الأحد، 15 أغسطس 2021

في الفرق بين أحاسيسِنا والأشياء المحدثة لها؛ ديكارت؛ ترجمة إميل خوري.

 


 


 

في الفرق بين أحاسيسنا والأشياء المحدِثة لها

ديكارت

 عن كتاب العالم

ترجمة إميل خوري

دار المنتخب العربي

الطبعة الأولى 1999

الفصل الأول

 

لمّا كنتُ عازماً على أن أبحث هنا في النور، فإن أول ما أريد تنبيهكم إليه هو إمكان وجود فرقٍ بين الإحساس الذي لدينا عنه، أي الفكرة التي تتشكّل عنه في مخيلتنا بتوسط عيوننا، وبين ما هو في المواضيع ويحدِث فيها هذا الإحساس، أي ما هو في اللهب أو في الشمس والمدعو نوراً. لأنه، ومع أنّ كل واحد يظنّ عادةً أنّ الأفكار التي في فكرنا مشابهةٌ تماماً للمواضيع التي تصدر عنها، فإنني لا أرى حجة نأمن معها إلى صحة ذلك، بل ألاحظ، على العكس، عدة تجارب يجب أن تجعلنا نشك فيه.

تعرفون جيداً أن الكلام، الذي لا يشبه البتّة الأشياء التي يدل عليها، لا يكف عن جعلنا نفهمها، وحتى دون أن ننتبه غالباً لا إلى صوت الكلمات ولا إلى مقاطعها؛ بحيث إنه قد يحصل بعد سماعنا قولاً فهمنا معناه فهماً بالغة الجودة، أن لا يكون بمقدورنا القول بأية لغة قد ألقي. والحال إنه، إذا كانت كلماتٌ لا تدل على شيءٍ إلا بمواضَعةِ الناس، كافيةً لتجعلنا ندرك أشياءَ لا تشبهها البتّة، فلماذا لا يكون بوسع الطبيعة هي الأخرى أن تكون قد وضعت علامة ما، تجعلنا نمتلك إحساس الضوء، رغم إن هذه العلامة ليست في ذاتها شيئاً مشابهاً لهذا الإحساس؟ أو لم تضع كذلك الضحك والدموع لتجعلنا نقرأ الفرح والحزن على وجوه الناس؟

ولكن ربما ستقولون إن آذاننا وعيوننا لا تجعلنا، في الحقيقة، نحس إلا بصوت الكلام أو بسحنة الشخص الذي يضحك أو يبكي، وإن ذهننا هو الذي يصور لنا في الوقت عينه دلالة هذا الكلام وهذه السحنة بعد أن يكون قد حفظها. على هذا يمكنني الرد أنّ ذهننا مع ذلك هو الذي يصوّر لنا فكرة النور، كل مرة يلامس فيها الفعل الدال عليها عيننا. لكن دون أن أضيع الوقت في هذا الجدال يجدر بي أن أضرب مثلاً آخر.

هل تظنون، أنه حتى لو كنا نسمع صوت الكلمات دون الانتباه لدلالتها، إن فكرة الصوت التي تتشكل في فكرنا، هي شيءٌ مشابه للموضوع الذي هو سببها؟ يفتح رجل ما فمَه، ويحرّك لسانه، ويخرِج نفَسَه، لا أرى شيئاً في كل هذه الأفعال، إلا وهو جد مختلف عن فكرة الصوت التي تجعلنا تلك الأفعال نتخيلها. وغالبية الفلاسفة يؤكدون أن الصوت ليس سوى ارتجافٍ ما للهواء يأتي ليطرق آذاننا، على نحوٍ أنه لو كانت حاسة السمع تحمل إلى فكرنا الصورة الحقيقية لموضوعها، لكان يجب أن تجعلنا، بدل أن ندرك الصوت، أن نتصوّر حركةَ أجزاء الهواء الذي يرتجف، بناء على ذلك، بإزاء آذاننا. لكن ولأنّ كل الناس ربما لا يريدون تصديق ما يقوله الفلاسفة فسأضرب مثلاً آخر.

اللمس هو، من بين حواسنا كلها، الحاسة التي تعتبر أقلها خداعاً وأكثرها يقيناً؛ على نحوِ أنني لو بينت لكم أن اللمس نفسه يجعلنا نتصور عدة أفكار، لا تشبه، بأي شكل، المواضيع التي تحدِثُها، فإنني لا أظن أنكم ستستغربون، لو قلت إن المسألة هي نفسها بالنسبة لما يمكن أن يقوم به النظر. والحال أنه لا يوجد أحدٌ لا يعرف أنه ليس لفكرتيّ الدغدغة والألم، اللتين تحدثان في فكرنا عند مصادفتنا للأجسام الخارجية التي تلمسنا، أيّ تشابه مع هذه الأجسام: تمرّ ريشةٌ بتؤدةٍ على شفتي ولدٍ نائم فيحس بأن يدغدَغ: هل تظنون أن فكرة الدغدغة التي يتصوّرها تشبه في شيء، ما هو كائن في هذه الريشة؟ يعود خيّال من معترك: أثناء حرارة القتال، كان يمكن أن يُجرَح دون أن يلاحظ ذلك لكنه الآن، وقد بدأ يبرد، أخذ يعر بالألم ويعتقد بأنه مجروح: نستدعي جرّاحاً، ننزع أسلحتَه، نقوم بزيارته، ونجد أخيراً أن ما كان يحس به ليس سوى زردة أو حزامٍ دخل تحت أسلحته، وأخذ يضغط عليه ويزعجه. فلو كانت حاسة اللمس لديه، وقد جعلته يحس بهذا الحزام، قد طبعت صورته في فكره لما كان بحاجةٍ لجرّاح لينبّهه إلى ما يحسّ به.

والحال أنني لا أرى سببا يجبرنا على الاعتقاد بأن ما هو كائن في المواضيع التي يأتينا منها إحساس الضوء، هو أكثر تشابهاً بهذا الإحساس من تشابه فعل الريشة والحزام بالدغدغة والألم. ولم آتِ بهذه الأمثلة، على حل حال، لأجعلكم تعتقدون اعتقاداً قاطعاً بأن هذا النور في الأشياء هو غيره في عيونا؛ ولكن فقط لكي تشكّوا في ذلك، ولكي يمكنكم، بالاحتراز من الانشغال بنقيض ذلك، أن تتفحصوا معي الآن المسألة بصورة أفضل.


ليست هناك تعليقات: