الأربعاء، 2 نوفمبر 2022

نظرية النيابة الملَكِيّة (عن تأثير الصفويّين في الفكر الشيعي)؛ أحمد الكاتب؛ عن كتاب "تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه.

 


نظرية النيابة الملَكِيّة

أحمد الكاتب

بينما كانت نظرية النيابة العامّة تنمو ببطء وبصورةٍ جزئية ومحدودة، على أيدي علماء الحلّة وجبل عامل، في القرن السابع والثامن الهجريّين، كان الواقع الشيعي السياسي يتطوّر بعيداً عن الفكر السياسي الإمامي حيث انفجرت ثورة السربدارية في نيسابور/ خراسان، وأقامت دولةً دامت خمسين عاماً، من سنة 738هـ إلى سنة 782 هـ، كما رأينا في الصفحات الماضية، كما قام الشيعة بتأسيس دولةٍ لهم في مازندران وخوزستان وجنوب العراق.

ثم انفجرت حركةٌ جديدة في تبريز على أيدي الصفويّين ـ وهم حركة صوفيّة تركمانيّة تحوّلت إلى التشيّع ـ بقيادة شابٍّ صغير لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، اسمه إسماعيل بن صفيّ الدين بن حيدر، الذي أعلن قيام الدولة الصفوية في مطلع القرنالعاشر الهجري سنة 907هـ، في تبريز، وكان يعتبر قطباً في الحركة الصفويّة، وقد ورث هذا اللقب عن أبيه،كما كان شيخ تكيّة ويتمتّع بمنزلة روحيّة بين أتباعه، خاصّةً وأنه ينتمي إلى السلالة العلويّة؛ والانتماء إلى أهل البيت يحتلّ مكانةً مميّزةً عند الصوفية.

وبالرغم من التطوّرالكبير الذي كان قد حصل في نظرية النيابة العامة للفقهاء عن الإمام

المهدي في مجال الخمس والزكاة والحدود وصلاة الجمعة، إلا أنّها ـ حتى ذلك التاريخ ـ لم تكن قد تبلورت بعد كنظرية سياسية متكاملة، بديلة عن نظرية الإمامة الإلهية،ولازمتها الانتظار، بحيث تستطيع أن تبادر إلى تفجير الثورة وإقامة الدولة في عصر الغيبة وذلك لاشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينيّة في الإمام (الرئيس)، وعدم جواز تولّي غير المعصوم لمقاليد السلطة في البلاد، حسب النظرية الإمامية القديمة... ومن هنا كانت نظرية الانتظار تفرض نفسها على الفقهاءالشيعة الإمامية الاثنيّ عشرية، وتشلّ حركتهم وتمنعهم من العمل والتحرّك السياسي.

وعندما أراد الصفويّون التحرّك العسكري لإقامة دولةٍ خاصّةٍ بهم، وجدوا نظرية الانتظار غير معقولة ولا واقعيّة، وتشكل حجر عثرةٍ أمام طموحهم وتحرّكهم. وبالرغم من أنهم كانوا، منذ فترة، قد أعلنوا التمسّك بالمذهب الإمامي الاثنيّ عشري، إلا أنهم في الحقيقة لم يستوعبوا نظرية الإمامة الإلهية التي تشترط العصمة والنصّ في الإمام، وحوّلوها إلى نظريّةٍ تاريخية، ورفضوها عملياً، حيث أجازوا لزعمائهم، وهم غير معصومين ولا منصوصٍ عليهم من الله، أن يستولوا على الملك، ويقوموا بمهامّ الإمامة تماماً كما فعل الأمويّون والعبّاسيّون والعثمانيّون، ولم يصعب عليهم الالتفاف على نظرية الانتظار وتجاوزها.

واختلفت تجربة الدولة الصفويّة في مرحلتها الأولى، أيّام الشاه إسماعيل بن صفيّ الدين، عن التجارب السياسيّة الشيعيّة السابقة، كالدولة البويهيّة والسربدارية والمرعشية والمشعشعيّة، في أنّ هذه التجارب كانت دولاً سياسيّةً بحتة، أي غير إيديولوجية، بينما حاولت الدلدولة الصفويّة تقديم نفسها كدولةٍ عقائديّة، ومرتبطة بالأئمّة الاثنيّ عشر بصورةٍ روحيّة غيبيّة. وكانت تشكّل تطوّراً انقلابيّاً في الفكر السياسي الشيعي، نقل الشيعةَ من نظرية الانتظار السلبيّة الانعزاليّة إلى سدّة الحكم والسلطنة.

وقد طوّر الشاه إسماعيل، أو تطوّر على يديه، فكرٌ سياسيٌّ جديد حاول الالتفاف على فكر التقيّة والانتظار، فادّعى ذات يومٍ أنّه أخذ إجازةً من صاحب الزمان، المهدي المنتظر، بالثورة والخروج ضد أمراء التركمان الذين كانوا يحكمون إيران، وبينما كان ذات يوم مع مجموعةٍ من رفقائه الصوفية خارجين للصيد في منطقة تبريز، مرّوا بنهرٍ، فطالبهم بالتوقّف عنده وعبر هو النهرَ بمفرده ودخل كهفاً، ثم خرج متقلّداً بسيف، وأخبر رفقاءه أنّه شاهد في الكهف صاحب الزمان وأنه قال له: "لقد حان وقت الخروج"، وأنه أمسك ظهره ورفعه ثلاث مرّات ووضعه على الأرض وشدّ حزامه بيده ووضع خنجراً في حزامه وقال له: "اذهب فقد رخّصتك".

وادّعى بعد ذلك أنه شاهد الإمام عليَّ بن أبي طالب في المنام، وأنّه حثّه على القيام وإعلان الدولة الشيعيّة، وقال له بالحرف الواحد: "ابني.. لا تدع القلق يشوّش أفكارك.. أحضِر القزلباشيّة، وهم من ميليشيا الصوفية، مع أسلحتهم الكاملة إلى المسجد (في تبريز) وأْمرهم أن يحاصروا الناس... وإذا أبدى هؤلاء أيّة معارضة أثناء الخطبة باسم أهل البيت فإنّ الجنود ينهود الأمر".

وهكذا فعل الشابّ إسماعيل بين صفيّ الدين، (قطب الصوفيّة)، حيث أحضر القزلباشيّة وحاصر جامع تبريز ذات جمعة، وأعلن سيادة المذهب الإماميّ الاثنيّ عشريّ وقيام الدولة

الصفوية، وذلك بناءً على دعويَين، دعوى الوكالة الخاصّة عن الإمام المهديّ، ودعوى رؤية الإمام عليٍّ في المنام.

وقد أتاحت له هاتان الدعويان للحركة الصوفية الصفويّة أن تتحرّر من نظرية التقيّة والانتظار، وتأسيس الدولة الصفويّة الشيعيّة الاثنيّ عشريّة.

يقول راجر سيوري في كتابه "إيران في العصر الصفوي": "اعتمد الصفويّون على فكرة الحق الإلهي للملوك الإيرانيّين قبل الإسلام، منذ سبعة آلاف سنة، وذلك بوراثة هذا الحق باعتبارهم "سادة" وأنّ جدّهم الإمام الحسين بن عليّ قد تزوّج بنت يزدجرد فأولدها الإمام زين العابدين، فاجتمع الحقّان، حق أهل البيت في الخلافة، (حسب النظرية الإمامية)، وحقّ الملوك الإيرانيّين فيهم، بالإضافة إلى نيابة الإمام المهديّ".

وبناءً على ذلك، فقد كان الشاه إسماعيل يعتبر نفسه "نائب الله وخليفة الرسول والأئمة الاثنيّ عشر، وممثّل الإمام المهديّ في غيبته". وكان جنود القزلباش الصوفيّة يعتقدون أنه تجسيد لله.

وتقول بعض الروايات الصوفيّة إنّ أحد شيوخ الصوفيّة، وهو الشيخ زاهد الكيلاني، قد تنبّأ من قبلُ بظهور الشاه إسماعيل، وقال لجدّه صفيّ الدين الذي زوّجه ابنته: "السلام عليك يا ولدي سيّد صدر الدين، مشيراً بذلك إلى حفيده الذي ادّعى أنه قد رآه قبل أن يولد، وأعطى علائمه وتنبّأ قائلاً: "إنّ أولاد هذا الزعيم سيملكون العالم، ويترَقَّوْن يوماً بعد يوم إلى زمان القائم المهديّ المنتظَر".

وقد انتشرت هذه العقدةُ الغيبيّةُ بين الصفويّين الذين أقاموا الدولة الصفويّة، واعتقدوا أنها ستدوم حتى ظهور المهديّ المنتظر، محمّد بن الحسن العسكري؛ ولكنّها اهتزّت بعد هزيمة الشاه إسماعيل في موقعة جالدران مع السلطان العثماني سليمان القانونيّ عام 920 هـ / 1512م، حيث بدأ القزلباش بتخلَّوْن عن الاعتقاد الغالي به أنّه موجودٌ إلهيٌّ أو نصفُ إلهيّ، أو أنه ظل الله في الأرض، ويخرجون على سلطته ويتقاتلون فيما بينهم.

وقد ساعدت الأرضيّة الصوفيّة للحركة الصفويّة الشاه إسماعيل على ادّعاء الكشف والارتباط الشخصيّ بالأئمّة المعصومين، وأخذ التعليمات المباشرة منهم، وهو ما أعطاه سلطةً دينيّة ودنيويّة مطلقة.

وبالرغم من حدوث تطوّرات فكريّة سياسيّة عديدة، فقد ظلّت نظريّة الدولة الصفويّة الأولى، (نيابة السلاطين عن المهديّ) حاكمةً، بشكلٍ أو بآخر، إلى وقتٍ طويل. وامتدّت حتى ما بعد انهيار الدولة الصفويّة...

ويذكر المؤرّخون أنّ الميرزا عبد الحسين ملاّ باشي، (رئيس العلماء أيّام نارد شاه)، قد عارض هذا الأخير الذي جاء بعد انقراض الدولة الصفويّة وقال: "إن الشرعيّة مع السلالة الصفوية المتمثّلة في طهماسب ميرزا أو ولده عبّاس ميرزا فقتله نادر شاه".

وقد قامت بعض الحكومات اللاحقة في إيران باسم الصفويّين، ولم يعلن كريم خان زند الذي سيطر على إيران، نفسَه ملكاً على البلاد، بل "صغيراً من آل الصفوي" وحاول القاجاريّون البحث عن رابط دمويّ مع عائلة الصفويّة، وأراد الشاه الأول في تلك السلالة، فتح علي شاه، أن يعلن نفسه شاهاً صفوياً لرابطة القرابة معهم، ولكنّ رؤساء القاجار منعوه.

ومن الجدير بالذكر أن الملوك الصفويّين لم يكونوا يلتزمون بصورةٍ عامّة، ما عدا بعضِهم بالشريعة الإسلامية، وأحكام الدين الحنيف، فكانوا يشربون الخمر ويمارسون التعذيب والقتل العشوائي، ويرتكبون المحرّمات كما يحلو لهم، وكان حكمهم لا يختلف عن أيّ حكمٍ ديكتاتوريّ طغيانيّ فاسد.

وقد غطّت الدولة الصفوية على تناقضها الكبير هذا، وانقلابها على التشيّع، بجملة طقوس وشعاراتٍ متطرّفة أساءت إلى الشيعة والتشيّع عبر التاريخ.. كسَبّ الخلفاء الثلاثة على المنابر وفي الشوارع، وهو منهج مناقضٌ لسيرة أهل البيت وأخلاق الشيعة الجعفرية، وإقحام الشهادة الثالثة، (أشهد أنّ عليّاً وليُّ الله)، في الآذان، وهو عملٌ كان بعض المتطرّفين الغلاة في القرن الرابع الهجري قد حاول تنفيذه، ولكنّ العلماء الشيعة الإمامية رفضوه بشدّة، واعتبروه بدعةً محرّمة، كما يقول الشيخ الصدّوق في كتابه "من لا يحضره الفقيه". وكذلك التطرّف في إحياء الشعائر الحسينيّة من العزاء واللطز والأعلام والأبواق وصنع التربة للسجود في الصلاة.

وكان أسوأ عملٍ قام به الصفويّون، هو إجبار الناس على التحوّل بالقوّة إلى المذهب الاثنيّ عشريّ، وقتل الألوف من الناس والعلماء من المذاهب الأخرى.. الأمر الذي أدّى إلى ردّة فعلٍ عنيفة من قِبل الدولة العثمانية، وإبادة الكثير من الشيعة هنا وهناك، والتسبّب في تمزيق الوحدة الإسلامية، وزرع الأحقاد الطائفيّة بين الشيعة والسنّة، منذ ذلك الحين إلى اليوم.

لقد كان التشيّع قبلئذٍ منهجاً ثوريّاً، ونظريّة سياسيّة تختلف مع الآخرين حول النظام الدستوري للمسلمين، وإن الخلافة بالشورى أو بالوراثة لهذا البيت الهاشمي أو ذاك..

ولم يكن التشيّع أبداً فكراً طائفيّاً يعادي أبناء الأمّة، أو يشكّل دائرةً منعزلةً ضيّقة في مقابل دائرة الأمة الإسلامية الواسعة، بل كان تيّاراً سياسيّاً فقهيّاً في قلب الأمّة، فجاء الصفويّون وجرّدوا التشيّع من روحه الحسينيّة الجعفريّة، ومسخوه إلى عقدةٍ طائفيّة مستعصيةٍ ومعاديةٍ للمسلمين.

وكان الصفويّون بعد ذلك أبعد الناس عن أخلاق أهل البيت في الزهد والحلم والتواضع، إذ كانوا يتصارعون فيما بينهم ويقتل بعضُهم بعضاً من أجل السلطة.. وكان كثيرٌ من ملوكِهم يقتلون أولادهم وإخوانَهم وأرحامَهم، ويقتلعون عيونهم، ويمثّلون بهم في صراعهم من أجل السلطة، وفي الحقيقة كانوا أسوأ من الأمويّين والعبّاسيّين والحكّام الظلمة الذين سبقوهم أو لحقوهم.

ولا زال الشيعة، إلى اليوم يدفعون ثمن سياساتهم الخاطئة، ويعانون من البدع التي أدخلوها في الثقافة الشيعية الشعبيّة.

ولسنا بصدد دراسة تاريخ الصفويّين.. وإنما أردنا الإشارة إلى دور الحركة الصفويّة في تطوّر الفكر السياسي الشيعي، والقول بأنّ بروز التجربة الصفويّة كان نتيجة الفراغ السياسي الذي كان يهيمن على الشيعة في ظلّ نظرية الانتظار السلبية الانعزاليّة، في تلك الأيام، واستغلال الشاه إسماعيل لنظريّة الإمام المهدي الغائب، في أخذ الشرعيّة لنظامه الاستبداديّ المطلق المناقض لروح التشيّع.

فعندما يجمد الفكر ويتحجّرالعلماء، وينامون على أفكارٍ خاطئة، كنظرية الانتظار، فإنه لا بدّ أن يأتي من يرفض تلك الأفكار، وإذا لم يجد أمامه الفكر السليم، فإنه قد يلجأ إلى إنتاج أفكارٍ خاطئةٍ أخرى، قد تكون أشدّ خطورةً من الأفكار السابقة.. وهكذا كانت الإيديولوجية الصفويّة أشدّ خطورةً من نظريّة الانتظار.

بالرغم من كلّ ذلك، فقد استهوت التجربة الصفويّة، في بدايتها، الشيعة المضطهَدين في العراق وجبل عامل والبحرين، وذهبالعلماء بالخصوص، ليدعموا تأسيس الدولة "الشيعيّة" الوليدة. وعندما شاهدوا الواقع الصفويّ السلطويّ الظالم والمخادع، انكفأ بعضُهم راجعاً إلى النجف وأنكر على الشاه إسماعيل دعاوى النيابة الخاصّة عن الإمام المهدي. (379)

 

 

 


ليست هناك تعليقات: