الأربعاء، 17 مايو 2017

العلوم الطبيعيَّة والعلوم الإنسانيَّة (ج2)؛ معاذ قنبر.




العلوم الطبيعيَّة والعلوم الإنسانيَّة (ج2)
معاذ قنبر  مايو 8, 2017  63



الإشكاليات النظريَّة بين العلم الطبيعي والإنساني:
بما أنّ العلوم تتمايز بموضوعاتها، فهي تختلف كذلك بمنهاجها، لذلك لا يمكن الحديث عن منهاج عام للعلوم، للكشف عن الحقيقة في كل ميدان، بل فقط عن مناهج علمية، إنّ لكل علم منهاجه الخاص، تفرضه طبيعة موضوعه. وهنا بالذات تتجلى إشكالية الربط التام بين ميدان العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.
ولنبدأ من حيث انتهينا في الفقرة السابقة وهي العلاقة بين الذات والموضوع التي انطلق منها علماء الإنسان للربط بينها وبين علوم الطبيعة. فموضوع العلوم الطبيعية هو الطبيعة، وهدفها الأساسي هو البحث عن الثابت، والنسقي، والمتكرر، لذلك لا يصعب عليها أن تدرس الظواهر باعتبارها أشياءَ خارجيةً لا ترتبط بالإنسان، وبوعي الجماعة. أما موضوع العلوم الإنسانية، هو السلوك الإنساني، لذلك فإنّ أي تحريف يسعى إلى الخلط بين الموضوعين، سيؤدي إلى نتائج مضللة، لأنّ ذات المفكر ستكون حاضرة بالضرورة أثناء معالجته لموضوعه، فلكي يضبط تسلل أحكامه الجاهزة المسبقة، عليه أن يقننها و يعيها، باختصار، عليه أن ينطلق من تصور فلسفي يحدد خطوات بحثه، وأن يكون واعياً بالموقف الأيديولوجي الذي يصدر عنه، لهذا يجب أن نفصل بدقّة، بين الموضوعية في العلوم الطبيعية، والعلوم الإنسانية. فإذا كانت الموضوعية في العلوم الإنسانية لها طابعها المميز، الذي لا يتنافى مع الإدماج الواهي لذات المفكر في الموضوع المدروس، فإنّ أي علم إنساني يتقصد استعارة المناهج الوضعية بهدف تطبيقها على موضوعه، مُدعياً أنه بعمله هذا يبعد التشويش الأيديولوجي، فإنّه سيقع في مشكل أكبر، هو اشتغال الأيديولوجية في لا وعيه، وتأثيرها في بحثه بشكل ضمني، يمكن أن يغلف حقيقة الواقع.[1] ذلك أنّ علم الطبيعة يهدف في النهاية إلى التفسير  العلّي للظواهر، أمَّا علوم الإنسان، كعلم الاجتماع، فيهدف إلى إدراك الأغراض والمعاني، وفي علم الطبيعة، تُفسر الحوادث تفسيراً كمياً محكماً، ويكون هذا التفسير بواسطة الصيغ الرياضية، أمَّا غالبية العلوم الإنسانية لا سيّما الاجتماع، غالبا ما تحاول فهم التطورات التاريخية بواسطة طابع كيفي.
ومن الإشكاليات التي تقع في فهم العلاقة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية بشكلها العام، هناك مشكلة الجوهرية، والإسمية. فعلوم الطبيعة، تبحث عن جوهر ثابت تبني فوقه مفاهيمها، في حين أن علوم الإنسان، تبحث بما هو كائن، والحجة النمطية التي تساق في هذا الإطار هي أن الفيزيائي يتعامل مع أشياء كالطاقة أو الذرات، التي تبدي درجة من الثبات رغم تغيرها، وبالتالي يمكنه أن يصف التغييرات في هذه الكيانات الثابتة نسبياً، ولا يحتاج إلى بناء، أو كشف جواهر، أو صور كيانات ثابتة متشابهة، لكي يحصل على شيء، ما دام يمكن وصفه بعبارات محدّدة، أمّا العالم الاجتماعي فهو في وضع مختلف، إذ إنّ مجال اهتمامه الكلّي يتغيّر، فلا وجود لكيانات دائمة في المجال الاجتماعي، حيث يقع كلّ شيء في نطاق التَّدفق التاريخي، فكيف يمكن مثلاً أن ندرس الحكومة؟ وكيف يمكننا أن نماثل بينها مع تنوع المؤسسات الحكومية الموجودة في أقطار مختلفة، وفي فترات تاريخية مختلفة دون افتراض أن لها شيئاً ما جوهرياً مشترك؟ فنحن نطلق على مؤسّسة ما اسم حكومة، إذا كنّا نعتقد أنّها في جوهرها حكومة، أي إذا استجابت إلى حدسنا عن ماهية الحكومة، هو الحدس الذي يمكننا من صياغته في تعريف. وينسحب الشيء نفسه على الكيانات السيسيولوجية الأخرى، مثل المدينة، فيلزم أن ندرك جوهرها، كما تقول الحجة التاريخانيّة، وأن نصوغها في شكل تعريف. [2]
أمَّا الإشكاليّة الأهمّ بين نموذجي العلم، الطبيعي والإنساني، فهي التجريب. فعند الحديث عن العلم الطبيعي بصورته الحديثة، نجد بيكون أول من وضع طريقة اعتبرها أساس لإصلاح أساليب التفكير وطرق البحث، وفي تلك الطريقة انتقد الفلاسفة السابقين عقلانيين وتجريبيين، قائلاً بأنّ: “الأولين كانوا كالعنكبوت الذي يبني منزله من داخله، والآخرون كانوا كالنمل الذي يجمع من الخارج زاده”. في حين كان يرى أنّ الفيلسوف الحقّ – العالم بطبيعة الحال – هو الّذي يعمل كالنّحلة الَّتي تجمع الرحيق من الأزهار لتصنع منه عسلاً مصفّى، إنّ عليه أن يأخذ من الظواهر والحوادث، وبواسطة التجربة، ما يبني به العلم والفلسفة، وبالدرجة الأولى بالعلم النّافع، وذلك لا يكون بالجدل العقيم، بل بالسَّيطرة على الطَّبيعة. [3] ولا يمكن، في الواقع، إنكار قيام المنهج العلمي على وقائع تجريبيّة استقرائيّة، بحيث  أنّ ظاهرة واحدة معاكسة يمكن أن تهدم النظريّة بأكملها، تلك النّظرة تخالف التفكير الفلسفي، ذا النزعة الاستنتاجيّة، فالفكر الديكارتي، كان ينزع إلى التَّعميم، ولا يعير أهميّة كبيرة للحوادث النّادرة، و هو يصرح بأنه رد الظواهر العامة إلى المبادئ الأولية ، لتكون النظرية صحيحة ، حتى لو بقيت هناك حوادث جزئية لا تستوعبها النّظريّة، وهذا الموقف معروف أنّه غير علمي [4]، أو لم يعد كذلك.
ومن المعروف أنّ الهدف الأوّل للعلم التجريبيّ، هو الاطّلاع على الظّواهر ووصفها وتصنيفها وتحليلها، والانتقال من التّعميم البسيط، إلى التّعميم المنظّم، وإرجاع كثرة الحوادث، إلى وحدة الفكرة، وتأليف الأنواع، والأجناس، وإظهار وجه الشّبه والاختلاف بينهما، ثمّ تعريف الأنواع والأجناس، وتحديد صفاتها العامة الثابتة. [5] والهدف الثاني للعلوم  التجريبية هو الاستقراء، إذ يعتمد المنهج التجريبي على الاستقراء أساساً، ولكن ليس الاستقراء الأرسطي، بل الاستقراء العلميّ. ذلك أنّ الاستقراء الأرسطيَّ هو استقراء للكيفيّات والخصائص، يقفز من الوقائع الجزئيّة إلى القانون العام، وهو يكتفي بوصف الظواهر وصفاً كيفياً، فلا يقدم كثيراً في مجال المعرفة العلميّة. أمّا الاستقراء العلمي، فهو لا يقف عند حدود تعداد الظّواهر، والاستعراض الكيفي للصّفات، بل إنّه يعتمد أساساً على دراسة حالة واحدة واستقراء الأوجه الّتي تتمظهر فيها، وتحليل العناصر التي تتألف منها، وهو ما يسمَّى اصطلاحياً بالتَّحليل. والبحث عن العلاقات الدَّائمة والنّسب الثابتة المحيطة بالأشياء، وتسمّى هذه العلاقات “قوانين الطبيعة” الّتي تفسّر لنا ظواهر الطّبيعة، فتكون أوّل الأمر كيفيّة، ثمّ تصبح كميّة، نصل إليها عن طريق التجربة. هذا هو التّصور الّذي ساد في العصور الحديثة بدءاً من القرن السابع عشر. وقد اشتملت العلوم الطبيعيَّة في هذه المرحلة على أمرين: الأمر الأوّل، هو تفسير الحوادث الطبيعية من خلال القوانين كعلم الفيزيولوجيا، الّذي عبّر عن الظّواهر الماديّة الحيّة، والفيزياء، الّذي عبّر عن الظّواهر الماديّة غير الحيّة. والأمر الثّاني، هو تعريف الموجودات وتصنيفها، كعلمي الحيوان والنَّبات .[6]
وكما يعتمد المنهج التجريبي على الاستقراء العلمي ، أو التحليل . يعتمد كذلك على الاستنتاج ، أو التركيب . فالملاحظة ، والتجربة ، توحيان أثناء التحليل بالفكرة ، أو الفرضية ، ومنها ينطلق الباحث في عملية متنامية يركب فيها العناصر التي تم الكشف عنها أثناء التحليل ، إلى أن يصل إلى صياغة قانون عام يعممه على جميع الظواهر .[7] والعلوم الطبيعية – لا سيما الميكانيك  والفيزياء والكيمياء – تنطلق من مبادئ يستند إليها العلماء ، وينتقلون منها إلى القوانين العلمية الخاصة ، وكل مبدأ من هذه المبادئ ، يشتمل على معنى أساسي غير مشتق من معنى آخر قبله ، وبعض هذه المبادئ خاص ، ينفرد به علم معين ، أو قسم من أقسام ذلك العلم، كمبادئ الديناميك الثلاثة في الميكانيك ، (مبدأ العطالة أو القصور الذاتي – مبدأ غاليليو – مبدأ تساوي الفعل ورد الفعل) ومبدأ باسكال ، ومبدأ أرخميدس ، ومبدأ ثبات سرعة الضوء عند أينشتاين ، ومبدأ بلانك. وكذلك مبادئ الكيمياء الحرارية الثلاثة. إذ نجد بعض هذه المبادئ عاماً جداً ، تخضع له عدة علوم ، كمبدأ مصونية الطاقة والكتلة ، ومبادئ القوى الحرارية في الترموديناميك. ويلاحظ أن هذه المبادئ عبارة عن فرضيات، منطبقة على التجربة، إلا أن التجربة لا تحققها تحقيقاً تاماً، أي أنها مقتبسة من التجربة، مع أنها ليست متحققة بذاتها في الأشياء المادية، فلا يمكن اقتباسها من العالم المحسوس، إلا إذا تعاون العقل و التجربة على توليدها .[8]
وإذا انتقلنا إلى العلوم الإنسانيّة، نجد أن هناك إشكاليات تتعلّق بالمعنى المنهجي لتطبيق التّجريب فيها، ومن تلك الإشكاليات، قضية التّفاعل بين الذّات والموضوع، الخاصّة بهذه العلوم، وترجع إلى كون تطبيق التّجريب بالمعنى المستخدم في علوم الطبيعيّة، على علوم الإنسان، صعباً للغاية، ففي حالة علم النّفس، ليس التّجريب من حيث المبدأ، أكثر تعقيداً منه في علم الحياة، لكن الفرق ناجم عن كون الباحث لا يحق له إخضاع كائنات بشريّة لأيّة تجربة، وما أن يدور الأمر حول ظواهر جماعيّة، كما في علم الاجتماع، والاقتصاد، واللّغات، والسّكان، حتّى يصبح التّجريب بالمعنى الدّقيق للكلمة، أي بوصفه تغييراً للظّواهر يرافقه تحويل حر للعوامل، مستحيلاً، ولا يمكن إلاّ الاستعاضة عنه بالملاحظة المنظّمة الّتي تستخدم تحوّلات الواقعة، وتقوم بتحليلها رياضياً ومنطقياً. ذلك أنّ العلوم الطبيعيّة عندما تستخدم منهج التجربة، فإنّها تتوسّل إلى عزل الظواهر الطبيعيّة صناعياً والتّحكم فيها، حتّى تتوصّل إلى تحقيق الظّروف المتماثلة مرّة بعد أخرى، وما يترتب على هذه الظّروف من نتائج معينة، وواضح أنّ هذا المنهج يعتمد على الفكرة القائلة بأنّ الأمور المتماثلة تحدث في الظّروف المتماثلة. لكن هذا المنهج يصعب تطبيقه في علم الاجتماع، وإن طبق فهو عديم النّفع، لأنّه ما دامت الظروف المتماثلة لا تتحقّق إلاّ في حدود الفترة التاريخيّة الواحدة ، فلن يكون لأيّة تجربة نجربها إلاّ دلالة محدودة جدّاً، كما أنّ التّجارب الاجتماعيّة الواسعة النّطاق، ليست تجارب بالمعنى الفيزيقي، بل يُقصد بها تحقيق النصر السياسي، وهي لا تجري في المعمل بمعزل عن العالم الخارجي، وليس من الممكن تكرارها في ظروف مماثلة، من حيث أنّ الظّروف تغيّرت نتيجة لإجرائها في المرّة الأولى .[9]
و لما كان موضوع العلوم الإنسانيّة هو الإنسان في فعالياته الّتي لا تحصى، ولما كانت مُعدّة من قبل الإنسان بفعالياته المعرفيّة، وجدت نفسها، وقد وضعت في هذا الموضع الخاص، موضع توقفها على الإنسان في آن واحد ذاتاً وموضوعاً، ممّا يثير سلسلة المسائل الصعبة. فالشّخص الّذي يلاحظ ذاته، أو يجري التّجارب عليها، أو على الآخرين، يمكن من جهة، أن تغيره الظّواهر الملاحظة، أو يكون من جهة أخرى، منبعاً لتغييرات تطرأ على هذه الظّواهر، وتبعاً لمثل هذه الأوضاع في حالة علوم الإنسان، يخلق إشكالية كون الإنسان في آن واحد ذاتاً، وموضوعاً، وتلك صعوبات إضافيّة بالقياس إلى العلوم الطبيعيَّة، إذ تتمثّل المشكلة بالفصل بين الذّات والموضوع. وبعبارة أخرى، إنّ الانفتاح اللاّزم للموضوعيّة أصعب بكثير في الحالة الّتي يتألّف فيها الموضوع من ذوات، ذلك لأنّ الحدّ الفاصل بين الذّات المتمركزة في ذاتها، والذّات الابستميّة المشتركة في جميع الأفراد الّذين هم من مستوى واحد مثل العلماء، يقل وضوحه بمقدار ما ينخرط أنا الملاحظ في الظّواهر الّتي يجب أن يكون قادراً على دراستها من الخارج، وكما أنّ الملاحظ يُحمّل بمقدار ما يكون معيناً، وبمقدار مَّا ينسب قيماً إلى الوقائع الّتي تهمّه على الاعتقاد بأنّه يعرفها معرفة حدسيّة، ويقل بقدر ذلك إحساسه بضرورة التقنيات الموضوعيّة.[10]
ثمّ كيف يمكن للتّجريب أن يتوافق مع أحكام القيمة؟ فالإنسان يمكن أن يكون – من حيث المبدأ – موضوعاً لعلم وصفيّ، لأنّه يمكن أن يخضع للملاحظة المنهجيّة، ولأنّ سلوكه، وإن كان فردياً، ينم عن اطرادات منتظمة، وعن صور إجماليّة تشهد بوجود طبيعة بشريّة يمكن تعميمها. وهنا بالتّالي يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أحكام “القيم”، وهي من العوامل الهامّة الّتي تضح حدوداً تميز بين العلوم الإنسانيّة، عن الطبيعيّة، تلك القيم من طبيعة إنسانيّة، وتظهر جلياً في الأحكام القانونيّة في هذه العلوم، على الأقل من حيث التّصورات الجزئيّة، فهل الأفضل في علم نفس التربية، المحافظة، أم عدم التّقييد؟. وفي علم الاجتماع، هل من الأفضل وجود نظم تعلم حرّة، أم ترجع لسلطة مركزيّة؟. وفي التّاريخ، هل المجتمع الطبقي مفيد، أم إلى زوال؟ (كلّ تلك الأحكام نجدها ترتبط مباشرة بخلفيّة الباحث وتصوّراته للعالم، هل هو محافظ أم متحرّر، يخضع لحكومة ديمقراطيّة أم مستبدة، له فلسفة محافظة أم ثوريّة) .[11]
وإذا كانت العلوم الطبيعيّة، تستطيع أن تكون مستقلة إلى حد ّمّا، عن كل حكم خاص بالقيمة، فلأن الإجماع المتعلق بضرورة تنمية سلطات الإنسان على الطبيعة قد تحقق، فالوفاق بين أحكام القيمة على هذا المستوى يعتبر واقعاً، والوحدة بين الفكر والفعل تعتبر حقيقة واضحة بالنسبة للجميع، وفي العلوم الإنسانيّة الوضع أكثر تعقيداً، فواقع أن هناك مجموعات اجتماعيّة مهمّة لها مصلحة في الحفاظ على الوضع القائم، وفي إعاقة كلّ تحوّل اجتماعي، يؤثّر على طبيعة الفكر التّاريخي والاجتماعي نفسه.[12]
والإشكاليّة نفسها تكون أكثر وضوحاً في علم التاريخ، إذ لا شكّ، أنّ التّاريخ مستحيل دون وجهة نظر، فعلم التاريخ، يجب أن يكون انتخابياً في اختيار وقائعه، وإلاّ خنقه سيل الوقائع المجدبة الّتي لا تربط بينها رابطة، ولا جدوى من محاولة تعقب العلل في الماضي البعيد، لأنّ وراء كلّ معلول عيني واحد نبدأ منه، عدداً هائلاً من العلل الجزئية المختلفة، أي وراءه كثرة بالغة التّعقيد من الشروط الأوليّة الّتي لا يحظى معظمها إلاّ بالقليل من اهتمامنا. ومثل هذه الطرق الانتخابيّة، تؤدّي في التّاريخ وظائف مماثلة في بعض الوجوه، للوظائف الّتي تؤديها النّظريات في العلم، ولهذا السبب، كثيراً ما فُهمت على أنّها نظريات، والحقّ أنّ هذه الطرق تحوي بالفعل بعض الأفكار النَّادرة الّتي يمكن وضعها في صيغة فروض قابلة للاختبار، ولكن الغالب على هذه الطرق هو وجهات النظر التاريخيّة، الّتي لا يمكن اختبارها، وعلى ذلك فإنّ كلّ الشّواهد الّتي يبدو أنّها تؤيدها، لا قيمة لها، مثل هذه النظرة الانتخابيّة، أو هذه البؤرة الّتي نركز فيها اهتمامنا التاريخي، إذا كان من المستحيل التّعبير عنها في صورة قابلة للاختبار، فنحن نطلق عليها عبارة (التّأويل التاريخي)، أكثر ممّا نطلق عليها اسم النظريات التاريخيّة.[13] لذلك فإنّ العمل الرَّئيسي للمؤرّخ، لا ينحصر في سرد  الماضي، بل في إصدار أحكام معياريّة لتحديد قيمته، إذ أنّنا لا نستطيع أن نكون لأنفسنا فكرة عن الماضي، ولا نستطيع فهمه فهماً كاملاً، إلاّ من خلال عيوب الحاضر، وإذا حللنا العمل الّذي يقوم به المؤرّخ في إعادة تركيب الماضي، وجدنا، في التّحليل الأخير، أن التاريخ هو ما يصنعه المؤرخون، ومع ذلك، فإنّ المقارنة بين وجهات نظر مختلفة لعدد من المؤرخين الذين عالجوا موضوعاً بعينه، تساعدنا على الوصول إلى درجة أكبر من الموضوعية.[14]  لذلك ينبغي على المؤرخ ألا يستهين بنصيب الأفراد في توجيه التاريخ، فإنّ بعض الأفراد قد يخلقون تقليداً اجتماعياً، أو دينياً، أو فنياً، أو علمياً، أو صناعياً، وقد يغير بعض الأفراد مجرى الحوادث السياسيّة، كالزعماء والقوّاد، ومن هنا نتبين خطأ هؤلاء الذين يحاولون دراسة التاريخ على نمط العلوم التجريبية تماماً، دون مراعاة لطبيعة الظواهر الإنسانية، فمن الضروري أن يفسح المؤرخ في تصنيفه المادة التاريخية، مجالاً لطبيعة الأفراد، وللحوادث الفردية الهامّة، والعرضية.[15] وعندما ننظر إلى التاريخ، باعتباره علم مفيد كالفيزياء والكيمياء، علينا ألا ننظر إليه من زاوية  الطرائق والتقنيات التي يمدنا بها عن العصور السابقة، لأنّها بالتأكيد لن تنفعنا الآن، فمعرفة الحرب القرطاجية لن تنفع في حروب اليوم، ولكن بالمقابل يجب أن نركز بالأساس على القيم والأهداف، وهنا جدوى هذا العلم. فما نبحث عنه في معرفة الماضي، هو نفسه ما نبحث عنه في معرفة الناس الحاليين، إنµها أولاً المواقف الأساسية للأفراد والتجمعات البشرية تجاه القيم والتّلاحم والكون، فإذا كانت معرفة التاريخ تمثل أهميّة عمليّة بالنسبة لنا فلأنّنا تعرفنا من خلالها على أناس ، دافعوا ، في وضعيات مختلفة ، وبوسائل مختلفة ، وغير صالحة للتطبيق غالباً في عصرنا ، على قيم ومثالات مماثلة، شبيهة أو معارضة لتلك الّتي نتوفّر عليها اليوم.[16]   إنّ دراسة التاريخ هي قبل كلّ شيء، محاولة لفهم أفعال الناس، والدوافع التي تدفعهم إلى إنجاز هذا الفعل، والأهداف التي يسعون إليها، ودلالة سلوكياتهم وأفعالهم بالنسبة لهم.
تلك الإشكاليّة تقودنا إلى الإشكاليّة التالية وهي الموضوعيّة: إذ يرى البعض أنّ افتقار العلماء إلى الموضوعيّة، قد لا يكون له أثر يذكر في العلوم الطبيعيّة، إذ لا يوجد ما يثير انفعالاتهم، أمّا في العلوم الإنسانيّة إجمالاً، والّتي لا تنجو أبحاثها من الأهواء الاجتماعيّة، والتحيّز الطَّبقي، والمصالح الشخصيّة، فقد يكون لهذا الافتقار إلى الموضوعيّة أثر فتاك. وهذا الرأي، يغفل تماماً عما للمعرفة العلمية من طابع اجتماعي، أو نُظمي، لأنّه يرتكز على القول الساذج أن الموضوعية معتمدة على سيكولوجية الأفراد من العلماء، وهو لا يرى أن جفاف موضوع البحث في العلوم الطبيعية، أو بعده عن الأمور الشخصية، لا يمنعان التحزب، والمصلحة  الذاتيّة، من التسلل إلى معتقدات العالم، والحقّ أنّنا لو اعتمدنا كل الاعتماد على نزاهة العالم عن الهو، لاستحال العلم تماماً، وما غفلت عنه هذه الآراء، هو الصفة الاجتماعية للمعرفة، أي ما للعلم من طابع اجتماعي، إذ أنها أهملت فكرة أن قيام العلم على قدرة الأفراد على اختباره، واستخدامه للنظم في نشر الأفكار الجديدة ومناقشتها، وهذان الأمران، هما اللذان يصونان موضوعية العلم، وهما أيضاً ، اللذان يفرضان على ذهن العالم، نوعاً من النظام، يلتزم به.[17] فليس هناك حاجة أن يصير المهندس الفيزيقي، أو العالم  النووي، أو عالم الوراثة، علماء اجتماع، حتى يتبين لهم أن اختراعهم لطائرة جديدة، أو سلاح جديد، أو طفرة وراثية، قد يكون لها أثر هائل على بنية المجتمع ككل.
والآن نأتي لإشكالية السببية والتَّعميم: إذ لا ريب أنّه لو لم تكن لنا القدرة على التّعميم، لما أمكن أن يوجد العلم، أو انحصرت وظيفته في تكديس ملاحظات، أو تجارب متفرقة لا تربطها صلة، ولما كان ثمّة جدوى من البحث، لأنّه لا يمكن أن يفضي بنا في هذه الحال، إلى التنبؤ بعودة الظواهر، ونحن نعلم أن التنبؤ بالمستقبل، هو الطابع الجوهري للعلم، وبالتالي فإنّ الظروف الّتي يجري فيها الباحث تجاربه ، لا تتكرر بعينها، وكل ما نستطيع تأكيده، هو أنه متى وجدت ظروف مماثلة ، فإن ظاهرة مماثلة سوف تحدث، وإذا أردنا التنبؤ بالمستقبل، وجب علينا أن نعتمد، على الأقل، على أوجه الشبه بين الظروف الّتي تحدث فيها الظواهر، وتلك هي الخطوة الأولى في التعميم .[18]
والعلوم الإنسانيّة في الواقع، لا تستطيع التخلي عن مبدأ السببية – الّذي تدعي العلوم الطبيعيّة  قدرتها على التّخلي عنه، والاستعاضة عنه بالقانون – وذلك لأن الظواهر التي تدرسها العلوم الإنسانية ترجع ، إلى أفعال إرادية قبل كل شيء ، وعندما أراد بعض علماء الاجتماع، أن يطبقوا منهج العلوم الطبيعيّة، على دراساتهم، مدعين أن عملهم لا يبحث عن الأسباب، بل يحاول الكشف عن القوانين، فإنهم لم يفطنوا إلى أن العلوم الطبيعيّة تدرس مظاهر الأشياء، وقد تكتفي بذلك – أمّا العلوم الإنسانيّة، فيجب أن تنتهي إلى لبّ الظّواهر، وبواعثها الحقيقيّة، ولذا يجب أن يحتل البحث فيها عن الأسباب مكان الصَّدارة، والأمر نفسه في التّاريخ، الّذي يعنى بدراسة أسباب الحوادث، لا معرفة قوانينها، إذ إنّ التّاريخ لا يعيد نفسه، ومع ذلك فإنّ بعض العلوم الطبيعية لا زالت تتحدث بصيغة سببية كعلم البيولوجيا والكيمياء .[19] ويرى المذهب التّاريخي أن إمكان التعميم ونجاحه في العلوم الطبيعيّة، راجعان إلى اطراد  الحوادث الطبيعية بوجه عام، أي إلى ما نشاهده – أو ما نفترضه – من أنّه في الظّروف المتماثلة تحدث أمور متماثلة، وهذا المبدأ الّذي يُعتقد بانطباقه في كل زمان ومكان، يُقال أنّه أساس المنهج الفيزيقي. لكن هذا المنهج ليس بالضَّرورة ذا نفع في علوم إنسانيّة كعلم الاجتماع، إذ إنّ الظّروف المتماثلة لا تنشأ إلاّ في الفترة التاريخيّة الواحدة، وهي لا تظل على حالها قطّ، ومن ثم لا يوجد في المجتمع اطراد طويل الأمد يصلح أن يكون أساساً للتّعميمات البعيدة المدى، كالقول البديهي أنّ الكائنات الإنسانيّة تعيش دائماً في جماعات. ومن يغفل هذه الحدود، ويحاول تعميم الاطرادات الاجتماعيّة، فهو يفترض دوام هذه الاطرادات، وهكذا ينشأ الرأي الساذج القائل أن بمستطاع العلوم الاجتماعيّة، أن تتبع طريقة التّعميم المستخدمة في العلوم الطبيعيّة، فهذا الرأي ينكر على المجتمع أن يتطوّر، أو يطرأ عليه تغير ذو شأن، أو هو ينكر أن يكون للتّطورات الاجتماعيّة، إن وجدت، أي أثر في الأمور المنتظمة الأساسيّة في الحياة الاجتماعيّة. [20] ومع ذلك، يحاول علماء النفس والاجتماع، الوصول إلى دائرة التعميم التي تتصف بها العلوم  الطبيعيّة، حيث وسع علماء النفس بحثهم، فدرسوا حياة الطفل النفسيّة، ونفسيّة الجماعات البدائية، وطباع الحيوان وغرائزه، وفرقوا بين الرجل والمرأة، كما اعتمد علماء الاجتماع، على التاريخ والاثنوغرافيا في دراسة المجتمعات، لذلك فإنّ علمي النفس والاجتماع يعينان الوظائف المشتركة، بين الوظائف النفسيّة، والأوضاع الاجتماعية المختلفة، ويرجعان تلك الأوضاع إلى أمثلة عامة، وأنواع أصلية.[21]
وإذا اعتبرنا أنّ قوّة القانون تستخلص من قدرته على التّنبؤ، فكيف يمكن التّنبؤ، بصفته القوية تلك، عندما نتحدّث عن علوم الإنسان -إذا افترضنا جدلاً أنه ممكن في علوم الطبيعة – وهو ما لا يمكن تأكيده تماماً – . إنّ التّكهن بالمستقبل – التنبؤ- في علم كالتّاريخ، يكاد يكون مستحيلاً، لأنّه يتكوّن من حوادث خاصّة، ولأنّ الحوادث العرضيّة تؤدّي إلى نتائج غير متوقّعة، ثمّ كيف يمكن التّنبؤ بالحوادث المستقبليّة  من خلال دراسة الماضي، إذا كان المؤرّخون يختلفون في تفسير الحوادث الّتي وقعت بالفعل، إلى جانب أن وجهة نظر المؤرخ تخضع بشكل شعوري أو لاشعوري لآراء مسبقة، دينيّة كانت، أم أخلاقيّة .[22]
لكنّنا بالمقابل، عندما نتحدّث عن العلوم الإنسانيّة، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار، مبدأ أساسياً يميزها عن علوم الطبيعة، وهو تثبتنا بقانون ما، وقدرته التنبؤية، لا يرتبط ضرورة بقدرة النظريّة وإمكانيّة تطبيقها التّطبيق المباشر، وذلك بسبب تداخل العوامل المفترضة لحدوث الظاهرة، ففي علم الاقتصاد مثلاً: قال أحد الاقتصاديين أنّه يمكننا أن نستنتج من مبدأ في الاقتصاد السّياسي أنّ إلغاء قوانين الحبوب في إنكلترا، سيؤدي إلى هبوط مستمر في سعر القمح، لكن هذا لم يحدث فوراً، وعدم التّطابق الظّاهري هذا، يُفسر بفعل حوادث أخرى أكثر تعقيداً، كسوء موسم البطاطا، وحرب القرم، وانخفاض قيمة الذهب الّذي أدى إلى ثبات السعر على الرغم من حرية التجارة، لذا لا يمكن هنا رفض النظريّة فقط لعدم تطابقها مع سير الوقائع.[23] فإذا كانت العلوم الإنسانيّة يجب أن تقوم على تنبؤات،  باعتبارها علوم تحاول التّوصل إلى قوانين، فإنّ تلك التنبؤات بالمقابل، هي في النّهاية تنبؤات تاريخيّة، خاصّة بالتّغير الاجتماعي، ورغم أنّ طريقة التَّعميم لا يمكن أن تطبّق فيها، بحيث لا يجب أن نفترض صدق القوانين الاجتماعيّة في كلّ زمان ومكان، على اعتبار أنّ انطباقها الفعلي كقوانين، يقتصر على فترة حضاريّة أو تاريخيّة معينة، لذلك فإنّ القوانين الاجتماعيّة – إن وجدت – لا بدّ أن تختلف في صورتها عن التّعميمات المعتادة القائمة على اطراد الحوادث. فالتّنبؤات القائمة على أساس قوانين تاريخيّة -إن أمكن كشفها-  تمكننا من التّنبؤ بالحوادث البعيدة، رغم خلو هذا التّنبؤ من دقّة التّفاصيل .[24] إذ ليس هناك من يزعم اليوم، أنّه يمكن إرجاع الظّواهر الإنسانيّة شديدة التّعقيد إلى  صيغ بسيطة كتلك الّتي تحدّدها العلوم الطبيعيّة، وقصارى ما يطمح إليه المؤرّخون المحدثون، هو أن ينتهوا إلى بعض الصّيغ الوصفيّة الّتي يعبّرون من خلالها على مختلف الخواص الذَّاتيّة للظَّواهر الإنسانيّة الماضية، وهم يرون أنّه من الضَّروري أن تكون هذه الصّيغ الوصفيّة دقيقة، حتّى تعطي صورة واضحة عن تلك الظّواهر.[25]
وعلى الصَّعيد النّظري، تتّصف العلوم الإنسانيّة أنّها أكثر تعقيداً وتشعباً من العلوم الطبيعيّة، لذلك تكثر فيها التأويلات بشكل هائل، فنحن في علم الطبيعة ننظر في مادّة أقل في درجة التّعقيد، ومع ذلك فنحن نتوسّل إلى تبسيطها صناعياً، بطريقة العزل التجريبي، أمّا في علم الاجتماع، فهناك تعقيد ناشئ عن استحالة العزل الصناعي ، كما أن الحياة الاجتماعية ، تفترض الحياة النفسية، والّتي تفترض بدورها علم الحياة، الّذي يفترض علمي الكيمياء والفيزياء ،[26] هذا التّعقيد الهائل يعني بالنّهاية صعوبة التنبؤ.
الخاتمة :
إنّ كلّ العلوم، طبيعيّة كانت أم إنسانيّة، تسعى إلى التّفسير، شاءت الفلسفة الوضعيّة ذلك، أم لم تشأ، والتفسير ليس هو القدرة على التنبؤ بالظّواهر وإثبات ضرورتها وحسب، بل هو على الأخص، جعلها معقولة، ومعقولة هنا، ليست بالضّرورة منطقيّة، ولكنّها ليست متناقضة مع ذاتها. من هنا يحسن بنا أن نلاحظ، أنّ العلوم الّتي اعتدنا وضعها في مقابل علوم الإنسان، وتسمى بالعلوم المضبوطة، وهي الّتي يقصد بها غالباً العلوم الطبيعيّة، لكن ماذا يمكن في هذه الحالة أن تعني كلمة؛ (مضبوطة)؟ إنّ هذه الكلمة تطلق غالباً على علم الفيزياء، لأنّ هناك فيزياء رياضيّة، ولكن من المسلم به أن كلّ علم تجريبي بما في ذلك الفيزياء، ما هو إلاّ علم تقريبي، فكلمة مضبوطة تنطبق في الواقع على الرياضيات، ولكن هل الرياضيات علم طبيعي؟ إن أردنا أن نقول أنّ الرياضيات تنطبق على الطبيعة، فلا بدّ عندئذ من أن نجيب أنها تناسب الإنسان أيضاً، فقولنا أنّ الرياضيات مضبوطة، يعني أنّها ملتصقة بالمنطق لا بالطّبيعة مباشرة، ولكن ما المنطق دون الإنسان، حتّى وإن ضرب بجذوره في ضرورات التّنظيم البيولوجي للطَّبيعة. وإذا كانت علوم الطّبيعة تفسّر الإنسان، فإنّ الإنسان بدوره يفسّر علوم الطّبيعة، لذلك نرى أنّ نظام العلوم لا يمكن ترتيبه، كما حاول عدّة مفكّرين أن يفعلوا ذلك على نحو نمطيّ، ذلك أنّ الشَّكل الّذي يميّز العلوم هو الدّائرة، أو اللَّولب الَّذي يكبر باستمرار، فالموضوعات لا تُعرف إلاّ من خلال الذَّات، والذَّات لا تستطيع التّعرف على نفسها إلاّ بالعمل على الموضوعات على نحو عقلي، أو مادي. [27]
***************
[1] لوسيان غولدمان: العلوم الإنسانية والفلسفة، ترجمة : يوسف الإنطكي، المجلس الأعلى للثقافة والترجمة، 1996، ص 55.
[2] كارل بوبر:  المجتمع المفتوح وأعداؤه، مرجع سابق، ص 42.
 [3]د. محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم، مرجع سابق، ص 237.
[4] د. محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم، مرجع سابق، ص 268.
[5] د. جميل صليبا: المنطق، مرجع سابق، ص 216.
[6] د. جميل صليبا: المنطق، مرجع سابق، ص 218.
[7] د. محمد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم، مرجع سابق، ص 257.
[8] د. جميل صليبا: المنطق، مرجع سابق، ص 354.
[9] كارل بوبر: عقم المذهب التاريخي، ترجم: عبد الحميد صبرة، دار المعارف، الإسكندرية، 1959، ص 18-19.
[10] د. نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مرجع سابق، ص 157.
[11] بول موي: المنطق وفلسفة العلوم، مرجع سابق، ص 235.
[12] لوسيان غولدمان: العلوم الإنسانية والفلسفة، مرجع سابق، ص 99.
[13] كارل بوبر: عقم المذهب التاريخي، مرجع سابق، ص 179 – 180.
[14] د. محمود قاسم: المنطق الحديث ومناهج البحث، مرجع سابق، ص 458.
[15] د. محمود قاسم: المنطق الحديث ومناهج البحث، مرجع سابق، ص 518.
[16] لوسيان غولدمان: العلوم الإنسانية والفلسفة، مرجع سابق، ص 53.
 [17]كارل بوبر: عقم المذهب التاريخي، مرجع سابق، ص 185.
[18] د. محمود قاسم: المنطق الحديث ومناهج البحث، مرجع سابق، ص 68.
[19] د. محمود قاسم: المنطق الحديث ومناهج البحث، مرجع سابق، ص 235.
[20] كارل بوبر: عقم المذهب التاريخي، مرجع سابق، ص 16.
[21] د. جميل صليبا: المنطق، مرجع سابق، ص 410.
[22] د. محمود قاسم: المنطق الحديث ومناهج البحث، مرجع سابق، ص 449.
[23] د. نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مرجع سابق، ص 259.
[24] كارل بوبر: عقم المذهب التاريخي، مرجع سابق، ص 56.
[25] د محمود قاسم: المنطق الحديث ومناهج البحث، مرجع سابق، ص 527.
[26] كارل بوبر: عقم المذهب التاريخي، مرجع سابق، ص 22.
[27] د. نايف بلوز: مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، مرجع سابق، ص 412


الحدود الفاصلة بين الفلسفة والفيزياء؛ معاذ قنبر




الحدود الفاصلة بين الفلسفة والفيزياء
معاذ قنبر  فبراير 24, 2017



السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الدراسة هو كيف نستطيع أن نضع حدوداً بين مجالين من مجالات المعرفة اتجها منذ وجودهما، ضمن إطار الوعي البشري بالعالم، صوب السعي إلى فهم و تفسير جوهر وماهية الطبيعة الكلية؟
نحن نجد اليوم أن الغالبية العظمى من فيزيائيي هذا العصر قد تدربت تدريباً جيداً على أن يفصلوا ما أمكنهم بين مجالات تخصصهم وبين الفلسفة. ومن ناحية أخرى، فإن الغالبية العظمى من طلبة الفلسفة قد دربوا على الاعتقاد بأن الإلمام السطحي بالفيزياء أمر ضروري لكي يحقق المرء فهماً أفضل للفلسفة. ومع ذلك، فإذا سألنا كيف يتسنى لنظرية فيزيائية أن تفسر على أنها تؤيد أو تدحض المادية أو المثالية، فإن ذلك يضع الفيزيائيين حقاً في مأزق، وإذا استشعر فيلسوف أن معلوماته في الفيزياء غير كافية فاستشار خبيراً في الفيزياء، فإنه نادراً ما يتلقى رداً مرضياً. وهناك بالطبع فيزيائيون على استعداد لأن يتقبلوا أكثر الحجج إبهاماً طالما أنها لا تتظاهر بأنها حجج علمية، ولكنّها تدعى بأنّها “فلسفية” تتفق مع الفلسفة التي استقاها الفيزيائي في طفولته. ولكن هذا الفيزيائي عندما يتحدث “كمتخصص فيزياء” فإنه يقول عادة إن كل هذه المضامين الفلسفية بشأن المادية والمثالية، هي مجرد هراء لا يصح للعالم الحق أن يوليها اهتماماً، ولكن يبقى لهذا ” الهراء ” تأثير قوي وأزلي في السلوك الإنساني، ذلك أن الفيزيائي الذي يعجز عن أن يقدم إلى طلبته تفسيراً للأصداء الفلسفية للنظرية النسبية أو الكمومية، لا يكون قد أدى واجبه كمدرس للفيزياء.[1] كذلك من غير المجدي أن يقوم الفيلسوف بتدريس فلسفة الطبيعة دون أن يناقش المضامين  العميقة للثورات الفيزيائية في تصوراتنا للعالم وماهيته فهماً وتفسيراً وتأويلاً .
والواقع أنّ مفاهيمنا وقوانيننا عن العالم الموضوعي الذي يدعى “الطبيعة”, غالباً ما تبنى على أساس النتاج الجدلية الناتجة عن تفاعل عقلنا مع العالم. وهذا ما يجعل من الصعب في النهاية أن نحكم على النتيجة التي نتوصل إليها، هل هي خلق عقلي، أم اكتشاف لقانون طبيعي؟ وسواء أكان التفسير العلمي سببياً، أو توحيدياً، أو ناموساً طبيعياً، أو إحصائياً، أو استدلالياً، أو استقرائياً، أو أية توليفة من كل ذلك. فإن السؤال سيظل قائماً حول كيف و ما إذا كانت التفسيرات العلمية في الواقع تجيب عن أسئلتنا التفسيرية، و هل تطرح نوع الفهم الذي يشبع بحثنا إشباعاً حقيقياً ؟ إن إحدى وجهات النظر التي سادت طويلاً تقول بأن التفسير العلمي محدود، و هو في النهاية غير مشبع , لأنه لا يصل إلى عمق الأشياء. وفي بعض الأحيان يعبر هذا المنظور عن نفسه بالقول بأن التفسيرات العلمية تبين فقط كيف تجيء الأحداث، ولكن لا تبين لماذا تحدث، وهنا تدخل الرغبة بمعرفة العلّة الفاعلة في مجال التفسيرات التي يمكن أن تزودنا بها الفيزياء و الكيمياء. [2]
الحدود الفاصلة بين الفلسفة والعلم ( الفيزياء نموذجاً ):
إنّ مسألة العلاقة بين الفلسفة والعلم عموماً، هي بحد ذاتها مسألة تاريخية معقدة، فالكثير من الاختصاصات كانت تعتبر علماً ولم تكن تعد فلسفة، ومنذ أيام أفلاطون، فُرزت مجالات متعددة من المعرفة على نحو متباين، ونُظر إلى كل مجال على أساس أنه علم له موضوعه الخاص في البحث، مثل الحساب باعتباره علم الأعداد، والهندسة باعتبارها علم الأشكال الفراغية، والفلك باعتباره علم دراسة حركة النجوم والكواكب، وباستثناء المجالات التي فُرزت تاريخياً باعتبارها اختصاصات منفصلة بما لها من أغراض دراسية خاصة، يوجد أيضاً اختصاصات اعتبرت علماً ذات يوم، ولم تعد كذلك بعد فترة من الوقت، كاللاهوت الذي اعتبره الاكويني أعلى العلوم. وفي وسط أوروبا بدأت الثورة العلمية من خلال أفكار كوبرنيكوس و تيكو براهي وكبلر، ثم تحولت إلى جاليليو في إيطاليا، لتنتقل إلى ديكارت في فرنسا، ثم نيوتن في إنكلترا، وكانت تلك الثورة العلمية ثورة فلسفية أيضاً، إذا كانت العلوم في فترة القرن السابع عشر هي ما يطلق عليه “الفلسفة الطبيعية. والمدقق يجد أنّ نيوتن مؤسس الفيزياء الحديثة ساهم أيضاً في الترتيب المنهجي لفلسفة العلم، كما أن ديكارت مؤسس الفلسفة الحديثة ساهم في إنجازات كبرى في الرياضيات و الفيزياء.
ولم يتضح الانفصال الابستمولوجي بين العلم الطبيعي والفلسفة، إلا بعد الثورة الصناعية ومفرزاتها التقنية. إذ أصبح من المتعارف عليه أنه في النموذج التقليدي للتقدم العلمي، نبدأ بالجهل والخرافات، ونتحرك باتجاه الحقيقة النهائية بتراكم متتال من الحقائق. وفق هذا المنظور، يشتمل تاريخ العلم على شيء أكثر قليلاً من الاهتمام بنوادر الحكايات، لأنه لا يمكنه سوى أن يسجل الأخطاء السابقة وأن يعزو الفضل إلى واضعي اللبنات لفطنتهم بتقديم لمحات من الحقيقة النهائية، وهو شفاف مثل الميلودراما القديمة، فالحقيقة (كما نفهمها اليوم) هي الحكم الوحيد، وعالم العلماء في الماضي ينقسم بين الأخيار الذين كانوا على حق، والأشرار الذين كانوا على خطأ. لكن في الفلسفة لم يكن هناك التقدم العمودي المتعارف عليه، فنجد الطابع الجدلي، بين ما يُعتقد أنه على حق وما يُعتقد إنه على باطل. الجدل الفلسفي جدل معتقدات قد يصل إلى مرتبة الحقائق فيتحول إلى علم. أما التقدم العلمي فهو تتابع مكتشفات وأفكار، قد يُصعد إلى جدل غير يقيني فيتحول إلى فلسفة. وبالتالي، إذا ما فرغ بعض رجال العلم من بحوثهم، وعمدوا إلى الكتابة عن نتائجها، وبيان أهميتها و مكانها في تاريخ العلم، وأثرها المتوقع في حياة الإنسان، وغير ذلك من موضوعات تتجاوز التقرير المباشر لنتائج البحث وخطواته، إذا ما صنع العلماء ذلك، فإنهم يدلفون إلى تخصص آخر ليس العلم ، بل فلسفة العلم. وهم بصنيعهم ذلك يتنازلون عن حصانتهم العلمية، ويقفون على قدم المساواة مع سائر فلاسفة العلم، بحيث يمكن لنا أن نقبل كلامهم أو نعزف عنه دون أن يتوجب علينا أن نتخذ من آرائهم الفلسفية نتائج تكافئ في صحتها معادلاتهم و صيغهم العلمية.[3] فإذا كان من شأن العلم، أن يشد وثاق الإنسان إلى الطبيعة، فإن  الفلسفة لا بد أن تنضاف إلى العلم لكي تذكر الإنسان أنه لا يحيا في الطبيعة، إلا لكي يتجاوزها ويعلو عليها، وربّما كانت رسالة الفيلسوف الأولى أن يتوجه نحو أولئك الذين لا ينشدون سوى المنفعة، ولا يهتمون إلا بالنتائج العملية، ولا يفكرون إلا بالمستوى المادي، لكي يعرفهم بأن هذا كله لا بد وأن يفضي حتماً إلى الهبوط بمستوى الإنسان، أو القضاء على صميم وجوده الشخصي.[4]
والفلسفة تنشأ من محاولات عتيدة يمارسها الإنسان للوصول إلى المعرفة الصحيحة، ذلك أن المعرفة التي يتقبلها الناس بالتسليم معيبة من ثلاثة مآخذ: فهي أولاً تتعجل اليقين قبل أن تتوافر أسبابه، وهي ثانياً غامضة، وهي ثالثاً متناقضة مع بعضها البعض. وإنك لتخطو الخطوة الأولى في سبيل الفلسفة، إذا أدركت تلك النقائص، لتقيم معرفة تتميز بميلها إلى التجريب والدقة والاطراد والشمول، فإذا كان العلم يدرج الحقائق المتفرقة في قوانين تجمعها، فإن الفلسفة تأخذ منه قوانينه تلك، لتجعل منها مادتها الخام التي منها تبدأ، وعليها تقيم بناءها.[5] ولعل هذا أيضاً ما  يبرر الفرض الفلسفي الذي يفترض البساطة، حيث أدركنا بصفة عامة، منذ عصر نيوتن على الأقل، على أنه عندما نواجه بعدد من التفسيرات المختلفة الممكنة لإحدى الظواهر، فإنه يكاد دائماً يثبت في النهاية أن أبسط هذه التفسيرات هو التفسير الصحيح.[6] 
وفكرة أن قوانين الطبيعة التي ندركها هي القوانين نفسها التي يجري العمل بها  في أماكن أخرى وأزمنة أخرى، هي فكرة لا يمكن إثباتها، على أن هناك رغم هذا أدلة وقرائن كثيرة في صف ذلك. فطرح هذا الفرض قد أدى إلى خلق نظريات لها قدرة تنبؤية وهي كما يبدو، قد أعطت تفسيرات متماسكة للظواهر التي نلاحظها اليوم في الكون. وبكلمات أخرى، فإن افتراض هذا الفرض الذي هو أساساً افتراض فلسفي، قد أدى إلى خلق نظريات علمية هي فيما يبدو معقولة، ومن الواضح أن الذي يحملنا على استبعاد بعض الجوانب أو المجالات من المذاهب الفلسفية الذائعة الصيت هو مقارنة تلك الجوانب بما بلَغه العلم الآن من نتائج مخالفة. فكأننا نضمر اعتقاداً أو اقتناعاً بأن العلم هو مقياسنا الذي نحتكم إليه في مسائل المعرفة، وبالتالي ننكر أن تكون الفلسفة منافسة له تقدم السلع نفسها تحت علامات تجارية مختلفة. ومن هنا تنبعث معظم ضروب الريبة في الفلسفة، لأن المقارنة بين ما يقدمه كل من الفلسفة والعلم من معرفة، لن تؤدي إلى إنصاف الفلسفة، فسنجد الفلسفة عندئذ غامضة بسبب لغتها الخاصة، وسنراها غير مجدية لأنها لا تزودنا بحلول أو تفسيرات دقيقة كالتي يقدمها العلم، وسنحكم عليها بأنها عبث لا طائل تحته، لأنها تكشف عن خصومة وشقاق دائم بين مختلف الآراء لا يفضي إلى غير البلبلة والشك .[7] ذلك أنّ   أسلوب صياغة القواعد العلمية، يختلف عنه عند صياغة المشاهدات العلمية، المشاهدات هي أسلوب يعبر عن نصوص عن بعض النقاط، بينما تستخدم المبادئ العامة للعلم تعبيرات مثل “القوة” و “الجهد” و “الطاقة” …، ولا يمكن على الإطلاق أن نستنبط أي شيء عن الحقائق المشاهدة والنصوص الخاصة بالتعبيرات المجردة. ويمكننا مثلاً في الميكانيك أن نعرف ما هي دالة المتغيرات (س , ع , ص) بالنسبة للمتغير (ز) إلاّ أن ذلك لا يدلنا بأي شيء عن الكون الذي نشهده. فبالإضافة إلى القواعد والمشاهدات يجب أن يشتمل منطق العلم على الصلة بين المفاهيم المجردة للعلم والتعبيرات الخاصة بالمشاهدات، وتسمى مثل هذه الصلات “تعريفات العمليات”، أو القواعد الخاصة بدلالة الألفاظ، ومناقشة هذه القواعد أمر يخص فلسفة العلم.[8] ومن هنا قد يختلف تناول المفاهيم وتوظيفها بين كل من رجل العلم  والفيلسوف، فوحدة المفاهيم التي كانت مألوفة سابقا بين التصورات الميتافيزيقية لنتائج العلم، لم تعد اليوم كما كانت بعد ثورات الفيزياء والبيولوجيا، ومن ذلك قانون السببية. إذ يقول رسل في كتابه “بحوث غير مألوفة”: “يتخيل كل الفلاسفة، من كل المدارس، أن التسبيب هو إحدى البديهيات الأساسية في العلم، ومع ذلك، فمن الغريب أننا في العلم الحديث، كالفلك التثاقلي، لا نرى لكلمة "سبب" وجوداً على الإطلاق، وأعتقد أن قانون السببية , مثله مثل الكثير مما يفوت على الفلاسفة، هو أثر من مخلفات عصر مضى، وقد ظل باقياً مثل النظام الملكي، لا لشيء سوى الافتراض الخاطئ بأنه لا ضرر منه”.
وبالتوازي مع ذلك نجد أن خطوات العمل في العلوم الحديثة، تجمع بين طريق الاستنتاج المنطقي الدقيق، وطريقة المشاهدة الحسية، وذلك بحصر الاستنتاجات المنطقية في نطاق نظام أصولي (بديهيات ونظريات) وإبراز الهدف من المشاهدات الحسية بتطبيق التعريفات التشغيلية على النظام الأصولي. وهذا ما عبر عنه الفيلسوف المنطقي “فتجنشتاين” الذي وصف علاقة النظم الشكلية بالقوانين المادية من خلال الكون وقوانين نيوتن، مؤكداً أن وصف الكون بالميكانيكا النيوتينية لا تؤكد شيئاً بشأن الكون. وكذلك يؤكد أينشتاين أن قوانين نيوتن ليست وصفاً للكون، ولكنها أداة يمكن أن تصنع هذا الوصف إذا استخدمت استخداماً سليماً، ومن ثم فإنه لا جدوى من قوانين الميكانيكا ما لم تكن مقترنة بتوجيه لكيفية استخدام هذه الأداة، و يتمثل جزء من هذا التوجيه في التعريفات التشغيلية للعبارات المستخدمة في القوانين. الميكانيكا هي محاولة لبناء كل الفروض الحقيقية التي نحتاجها لوصف الكون، وذلك طبقاً لخطة بسيطة. [9]
لذلك يمكن القول أنّ الفلسفة نظرة شاملة تحيط بكل جوانب النشاط الإنساني فكراً وسلوكاً، فإذا كان في وسع العلوم أن تقول شيئاً في كافة موضوعات المعرفة، فإنها تقف عند تخصصاتها لا تعدوها، ولا بد أن نكون في حاجة إلى من يضم شتات هذه الموضوعات جميعاً في وحدة أو موضوع واحد، يتخطى به تفصيلات عناصره، ويعقد بينها الصلات، ويسد الفجوات. فالعالم، أو الوجود، أو الحياة بكل جوانبها، والإنسان بكل ألوان نشاطه، لا يمكن إلا أن يكون موضوعاً لعلم من العلوم، وكذلك البحث في أصول تلك العلوم من افتراضات سابقة وأسس منهجية يسلّم بها الباحث العلمي، وقد لا يصرّح بها في عمله، ليست من شأن العلم، وكذلك الاستباق إلى ما يمكن أن تفضي إلى نتائج العلوم في المستقبل بالنسبة للإنسان وعالمه. وليس من شأن العلوم أن تقيم الحدود أو تزيلها أمام تطلعات الإنسان نحو معرفة العالم الذي يحدق به من كل جانب، كما لا تعين بكل تخصصاتها، ما ينبغي على الإنسان أن يتخذه من موقف أو قرار إزاء مشكلاته. ولكن الفلسفة يمكن أن تضطلع بذلك.[10]
و بالإجمال، يمكن التحدث عن ثلاثة جوانب تنقلنا من العلم إلى فلسفته:
  • الجانب الأنطولوجي: الذي يتصل بنظرية الوجود الفلسفية، والذي يعنينا منها بالنسبة للعلم، هو المترتبات الفلسفية على تلك التصورات أو المفهومات العلمية مثل المادة، والطاقة، والموجة، وتركيب الذرة، وطبيعة المجال والحركة. فكل تلك المفهومات قد تبعث لدى بعض الفلاسفة تساؤلاً عن الوحدات الأساسية التي يمكن أن يُنسج منها الكون، ومهما تكن الإجابة على ذلك التساؤل، فإنها إجابة لا تندمج في تكوين العلم نفسه، بل هي إجابة تنتمي إلى فلسفة العلم، أي أن قبولنا أو رفضنا إياها لا يعتمد على الاستدلال العلمي، بل يقوم على ما ارتضيناه من نسق فلسفي. فقد أصبح الفرض القائل أن الفارق بين العلم والفلسفة، هو أن الأفكار العلمية قابلة للاختبار تجريبياً، بينما الأفكار الفلسفية غير قابلة لذلك. يُنتهك الآن بوتيرة تتزايد أبداً، ومن الطريف أن نلاحظ أنه أثناء الجزء المبكر من القرن العشرين، كان الفلاسفة يكدحون بشدة لجعل نظام المعرفة لديهم أكثر صرامة. أما الآن، فإن علماء الفيزياء الذين كان الفلاسفة يحاولون بكل جد محاكاتهم، هم الذين يدخلون أفكاراً لا تقبل الاختبار في نظام معرفتهم، وأصبح هذا أمراً أكثر وأكثر وقوعاً .[11] وأصبح من المسلم به اليوم أنه في  الفلسفة القديمة كان الموقف العلمي مندمجاً في الموقف الطبيعي الفلسفي. وكان الخطأ الذي ارتكبه الفلاسفة هو أنهم نظروا إلى الموقف الطبيعي على أنه يمثل العلم في الوقت ذاته، ورأوا أن مقولاته “كفكرة الجوهر ” تعبر أيضاً عن الأسس الأولى للعلم. أي أنَّ طبيعة الأشياء تفهم فهماً كاملاً من خلال الموقف الطبيعي، بحيث لا يحتاج إلى البحث عن أي صورة أخرى لها، مخالفة لصورتها في حياتنا اليومية، وهذا هو ما يعلل ظاهرة عدم التفرقة بين الفيلسوف والعالم في العهد القديم. وفي عصر انفصال العلم عن الفلسفة فقد ارتكب الفلاسفة الخطأ المضاد، وهو محاسبة الموقف الطبيعي عن عجزه عن تفسير الظواهر العلمية.[12]  ذلك أنَّ الفلسفة  ليست وسيلة مختصرة للوصول إلى نفس طراز النتائج التي تنتجها العلوم الأخرى. إنّ كل المعتقدات العلمية – أو أغلبها – معزولة من التحديات المباشرة للملاحظة بشبكة من المقولات الأخرى، والفروض والفرضيات المساعدة الَّتي يؤمن بها العالم.
إنّ تاريخ العلوم حافل بالبحوث حول مقولات عدة عدت ذات أهمية بسبب القيم والمصالح والأهداف للرجال الذين هيمنوا على العلم. وبالمثل فقد غابت عن تاريخ العلم مسارات كثيرة للبحث لأن من خلال نفس القيم كانت الموضوعات التي تستكشفها غير ذات شأن.[13]
  • الجانب الابستمولوجي: المتعلق بنظرية المعرفة الفلسفية، وهي النظرية التي تتألف من محاور ثلاثة، يحدد الأول إمكان المعرفة، بمعنى هل يملك الإنسان حقاً القدرة على بلوغ الحقيقة عن طريق العلم؟ ويعين المحور الثاني طبيعة العلاقة بين الباحث وموضوعات بحثه، هل هي إنشاء عقله، أم هي وقائع خارجية مستقلة عن إدراكه، هل يمكن مثلاً القول بأن الإلكترون موجود؟. ويشغل المحور الثالث بأدوات أو مصادر المعرفة، هل هي العقل، أم الحدس، أم معطيات الحس. إذ يمكن للمرء أن يقول مداعباً أن “العلم هو ما نعرف، و الفلسفة هي ما لا نعرف”، ولكن يجب أن يضاف إلى ذلك بأن التأمل الفلسفي فيما لا نزال لا نعرف، قد بيّن بأنه ذو قيمة أولية للمعرفة العلمية المضبوطة.؟ فظنون فيثاغورس في الفلك، وأناكسمندر في التطور، وديمقريطس في تركيب المادة الذري، زود رجال العلم فيما بعد بفرضيات، كانت متعذرة في الوصول إلى أفهامهم لولا الفلسفة. ويمكننا القول أن الفلسفة من الناحية النظرية على الأقل، تنطوي جزئياً على وضع أطر للفرضيات الشاملة الكبرى التي لم يستطع العلم حتى الآن تجربتها وقياسها، ولكن حين يصبح في الإمكان تجربة هذه الفرضيات، تصبح عندما يتم تحقيقها، جزءاً من العلم ولا تعود محسوبة كفلسفة.[14] وبالمحصلة نقول أن الفلسفة ليست وسيلة  مختصرة للوصول إلى نفس طراز النتائج التي تنتجها العلوم، فإذا كان لها أن تصبح دراسة أصيلة حقيقية، فيجب أن يكون لها مجال خاص بها وأن تستهدف نتائج لا يمكن للعلم إثباتها أو نقضها.
  • الجانب الاكسيولوجي: وما ينضوي تحت نظرية القيم في الفلسفة، ولا يعني هذا في فلسفة العلم ربط العلم بالأخلاق فحسب، بل يتسع لكل أنواع القيم، فضلاً عن تصوير العلم كمشروع إنساني يستهدف غايات معينة مستخدمة وسائل محددة لتحقيقها. دون إغفال البحث في تاريخ العلم وسيكولوجيته.[15] إذ يميز التجريبيون  عادة ما بين الحقائق والقيم، ويلاحظون أن العلم منذ زمن طويل يتسم بأنه متحرر من القيم . فهو يلتزم بوضوح بألا يسمح للأذواق، أو التفضيلات، أو الرغبات، أو الآمال، أو ما نحب وما لا نحب: أو المخاوف، أو العداوة والبغضاء، أن تتحكم فيما يمكن قبوله كمعرفة موضوعية. إن تحقيق ذلك بشكل تام وفعّال قد يتطلب أن نكون قادرين على التمييز ما بين الأحكام الواقعية والأحكام القيمية، وهو أمر يرى بعض الفلاسفة أنه مستحيل، إذ يرون أن وجود أحكام قيمية في العلم هو أمر لا يمكن تجنبه، وعليه فإن محاولة التخلص منها في العلم هو نوع من الخطأ. [16]
وعلى ذلك نجد أن بين الفيلسوف الإنساني القديم، ورجل العلم، جسراً واحداً، وتاريخ العلم وإقامة ذلك الجسر، هما حاجة هذا العصر. ولست اعلم أيهما أفقر: أهو الفيلسوف الذي لا يدرك قيمة العلم، أم رجل العلم الذي لا يقدر الجمال ولا يعرف التحضر، ولا يأبه للثقافة أو لقيمة الإنسان. لا أعرف أيهما أسوأ من نظيره: أمثالية بغير معرفة، أم معرفة بغير مثل. إننا نحتاج إلى كليهما متساويين , حتى نضرب في أسباب التقدم ونمهد السبيل لفجر عصر مقبل، عصر النهضة الإنسانية الجديدة.
الحدود المشتركة بين الفلسفة والعلم ( الفيزياء نموذجاً )
تغدو الحدود التي فصلت بين العلوم والفلسفة ليست حدوداً قاطعة، بل هي أشبه بالفصل الهلامي بين تصورات كلا المعرفتين دون الفصل القطعي بين المفاهيم التي يدرسها الفلاسفة والنتائج المتمخضة عن اكتشافات العلماء. مثلاً ينص القانون الثاني لنيوتن أن القوة هي حاصل ضرب الكتلة في التسارع، والتسارع هو السرعة بالنسبة للزمن. لكن ما هو الزمان؟ إنه مفهوم نظن جميعاً أننا نفهمه وهو مفهوم يشكل أساس من أساسيات الفيزياء، لكن تبقى صعوبة تحديد ماهية الزمان بالغة الصعوبة،  إذ لا يمكن إحالة تلك إلى الساعات والثواني، لأن ذلك يحدد قياس للزمان، وهو قياس يحدد بالزمان وليس الزمان ذاته، والأمر نفسه يطبق على المكان. وقد ترك العلم مسألة تفسير الزمان للفلسفة لفترة استمرت على الأقل 300 عاماً، حتى مجيء نظرية النسبية حيث بدأ الفيزيائيون يشاركون في محاولة الإجابة عن هذا السؤال. وتدين أفكار أينشتاين الخاصة حول الزمان، التي أدت إلى استنتاج أن الفترات الزمنية تختلف باختلاف الأطر المرجعية، تدين هذه الأفكار بالكثير للفيلسوف لايبنتز الذي انتقد مفهوم نيوتن عن الزمان والمكان كأوعية مستقلة عن ما تحتويها بشكل مطلق .[17]
وهذا ما يبرر الصلة الوثيقة بين الفيزياء والفلسفة. ففي الفكر القديم حينما كانت العلوم أجزاء من الفلسفة، لم تكن الصلة صلة جزء بكل وحسب، وإنَّما كانت فوق كلّ ذلك صلة اهتمام من الفلسفة الأولى بتحليل وتبرير المبادئ و المسلمات التي تقوم عليها العلوم، وفي الفكر الحديث بعد أن استقلت العلوم شيئاً فشيئاً عن الفلسفة، ظلت تلك الصلة قائمة ولكن بطريقة مختلفة، إذ عُنيت الفلسفة في نطاق اهتمامها المنطقي بالتعرف على مناهج العلوم، أو طرائق التفكير التي كفلت للعلوم تقدماً مطرداً بعيداً عن الفلسفة وطرقها، فنشأ في ذلك في أحضان الفلسفة فرع من الدراسات المنطقية هو الميتودولوجيا، أو مناهج العلوم. وفي الفكر المعاصر، تجاوزت الصلة بين العلم والفلسفة تلك الحدود،  فنشأت في العلوم نفسها، حركات نقد ذاتي لبنائها العلمي من داخله، لاختبار الأفكار والمبادئ أو الأسس التي يقوم عليها البناء، وبيان الارتباط بينها وبين قضايا العلم ونظرياته المشتقة منها.[18]
وإذا استعرضنا آراء أعظم المبدعين في علوم القرن العشرين وجدنا أنهم يؤكدون على حتمية وجود رابطة وثيقة بين العلم والفلسفة، إذ يقول لويس دوبروي: “نشأ في القرن التاسع عشر حاجز بين العلماء والفلاسفة، فالعلماء ينظرون نظرة شك إلى تأملات الفلاسفة التي كثيراً ما بدت لهم و قد أعوزتها الدقة في الصياغة، كما أنها تدور حول قضايا عديمة الجدوى ولا حل لها. أما الفلاسفة فلم يعودوا بدورهم مهتمين بالعلوم الخاصة لأن نتائجها كانت تبدو محدودة. ولقد كان هذا التباعد ضاراً بكل من الفلاسفة والعلماء”.[19] وقد حاول هوايتهيد إلقاء بعض الضوء على  الصلات الوثيقة بين العلم والفلسفة، إذ يقول: “من شأن العلم والفلسفة أن يتبادلا النقد، وأن يمد كلّ منهما الآخر بالمواد الخصبة التي تسمح له بالتقدم، وعلى حين أن المذهب الفلسفي يقوم بمهمة توضيح الحقيقة الملموسة التي يجردها العلم، تجيء العلوم فتتخذ مبادئها من تلك الوقائع الملموسة التي يقدمها المذهب الفلسفي، وليس تاريخ الفكر سوى القصة التي تروى لنا عن مدى نجاح ذلك المشروع المشترك أو فشله “[20] . كما يحدثنا عن العلاقة الوثيقة  بين الفلسفة والعلم معترفاً بأهلية كل منهما، فكل منهما يعاون الآخر. ومهمة الفلسفة أن تعمل في وفاق مع الأفكار على نحو ما تتضح في الوقائع العينية للعالم الواقعي. وهي تسعى نحو تلك التعميمات التي تحدد الواقعية الكاملة للوقائع التي بدونها تغوص أية واقعة في التجريد. بينما العلم يقوم بالتجريد ويقنع بفهم الواقعة على أساس من بعض جوانبها الجوهرية. والعلم والفلسفة، يتبادلان النق، ويقدم كل منهما للآخر المادة المثيرة للخيال، ولا بد للمذهب الفلسفي أن يقدم تجليه للواقعة العينية التي تقوم العلوم بالتجريد منها. وكذلك العلوم لا بد أن تعثر على مبادئها في الوقائع العينية التي يعرضها المذهب الفلسفي. إذ يعد هوايتهد أن تاريخ الفكر هو قصة لمدى النجاح أو الإخفاق في ذلك المشروع المشترك .[21]
من هذا المنطلق تظهر أهمية العلاقة الوثيقة بين العلم والفلسفة، فالمشكلات التي تعالجها وتكتشفها علوم كالفيزياء بشكل خاص، ثمّ  الكيمياء، بل و حتى الوراثة والبيولوجيا، هي قريبة بدرجة ملموسة إن لم تكن مطابقة للمشكلات التي تعالجها أو تطرحها الفلسفة، وإن كانت طريقة وضع المشكلات في كلا الميدانين مختلفة إلى حد ما منهجياً، ذلك أن العلم يقيم محور تفكيره غالباً على التجربة نفسها، التي يبدأ منها أو ينتهي إليها بالضرورة، كما أنه يعالج معطيات الحس، حيث تظل تركيباته العقلية مهما اختلفت معطياتها خاصة بشكل أو بآخر مع أشكال التجربة المباشرة، في حين نجد الفلسفة بالرغم من أنها تسلّم في مجملها بالنتائج التجريبية للعلم وتركيباته النظرية، إلا أنها تتأمل الدلالة أو مجموعة الدلالات التي تقرها العلوم من أجل أن تقوّم الجانب الذي علينا أن ندركه من الواقع، مستعينة بنقد دقيق ونفّاذ. لذلك بإمكاننا القول أن العلم دون فلسفة عبارة عن تجارب عشوائية مبعثرة، والفلسفة بلا علم تجريد عقيم. قيمة بذاتها فقط.
والعلوم التخصصية ذاتها تثير تساؤلاتها الفلسفية التي تدخل في صميم استنتاجاتها التجريبية والنظرية، ففي الفيزياء مثلاً؟ ماذا تعني الريبية، هل الإلكترون موجة أم جسيم، أم كلاهما، أم لا هذا ولا ذاك، بل هي إسقاط لتصوراتنا التي نراها من خلال آلاتنا التي اخترعتاها لهذه الغاية؟ كيف نتعامل مع الاحتمالات؟. وفي علم الكونيات: هل الكون محدود؟ هل هو لامتناه؟ ماذا بعد الثقب الأسود؟ ماذا يعني الزمن و التزامن؟ ما هو الانفجار الكبير؟ وما حدث قبله؟ ما الذي يشكل الطاقة السالبة والمادة العاتمة في الكون؟ ما هي جسيمات الجاذبية كمومياً؟. وفي البيولوجيا أيضاً: هل التطور اختزالي قائم على متواليات جينية، أم طفرات شمولية؟ هل نظرية غايا تفسر آلية تفاؤلية للعلاقة بين الأرض والحياة، أم أن التطور قائم على أساس الصراع بين الأنواع؟ هل هناك ذكاء اصطناعي؟. في علم النفس كذلك: كيف نفهم اللاوعي؟ الذات؟ العقل والتفكير؟ هل الإرادة حرة أم ضرورة؟ ما هو الإدراك – الحدس – الجنون؟ . والمسائل التي أثارها النقد الداخلي للعلوم الطبيعية، هي مسائل ذات طبيعة فلسفية عريقة، ما طبيعة الزمان والمكان، وما الحركة؟ كيف يمكن تطبيق التصورات الهندسية؟ كيف يمكن أن يكون الزمان بعداً رابعاً؟. إن عالم الطبيعة الذي يتخذ موقفاً نقدياً من علمه القائم، ويحلل الأسس والمبادئ تحليلاً نقدياً ليجيب على مثل تلك المسائل الفلسفية، يتوقف عندها بالضرورة عن أن يكون عالماً طبيعياً وحسب، إذ أنه يصبح عندها فيلسوفاً يفلسف أو يقوّم علم، ويسهم معه الفيلسوف في مناقشة وتحليل تلك المسائل الفلسفية العريقة في قدمها عند الفلاسفة.[22]
كذلك، فقد هزت تطورات الفيزياء والرياضيات في القرن العشرين، الثقة بالمادية الحتمية الفلسفية، أكثر مما هزتها الحجج الفلسفية. ذلك أن محاولة توسيع مدى النظرية الحتمية الفيزيائية لتنسحب على العمليات غير القابلة للملاحظة مثلما تنسحب على العمليات القابلة للملاحظة، قد اتضح أنها مناقضة لما يتبدى من اللاحتمية على مستوى ما هو تحت الذرية في الطبيعة الذي يتم يه انتهاك مبدأ “الأسباب ذاتها تعطي النتائج ذاتها”.[23]
  • و في الختام: إن كان للعلم أن يقدم لنا عبرة فلسفية، فأجد أن العبرة الأهم هي التواضع. لقد كتب الفكلي الشهير ادينغتون في كتابه “الكون المتمدد ” المنشور سنة 1933 قائلاً ” كثيراً ما تأكد لنا في علم الفلك صحة درس التواضع، إذ أنني أبغض القول بأننا ننتمي إلى طبقة الكون الأرستقراطية . فالأرض كوكب متوسط , ليس عملاقاً كالمشتري، و ليس واحداً من الكواكب الهامشية شأن الكواكب الأصغر، والشمس نوع متوسط من النجوم , ليست عملاقة كنجم ” العيوق ” لكنها في الوقت نفسه أعلى من طبقات النجوم الدنيا، لذا يبدو أنه من الخطأ القول بأننا ننتمي إلى مجرة استثنائية تماماً “[24] يبدو أن الاعتدال حتى على الصعيد الكوني، هو ما جعل  حياتنا على هذا الكوكب، ووجود هذا الكوكب كجرم قابل للحياة، تنتقل من الإمكانية إلى الفعل.
*******
[1] فيليب فرانك: فلسفة العلم . الصلة بين العلم و الفلسفة – ترجمة : علي علي ناصيف، المؤسسة العربية للنشر، ط1، 1983، ص 2222.
[2] أليكس روزنبرغ: فلسفة العلم . مقدمة معاصرة – ترجمة : أحمد عبد الله السماحي – فتح الله الشيخ ، المركز القومي للترجمة، ط1، 2011، ص 1122.
[3] صلاح قنصوه: فلسفة العلم – دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1985، ص 30.
[4] زكريا ابراهيم: مشكلة الفلسفة – مرجع سابق، ص 291.
[5] برتراند رسل: الفلسفة بنظرة علمية، ص 2.
[6] ريتشارد موريس: حافة العلم ، عبور الحد من الفيزيقا إلى الميتافيزيقا – ترجمة : مصطفى ابراهيم فهمي، منشورات المجمع الثقافي، أبو ظبي، ط1 1994،ص 2155.
[7] صلاح قنصوه: فلسفة العلم – مرجع سابق، ص 12.
[8] فيليب فرانك: فلسفة العلم . الصلة بين العلم و الفلسفة – مرجع سابق، ص 60.
[9] فيليب فرانك: فلسفة العلم . الصلة بين العلم و الفلسفة – مرجع سابق، ص 142.
[10] صلاح قنصوه: فلسفة العلم – مرجع سابق، ص 14.
[11] ريتشارد موريس: حافة العلم، عبور الحد من الفيزيقا إلى الميتافيزيقا – ترجمة مرجع سابق، ص 82.
[12] فؤاد زكريا: نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان – دار الوفاء، الاسكندرية، ط1 2005، ص 26.
[13] أليكس روزنبرغ : فلسفة العلم . مقدمة معاصرة – مرجع سابق، ص 333.
[14] برتراند رسل: بحوث غير مألوفة  – ترجمة: سمير عبده، دار التكوين، دمشق حلبوني، 2009 . ص 35.
[15] صلاح قنصوه: فلسفة العلم – مرجع سابق، ص 31.
[16] أليكس روزنبرغ: فلسفة العلم . مقدمة معاصرة – , مرجع سابق، ص 332.
[17] أليكس روزنبرغ: فلسفة العلم . مرجع سابق، ص 14.
[18] محمد ثابت الفندي: فلسفة الرياضة – دار النهضة الجديدة، بيروت، ط1، 1969، ص 9 – 10.
[19] فيليب فرانك: فلسفة العلم . الصلة بين العلم والفلسفة – ترجمة : علي علي ناصف , المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1 1983،ص 77.
[20] زكريا ابراهيم: مشكلة الفلسفة – مرجع سابق، ص 153.
[21] صلاح قنصوه: فلسفة العلم – مرجع سابق، ص 17.
[22] محمد ثابت الفندي: فلسفة الرياضة – مرجع سابق، ص 13.
[23] أليكس روزنبرغ: فلسفة العلم . مقدمة معاصرة – مرجع سابق، ص 25.
[24] جون جريبين: المجرات – ترجمة: محمد فتحي خضر، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ط1 2015 ، ص 48.