الجمعة، 25 فبراير 2022

زكي نجيب محمود؛ فيختة وشلنغ؛ (قصة الفلسفة الحديثة)

 

 


(٢) المثالية الذاتية Subjective Idealism

زكي نجيب محمود؛ قصة الفلسفة الحديثة

 

(٢-١) فخته Fichte

انتهى «كانت» بفلسفته إلى أنَّ للأشياء ظواهر في مقدور الإنسان إدراكها. أما لُبابها أو سمَّاه «الشيء في ذاته» فذلك ما يعجز عنه إدراك الإنسان عجزًا تامًّا، فلم يكن بدٌّ لمن جاء بعدَه من الفلاسفة أن يحاولوا جهدَهم التغلُّب على هذه الثنائية التي خلَّفَها «كانت»، فليس من الميسور أن تُسلِّم الفلسفة بوجود عنصرٍ خارج نطاق المعرفة. ومن العسير أن تزعُم أن هنالك حقيقة لا تقع داخل حدود الإدراك.

وأول من حاول إصلاح النقص في فلسفة «كانْت» هو: جوهان جوتليب فخته Johann Gottlieb Fichte، ولد عام ١٧٦٢م في رامنو Ramenau بسيليزيا من أبوين فقيرَين، فنشأ كما نشأ «كانْت» من قبله في فقرٍ مُدقعٍ كما تربَّى مثل تربيته الدينية التي أخذته بالأخلاق الصارِمة، إذ كان يقصد بإعدادِه أن يكون قسِّيسًا لم يُباشِر ما أعدَّ له، فقد وهبَه رجل من الطبقة الرفيعة ما مكَّنه من بعض الدراسة العالية في جامعتَي يينا وليبزج، ثم اضطرَّ بعدُ في بعض سِني دراسته الجامعية أن يشتغِل بالتدريس الخاص ليكسِب منه أخشنَ القوت وأغلظ العيش، ثم غادر حياته تلك إلى مدينة زوريخ في سويسرا حيث عُين في وظيفةٍ خاصة في إحدى الأُسَر الغنية، وقد أحبَّ منها فتاة تزوَّج بها بعد الرفض والتسويف من أجل عوَزِه وفقره.

ولعلَّ أقوى ما تأثَّر به «فخته» ممَّا طالَعَه في شبابه هو فلسفة «سبينُوزا»، ثم اتَّصل «بكانْت» فكان مصدر الانقلاب في حياته كلها، ذلك أنه ذهب إلى كونسبرج «بلد كانْت» لزيارة الفيلسوف العظيم، وهناك أخرج «فخته» أول كتابٍ له «نقد الوحي» ألَّفَه في أربعة أسابيع، وقد حدَث أن نُشِر ذلك الكتاب أول الأمر بغير اسم مُؤلِّفه سهوًا من الطابع، فنسبَه القرّاء جميعًا إلى «كانْت»، فلمَّا عُرِف مؤلفه الحقيقي ذاع اسم «فخته» ذيوعًا واسعًا، وتبيَّن فيه الناس خلَفًا «لكانْت» … وقد عُين أستاذًا مُمتازًا للفلسفة في جامعة «يينا»، فكان المحاضر البليغ، والكاتب الفذ. وسرعان ما تسلَّم زمام الحركة الفكرية في ألمانيا ولبِث يقودها زمنًا، ولكن شاء حظه العاثر ألا تطُول تلك الحياة النابهة أمدًا طويلًا، إذ كتَب في مجلةٍ فلسفية فصلًا عرَّف فيه الله بأنه «النظام الأخلاقي للكون»، فقذَفَه قوم بالإلحاد الذي كان «فخته» أبعدَ الناس عنه، فاضطرت الجامعة إلى إقالته من وظيفتِه لإلحادِه المَوهوم، وممَّا يجدُر ذِكرُه في صدَدِ إقالته أنَّ «فخته» كان بعد اتهام الناس له بالإلحاد قد لحظ تدخُّلًا من بعض الهيئات في شئون الجامعة وحرية التدريس فيها، فأعلن احتجاجَه على ذلك، وقال: لو أيَّدَت الحكومة (حكومة فيمار) هذا التدخُّل وأجازته، فإنه سيعتزِل كُرسيَّه في الجامعة، وأخذ يُحرِّض زملاءه من الأساتذة أن ينحُوا نحوَه، فكان جواب جوته الشاعر الألماني المعروف، وكان وزيرًا عندئذ؛ بأنَّ الحكومة التي تحترم نفسها لا يسَعُها أن تتقبَّل من موظفٍ بها مثل هذا التهديد، ثم عمل على إقالة «فخته» من منصبِه على الفور، فعُيِّن أستاذًا للفلسفة في الجامعة الجديدة التي أنشئت في برلين بعد استيلاء الفرنسيين على بروسيا، وكان الفيلسوف يجاهد جهاد الأبطال في إثارة الشعور القومي في مواطنيه بعد هذا الغزو الفرنسي، وأخذ يُلقي سلسلةً من المحاضرات أطلق عليها اسم «نداءات للأمَّة الجرمانية»، وقد كانت تلك الخُطَب في ظاهرها برنامجًا جديدًا لنظام التربية، ولكن غرَضَه منها لم يكن يخفى على أحد، حتى توقَّع «فخته» في كل لحظةٍ أن يُساق إلى المحكمة العسكرية الفرنسية لمُحاكمته واتِّهامه وإعدامه، إذ كان «فخته» — على نقيض مواطنيه «جوته» و«هجل» و«شوبنهور» — عدوًّا لدودًا «لنابليون»، وقد قاوَمَه بكلِّ ما أوتي من قوة، وكان عضوًا عاملًا في الحركة العدائية الواسعة التي ناهضَتْ «نابليون»، حتى أفلحتْ آخِر الأمر في التغلُّب عليه.

وتُوفِّي «فخته» عام ١٨١٤م بحُمَّى انتقلتْ إليه عدواها من زوجِه التي كانت تشتغل وقتئذٍ في تمريض الجنود الجرحى.

أما مؤلَّفاته التي أخرجها أثناء إقامته في «يينا» فأهمها: «أساس علم المعرفة» و«الحق الطبيعي ونظرية الأخلاق»، ولكن تلك الكتُب لم تنَلْ من الشهرة وبُعد الصيت ما نالته مؤلفاته التي كتبها وهو في برلين وأهمها: «غاية الإنسان» و«مميزات العصر الحاضر» و«في طبيعة العالم» و«الطريق إلى حياة النعيم» و«نداءات إلى الأمة الألمانية»، وقد أُلقِيت أكثر هذه الكتُب الأخيرة في محاضرات على عامَّة الناس، حيث كان الفرنسيون يبسطون نفوذهم على برلين، وكانت أقوى العوامل في يقظة الرُّوح الوطنية. ولعلَّ فيلسوفَنا أخلد في عالم الوطنية منه في نطاق الفلسفة، فأكثر مواطنيه لا يذكُرون منه إلا وطنيًّا يشتعِل حماسةً لبلدِه وأهله. وقرَّاء «النداءات» الوطنية أضعاف قرَّاء «أساس علم المعرفة».

وكان «فخته» رجلًا ذا شخصيةٍ قويةٍ ممتازة وعزمٍ ثابت، وقد أوتي بلاغةً ساحِرة، وجَودةً في الإلقاء، حتى إنه كان يُشعِل في صدور سامعِيه نارًا إذا ما خطبَهم في موقف وطنهم السياسي، كما كان طلابُه يتأثَّرون بمحاضراته تأثُّرًا عميقًا لما في عباراته من حلاوة البيان، وحُسن الإلقاء. وقد قال عنه «كارليل»: «يندُر بين الناس من يفُوق «فخته» في ما يُوحي من إعجابٍ به. فقد تكون آراؤه صحيحةً أو باطلة، ولكن شخصيته كمُفكر لا يجحَدُ تقديرها إلا من لم يُحسن فهمَها.»

أما فلسفة «فخته» فكثيرًا ما تُقسَّم إلى فترتَين: فلسفته وهو في يينا، وفلسفته وهو في برلين. ولقد ذهب بعض المؤرِّخين إلى أنَّ في فلسفة الفترة الثانية ما يُناقِض آراءه في الفترة الأولى، ولكن يظهر أنَّ كل ما هنالك من خلافٍ بين إنتاج الفترتَين هو ما امتازت به مؤلَّفاته التي أخرجَها في برلين من طابعٍ شعبي، وليس في ما عدا ذلك شيءٌ من تناقُضٍ في الرأي والمذهب.

وقد يكون خيرًا من ذلك التقسيم الزَّمني أن نُقسِّم فلسفته إلى نظرية وعملية؛ فقد كانت حياة الوعي كلها عند «فخته» تتألَّف من فكرٍ وعمل، فليس للعالَم معنى إلا ما يراه الإدراك، وليس لهذا الإدراك من معنًى إلا ما يبدو فيما تأتي به الإرادة من عمل.

وفلسفة «فخته» مثالية ذاتية محْضة، أو بعبارةٍ أخرى إنَّ كلَّ ما هو موجود هو ذَواتنا، ولا شيء غير ذلك، وكل معرفتنا هي معرفة ذواتنا، وأما سائر الحقائق التي نصادفها في الكون فإنما هي من خلق الذات وإنتاجها، أعني أن الحقائق التي نراها في التجربة الخارجية إنْ هي إلا نتائج لإدراكنا لذواتنا لا أكثر، فهي لا تُوجَد إلا بالنسبة للكائن المُفكر وحده، وليس لها وجود مُستقل عنا، وعمل الفلسفة هو شرحها وتعليل حدوثها، ومن هنا أطلق «فخته» على كتابه الذي ضمَّنه مذهبه اسم «علم المعرفة»؛ لأنه لا يبحث ككل علمٍ آخر في أشياءٍ بعَينها، ولكنه يتناول بالدرس أساس المعرفة ذاتها بصفةٍ عامَّة.

ويحسُن بنا قبل أن نبسط فلسفة «فخته» أن نرُدَّها إلى أصلِها الذي نبتَتْ منه، وأن نُشير إلى غايتها التي تقصد إليها.

فأما جذورها فقد نبتَتْ من فلسفة «كانْت» التي يرى «فخته» أنها وإن كانت تحوي نظرةً جامعة شاملة للكون، إلا أنها تحتاج إلى شيءٍ من التنظيم والإصلاح، إذ إنه قد خلَّف وراءه مصدرَين للمعرفة مُتناقضَين مُتعارضَين: أحدهما في العقل، والآخر في الخارج، ذلك أنَّ «كانْت» علَّل حدوث المعرفة بتأثير الشيء الخارجي في نفس الإنسان، مع استدراكه بأنَّ «الشيء في ذاته» فوق مُتناوَل الإدراك، ولا يدخُل في نطاقه، أو بعبارةٍ أخرى فإنَّ المعرفة عندَه ترجِع إلى تأثير اللاذات في الذات، فلاحظ «فخته» أنَّ هذه اثنينية يجِب أن تزول، إذ لا ينبغي أن نشطُر الحقيقة شطرَين مُستقلًّا أحدهما عن الآخر: ذات، ولاذات، أو عقل في الداخل وشيء في الخارج، وتناول هذَين الطرفَين ليمحو ما بينهما من خلاف، ولكن كيف السبيل إلى هذا التوفيق؟

لأصل المعرفة مذهبان: فمذهب اليقين Dogmatism، أو إن شئتَ فَسَمِّه المذهب الواقعي Realism يرى أنَّ المعرفة مُستمَدَّة من الأشياء الخارجة، أي إنها جاءت إلى العقل من الخارج، وأما مذهب المثال Idealism فيرى أنها إنما نبعَتْ من الفكر الخالص، أي تكوَّنَت داخل الشخص المُفكر نفسه، فأما المذهب الواقعي فلا يأخُذ به «فخته»؛ لأنه يستلزم وجود شيءٍ مجهول خارج الوعي والإدراك، وعنده أنَّ المثالية وحدَها هي وجهة النظر المعقولة؛ لأنها لا تفرض وجود سوى شيءٍ ما يشتمل عليه الإدراك فعلًا، ولكنه يشترِط أن تكون المثالية كاملةً شاملة، بحيث نُسلِّم بوجود اللاذات إلى جانب الذات، وكل مثالية تتمسَّك بأن الحقيقة هي الذات وحدَها — مُنكرةً وجود اللاذات — فهي مثالية ناقصة، ولكن لا تحسبنَّ أن «فخته» يُريد بهذه اللاذات التي يُقرِّر وجودها شيئًا موجودًا في الخارج مُستقلًا عن الذات، بل هي كائنة في الذات نفسها! فهو يقول: إنَّ الذات المُطلَقة لا تُدرِك نفسها إلَّا إذا وضعَت لنفسها بعض الحدود والقيود، فأنتجت لذلك عالمًا يظنُّه الرجل العادي أنه موجود في الخارج، مع أنه في حقيقة الأمر عالَم داخلي محْض أنشأَتْه إنشاءً ليكون لها وسيلةً تستعين بها على تقرير نفسها والشعور بوجودها، وعلى ذلك نستطيع أن نُزيل ما وقَع فيه «كانْت» من شطر الحقيقة إلى شطرَين: العقل، «والشيء في ذاته». إذا ما علمنا أن ذلك الشيء في ذاته هو شيء في الذات ومن خَلْقها.

تلك هي فلسفة «فخته» موجَزة مُجملة، وسنعمد الآن إلى شرحِها في شيءٍ من التفصيل.

يبدأ «فخته» بأنْ يتأمَّل في ذاته ليرى المراحل التي اجتازتها الذات — أو العقل — حتى وصَل الإدراك إلى حالته التي هو عليها، فهو يرى أن مهمَّة الفيلسوف هي أن يُفكِّر في نفسه، وأن يُسجِّل ما يحدُث في العقل أثناء ذلك التفكير، ولقد انتهى بما قام به من تحليل نفسه إلى أنَّ هناك خطواتٍ ثلاثًا تمرُّ بها الذات لكي تُدرِك نفسها، وهي التقرير Thesis، والتبايُن Antithesis، ثُم التأليف Synthesis.

  • (١) 

فشرْط المعرفة الأساسي هو أن تقرِّر الذات وجودها، وهي ما يُسمَّى بمبدأ الذاتية Identity، والذاتية هذه بديهية عقلية لا يُمكن أن تُقام عليها البراهين، ومثالها قولك ١ تساوي ١، أو «أنا هو أنا.» وإذن فالأساس الأول للإدراك هو أنْ أُدرك وجودي وأُقرِّر ذاتي، ويستحيل أن يكون ثمَّة من إدراك إلا إذا بدأت الذات بتقرير نفسها كحقيقةٍ واقعة.

  • (٢) 

ولكنك لا يمكن أن تُقرِّر ذاتك إلا إذا قرَّرتَ إلى جانبها اللاذات، مع أن هذه تُنافي تلك، فالتسليم بوجود اللاذات (أي ما ليس بنفسٍ؛ ما ليس «أنا») بديهية عقلية كذلك لا يمكنك أن تُعلِّلها، ولكنَّك تعلَم عِلم اليقين أنك بمجرَّد التفكير في نفسك، فإنك لا بدَّ أن تفكر في لا نفسك أيضًا، وهذا ما سمَّيْناه بالتبايُن.

  • (٣) 

ولكنَّ هنالك إلى جانب ذَينك الطرفَين المُتعارضَين — تقرير الذات واللاذات في آنٍ واحد — عملًا ثالثًا هو التأليف بينهما، فمن المعلوم أنه بمقدار ما تثبُت اللاذات تنتفي الذات، ولكن مع ذلك لا يمكن إثبات اللاذات إلا في داخل الذَّات نفسها — أي الإدراك، أو العقل، أو الوعي — وإذن فالذَّات في حقيقة الأمر لا تنتفي بثبوت اللاذات، فكيف نتخلَّص من هذا التناقُض في القول؟ كيف نُفكِّر في الذات واللاذات، في الحقيقة واللاحقيقة معًا في آنٍ واحدٍ دون أن يهدِم أحدهما الآخر مع أنَّ أحدَهَما لا يثبُت ويتقرَّر إلا على حساب الآخر؟ يقول «فخته» إن تفسير ذلك هو أن كلًّا من النقيضَين يضع لزميله القيود التي يُحدِّده بها، بل لا يمكن لأحدهما أن يكون إلَّا بهذه الحدود التي يُقيِّده بها مُعارِضه، فالذات لا تُقرِّر نفسها وتشعُر بوجودها إلا إذا حدَّدتْها اللاذات، واللاذات لا يتمُّ لها وجود إلَّا إن حدَّدتْها الذات، وهذا ما سمَّيناه بالتأليف.

ويجِب أن يحذَر القارئ من أن يفهم أن الذات التي يقصدها «فخته» ذات زيد أو عمرو من الناس، إنما يريد بها الذات الكُلية الخالصة، أعني القدْر المشترك بين الجميع، إذ هو عنصر واحد مُتشابه في جميع الأفراد.

لقد ذكرْنا في العملية الثالثة — عملية التأليف — (١) أنَّ الذات تُحدد اللاذات، (٢) وأنَّ اللاذات تُحدد الذات … ونُضيف الآن أنَّ من تأثير اللاذات في الذات تَنتُج الطبيعة كلها كما نصوِّرها لأنفسنا، كما ينشأ من ردِّ فعل الذات على اللاذات كل القوى العقلية والنظم الأخلاقية التي للإنسان — وتشمل هذه الأخيرة النُّظم العائلية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية — ومعنى ذلك بعبارةٍ أخرى أنَّ الذات باعتبارها محدَّدة باللاذات فهي نظرية، ثُم هي عملية باعتبارها محدِّدة للاذات، وبذلك يتكوَّن لدَينا شطرا عِلم المعرفة: النظري، والعملي، وهما القِسمان اللذان تنقسم إليهما فلسفة «فخته».

(١) علم المعرفة النظري

يُلقي «فخته» في القسم النظري من فلسفته هذا السؤال: ماذا نعني بقولِنا إنَّ الذات تُقرر نفسها بتحديد اللاذات لها؟ إنه لا ينبغي لنا أن نتصوَّر أنَّ الأمر يقف عند حدِّ تحديد اللاذات للذات، وإلا كانت الذات قابلةً منفعلة باللاذات، ونكون بذلك قد أخذنا بالرأي القائل: إن الذات تحصُل على كل ما بها من صُوَر بفعل الأشياء الخارجية، وهي قابلة فقط لا حول لها ولا قوة، فذلك هو زعم المذهب الواقعي الباطل الذي يُفسِّر تجارب العقل كلها بأنها نتيجة لتأثير الأشياء (اللاذات)، وهذا المذهب ينتهي إلى نتيجةٍ خطيرة هي أنَّ «الشيء» الخارجي وحدَه هو الذي يتمتَّع بالوجود والفاعلية، ولا فاعلية للذَّات ولا وجود. كما أنه ينبغي من جهةٍ أُخرى ألا نتوهَّم أن الذات حين تُقرِّر نفسها تفعل ذلك على أنها هي الحقيقة كلها، وأنَّ كل ما بها من صُوَر وآثار لم ينشأ إلا من خلق الذات نفسها، وأنه ليس إلا أعراضًا تولَّدت منها كأحلام النائم، فذلك هو المذهب المثالي الذي لا يقلُّ خطلًا عن المذهب الواقعي، وكلاهما لا يُفسِّر إدراك الإنسان … ولذا يتقدَّم «فخته» محاولًا أن يُوفِّق بين هذين الطرفَين المُتباعدَين، وأن يدمجهما في رأيٍ واحد، فيقول إنه لا الذات وحدَها هي أصل اللاذات ومصدره، ولا اللاذات (الأشياء) وحدَها هي التي تعمل وتؤثر في الذات القابلة، بل إنَّ الجانبَين ليتقابلان في وحدةٍ عُليا، ومن هنا كان «فخته» كثيرًا ما يُسمِّي فلسفته بالفلسفة «الواقعية المثالية».

يقول «فخته» إنَّ للذات ضربَين من الفاعلية: الأولى هي الفاعلية اللانهائية للذات التي تريد أن تنطلِق في اللانهاية، والثانية فاعلية أخرى وظيفتُها أن تقِف سدًّا حاجزًا يحدُّ من الذات اللانهائية فلا يدَعها تنطلق كما تبغي، فإذا ما اصطدمت الذات اللانهائية عند انطلاقها بذلك الحاجز وثبَتْ راجعةً إلى نفسها، ورجوع فاعلية الذات إليها مرة ثانية يجعلها تشعُر بوجود حدٍّ يحُول دون لا نهائيتها، ولو لم يكن ذلك الحاجز لما وَجدت الذات شيئًا تُمارس فيه فاعليتها، وسترى أن هذا الرأي عند «فخته» هو أساس الحياة الأخلاقية، إذ لو لم يكن هناك مجهود من الإنسان وموانع حائلة في الخارج، أعني إذا لم يكن ثمَّة ما نُقاومه ونُغالبه، ثم نقهَره آخِر الأمر ونتغلَّب عليه، لما كان في مُستطاع الذات أن تُقرِّر وجودها.

إذن فالذات تخلق لنفسها فاعليةً أخرى تُعارضها (ويسمِّي «فخته» هذه الفاعلية المقاومة بالخيال المُنتِج) وهي تفعل ذلك؛ لأنها لا تتمكَّن من تقرير نفسها إلا بوجود الموانع والعراقيل التي تعترِض سيرَها فتبذُل فيها مجهودها، وعلى ذلك تكون فاعلية الذات مركَّبة من عنصرَين متضادَّين: طارد وجاذب، فالطارد يحاول ما استطاع أن يسبَح في اللانهاية، والجاذب يسعى جهدَه في الاتجاه نحو الذات والعودة إليها، وعودة الذات بعد خروجها هي التي تُوهِمُنا أن ذلك الحاجز الحائل (لاحظ دائمًا أن هذا الحاجز معناه الأشياء الخارجية أي الطبيعة) له وجود حقيقي مع أنه في الواقع ما هو إلا خلْق خيالنا المُنتج. نعم ليست الأشياء إلا صورًا وخلجات أنشأتْها الذات إنشاءً لكي تُقرِّر بها نفسها بما تجِد فيها من منعٍ وحيلولة … وهنا يبدأ «فخته» في شرْح وظائف العقل النظري، فيُبيِّن المراحل التي ترتفع بها الذات من مرتبة اللاشعور وعدَم التحديد إلى مرتبة إدراك الأشياء إدراكًا شعوريًّا مُحدَّدًا، ثُم إلى الشعور الكامل بنفسها، وكل هذه المراحل إنما تنشأ نتيجةً لتجديد اللاذات للذات، ولنذكُر مرة أخرى أنَّ كلَّ هذه العملية تتمُّ في الداخل، وليس هناك خارج الذات من شيء.

«والخيال المُنتِج» الذي يُقدِّم لنا صورة الأشياء التي يُخيَّل إلينا أنها موجودة في الخارج، فكل مرةٍ تنطلِق فيها فاعلية الذات، وتصطدم بحاجز الخيال المُنتِج وتعود إلى نفسها ثانية، نقول إن كل دفعةٍ من هذه العملية المزدوَجة تُحدِث فينا طائفةً من الصور الذهنية، ولكن تلك الصور الذهنية تكون في أول الأمر أدنى درجات الإدراك، وهي اللاشعور، وهي مرتبة لا يزيد فيها الإدراك عن مجرَّد الإحساس أو الوعي الذي لا تمييز فيه، ثم ينتقل إلى المرتبة الثانية، وهي مرحلة الإدراك الحسِّي التي تُفرِّق فيها الذات بين نفسها وبين الشيء الذي تشعُر به وتُحسُّه، أعني أنَّ الإحساس المُبهَم يتحوَّل إلى معرفةٍ بشيءٍ مُعيَّن له مكان وزمان معروفان، ثم بعد ذلك يتحوَّل هذا الإدراك الحسِّي نفسه إلى فكرةٍ مُعيَّنة في العقل، وبعدئذٍ تأتي المرحلة الأخيرة، مرحلة التأمُّل المجرد، حيث يتجرَّد الإنسان من الأشياء جميعًا ويصِل إلى شعورٍ كامل بذاته.

وبذلك ينتهي «علم المعرفة النظري» بعد أن بَيَّن لنا المراحل التي يجتازها الإدراك في تكوينه، وهي مراحل جاءت — كما قُلنا — نتيجةً ضرورية لتحديد الذات باللاذات … وهنا ينشأ لدَينا سؤال آخر: لماذا تحرص الذات على ضبط فاعليتها؟ لماذا ترفُض أن تترك نفسها تنطلِق إلى اللانهاية فتُنشئ لنفسها من نفسها حاجزًا يصدُّها ولا يحدُّها، ولا يُمكِّن فاعليتها من الإفلات؟ والجواب على هذا السؤال هو الشطر الثاني من فلسفة «فخته».

(٢) علم المعرفة العملي

فقد رأيْنا في علم المعرفة النظري أن وجود الأشياء كلها، بل وجود الفكر نفسه، مُتوقِّف على تقييد فاعلية الذات، فبهذا القَيد وحدَه تمَّ كل ما لدَينا من إدراك ومعرفة، ولو كانت فاعلية الذات اللانهائية حُرة مُطلقة من كل تحديدٍ لَما كان هنالك فكر ولا عالم موضوعي على الإطلاق. ولكن نعود فنسأل: لماذا أقامت الذات لنفسها ذلك السدَّ الحاجز الذي يُعارض فاعليتها الذاهبة إلى الخارج؟ قد تجيب بأنَّ الذات إنما هيَّأت لنفسها ما يُقيدها لكي تصِل إلى الوعي والإدراك؛ إذ بغير تلك المقاومة لا يكون إدراك ولا تكون طبيعة، ولكن لماذا يجِب أن يكون ثمَّة إدراك وطبيعة؟ ما الذي أوجب هذا السدَّ الحاجز الذي يحدُّ من فاعلية الذات اللانهائية؟

يقول «فخته» إن ما أوجب ضرورة الإدراك وضرورة وجود العالم هو شيءٌ واحد، وهو أن يؤدي الإنسان واجبه! فقد خُلِقت ذرَّاتنا، أو قُل عقولنا الواعية لكي تكون آخِر الأمر إرادةً عاملة … إن الذات تخلُق العالم لا من أجل العالَم في ذاته، ولكن لكي تستطيع أن تُحقق نفسها وتُقرِّر وجودها بانتصارها على هذا العالم، وإذن فسبب وجودنا هو أن نبذُل مجهودنا حتى نُحقِّق أنفسنا، وحتى نتمكَّن آخِر الأمر من التغلُّب على قيود اللاذات أي العالم الموضوعي، عالم الأشياء والحوادث. فليس العالم إلا ميدانًا خُلق لكي تقوم فيه الذات بواجبها المفروض، إنه لم يُوجَد إلا لكي نستطيع أن نؤثِّر فيه ونتغلَّب عليه، فسبيل تقرير الذات هي إرادتها، وأما هدفها الذي نقصد إليه فهو الحُرية التي تظفر بها بفوزها على ما وضعتْه أمام نفسها من قيود فلو سأل الآن سائل: ما هي «الأشياء في ذواتها» التي فرَض وجودها «كانْت»؟ أجبْناه: إنها ليست «أشياء في ذواتها»، ولكنها أشياء لنا ومن أجلِنا.

يقول «فخته» إنَّ الذات لا تشعُر بوجودها إلا بمقدار ما هي قوَّة مجاهدة تُغالِب قيود العالم، أو بعبارةٍ أخرى إلَّا بمقدار ما هي «إرادة»، وإذن فرسالة الإنسان هي هذه: «حقِّق نفسك وحقِّق الغرض من وجودك.»

وبديهيٌّ ألا تكون نغمتُه فلسفةً للطبيعة؛ لأنه لا يعترِف بوجود شيءٍ موضوعي وجودًا حقيقيًّا، فالطبيعة عندَه هي تلك اللاذات التي لم تنشأ إلا لكي تتغلَّب عليها الذات، ومعنى ذلك أنه لا يرى الأشياء أغراضًا في ذاتها، ولكنها وسائل فقط تُمكِّن الإنسان من تحقيق الغاية الأخلاقية من وجوده، وهنا ينتقِل «فخته» إلى تطبيق مبادئ «علم المعرفة» على شئون الحياة العملية، وبخاصَّة فيما يتَّصِل بنظرية «الحقوق والواجبات».

إن الإنسان لَيعلم أنه حُر، ويعلم كذلك أنه لا يكون كائنًا حرًّا فعَّالًا إلا إذا سلَّم بوجود كائناتٍ أخرى فعَّالة حُرة، أعني أنه وإن كان شعور الفرد بنفسه شرطًا أساسيًّا للإدراك، إلا أن هذه الفردية من ناحيةٍ أُخرى لا يُمكن إدراكُها إلا ومعها كثرة من الأفراد. ولقد اختصَّت كل ذاتٍ بجزءٍ من العالَم ليكون ميدانًا لحُريتها، والجسم هو الأداة التي تتَّخِذها الذات لمباشرة حُريتها في ميدانها الخاص. وبديهيٌّ أنه لا بدَّ لمجموعة الأفراد من قانون يُنظم العلاقة بينهم حتى لا يتجاوز فرد نطاقَه مُعتديًا على حرية سواه. ويقول «فخته»: إن واجب كلِّ فردٍ أن يُعامل الناس ككائناتٍ لهم نفس ما له من أغراض، وعنده مهمة الدولة تنظيم ما بين الأفراد، وهي لم تنشأ إلا لحماية الفرد، وتهيئة أسباب سعادته، ثم يقول: إن الغرَض الأسمى من الدولة هو أن تعمل على التقليل من شأنها (لأنه يعتقد أنَّ الأخلاق إذا سمَتْ فلا يكون الناس بحاجةٍ إلى القانون).

وﻟ «فخته» نظرية في فِقه القانون تقع في ثلاثة أجزاء:

  • (١)

الحقوق الأولية، وهي حقوق الأشخاص باعتبارهم أفرادًا، وهي تشمل:

    • (أ)

الحرية الشخصية.

    • (ب)

حقوق المِلْكية.

  • (٢)

الحقوق الإلزامية، وهي قوانين العقوبات التي صِيغت لتُعالج اغتصاب حقوق الفرد وحُريته. وتقتضي هذه الحقوق الإلزامية أن يتمَّ بين الناس تعاقُد مُشترك، ومن هنا ينشأ الضرب الثالث من الحقوق.

  • (٣)

الحقوق السياسية، والغرَض منها:

    • (أ)

ضمان الحقوق الفردية.

    • (ب)

سَنُّ القوانين لخير الجماعة.

ومما هو جدير بالملاحظة أن هذه الأفكار تنتهي آخِر ما تنتهي إليه إلى النظام الاشتراكي الذي يُحتِّم أن تتَّخِذ الدولة ما يكفُل لكل إنسانٍ أن يعيش بعمله، وهو ما يُسمَّى بمبدأ «الحق في العمل». ويستخرج «فخته» من هذا المبدأ مثَلَه الأعلى في «الدولة الاشتراكية» باعتبارها الدولة الكاملة التي تسيطر على الصناعة المحليَّة كلها، وعلى التجارة الأجنبية بأسرِها، لكي تُهيِّئ لكل مواطنٍ عملًا يعمله، وأجرًا يتقاضاه.

لقد رأيتَ فيما مضى كيف استنبط «فخته» من «علم المعرفة» الأساس الذي يجِب أن تقوم عليه علاقة الفرْد بغَيره من الأفراد، وها نحن أولاء نُجْمِل لك كيف اشتقَّ من «علم المعرفة» نظريَّتَه في الأخلاق، فلقد مرَّ ما ذهب إليه «فخته» من أن جوهر الذات نشاط وفاعلية، أعني أنَّ أساس وجودها جهاد في سبيل الحُرية مما فرضتْه على نفسها من أغلال. ولقد ذكرْنا كذلك أن الذات بغير هذه المقاومة والمعارضة التي تضعها هي في سبيل نفسها تفقد نفسها في اللانهاية، وتظلُّ بغَير وعيٍ وإدراك، وأنها تستخدِم إرادتها للتغلُّب على ما يعترِضها من مقاومة؛ لأنَّ وجود المقاومة معناه انتقاص من حُريتها، فهي تُواصِل سعيَها لتُقرِّر نفسها وتظفر بالحرية الكاملة. والذات ككائنٍ شهواني (أعني الإنسان) يميل إلى اللذَّات الجسدية والرغبات المادية، فإنَّ المقاومة التي يقابلها الكائن العاقل في مثل هذه الحالة هي غرائزه الدُّنيا وشهواته الطبيعية التي تُغريه بإشباع لذَّته وشهوته دون أن تستحِثَّه إلى الحرية، ولذا كان في الإنسان مجموعتان من الدوافع: دوافع خالِصة وأخرى طبيعية؛ فالأولى تميل إلى تحقيق وجوده، والثانية تنزِع إلى إشباع لذَّته، وقد يبدو لك أن هذَين الضربَين من الدوافع مُتعارضان، ولكنك لو عَلوْتَ بنظرك فنظرتَ إليهما من وجهةٍ أسمى لألفَيتَهما شيئًا واحدًا، فلا بدَّ من الرغبات الدُّنيا والميول الشهوانية إلى جانب الدوافع العُليا،؛ إذ الحياة الأخلاقية حياةُ تَرَقٍّ ونمو، فهي تتكوَّن من الصعود التدريجي حتى يبلُغ الإنسان مرتبةً يتخلَّص فيها من شهوته، ويتحرَّر من غرائزه المادية، ولكن ما دامت الذات نهائيةً فيستحيل عليها تلك الحرية المنشودة، ومن هنا كان الغرَض الذي يقصد إليه الكائن العاقل لا يتحقَّق إلا في اللانهاية، وهي غاية مُستحيلة التحقيق، ولذلك كان كلُّ مجهوده أن يقترِب منه بقدْر المُستطاع (لا تنقطِع عن أداء واجبك) هذا هو القانون الأخلاقي في أوجَزِ عبارة، فيجِب على الإنسان أن يؤدي واجبه من أجل الواجب في ذاته، وألَّا ينساق لغرائزه وشهواته، فلكي تكون فاضلًا لا تنتظر قانونًا يُفرَض عليك من الخارج لتطبيقه، بل اتَّبِع قانون وجودك الداخلي الذي يُريدك على أن تؤدِّي واجبك كإنسان.

هكذا كان قانون الأخلاق عند «فخته» هو الآمِر الوحيد الذي لا ينبغي أن يتحكَّم سواه في تصرُّفات الإنسان، وبهذا أصبح الدِّين عنده ثانويًّا، كما أنه لم يفسح في فلسفته مجالًا لإله، إذ القانون الأخلاقي الذي يسير العالَم بمُقتضاه هو القُدسيَّة الوحيدة التي يحقُّ الإيمان بها، أما الفكرة القائلة بوجود إلهٍ مُستقلٍ عنا وعن العالم الخارجي فيعتبِرُها «فخته» باطلة مُتناقضة مع القانون الأخلاقي الذي أخذ به، وهو نظام أخلاقي لا تكتسِب الحياة وجودها إلا بوجوده، بل الحياة بأسرِها هي عبارة عن وجوده، فليس لله وجود إلا في إدراكنا له، ونحن إنما نتَّجِه صوب الله، بل إنَّنا لنَحيا حياة الإله إلى حدٍّ ما بما نبذُله من مجهودٍ في أداء الواجب، وفي تحقيقنا للخير والحق والجمال. فالدين الصحيح هو تحقيق الحق (أي الذات).

ولكن «فخته» عاد فاتَّجَه إلى النزعة المسيحية في النظر إلى الحياة في كتُبه الأخيرة. وبخاصةٍ في كتابه «الطريق إلى حياة النعيم»، فهو يقول في تعريف الذات المُطلقة بأنها إرادة الكون الأخلاقية، وهي تحتوي كل الذوات الفردية، والله — من تلك الذات المُطلقة — حياتُها، وهو يُدرِك نفسه بالتعبير عن نفسه في الأفراد … ثم أخذ «فخته» يستبدِل في أُخرَيات أيَّامه بصرامة القانون الأخلاقيِّ الرقَّةَ والعطف والحُبَّ التي ينادي بها الدين، وأصبحت المسيحية في رأيه، كما تتمثَّل في المسيح، هي صورة الحقيقة السامية، وغرض الإنسان الأعلى هو أن ينمحي في الله بتفانيه وإنكاره لذاته.

 




 

(٣) المثالية الموضوعية Objective Idealism

زكي نجيب محمود؛ قصة الفلسفة الحديثة

 

(٣-١) شِلِنْج Shelling

كانت فلسفة «فخته» طريقةً شائقة جذَّابة، فتدفَّقت إليه جموع زاخرة تُنصت إلى محاضراته التي ألقاها في يينا وفي برلين، ولكنَّ فلسفته رغم ذلك كله لم تظفر آخِر الأمر إلا بنفرٍ قليلٍ من المؤيدين والأشياع، إذ كانت مِثاليته التي أخذ بها ودعا إليها مُسرفةً في النزعة الذاتية، مُغالية في حصر وجهة نظره في جانبٍ واحدٍ من جوانب الحقيقة، فعجز عن إشباع ما تتُوق إليه الفلسفة من شمول النظر الذي لا يدَع شيئًا مما تأتينا به التجربة إلا تناوَلَه بالشرْح والتعليل. أما أن يذهب «فخته» إلى أنَّ العالَم لم يُوجَد إلا لكي يكون ميدانًا لرياضة الذات، وأن الحياة كلها ليست إلا سلسلة من العوائق التي فرضها الإنسان على نفسه؛ لكي يُثبِت وجوده وقوَّته بهزيمتها، ففي ذلك ما فيه من تناقُضٍ وقصور. نعم إنَّ «فخته» استطاع أن يحلَّ إشكال «الشيء في ذاته» الذي كان زَعْم وجوده نقصًا في فلسفة «كانْت»، ولكنه فعل ذلك على حساب الحقيقة كلها. فإنْ كانت الذات كما يقول «فخته» عاجزةً عن إدراك نفسها إلا عن طريق اللاذات، مع أن اللاذات ليست في واقع الأمر إلا ثمرة من ثمار الذات ونتيجةً لفاعليتها، إذن فلا مِراء في أن الذات مُعتمِدة في وجودها على اللاذات، فإذا أثبتَّ الأولى وجَبَ عليك أن تُثبِت الثانية أيضًا، ولو أنكرتَ الأولى كان لزامًا أن تُنكِر معها الثانية؛ لأنه إذا انمحت اللاذات لكان حتمًا أن تنمحي كذلك الذات من صفة الوجود.

حقًّا لقد تطرَّف «فخته» وغالى في تطرُّفه، حتى وقع في الخطأ والتناقُض، فلو كانت اللاذات عدَمًا كما ظنَّ لما كان له من بدٍّ كما قال «هجل» يُخاطبه: «من أن يُسلِّم بأن الذات عدَم كذلك، إذ إنها لا تستطيع الوجود إلا إذا قَيَّدَتْها اللاذات.» وهكذا انتهت مثالية «فخته» في حقيقة أمرها كما قال «جاكوبي Jacobi» إلى عدمية؛ فهو في محاولته أن يجعل الطبيعة حالةً سلبية فقط، أي شيئًا ذهنيًّا خلقَتْه الذات، وأن يُعظِّم من شأن الذات إلى جانب ذلك فيجعلها هي الحقيقة وحدَها، قد عمل — وهو لا يدري — على تحويل تلك الذات التي أراد الإكبار من شأنها إلى طيفٍ خافت وشبَحٍ ضئيل.

لهذا نشأت الحاجة إلى فلسفة «شلنج» التي جاءت فكمَّلت مثالية «فخته» الناقصة؛ لأن الطبيعة لا يُرضيها من غير شكٍّ أن تُعَدَّ جزءًا من اللاذات وكفى، وهي إنما تطلُب ما يُبرِّر وجودها من حيث هي عنصر كالفِكر سواءٌ بسواء. هذا الإهمال من «فخته» للطبيعة وحصرها في أضيَقِ حيِّزٍ هو الذي دعا «شلنج» إلى القول بأنَّ العقل يستطيع أن يجِد نفسه في الطبيعة كما يجِدها في الذات تمامًا. ألم يقُل «فخته» إن المعرفة وحدَها هي التي تتمتَّع بالوجود دون الأشياء نفسها، وإنَّ كل ما نحن مُدرِكوه هو تفكيرنا ليس إلا؟ فقال «شلنج» إنه لو كانت هناك معرفة لوجَب حتمًا أن يكون ثمَّة شيء يُعْرَف، أو بعبارةٍ أخرى، إذا سلَّمْنا بوجود المعرفة للَزِم أن نُسلِّم بوجود الكون. وعلى ذلك فهو يتناول مبدأ «فخته» القائل: «إنَّ الذات هي كلُّ شيء.» فيُحوِّره لكي يلائم وجهة نظرِه فيجعله «كل شيء هو الذات.» وهو يريد بهذه العبارة أنَّ عُنصرًا بعَينه يتجلَّى في العالمَين: الطبيعي والروحي على السواء، «فالطبيعة عقل منظور، والعقل طبيعة مُختفية.»

وُلِد فردريك ولهلم شلنج Friedreich Wilhelm Schelling في ليونبرج  Leonberg  سنة ١٧٧٥م، ولقد بلغ من حِدَّة ذكائه أنَّ عقله كان أسبق من سِنِّه، فما كاد يبلُغ عامَه الخامس عشر حتى تهيَّأ لدخول الجامعة (جامعة تيبنجن Tübingen)، فكان في عهد الطلَب بالجامعة رفيقًا لهجل، ولمَّا أوشكت أعوام الدراسة الجامعية أن تتم، نشَر كتابَيه الأوَّلَين في الفلسفة، وقد كتبَهُما من وجهة نظر «فخته»؛ لأنه كان ما يزال مؤيدًا لها، ثم عُيِّن في سنة ١٧٩٨م مُدرسًا في يينا، فما انسلخ عام واحد حتى خلَف «فخته» في كُرسيِّه بالجامعة، ولقد كان وهو في يينا يُحرر «الصحيفة النقدية في الفلسفة»، وكان يُعاونه في تحريرها «هجل»، ثم انقضت أعوام قلائل وعُين عضوًا للأكاديمية في ميونخ، وقد أصبح رئيسًا لها بعد وفاة سلَفِه «جاكوبي» Jacobi. ولمَّا كان عام ١٨٤١م ارتحل إلى برلين حيث ألقى عدَّة محاضرات في الفلسفة، وفي فلسفة الوحي بوجهٍ خاص، وأخيرًا لاقي مَنيَّتَه في روجاتز Rogatz في سويسرا سنة ١٨٥٤م، فجُمِعت مؤلَّفاته كلها في أربعة عشر مجلدًا.

وليس من اليسير أن نُقدِّم للقارئ صورةً مُختصرة لفلسفة «شلنج»؛ لأنَّ مؤلفاته لا تكوِّن وحدةً فلسفية، ولكنها سلسلة من الآراء تُصوِّر المراحل العقلية المُتعاقِبة التي سار فيها «شلنج». ولقد أجمع مؤرِّخو الفلسفة على أن يقسِّموا فلسفته تقسيمًا زمنيًّا، فمرحلة كان فيها متأثرًا «بفخته»، ومرحلتان برزَتْ فيهما آثار «سبينُوزا وبوهمه» واضحةً جلية، ورابعة اصطبغ فيها بمسحةٍ صوفية.

(١) الفترة الأولى: «شلنج» تلميذ «لفخته»

استهلَّ «شلنج» حياته الفكرية تلميذًا «لفخته»، وتابعًا من أتباعه، يرى أنَّ الذات هي مبدأ الفلسفة الأسمى، وأنها تُقرِّر نفسها بالتغلُّب على القيود التي أنشأتها لنفسها، ولكن «شلنج» خطا في كتابه الذي ألَّفه في الذات خطوةً نحو التفكير في ذاتٍ مطلقةٍ تضمُّ بين دفَّتَيها الطرفَين المتعارضَين: الذات واللاذات، فهو يعتقد اعتقادًا جازمًا بوجود العالم الموضوعي إلى جانب العالم الذاتي، وعندَه أنَّ كليهما صادر من أصلٍ بعَينه، فنحن لا نستطيع أن نُدرك أنفسنا إلا إذا أدركْنا وجود شيءٍ خارج أنفسنا، كما أنه لا يُمكننا أن نُدرك وجود شيءٍ خارجي كائنًا ما كان بغَير أن نربط علاقةً بينَه وبين وعينا، وإذن فالنتيجة أنَّ كليهما موجود، وإنهما ليسا مُنفصلَين، بل هما مُتَّحِدان مندمجان في أصلٍ أسمى منهما، هو مبدأ الفلسفة الحق، وأعني به «الذات المطلقة»، ولا يتاح للإنسان أن يفهم ذلك الكائن المُطلق إلا بإلهام البصيرة الذي يقول «شلنج» إنها مبثوثة في الناس أجمعين، وهو هنا يُعارض «كانْت» فيما ذهب إليه من أنَّ معرفة البشر محدودة بظواهر الأشياء، فيقول: إن للناس هذه الملَكة العجيبة التي يُمكنهم بها أن يشهدوا الذات المُطلقة التي هي أساس كل حقيقةٍ ومصدر كل عِلم.

(٢) الفترة الثانية: فلسفة الطبيعة والمثالية السامية (١٧٩٦–١٨٠٠م)

وفي هذه المرحلة ترى «شلنج» يُكمِل مذهب «فخته» في الذات، بأن يُبيِّن أن الطبيعة بأثرها يمكن اعتبارُها وسيطًا ترتفع به الروح إلى مرتبة إدراك نفسها، وبذلك تُكمِل المثاليةُ الموضوعيةُ المثاليةَ الذاتية.

ففي هذه الفترة يبدأ «شلنج» في مخالفة «فخته» بتكوين فلسفةٍ جديدة، خُلاصتها أن الطبيعة ليست أقلَّ من العقل في أنها صورةٌ تتجلَّى فيها الذات المُطلقة. فالمادة والعقل كلاهما جانبان لوحدةٍ أسمى، إذ الطبيعة روح مرئية والروح طبيعة خفيَّة، والأولى تُكمل الثانية. [هذا يذكّر باسبينوزا]

فالذات ترى نفسها في الطبيعة، كما تُدرك الطبيعة نفسها في الروح (أي الذات أو النفس أو العقل)، فلو تأمَّلْتَ صنوف المادة لرأيتَ كلَّ شيءٍ فيها يرمز إلى الروح، وكل نبات وكل حيوان مهما دنَتْ مرتبته في سُلَّم الكائنات هو في حقيقة أمره خفقة روحية قد وجدَت سبيلها إلى الخارج، بل الكون بأسرِه عبارة عن كائن عضوي واحد يقَع في مراتب تختلف علوًّا وسفلًا، والغرَض من الطبيعة هو أن تبرُز فيها الروح وتتجلَّى، وهي إنما تصِل إلى ذروتها في الإنسان، ومعنى ذلك كله أنَّ الطبيعة والروح جانبان لحقيقةٍ واحد. ومن أجل هذا يرى «شلنج» أن معرفة الإنسان تتألَّف من الفلسفة والفيزيقا «الطبيعة»، فالأولى تبدأ دراستها بالبحث في الفكر، ثم تُحاول أن تخلُص منه إلى الطبيعة، والثانية تبدأ سَيرها من الطبيعة لتشقَّ طريقها صُعدا إلى الفكر المُطلق.

  • (أ) 

أما فلسفة الطبيعة، فتصوِّر لنا العالم العقلي فيما نراه في عالم الظواهر الطبيعية من أشكالٍ وقوانين، وإذن فموضوع تلك الفلسفة الطبيعية هو أن تستمِدَّ صورة العقل من الطبيعة.

والطبيعة في فاعلية دائمة ونشاطٍ مُتواصِل، وكل ما ترمي إليه هو الحياة، ولكنها تسعى إلى الحياة الكاملة، ولذا ترى العقل المبثوث في ظواهر الطبيعة يُجاهد؛ لكي يصعد من صورةٍ مادية دُنيا إلى صورةٍ أعلى فأعلى، حتى تبلُغ إلى مرتبة الكائن العضوي الذي يتمكَّن فيها من الإدراك، ويُقسِّم «شلنج» فلسفته الطبيعية إلى أجزاءٍ ثلاثة:

    • (١)

الطبيعة العضوية.

    • (٢)

الطبيعة اللاعضوية.

    • (٣)

التبادُل بين الطبيعتَين.

أما الطبيعة العضوية ففاعلية لا نهائية، وهي عبارة عن قابلية للإنتاج لا تنتهي، ونتيجة هذه الفاعلية المُنتِجة هي تكوُّن مخلوقاتٍ نهائية (هم الأفراد طبعًا)، ولكن الطبيعة لا تُعنى بهؤلاء الأفراد عنايتها بالجنس كله، وهي في فاعليتها المُنتِجة تحاول — ما وسعها الجهد — أن تسمُوَ فيما تُنتِج من صور، وأهم ما يُميِّز الطبيعة العضوية التناسُل والشعور، وكلما رجحت كفَّة الشعور في الكائن علَتْ منزلته في سُلَّم الكائنات.

وأما الطبيعة اللاعضوية فتدأب على مُعارضة الطبيعة العضوية ومقاومتها، وبينما تُنتِج هذه فلا إنتاج لتلك، فهذه الأخيرة كتلة من المادة يُمسك بعضها إلى بعض عوامل خارجية.

ولكن لمَّا كانت الطبيعة العضوية والطبيعة اللاعضوية لا يمكن لإحداهما أن توجَد مستقلةً عن قرينتها، فهما مُتَّصِلتان تؤثر الواحدة في الأخرى، هذا وإنهما لا بدَّ أن تكون الاثنتان كلتاهما قد صارتا عن أصلٍ واحدٍ مُشترك، هو مبدأ الحياة أو هو نفس العالم الذي تتلاشى فيه أوجه الخلاف بين الطبيعتَين.

  • (ب) 

وتُكمل فلسفة الفكر فلسفة الطبيعة، فكما أن هذه نظرَتْ إلى الطبيعة لتُصوِّر العقل، فتلك تبحث في الفكر لتبنِيَ الكون من وجهة نظر العقل، ويُقسِّم «شلنج» هذه الفلسفة الفكرية إلى ثلاثة أقسام: [الحق والخير والجمال]

    • (١)

الفلسفة النظرية وموضوعها شرْح العالم الباطني للذَّات وتعليله، وعليها أن تُبيِّن المراحل التي يجتازها العقل وهي الإحساس، فالإدراك الحسِّي، فالتأمُّل.

    • (٢)

الفلسفة العملية وهي تبحث في تصرُّف الذات وعملها، أعني في الإرادة التي تحاول أن تُحقق نفسها فيما يعمل الفرد والدولة.

    • (٣)

فلسفة الجمال والفن، وهنا يقول «شلنج» إنَّ العقل لا يُحقِّق نفسه في أسمى صُوَرِه إلا في الفن، فبالفنِّ يصِل العقل إلى ما لم يستطِع تحقيقه بجانبه النظري أو بجانبه العملي؛ لأنَّ العقل يُدرك نفسه في الفنِّ إدراكًا كاملًا، فالفنُّ هو أساس الفلسفة، بل هو مرتبة فوق الفلسفة؛ وذلك لأنَّ الاندماج بين الذات والشيء يكون تامًّا مُطلقًا في آيات الفنِّ كالشِّعر والتصوير، فقد رأى «شلنج» في الإنتاج الفني مثلًا مُجسَّدًا لاتِّحاد ذات الفنان بموضوع فنِّه.

(٣) الفترة الثالثة: اندماج الذات بالشيء

يستهلُّ «شلنج» هذه الفترة بقوله: إن العقل المُطلَق هو عبارة عن تمام الاندماج بين الذات والشيء، والمطلق The Absolute هو الذي يشطُر نفسه شطرين: عالم الحقيقي الواقع، وعالم المِثالي العقلي، على أنه يظلُّ ممسكًا في نفسه اندماج الشطرين، ولذلك كثيرًا ما كانت تُسمَّى فلسفة «شلنج» بفلسفة الاندماج، والعقل هو النقطة التي يتلاقى عندها الجانبان ويندمجان، وإذن فلا يمكن أن تَصِحَّ وجهة نظر الكائن إلا إذا صعد إلى حيث العقل، ولكن ينبغي أن نلفِتَ النظر إلى أنه على الرغم من أنَّ الذات والشيء كليهما موجودان في العقل الأسمى، إلا أن هذا العقل الأسمى نفسه في الوقت ذاته يجرِّد نفسه منهما — وعلى الفلسفة أن تسقط من حسابها كل ما هنالك من أوجه الخلاف بين الذات والشيء، وأن ترى الحقائق كلها في ضوء العقل المُطلق — فالذات والشيء موجودان في كل شيء، والفرق بين شيءٍ وآخر هو رُجحان جانب الذات فيه، أو الجانب الطبيعي المادي منه.

وهذا التقابُل الذي تراه بين الحقيقي والمثالي، أو بلفظٍ آخر بين جانب المادة وجانب العقل، أو بعبارةٍ ثالثة بين الطبيعة من ناحيةٍ والتاريخ من ناحيةٍ أخرى (الطبيعة هي مجموع الأشياء مُتَّصِلة، والتاريخ هو فعل العقل المُستمر)، نقول إنَّ هذا التقابل الذي تلمحه بين الجانب الواقعي والجانب المثالي من الحقيقة، ترى تقابلًا نظيرًا له في مراحل التاريخ نفسه، فالعالم القديم بما كان يسُود فيه من دياناتٍ طبيعيةٍ يُمثِّل الجانب الذي ترجح فيه كفة الطبيعة، بينما ديانة العالم الحديث هي المسيحية التي نُرجِّح فيها النزعة المثالية التفكيرية. ولو أنتَ أنعمتَ النظر في سير التاريخ ألفيْتَه قد اجتاز مراحل ثلاثًا: مرحلة الطبيعة التي وصلت إلى عنفوانها في الشعر الإغريقي والدِّيانة الإغريقية، ومرحلة الرُّكون إلى القدَر التي جاءت ختام العالَم القديم، ثم مرحلة الحِكمة الإلهية التي بدأت بالمسيحية، إذ أصبح الله موضوعيًّا لأول مرةٍ في التاريخ بأنْ تمثَّل في المسيح.

(٤) الفترة الرابعة

يميل «شلنج» في آخر مراحلِه الفلسفية إلى النزعة الصوفية مُتأثرًا بالأفلاطونية الجديدة، كما تأثر كذلك «بجاكوبي وبوهمه»، ولقد كتَب في هذه الفترة كتُبًا ثلاثة تمثِّل وجهة نظره حينئذٍ، وهي «الفلسفة والدين»، «مباحث في طبيعة الحرية البشرية»، «فلسفة الأساطير والوحي».

وهو يُعالج — في كتابه عن الحرية — العلاقة بين إرادة الإنسان وإرادة الله، فيقول: إن إرادة الله هي التي خلقَتِ الأشياء كلها بما في ذلك الإنسان، ولكن للإنسان جانبَين، أو إن شِئتَ فقُل: إرادتَين، فهو حيث عقله أداةٌ لإرادة الله العامة، أعني أنه — ككائنٍ ذي عقل — ينسجم مع إرادة الله، ولا يكون ثمَّة مِن تَضادٍّ. أما من حيث جانبه الطبيعي — أي جسده — فله إرادة خاصة به لا تسير مع إرادة الله في اتجاهٍ واحد، ومن هاتَين الإرادتَين المُتعارِضَتَين اللتين تتجاذبان الإنسان يقع الخير والشر، فرُجحان إرادة الإنسان الخاصة هو الشر، ولا يمكن لأحدٍ سوى الله أن يوحِّد بين الإرادة الفردية والإرادة العامة، ثم لا يستطيع الله أن يقوم بذلك التوحيد إلا إذا اتَّخذ لنفسه طبيعة الإنسان، ولقد شهِدْنا على مسرح التاريخ ما وقع بين الإرادة الفردية والإرادة العامة من صِراع، فجاء المسيح إلهًا في إنسان؛ لكي يُوفِّق بين الإرادة الفردية وإرادة الله، حتى تتَّحِد الإنسانية بالله.

 


ليست هناك تعليقات: