخيرًا لضبط المجتمع البشري، بينما نيتشه حقرها بوصفها آية على انحطاط الإنسان الأخير. هوبز استعار لها وصف اللفياثان (وحش مقدس)؛ بينما نيتشه استعار لها أوصاف: غول، وحش، فظيع، بارد، شرس، عقور، كذاب، مزيف، وأسنانه مسروقة. (نفسه: 102،103).
من هم المؤمنون بهذا الصنم؟ “كثير من الفائضين عن اللزوم يأتون إلى الحياة، ولأجل هذا الفائض الكثير ابتُدعت الدولة” (نفسه: 104). إن الإنسان الأخير في عين نيتشه، هو إنسان فائض عن اللزوم، لا هم له إلا تحصيل الثروات (وهو يغدو أكثر فقرًا بذلك)، إنه يريد السلطة، ومن ثم تجده هو ورفاقه (الفائضون عن اللزوم)، يتسلقون الواحد فوق الآخر، كقردة خفيفة الحركة، بغرض الوصول للسلطة، حمقى هم؛ يظنون أن السعادة جالسة على العرش، بل الأوحال هي غالبًا ما تكون متربعة على العرش. إنهم يثيرون اشمئزاز نيتشه: “مقرفة رائحة صنمهم في أنفي، ذلك الوحش البارد، مقرفة رائحتهم جميعًا في أنفي، عبدة الأصنام هؤلاء” (نفسه: 105،106).
يدعونا نيتشه أن نحترس من عبدة الصنم، ويدعونا أيضًا إلى الاحتراس من فتنة الصنم نفسه (نصحنا فوكو ذات مرة: لا تقع في هوى السلطة). ولكن، لماذا تسعى السلطة لإغواء الكرام، ألا يكفيها كل هؤلاء الفائضين عن اللزوم؟ “أبطالًا وشرفاء يريد الصنم الجديد أن يجعل مَن حوله، إن هذا الوحش البارد ليستلذ بدفء شمس الضمير السعيد”. لما كانت الدولة باردة وخاوية الباطن، فإنها تريد أن تجمل نفسها بانتماء الكرام الأشراف (كطراز بشري يمثل مقلوب الإنساس الأخير المنحط) لها، تريد أن تجعل منهم واجهة سعيدة لها، تغني بهم نقصها وتتفاخر. إنها أيضًا تريد أن تجعلهم فخًا لاستقطاب مزيد من الناس، طعمًا تستدرج به مزيدًا من الفائضين عن اللزوم. (نفسه: 104)
(5)
هذه هي إذن الصورة العامة للدولة في فكر نيتشه، والحال أن نيتشه في هذا السياق يقيم تعارضًا صريحًا بين الدولة وبين شيئين مهمين: الشعب والثقافة.
فأولًا؛ بالنسبة لعلاقة الشعب بالدولة، فبصورة جذرية يجعل نيتشه الدولة والشعب ضدين لا يجتمعان، إما أن يكون ثمة شعب وإما أن يكون ثمة دولة: “في مكان ما لا تزال هناك شعوب وجيوش، لكن عندنا هنا يا إخوتي توجد دول” (نفسه: 102). ولكن عندما توجد دولة، هل يختفي الشعب؟ “كذبًا باردًا يكذب هذا الغول أيضًا، وكذبته تلك تخرج زاحفة من فمه: أنا هو الشعب” (نفسه: 102). إن الدولة تبتلع الشعب، ثم تدعي كذبًا وزورًا أنها هي نفسها الشعب.
والحق، أن خطوة ابتلاع الشعب هذه هي الخطوة الأساس التي تنشأ على إثرها الدولة أصلًا: “إن أقدم دولة قد نشأت في شكل طغيان مرعب، في شكل آلة ساحقة باطشة، واستمرت في عملها حتى صارت تلك المادة الخام (الشعب)، ليس فقط مطحونة وطوع العنان بل ومشكلة” (نيتشه، 2010: 117، 118). لم تنشأ الدولة إذن عن عقد اجتماعي سعيد قد تم في أجواء ودية (روسو، لوك، هوبز)، وإنما عن آلة بطش وحشية، ابتلعت شعبًا ودجّنته، ثم في النهاية تتحدث باسمه وبمصلحته بكل صفاقة.
أما ثانيًا؛ فبالنسبة لعلاقة الدولة بالثقافة، يقول نيتشه: “الثقافة والدولة -ولندع مغالطة العقل جانبًا- طرفان نقيضان: دولة الثقافة ليست سوى فكرة من نتاج الحداثة. فالواحدة منهما تمتص الحياة من الأخرى، والواحدة تنتعش على حساب الأخرى، وكل العصور الثقافية الكبرى هي عصور انحطاط سياسي” (نيتشه، 2010: 90،91). إن نيتشه ينظر إلى كون كل أمة تملك موارد معينة، وهذه الموارد إما أن تنفق على السعي للسلطة وإما أن تنفق على العقل، وعليه؛ فالأوقات التي تكون فيها أمة ما في انشغال تام بالسياسي، تتدهور لا محالة ثقافيًا (وبالعكس). والحال، أن نيتشه (المتهم ويا للمفارقة بكونه ملهم النازية وكل فاشيات القرن) مستعد أن يضحي بكل الإمبراطوريات الألمانية فقط في مقابل الحصول على غوته واحد. (المرجع نفسه: 90).
إن نيتشه يرى الفكرة القائلة بأن الدولة يمكنها أن ترعى الوضع الثقافي للأمة، محض أسطورة حداثية، إن مؤسسات الدولة التعليمية لا يمكن لها أبدًا أن تنتج ثقافة بحق؛ وذلك لأن الدولة حينها سوف تجعل من الثقافة مجرد أداة لخدمتها، هي مؤسسات أيديولوجية لها (حتى نتكلم بلغة ألتوسير)، بينما ما يريده نيتشه هو أن تصير الدولة نفسها مجرد أداة لخدمة الثقافة.
إرادة الدولة إذن، هي إرادة اقتدار ولكنها إرادة اقتدار منحطة، هي إرادة موت في واقع الأمر، “موت يزين نفسه في حلة الحياة” (نيتشه، 2007: 105). الدولة؛ حيث الجميع يتجرعون السم، تمامًا كما فكر فرانك أندروود يومًا ما.
(موقع "التقرير")
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
1- نيتشه، فريدريتش، 2007، هكذا تكلم زرادشت، ت: على مصباح، ألمانيا: منشورات الجمل.
2- نيتشه، فريدريتش، 2010، غسق الأوثان، ت: على مصباح، ألمانيا: منشورات الجمل.
3- نيتشه، فريدريتش، 2010، في جنيالوجيا الأخلاق، ت: فتحي المسكيني، تونس: دار سيناترا.
4- شتراوس، ليو، وكروسبي، جوزيف، 2005، تاريخ الفلسفة السياسية، المجلد الثاني ت: محمود سيد أحمد، مر: إمام عبد الفتاح إمام، القاهرة: المركز القومي للترجمة.
5- 0Strauss, Leo, 1989, the three waves of modernity, in: an introduction to political philosophy, Wayne state university press.



ليست هناك تعليقات: