الخميس، 9 مايو 2019

مقالة عن العنبر (أو الكوربا)






استخدام حجر الكهرب في صناعة المسبحة (Amber)  
       لم يلاق حجر عند تصنيعه كمسبحة هوىْ ورغبة وقبولاً مثل هذا الحجر العضوي . فمسبحة الكهرب الجيدة أمنية الهاوي وكبار الشخصيات والوجهاء ومختلف الأفراد على حد سواء . فهي في اعتقاد طائفة كبيرة من مستخدمي المسبحة "درة المسابح" لما لمزايا هذا التحجر العضوي المناسبة  للصناعة وللاستخدام على الرغم من إرتفاع أسعاره وغلاء ثمنه .
       فبالنسبة إلى لفظته ، فقد سمي (القطرون) أو الكترون باللغة الرومية ( Electron ) لوجود خاصية جذب الأشياءالدقيقة أو شحنة كهربائية إستاتيكية كامنة فيه تظهر إذا ما دلك الحجر باليد أو بالصوف . وفي إيران يسمى ( كوربّا ) لنفس الخاصية السابقة ، ويطلق عليه نفس الاسم في سوريا ولبنان وفلسطين ، وفي العراق وبعض دول الخليج يطلق عليه العامة اسم الكهرب ، وفي مدينة الموصل العراقية من يسميه ( الشيح ) نسبة إلى نبات الشيح الأصفر اللون خطأً . وفي مصر يطلق عليه اسم الكهرمان ، تجاوزاً لنفس الاسم المتعلق ببعض متحجرات الأصماغ الملونة أو المواد المركبة الصنع وقد يختلط الأمر حينئذ على بعض الناس وإن كان هنالك من يميز ذلك بين هذين النوعين بالتأكيد .
       وفي اللغة الإنجليزية يسمى أمبر (Amber) ومن المعتقد أن هذا الاسم اشتق من اللفظة العربية لمادة العنبر ، أثناء حكم العرب لبلاد الأندلس ومنه انتقل إلى إوربا وقد يكون الخلط بين هذين النوعين المختلفين قد شاع بسبب الرائحة الذكية لمادة العنبر والكهرب عند الحرق أو الدلك أو عند الاستخدام العطري . أما في اللغة الألمانية فهو يسمى برنشتاين (Bernstein) وفي لغات أوروبية أخرى يسمى أمبار (Ambar) أو أمبرا (Ambra) علاوة على أسماء أخرى متعددة ، تعني نفس المادة .
       حالياً استخدمت اللفظة الإنكليزية عند التعامل بهذه المادة تجارياً أما باللغة العربية فإننا نفضل كلمة الكهرب لغرض التوحيد والقياس .
       عموماً فقد قيل أن نوع تلك الأشجار الصنوبرية هي أشجار السندوس (SANDARAC TREE) وإن لم تثبت هذه الحقيقة تماماً . ومن بعض ما قيل أن تكون مادة أصماغ الكهرب بدأت في العصر الثلثي وهو العصر الذي تكونت فيه سلاسل الجبال الكبرى كجبال الألب والهيمالايا نتيجة الزلازل والبراكين وتغير طقس الكرة الأرضية (TERTIARY) . ومن هنا فقد يكون هذا التاريخ هو تاريخ انصهار تلك الأصماغ وبدء الإفراز المكثف من أشجارها ومن ثم انطمارها في الجبال أو تحت قيعان البحار .
       كذلك فإن تاريخ نشوء هذه المادة مرتبط أيضاً بتاريخ انصهار مادة الصمغ من هذه الأحجار وتغليفها وضمها لعدد من الكائنات الحيوانية أو النباتية الشائعة  في ذلك الزمن وبذلك فإنه من الممكن تحديد الزمن لنشوء المادة وبشكل علمي أكيد . لقد أوضحت الكتل التي اكتشفت من مادة الكهرب أنها تحوي على حشرات وحيوانات منقرضة مثل بعض أنواع الذباب والبعوض والنمل والزنابير وزير الحصاد والفراشات والعناكب وسلسلة طويلة أخرى من هذه الأصناف . بالإضافة إلى هذه الأصناف فلقد ضمت أحجار الكهرب المكتشفة عدداً كبيراً من المخلفات النباتية التي كانت سائدة آنذاك مثل مقاطع الزهور والحبوب وأوراق الأشجار أو أجزاء من الثمار وشوائب نباتية منقرضة ومتعددة . لذلك أمكن التعرف وبدقة أكبر على عمر أحجار الكهرب عن طريق إجراء التحليل العلمي على الأنواع السائدة من تلك الحيوانات أو النباتات وخصوصاً المنقرضة منها أو المختلفة عن الأنواع السائدة حالياً طالما أن هذه المخلفات المصانة قد حفظت من تغييرات الزمن بدقة بالغة بسبب الإحاطة الكاملة لمادة الكهرب عليها . وبهذا يمكننا القول أيضاً أن تقديرات عمر نشوء الكهرب في كل منطقة يكتشف بها هذا الحجر اعتمدت أيضاً على اختلاف الأماكن الجغرافية لتلك الحيوانات أو النباتات المحفوظة وتغيرها من منطقة لأخرى فضلاً عن استخدام أساليب علمية أخرى على نفس مادة الكهرب كالأشعة لمعرفة العمر الحقيقي لهذا الحجر .

       وبما أن لهذه المادة محبة خاصة لدى المهتمين بالمسبحة وملائمة شديدة لهذه الصناعة فسوف نتطرق بشيء من التفصيل إليها وعن كيفية نشوئها ومواصفاتها الفنية ومناطق استخراجها ودورها في الاستخدام التاريخي للحلي والمجوهرات وألوان مادتها وصناعة المسابح منها ، لا سيما وأن بعض الناس يجهل الكثير عن هذه المادة وكما يلي :
1. نظريات نشوء مادة الكهرب والمواصفات الفنية
       بودنا القول أنه وبغض النظر عما تذكره المصادر عن هذه المادة فبعض المهتمين بهذه المادة وبالتجربة والاطلاع يعلمون عنها الشيء الكثير مما قد لا يدرج أو يفصّل في معظم المصادر المكتوبة ، ويعتبرون في الواقع مصادر متنقلة .
       أن التاريخ الدقيق لبدء تكون مادة مادة الكهرب مختلف عليه وحسب مناطق تكونه ، فبعض الخبراء قدروه بحدود (40) مليون سنة وآخرون بحدود (60) مليون سنة للكهرب المستخلص من شواطىء بحر البلطيق . مؤخراً اكتشف وفي جبال لبنان والأردن كهرب قُدر عمره (136) مليون سنة (وهو ما حللته جامعتي جنوب كاليفورنيا وبيركلي في الولايات المتحدة) وبذلك فهذا أقدم تاريخ لنشوء الكهرب .
       والكهرب متحجر عضوي أصله أصماغ متحجرة لأشجار معينة من الصنوبريات أو الأشجار المزهرة ، مثل الأجث والبلوط وغيرها ثم طمرت تحت التراب أو تحت صخور وقيعان بعض البحار أو الجبال ناهيك عن كيفية احتفاظها ببعض المواصفات العطرية . وإن كان هنالك تفسيراً يتعلق بعملية البلمرة والحركات التكتونية .  -              
ولعل أفضل ما قيل بهذا الصدد ،أن تغيرا طرأ في طقس الجو المحيط بالكرة الأرضية قبل ملايين السنين مما أدى إلى ارتفاع الحرارة وهذا أدى إلى زيادة ترشح وذوبان الأصباغ من تلك الأشجار المذكورة وقد يكون أن رافق ذلك هياج الزلازل والبراكين فطمرت تحت الأرض أو تحت قيعان االبحار , وتحت بحر البلطيق بصورة خاصة .
2- مناطق الاستخراج الجغرافية لمادة الكهرب
       مادة الكهرب مادة في غاية الندرة ,مثلها مثل الأحجار الكريمة النادرة ومناطق انتاجها واستخراجها مقتصرة على بعض المناطق في العالم . ولقد وجدت قطع من هذه المادة طافية على سطح البحر أو تلك التي تقاذفتها الأمواج إلى السواحل ، كما وجد مطموراً في أتربة بعض المناطق الجبلية والكهوف في مناطق أخرى .
       تاريخياً ، عُرفت مادة الكهرب بقدومها من منطقة الساحل الجنوبي لبحر البلطيق ، وخصوصاً من (كوينز بيرك) في ألمانيا . وهو ما عرف سابقا بالكهرب الألماني . واليوم يتواجد الكهرب ويصنع في مناطق مثل المناطق المطلة على بحر البلطيق ، نتيجة للتطورات الأخيرة في تقنية الاستخراج من تحت قيعان البحار . وكميات مادة الكهرب المستخرجة من منطقة بحر البلطيق هي الأكثر والأغلب وبنسبة كبيرة فيما بين إجمالي استخراج هذه المادة النادرة في العالم .
       إن بعض الدول المطلة على سواحل بحر البلطيق الجنوبية ، تمنح رخصاً خاصة للكشف عنه  أو استخراجه وذلك لجهات حكومية أو شبه حكومية حيث كان يعتبر من الثروات القومية ، مثل روسيا وبولندا ، كما أن الدنمارك تمنح رخصاً خاصة للأفراد أو المناطق السياحية على السواحل لغرض جمع أحجار الكهرب تشجيعاً لهم ووضعت بعض اللوحات التحذيرية من إلتقاط حجر الكهرب في بعض السواحل أيضاً .
       ولقد لاحظنا في بولندا على سبيل المثال خلال زيارتنا لها عند مرحلة منتصف الثمانينات ، أن الدولة تحظر على غير جهاتها الرسمية التعامل والاستخراج لمادة الكهرب وتضع القوانين الرادعة لتنفيذ ذلك ، بل وتحظر التجارة الشخصية بهذه المادة أو مصنعاتها ، إلا أن ذلك قد لا يجدي في معظم الأحيان نظراً للمغريات المادية والتجارية لهذه المادة حيث يقوم الأفراد بالتعامل الاستخراجي والبحث عنها وتصنيعها خفية ومن ثم الإتجار بها في السوق السوداء .
      وفي البرازيل والدومنيكان أو غيرها وجدت مادة الكهرب بشكلها المتحجر في الجبال والكهوف القديمة لمنطقة الأنديز ، حيث يستخرج بمعاناة شديدة وحقيقية عن طريق حفر بعض الأنفاق الضيقة أحياناً خلال الكهوف القديمة أو ممراتها ، لذا فكمية المستخرج منها قليلة وضئيلة بسبب كلفة الاستخراج الباهضة وما يلازم ذلك من الخطورة الشخصية ، إذ يجب إلتقاط الأحجار بصورة يدوية من بين ممرات ضيقة للحفاظ على كامل الحجر وعدم تهمشه إذا ما استخدمت التقنيات الأخرى في الاستخراج . لذا فقلة من الناس تقوم بهذا الاستخراج هناك ، على الرغم من جودة هذه الأنواع وقد يطلق عليه وصف (الكهرب الحجري) .           
       ومن المناطق الأخرى التي اكتشف بها هذا الحجر هي بورما ورومانيا وصقلية ، وبعض القطع القليلة في لبنان مؤخراً .
       ومادة الكهرب الطافية أو المكتشفة على سواحل بحر البلطيق وجدت بشكل قطع صغيرة أو شظايا في أغلب الأحوال مع وجود بعض القطع الكبيرة أحياناً ، ولقد شاهدنا في متحف مدينة (جيدا نسك) الواقعة على بحر البلطيق في بولندا قطعة من مادة الكهرب يزيد وزنها عن (10) كيلو غرامات ولها شكل مسطح رائع .
        ومن المتوقع ، مع ارتفاع سعر مادة الكهرب حاليا ، والتزايد المستمر في أسعارها في المستقبل ، أن تقوم بعض الجهات الاستثمارية في البحث عنه واستخراجه من مناطق متعددة إن أمكن ذلك .
3 - أشكال الاستخدام المتنوع لمادة الكهرب في التاريخ
      أخذ القدماء بجمال هذه المادة ومواصفاتها وندرتها وجاذبيتها ومطاوعتها للتصنيع واعتبرت منذ القديم من الكنوز والمجوهرات للملوك ولعلية القوم . وتقدر تواريخ استخدامها المعروفة بآلاف السنين ، حيث ذكر ان القبائل الدنماركية عرفته واستخدمته منذ (15000) عاما حيث نحتته على أشكال متنوعة من العقود والحلي ، ودفن مع موتاهم أيضا لاعتزازهم به من تأثرهم بالأساطير لمنافع هذه المادة . ولو استطلعت محتويات المتاحف في بولندا أو الولايات المتحدة أو روسيا ، لتبين الاستخدام المتنوع لهذه المادة ، عبر تاريخ طويل ، باعتبارها مادة نفيسة ونادرة . ولقد لوحظ أن بعض القطع المنحوتة من هذه المادة صنعت على شكل قطع النقود ، حيث أنها استخدمت كما استخدام النقود اليوم وكاستخدام القطع الذهبية أو الفضية النقدية القديمة كما هو الحال بما هو نفيس ونادر .
       كما صنعت منها الأوسمة والميداليات والنياشين والقلائد والعقود لمختلف أصناف البشر من الرجال سواء الملوك والأمراء والقادة أو رجال الدين والكهنة او القساوسة ، وصنّعت منها أيضا كافة أنواع الحلي للنساء من خواتم وأختام وقلائد عنقية وعقود معصمية ومشابك وأمشاط ، ولم نجد في واقع الأمر شيء من أدوات التزيّن مما ينتج اليوم لاستخدام النساء لم ينتج من مادة الكهرب ومنذ زمن طويل .
       كذلك فقد صنعت من قطعه الجميلة العلب الغالية والنفيسة ومنها علب المجوهرات والعلب المتنوعة الأخرى ، والمكاحل ، ومباسم السكائر ورؤوس العصي والصولجانات ، كما تداخل تصنيع هذه المادة الذهب والفضة والعاج والأبنوس بأشكال وأنواع متعددة ولكل الاستخدامات ، فضلا عن نحت بعض التماثيل الدقيقة منها وأشكال أخرى مختلفة مما لا يتيح لنا المجال في سردها هنا أو وصفها ولو لبعض أنواعها نظرا لكثرة تفاصيلها وكونها تدخل في صناعة أخرى وليس في مجال سردنا الحالي ، إلا ان ما يعنينا دخول هذه السلعة في نطاق التجارة خلال مرحلة العصور القديمة . وقد جاء في كتاب العصور القديمة للدكتور جايمس براستد (ص 19 طبع في المطبعة الأمريكانية - بيروت عام 1936)  أن مواد حجارة العصر الحجري هي مواد الكوربا - الكهرباء (أي حجر الكهرب) وكانوا يجمعونها من سواحل بحر البلطيق .
       واهتم بعض القوم في آسيا ، في التاريخ القديم ، بهذه المادة النفيسة وخصوصا في الهند وأفغانستان وغيرها . كما اهتم العرب أيضا بصناعة هذه المادة ولأغراض شتى ، سواء للمستلزمات الرجالية أو النسائية ، واستخدامها بصورتها المنفردة أو المتلاحمة بالذهب والفضة وخصوصا المعدن الأخير .
      وتولّه بعض سكان الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام ومصر وبقية الشمال الأفريقي ، بهذه المادة ويفضلونها على شكل منحوت المشابه لشكل المكعبات الكبيرة أو على أشكال بيضوية عديدة وبأحجام كبيرة وقد يتم نحتها وصناعتها متحدة في أغلب الأحيان بصنعة صياغة الفضة معها بصفة خاصة وأحيانا ضمن صياغة المصنعات الذهبية .
       كذلك اهتم بعض العرب بصناعة مباسم الأركيلة وبعض غلايين التدخين ، ومقابض الخناجر والسيوف والسكاكين من هذه المادة عبر السنوات الألف الأخيرة .
       وفي اعتقادنا أن أوائل الاستخدام لمادة الكهرب في صناعة المسبحة بدأ في ثلاث مناطق وهي مصر والعراق وتركيا . حيث اكتشفت ومنذ أكثر من ستمائة عام على أكثر تقدير فضائل استخدام هذه المادة في صناعة المسابح بصورة واضحة . وقد جاء بناء هذا التقدير التاريخي استناداً إلى أن المسبحة عرفت قبل ذلك بكثير وأن ما يشابهها من القلائد الدينية قد استخدمت فيها مادة الكهرب ، كما توضحها متاحف الكهرب في بولندا ، إلا أننا ولعدم وجود التوثيق لتاريخ الاستخدام الفعلي لهذه المادة لصناعة المسبحة على وجه الخصوص ليلزمنا على الاعتقاد أن استخدام مادة الكهرب في المسبحة جاء بعد وقت طويل من استخدام المسبحة أو المواد الأولية لاستخدامها مثل الخشب والأحجار والعاج وغيرها حيث يلجأ الناس عادة ، في ذلك الزمن إلى استخدام المواد النادرة . وأغلب الظن أن الصناع في استانبول ومصر والعراق وبعد ازدياد قدوم هذه المادة من ألمانيا وغيرها بتزايد التجارة في سلعة العقود النسائية بدأوا في أول الأمر في تحويلها إلى مسابح وأن بعض الناس من علية القوم طلبوا تصنيعها في ألمانيا أو روسيا أو بولندا مباشرة . ولقد رأينا مسابحاً من الكهرب من اللون البرتقالي الداكن جداً قدرت أعمارها بحدود أربعمائة إلى خمسمائة عام ، مما يعطي صورة أوضح عن تاريخ صناعة المسبحة من مادة الكهرب . ولا ريب إذن أن يكون استخدام الكهرب قد بدأ قبل هذا الوقت وأغلب الظن قبل قرن أو أكثر من الزمان ، أي بحدود ستمائة عام تقريباً .
       عموماً ازداد الإنتاج من مادة الكهرب بعد ذلك ولحد اليوم ، كما ازداد إقبال النساء على اقتناء القلائد والأساور اليدوية ومواد الزينة منها حتى منتصف هذا القرن حيث قلّ بعد ذلك تهافت النساء عليها نظراً لاكتشاف المواد الرخيصة المشابهة لها في الشكل أو المختلفة الألوان والأشكال وغير ذلك بينما ازداد إقبال الرجال في الطلب في صناعة المسبحة من هذه المادة .
       يقبل الرجال حالياً على شراء مسابح الكهرب ، وتقبل النساء إلى حد ما في أوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة واستراليا وكندا وغيرها على شراء حلي وعقود مادة الكهرب . وأفضل أسواق بيع مسابح الكهرب تكاد تتركز حالياً في مصر ودول الخليج العربي والعراق وتركيا ولبنان والأردن حيث أن قسماً منها مصنّع محلياً والآخر مصنع في روسيا وبولندا أما الكهرب المصنع في ألمانيا لغرض المسبحة فهو قليل بالمقارنة . . .   
       إن مادة حجر الكهرب ذات ملمس دهني دافئ ، خصوصاً إذا ما صقل جيداً . أما مواصفاته الكيماوية فهي تشير إلى كونه مادة مركبة من الكربون والهيدروجين والأكسجين بذرات متباينة  مع بعض الشوائب والمخلفات الأخرى . ولعل وجود الأكسجين  في مادته يفسر تغيير لون قشرته الخارجية خلال المراحل الزمنية المتعاقبة من خلال تعرضها للهواء و الحرارة .
       بالإضافة إلى ذلك ، فإن مادة الكهرب تنصهر في درجة (287) تقريباً . ويبلغ وزنها النوعي إجمالاً بحدود من (1.05) إلى (1.1) غراماً في السنتيمتر المكعب . كما تبلغ صلادتها أو مقياس صلابتها من (2) إلى (2.5) حسب مقياس موسى المقام على عشر نقاط رقمية لقوة الصلادة . (مصدر رقم 24) .
       لذا فإن مادة الكهرب خفيفة الوزن إلى الحد الذي تطفو في الماء المالح (نفس نسبة ملوحة البحار) . كذلك فقد احتفظت هذه المادة بصفاتها العطرية الرارنتيجية على مدى ملايين السنين ، وهي إذا ما دلكت بالقماش أو اليد أو إذا تعرضت للحرارة ، انبعث منها رائحة زكية نفاذة أشبه ما تكون إلى رائحة العنبر أو البخور القديم ممزوجة مع مسحة من رائحة ثمرة الليمون المعتقة أحياناً .
       وكما أسلفنا فإن لمادة الكهرب خاصية إبراز وانبعاث الشحنة الستاتيكية الكهربائية إذا ما دلكت على القماش أو بالمواد الأخرى والصوفية على وجه الخصوص مما جعل في إمكان هذه المادة التقاط وجذب القطع الصغيرة من القش والخيط والورق وبعض المواد الأخرى . وصفة الكهربائية هذه هي التي أضفت اسم الكهرب عليه عند الشعوب القديمة في منطقة الشرق الأوسط .
       أخيرا فإن مادة الكهرب وبسبب درجة صلابتها ومواصفاتها الأخرى ، طيّعة لدنة سهلة التعامل معها بالنحت والخراطة والتصنيع ولمختلف الأغراض إذا ما روعيت مواصفاتها الفنية عند العمل بها . لذا فإن عملية استخدامها وتصنيعها كمادة في صناعة المسبحة هي عملية سهلة وغير معقدة نسبياً وفي قدرة طائفة كبيرة من الصناع اليوم القيام بها مع مراعاة الشوائب فيها .
4- ألوان وأشكال الكهرب الطبيعي
       تتباين ألوان مادة الكهرب ، وإن كان معظمها ذات ألوان أقرب ما تكون إلى اللون الأصفر . وعادة ما تكون هذه المادة بالنسبة لألوانها وشكلها الطبيعي على ثلاثة أنواع حسب شفافيتها ، فهنالك اللون الشفاف (Transparent) أو نصف الشفاف (تختلف نسبة العتمة فيه) ، والنوع الأخير هو غير الشفاف والمكتسب صفة الكهرب الحجري أحياناً .
       فبالنسبة إلى النوع الأول الشفاف معظمه ما يميل إلى اللون الأصفر الذهبي أو المحمر الداكن ، وبعض أنواعه تقرب في شفافيتها ويقل اللون فيها حتى تكون كالزجاج الذي ليس له لون والبعض من هذا النوع يحوي الشوائب أو الحشرات الكامنة التي يمكن رأيتها ، ولعل أطرف ما قيل لنا (كذلك ذكر ان للملك فاروق مسبحة ذات لون بني متشابك مع ألوان أخرى ولها منارة من الذهب المطعم بالماس . ولقد بيعت هذه في مزادات علنية في أوربا ز من مقالة في مجلة زهرة الخليج ، العدد 717 ، ص. 52   12/2/1994م) هو وجود مسبحة من الكهرب كان يقتنيها الملك السابق فاروق في مصر ، حيث تميزت حباتها الخالصة باللون الشفاف النقي مع احتوائها على شوائب داخلية خضراء من أوراق الشجر الدقيقة .  أما المسابح من مادة الكهرب الشفافة والتي تحوي على الحشرات أو الشوائب المندسّة منذ القدم في صلب حباتها فهي موجودة عند مختلف باعة المسابح اليوم على الرغم من ندرة أعدادها وأهميتها التاريخية لوجود الحشرات فيها ويسميها أهل العراق بمسبحة الحشرات . أما مسابح الكهرب الصافي اللون فتسمى (بالعطش) خصوصاً إذا كان الحجر قد عومل معاملة خاصة ، وذلك لعكسها أشعة الضوء بصورة متقطعة تشبه تذبذب الأشعة الضوئية الناجمة عن اشتعال النار .
       ومسبحة مادة الكهرب الشفاف القديمة ذات اللون الأصفر الذهبي والبرتقالي صنعت يدوياً ، شكل حباتها على الأغلب بيضوياً ، حيث أن قطر الحبة يتراوح ما بين 7 - 10 ملم وطول الحبة (10- 15) ملم ، كما أن بعضها صنع بالشكل المضلع له أسطح ماسية التقطيع سواء الكروية أم البيضوية منها تعكس الأضواء بصورة جميلة ، ويسميها أهل العراق مسبحة كهرب (الطراش) .
       النوع  الثاني من أنواع مادة الكهرب حسب شفافيتها هي نصف الشفافة . وفي هذا النوع تتداخل الشفافية مع نسبة من اللون الأصفر أو البني حيث تكون نسبة من الحجر شفاف والبقية منها معتمة ، وقد يتداخل اللون البني والألوان الأخرى والشوائب الداكنة فيها ، وبسبب هذا التداخل فلقد أطلق عليه أهل العراق (الكهرب البلغمي) أو المسبحة البلغمية .
       النوع الثالث هو مادة الكهرب غير الشفافة أو (المعتمة) وأغلب ألوان هذا النوع هو الأصفر وتدرجاته ، من الغامق إلى الفاتح مع توشحات ذهبية أو بنية أو غيرها كما يوجد من الألوان الأحمر الداكن حيث يقرب أحياناً من لون القهوة بتأثير التقادم الزمني . كذلك قد يكون لون هذا النوع اللون الحليبي في بعض أنواع مادة الكهرب وخصوصاً ذلك المصنّع حديثاً. ومن أندر أنواع الكهرب حسب لونه هو الضارب إلى الأزرق المشوب بحمرة ، أو الأسود ، وحيث تعتبر المنتجة منها من أندر أنواع المسابح في العالم ولا يمكن تحديد أسعارها بشكل دقيق إذ يخضع ذلك للتعامل الشخصي ، وتوجد منها نماذج لدى بعض الناس .
       ومن المعلوم أن ألوان مادة الكهرب من هذا النوع بصفة خاصة تتغير عبر الزمن ، فلو افترضنا أن مسبحة أنتجت منها وكان لون حباتها يميل إلى اللون الأبيض أو الأصفر الفاتح . فإنه يتحول إلى اللون الأصفر الداكن بعد عشرين أو ثلاثين سنة ثم يتحول في معظم الأحيان إلى اللون البني بعد مرور فترة تقارب نفس الفترة أعلاه ، أما تحوله إلى اللون الأحمر الداكن والشبيه بلون ثمار البلح الناضجة فلا يحصل إلا بعد مرور أكثر من مائة عام على الأقل . وقد تستخدم هذه الطريقة في المعرفة لتقدير عمر المسبحة وتاريخ صنعها التقريبي ، وقد يكون بأكثر من ذلك إذا عرف اللون الأساسي الأول . إن هذه التغيرات اللونية لا تحصل إلا في قشرة مادة الكهرب فقط ، حيث أن اللون الأبيض والأصفر هو الغالب في لبّها ويمكن ملاحظة ذلك بطبيعة الحال عند تكسر الحبيبات ، أو عند إعادة تصنيع الكهرب القديم . وهذه قد يتجاوز عمرها الافتراضي المائتي سنة . 

العنبر الأزرق أندر أنواع الكهرمان أو العنبر


عيّنات من سبحات العنبر:




5. طرق صناعة الكهرب الطبيعي والمصنّع والمضغوط
       تقوم صناعة الكهرب ، أي نحته وخراطته ونقشه ، ومنها صناعة المسبحة في أغلب الأحوال ، وفي الدول المنتجة لهذه المادة مثل روسيا وبولندا وألمانيا أو غيرها . مع تصنيع محدود في بعض الأقطار الأخرى المختصة بصناعة المسبحة مثل مصر والعراق وتايوان وفي تركيا مرحلة سابقة حيث تصنع مادة الكهرب الخام إلى حبيبات أو أشكال أخرى كمباسم الأركيلة بحرفية جميلة .
       لقد تطرقنا إلى كيفية صناعة حبيبات المسابح بصفة عامة والكهرب بصفة خاصة ، سواء بالمخرطة (البدائية) أو نصف الآلية أو تصنيعها آليا بالكامل . وتصنيع الكهرب إلى حبيبات وملحقات السبحة الأخرى يعتمد على المصادر الجديدة للحجر الخام المستخرج أو المجمع أو تحويل الأحجار والأشكال القديمة إلى حبيبات . فبالنسبة إلى المصادر الجديدة ، وبعد معرفة تفاصيل الطلب وقياساته يتم شراء وتجميع الأحجار حسب الأحجام المناسبة واختيار الألوان المتناسقة وفي العادة تباع مادة الكهرب في أكياس يصل وزنها إلى الكيلو الواحد ، وبعد تقسيم نوعيات الأحجار المشتراة ، تزال الشوائب وتُقطع حسب الأحجام المطلوبة ، ويراعى في التقطيع دراسة مثالية للحجوم حتى لا تتعرض قطع مادة الكهرب إلى وجود أشكال وألوان فائضة لأجزاء غير مطلوبة ، وفي معظم الأحيان تقطع الأحجار بأشكال متساوية أو على شكل اسطوانات أو أشكال أخرى حسب نوعية الطلب . وبعد ذلك تبدأ خراطة مادة الكهرب بعد تثقيبها للحصول على حبيبات كروية أو بيضوية أو صنوبرية أو غيرها مع تخصيص أجزاء من الأحجار إلى المنارة والفواصل ، وتستخدم في الخراطة أزاميل خاصة لغرض إجراء التشكيل المطلوب عند خراطة المادة مع ملاحظة درجة حرارة القطعة من مادة الكهرب عند عملية الخراطة أو عند إجراء التثقيب المتوازن وإنجاز العمل وصب أو تنقيط الماء عليها أو وضع بعض الزيوت لغرض تلافي تكسر الحبات المخروطة جراء الحرارة الناجمة عن هذا العمل . وبعد ذلك تأخذ الحبات شكلها النهائي ومن ثم تبدأ عملية التنعيم والصقل ، وتمر مادة الكهرب وحبيبات المسبحة عادة بثلاث مراحل من الصقل ، الأولى تنعيم سطح الحبة الخشن بواسطة أزاميل مبردية ناعمة السطح (بالنسبة للطريقة الآلية الحديثة توضع حبات المسبحة حسب الأشكال المصنعة في كرة مجوفة يوجد بها مواد كيماوية معينة حيث يتحدد داخل الكرة درجة حرارة معينة وتقوم الكرة المجوفة بالدوران آلياً حتى تتنعم وتصقل أسطح حبات مادة الكهرب) .
       المرحلة الثانية (اليدوية) وهي تتم على نفس المخرطة وأحياناً باليد ، حيث تستخدم مواد ناعمة بلاستيكية ذات مرونة متوسطة وبعد دعكها للحبات يظهر سطحها بالشكل الصقيل والناعم الملمس .
       المرحلة الثالثة ، وهي مرحلة إبراز بريق ولمعان سطح مادة الكهرب وهي تقام على المخرطة أيضا أو على الآلات الحديثة الأخرى ، وتستخدم شحوم دهنية خاصة وأقمشة ناعمة ، حيث أن دعك هذه المواد المحوري لحبيبات المسبحة بصورة مستمرة يظهر البريق المطلوب والنعومة الكاملة والملمس الدهني وتفاصيل ألوان مادة الكهرب وتقاطيعها بصورة جميلة ومشرقة . وبعد تنظيف حبات الكهرب والمنارة والفواصل بواسطة منظفات مختلفة أو الصابون غير الكيماوي والماء تنشّف وتمسّح وتنظّم في الخيوط حيث تصبح صالحة للاستعمال .
       أما المسابح من مادة الكهرب والتي تكون حبيباتها على شكل الحبيبات المضلعة (ذات الشكل الماسي) فإن طريقة صنعها مضنية وصعبة حيث تنحت وتستخرج الأسطح للحبة بنفس طريقة استخراج الأسطح المضلعة للأحجار الأخرى (وخصوصا الماس) أي حك الحبات بواسطة اسطوانة خشنة لاستخراج أسطح الحبات المضلعة ثم تنعيمها وصقل الأوجه المسطحة وتثقيبها ولقد شاهدنا قطعاً من هذا النوع أنتج في روسيا وألمانيا ومصر وتركيا وفي العراق .
       وينتج من صناعة حبيبات المسبحة من مادة الكهرب عادة مخلفات عرضية من هذه المادة وبما يزيد أحياناً عن نصف الكمّية التي خصصت للإنتاج إذا لم تدرس القطع المعدة للإنتاج بصورة دقيقة قبل تصنيعها ، وذلك يفسر أحيانا الارتفاع النسبي لأسعار المسبحة من هذه المادة ، ولجوء صانع المسابح إلى جعل الحبات متدرجة أحياناً في المسبحة الواحدة . كما أن ذلك يستدعي إلى استغلال مخلفات التصنيع في صناعات تحويلية متعددة أخرى .
       فقسم من المخلفات وهي الشذرات والقطع الصغيرة والناعمة تدمج مع سائل بلاستيكي أو كيماوي وتصب في قوالب صغيرة وتكبس ، أو تصب في أعمدة ، ومنها تخرط حبيبات المسبحة وأجزائها الأخرى وحسب الطلب ، وأحيانا تصنع بعض العقود والقلائد النسائية بهذه الطريقة . وحيث يلاحظ وجود قطع مادة الكهرب الأصلية في جوفها وقد تشكل ما مقداره (50%) خمسون في المئة من حجم الحبيبات الإجمالي ، وهذا النوع من مسابح الكهرب المكبوس يفقد فيها الكهرب مواصفاته الأصلية بسبب المحتويات الأخرى في الحبات وعملية التصنيع .
       وهناك نوع آخر من التصنيع المرتبط بمادة الكهرب وتسمى (بمسابح الكهرب المضغوط) (Pressed Amber) يقوم على أساس الصهر الحراري العالي لمخلفات مادة الكهرب أو ترابها وشذراتها تحت ضغط جوي معين ومن ثم تصب بالضغط في قوالب خاصة ثم يتمم صقلها وإعدادها للمسابح أو العقود والأدوات النسائية . وفي ذلك النوع من التصنيع تفقد مادة الكهرب كافة خواصها الأصلية أيضاً . عموما فالمسابح ذات الحبات التي تصنع بطريقة الكبس أو بطريقة الضغط تتميز بكونها أكثر صلادة من الكهرب الأصيل ، كما أن أسعارها تقل عادة عن نصف سعر مادة الكهرب الطبيعي . أما ألوان مسابح مادة الكهرب المضغوط عادة تميل إلى اللون البني الداكن مع وجود توشيحات تركيبية داخلية .
6. اكتشاف تقليد حجر الكهرب
       مادة الكهرب نادرة وغالية الثمن كما أن المنتجات منها ذات أسعار مرتفعة وهذا السبب أغرى الكثير من الناس وأصحاب الصنعة على محاولة تقليدها من مواد أرخص ثمنا وأسهلا تحصيلا . وكان هناك تجارب لمواد يشابه لونها اللون الطبيعي لمادة الكهرب وبعضها له خاصية إستاتيكية في جذب الأشياء السيللوزية الصغيرة مثل المادة الأصيلة بالضبط ، مما جعل بعض المشترين لمنتجاتها يقبلون عليها لضنهم أنها من النوع الطبيعي ، إلا أن أحداً لم يستطع أن يقلد المادة الطبيعية في خاصيتها لبعث الرائحة الزكية عند الدعك وإن حاول بعض الصنّاع تضميخ منتجاتها بروائح العطور قبل البيع وبصورة وقتية . وبسبب ندرة أحجار الكهرب الطبيعي وغلاء أسعاره فقد لا تتاح الفرصة لعدد كبير من الناس أن يتعرفوا عليها بصورة جيدة أو عملية . ومنذ بداية القرن العشرين نجح الكثيرون في تقليد المادة الطبيعية وصنعوا منها المسابح وغيرها من المنتجات بالشكل الذي يصعب فيه على كثير من الناس التفرقة ظاهرياً بين الأصيل والمقلد ، خصوصا بعد تقدم العلوم الكيمياوية والتصنيع الحديث والذي أدى إلى الانتشار الكبير لصناعة رائجة وهي تصنيع المواد المقاربة لوناً وشكلاً ووزناً لمادة الكهرب الطبيعية . بل أن بعض المنتجات من الصنف المقلد فاقت في جمال ألوانها الحجر الطبيعي ، ومن جملة تلك المنتجات المسبحة ولا تزال قضية صعوبة التمييز قائمة لحد اليوم .
        ولغرض حل هذا الإشكال ، أي التفرقة ما بين الأصيل والمقلد في حالة وجود نوع من الاهتمام بذلك ، فقد اعتاد الناس على فحص المواد المستخدمة من منتجات الحجر الأصيل أو المواد المقلدة لغرض التمييز بطريقتين الأولى الطريقة البدائية والثانية الطريقة العلمية مع أن كلتا الطريقتين تفحص في الواقع الخواص الطبيعية لمادة الحجر الأصيل والتي تثبت عدم استطاعة الصنّاع تقليدها .
       الطريقة الأولى : وهي طريقة بدائية بسيطة تشمل تجربتين عند الالتباس أو حالة الشك بأصالة المادة تحت اليد ، وتتمثل هذه الطريقة بما عرف بتجربة الماء المالح "القريب ملوحته من ملوحة ماء البحر ، ويتم في هذه الحالة أخذ عدد من حبات المسبحة أو كل أجزاء المسبحة ( ما عدا الأشياء المعدنية كالملحقات ومن ثم تغطيسها في الماء المالح فنجد أن الحبات تطفو على سطح الماء المالح بينما تغوص الحبات المقلدة إلى قعر الماء المالح في معظم الأحوال ويعود سبب ذلك إلى أن وزن حجر الكهرب الأصيل النوعي (1.1) غرام في / السنتمتر المكعب من المادة ، وهذا العامل يجعل من المادة الأصلية تطفو فوق سطح الماء المالح وذلك لانخفاض الوزن النوعي للحجر مقارنة بالوزن النوعي للماء المالح . وعلى الرغم من نجاح هذه الخاصية في إثبات ماهية المادة إلا أننا وبالإضافة إلى ذلك نؤكد على إجراء العملية اللاحقة بسبب إمكانية تقليد الوزن النوعي أيضاً . وهذه العملية تتعلق باللسع بالنار ، وفيها يقرب من لهب النار جزء بسيط من جسم حبة المسبحة لثوانٍ وعلى بعد حذر ، وينجم عن ذلك انبعاث رائحة الكهرب الذكية ذات الأساس العنبري العطري بدلا من تنسم روائح المواد البلاستيكية أو الكيماوية الأخرى .
       وبسبب معرفتنا بعدم استطاعة تقليد هذه الرائحة في المنتجات وإلا لتزايدت الكلفة للمنتجين ، فإننا ننصح بالحذر في الوقت نفسه وأخذ الحيطة لئلا يحترق وجه الحبة من المسبحة مما يسيء إلى لونها ويغيره عند استمرار الحرق الغير مبرر .
       وهذه الطريقة تساعد إلى حد كبير ومن دون جهد بالغ في إجراء التمييز والتقدير بالإضافة إلى الخواص الأخرى ، مثل الملمس الدهني الدافئ لحبات المسبحة من المادة الطبيعية ،والتوزيع الطبيعي لألوان وشكل المادة وأحيانا وجود بعض الشوائب الدقيقة (يمكن أن يفحص بالعدسات المكبرة) .
       الطريقة الثانية : وتشمل إجراء التحليل العلمي على الحبات عند المختصين بمثل هذه التحاليل ، ويقضي ذلك إجراء التحليل الكيمياوي على مكونات الذرة حيث أن المواصفات التركيبية الكيمياوية لحجر الكهرب الأصيل معروفة . وبذلك يمكن البت نهائياً في مصدر الحجر على الرغم من أننا نعتقد أن إجراء التجارب  بالطريقة الأولى قد يكون كافيا في معظم الحالات كما أن أصحاب الباع الطويل في معرفة حجر الكهرب وأصحاب محلات المسابح لديهم الخبرة العملية في التمييز .
       إن بعض أحجار الكهرب الطبيعي ومنه على الأخص الكهرب الشفاف أو ذاك المستخرج حديثاً قد لا تظهر عليه خاصة بعث الرائحة الذكية عند الدعك ، مما يثير ريبة البعض من أنها ليست من الحجر الأصيل وبذلك يحصل الشك ويستريب الإنسان من ماهية هذا الحجر ولعل الطريقة الأولى تفيد الغرض .
       ويلاحظ أن المسبحة المقلدة تميل إلى اللون الأصفر البني أو البني الغامق مع توشيحات غامقة جوفية ، وجلّ الحبات تكون من النوع الشفاف أو نصف الشفاف Less Transparent / Misty المضبب . كما أن أسعاره المتهاودة جعلت المسبحة المنتجة منه محط أنظار بعض الناس . عموما لا شيء يضاهي المسبحة المصنعة من مادة الكهرب  الأصيلة ، حيث أن تلك التي تصنع من الكهرب المضغوط ذات ملمس بارد على عكس المادة الطبيعية ومواصفاتها الخلابة في دفئ ملمسها ورائحتها العبقة عند الاستخدام .
       وبودنا أخيرا الإشارة إلى بعض الأخطاء الشائعة عن مادة الكهرب ومحتوياتها . فالمسبحة المصنعة من هذه المادة والتي تكون حباتها من النوع الشفاف المحتوية لبعض شوائب لحاء الأشجار أو الغبار أو فقاعات هوائية ، يظنها بعض الناس في احتوائها الحشرات المتنوعة وبعضهم من يسميها فعلاً بمسبحة الكهرب (ذات الحشرات) أما تلك التي تحوي حباتها على حشرات فهي من النوادر الحقيقية في العالم وقد تعد أعدادها على أصابع اليد الواحدة . والواقع أن استخدام هذه الأنواع يسئ إلى الحفاظ على القيمة العلمية ، حيث أن مادة الكهرب قد حفظت هذا السجل التاريخي لملايين السنين ومن غير المنطقي أن نعرضه للتلف في مثل هذا الاستخدام .
       ولقد أبدى بعض الناس اهتمامهم بالمسبحة من الكهرب التي حباتها تحوي على بعض الشوائب الظاهرية كالبقع السوداء أو الخطوط البيضاء أو الزرقاء وما إلى ذلك . واعتبروا أن ذلك عنصر جديد يضاف إلى جمالية الحجر ويعبر عن تشكيلاته الطبيعية .
       واهتم الناس بشكل كبير ، بالمسبحة المصنعة من مادة الكهرب الطبيعي فتوجهوا بالبحث نحو هذه المادة الداخلة في بعض الصناعات الأخرى كالعقود أو مكعبات الكهرب القديمة حيث يتم تصنيعها كمسابح جديدة وأحيانا مسبحتين من العقد الواحد أو إعادة خراطة المسابح الكبيرة القديمة مع أسفنا الشديد وتحويلها أحيانا إلى مسبحتين مما يسيء حتما إلى تاريخ انتاج المسابح القديمة وضرورة الحفاظ عليها .
7 - مسابح الكهرب .
       هناك بعض الحقائق التكميلية التي وجدنا من المناسب هنا اضافتها لاتمام صنعة مسبحة الكهرب وتقريبها إلى أذهان المهتمين . وأولى هذه الحقائق أن مسبحة الكهرب مثل بصمة الأصبع من النادر أن تتواجد مسبحتين متماثلتين بشكل كامل تماما في اللون أو توزيعه الطبيعي أو في الصنعة وناتج العمل طالما أن الأحجار طبيعية وعلى الأخص عندما يكون العمل يدويا فضلا عن اختلاف أزمان التصنيع . إذ من الصعب جدا انتقاء الأحجار الطبيعية ذات اللون الواحد أو التشابك اللوني الواحد وكميات الاحجار المناسبة لصنع عدد كبير من المسابح . وهذا العامل جعل لمسبحة الكهرب الأصيل خاصية انفرادية قلما تحصل لمتجات أخرى خصوصا وان أمكنة وأشكال الشوائب واضحة للعين بينما قد لا يحصل ذلك تماما لبقية الأحجار شبه الكريمة الأخرى ، وأكثر مسابح الكهرب صنعت يدويا في الماضي لذا فالقديمة منها لا تتشابه صنعتها مع بعض لاختلاف الصنّاع واختلاف أمكنة التصتيع وتواريخها ، وهناك اختلاف واضح في نمط التصنيع بسبب ذلك أيضا . حاليا تنتج بعض مسابح الكهرب آليا وبصورة فنية متقنة إلا أن الفروقات ما بين مسبحة وأخرى لا تزال موجودة فيها بسبب اختلاف النكوينات الطبيعية للحجر وإن كانت لا تظهر بصورة جلية لأول وهلة .
       ومسبحة الكهرب قد تكون أحيانا متوارثة ومنذ قرون ومن الأجداد إلى الأحفاد وتعتبر أحيانا جزء من تراث عزيز يصعب التفريط فيه لارتباطه الوثيق بالشخصيات التي أورثتها ما لم يدفع عامل الحاجة المادية أو الجهل بقيمة التراث ، لبيع المسبحة القديمة ، من قبل بعض الأبناء وقد يؤدي ذلك في بعض الأحايين إلى بيعها بثمن بخس .
       ومسبحة الكهرب القديمة ذات الصنعة الجيدة لا يمكن التفريط بها على النحو الذي ذكرناه ، خصوصا وان كثيرا من الناس وخارج المنطقة العربية أو الإسلامية يرغبون في حبات المسبحة القديمة لغرض تحويلها إلى عقود أو مستلزمات أخرى أو إعادة صنعها ، مما يفقدنا تراث عزيز كلف الآباء مبالغ طائلة وجهد كبير في اقتنائه والمحافظة عليه . لذا فنحن نحث أخواننا على الحفاظ عليه ، أو عرضه في المتاحف (كما يحصل في بعض الدول المتقدمة) سواء المتاحف الشخصية أو العامة إن أمكن ذلك ، حيث أشرنا سابقا إلى أن التغيرات اللونية لا تحصل إلا بعد قرون ، وان بعض طرق صنعة الكهرب القديم قد انتهت لذا فلكل مسبحة قديمة طابع فريد ومميز ، ومن الخسارة حقا اتلاف ذلك أو خسارته وضياعه خصوصا إذا ما كانت مملوكة لشخصية تاريخية .
       والطلب على مسابح الكهرب سواء القديم منه أو الحديث التصنيع ، مختلف حسب أمكنة هذا الطلب ، فعلى الرغم من كون الكهرب الشفاف ذو النوعية الرائقة هو اندر واكثر تكلفة من بقية انواع الكهرب إلا أن الطلب عليه في صنعة المسبحة غير شديد ويكاد يتركز في لبنان ومصر بينما يزداد الطلب على الكهرب غير الشفاف والمعتم والأصفر اللون خصوصا في دول الخليج والعراق وتركيا وغيرها . ومن بين أنواع الكهرب الأخير يزداد الطلب على نوع أطلق عليه اسم (الكهرب الألماني الحجري) أي أن يكون شكل الكهرب حجريا ومن النوع الذي تطرقنا إليه سابقا ، ثم يتوزع بقية الطلب على الأنواع الأخرى من أنواع الكهرب .
         أما مسابح الكهرب ذات الألوان الطبيعية نصف الشفافة ، فلها من يرغبها ويهواها في بعض الدول مثل العراق وإيران وغيرها وذلك لجمال تمازج الاجزاء الشفافة والمعتمة الصفراء والذهبية اللون والبنية مما يوفر جمال خاص لرؤية التشكيلات الطبيعية لحجر الكهرب بصورة أكثر وضوحا .
       وبعض الناس من يهوى جمع المسابح النادرة من الكهرب ، كالكهرب الأسود اللون ، والكهرب الذي تميل ألوانه إلى الأزرق الغامق أو الموشح بشوائب زرقاء أو سوداء وما إلى ذلك ، كذلك نجد من يهوى حبات المسابح ذات اللون الحليبي أو اللون الشفاف الذي يشبه الزجاج في نقائه . وهذه الأنواع النادرة وغيرها ، يرتفع سعرها إلى حد كبير وعلى الاخص ما كان قديما وبعضها لا يمكن طبعا تقديره بثمن نظرا لندرته الشديدة وارتباطها بشخصيات أصحابها المعروفة بشكل عام .
       ولقد لاحظنا ، وعند الاتصال بطائفة من الناس من الشعوب التي تقع مراكز استخراج أو العثور على الكهرب فيها مثل ألمانيا وبولندا وروسيا ، انهم يتحسرون على الأنواع النادرة من حجر الكهرب حيث لم يعد في إمكانهم الحصول عليها أو رؤيتها فيما عدا وجودها في متاحف حجر الكهرب أو احتفاظ القلة القليلة من الناس هناك بقطع صغيرة او بعض القطع المصنعة في أدوات قديمة ، فمعظم القطع القديمة أو النادرة وثقت في المصادر وبعضها مملوكا لأفراد معروفين .
       وبسبب حبنا الشديد لمسبحة الكهرب وتقديرنا لمن يهواها ويرغب في اقتنائها وخصوصا من تلك الانواع غير النادرة الصفات فإننا نقدم نصحنا لهاوي المسبحة من هذه الأنواع أن يلاحظ ما يلي :
  •        التأكد من أحجار حبات المسبحة المعنية بالشراء هي من أنواع حجر الكهرب الأصيل وليست من الأنماط المقلدة والمدلسة ، وقد سبق لنا أن تطرقنا لهذا الموضوع .
  • ان يكون لون حبات المسبحة بما في ذلك منارتها وفواصلها ، متقاربة جدا وان التشكيلات العامة لتمازج الألوان الطبيعية تتقارب أيضا . إن هذه الخاصية اللونية عادة ما ترفع من قيمة المسبحة .
  • أن يسود التماثل في صنع الحبات من حيث الحجم والشكل إلى حد كبير كما أن حجم وشكل المنارة والفواصل متسق مع حجم وشكل حبات المسبحة وغير متنافر معها .
  • أن تكون ثقوب الحبات والمنارة والفواصل متوازية وتمر في منتصف أقطار تلك الحبات والملحقات تماما فضلا عن أهمية تساوي التثقيب في كل الأجزاء فلا يكون ضيقا في بعضها وواسعا في البعض الآخر وان لا يكون خط التثقيب مائلا أو منحرفا وأن يكون مناسبا لمرور الخيط بكل راحة ويسر . إن تشوهات عملية التثقيب وخصوصا في المسابح المنتجة من الكهرب الحديثة أو القديمة على حد سواء تهبط من قيمة المسبحة عموما فيما عدا المسابح ذات الطابع التاريخي المرتبط بالشخصيات المعروفة .
  • أن يكون صقل الحبات متقنا ويلاحظ عدم وجود الفوهات الصغيرة أو التشققات وبروز الشوائب أو التثلم على أديم أسطح الحبات والأجزاء الأخرى كالمنارة والفواصل .
  • وفيما يخص المسابح من مادة الكهرب والمنتجة حديثا يتوجب ملاحظة عدم وجود حالة تلصق الحبات المكسورة أو الفواصل والمنارات المكسورة والتي تلصق عادة بالصمغ الشديد الالتصاق .
  • يتوجب عادة ملاحظة سمك وقوة الفواصل لأنها غالبا ما تتعرض إلى الكسر عند ارتطام الحبات .
       وبهذه الشروط يمكن للإنسان أن يشعر أنه قد حصل على مسبحة الكهرب الأقرب إلى الكمال ، وبصفة خاصة فإنه أمكن لبعض الصناع إنجاز مثل هذا العمل وصنع مسابح كهرب طبيعي في غاية الجمال والدقة وقد يعتبرها البعض نادرة أو يخلط بينها وبين الكهرب المقلد لما فيها من تماثل في أجزاء المسبحة واللون والصنعة . وفي هذه الحالة فإن الصانع قد بذل جهده الكبير في جمع الأحجار المتماثلة لونا وشكلا وقد ينجم عن عمله خسارة كبيرة من مخلفات المادة .
       وعالم مسابح الكهرب عالم غريب وعجيب ، فلقد أُلقيت على كاهل مسبحة الكهرب جميع ما لصق بالحجر الأصيل من خرافات وعقائد وأساطير ومنذ زمن قديم . فبعض الناس من يعتقد أن ملامسة حبات مسبحة الكهرب الأصيل لجلد الإنسان سواء بالتسبيح بها يدويا أو بتعليقها على العنق العاري ، يشفي من أمراض معينة حسب طول مدة الاستخدام ، وكان قسما من الناس في العراق على سبيل المثال ، يعتقدون أنها تشفي من مرض الصفراء الكبدي (بالعامية يسمى مرض أبو صفار أو اليرقان) ولقد اعتاد الناس قبيل منتصف هذا القرن على رؤية عدد من الأطفال كان الناس يعتقدون أن المسبحة (أو حجرها في واقع الأمر) امتصت اللون الأصفر من أجسادهم وانتقل إلى المسبحة (لتماثل اللون) . وعند بعض الشعوب الأخرى كانوا يضعونه كمرهم للجروح أو لامتيازه بقطع النزيف أو زرع الهدوء في نفس الإنسان وإبعاد الأمراض العصبية أو القلق النفسي عند استخدام مسبحة الكهرب وهنالك وصفات شعبية أخرى .
       وهواية جمع مسابح الكهرب ، هواية مكلفة منذ قرون ولا تتاح إلا للطبقات الثرية في المجتمعات ، حيث اعتبرت من قطع الجواهر التي لا يقدر عليها إلا المقتدرون ماديا ولذا أطلق عليها البعض (هواية الملوك) . وقد تسمى مثل هذه المسبحة بالمسبحة الملوكية باللغة العامية . ويتداخل نوع الكهرب المستخدم في صناعة المسابح وكذلك طريقة التصنيع مع بعض المواصفات الأخرى في إطلاق أسماء معينة . فمسبحة الكهرب ذات النوع الشفاف الأصفر الخام والمشوب باللون الذهبي ، أو المتشققة محتوياتها ، وذات الشوائب الداخلية تسمى في العراق (سبحة الكهرب العطش) بينما يطلق أهل الخليج العربي ومصر هذا الاسم على مسابح الكهرب (أو المواد المقلدة لها) التي عوملت معاملة خاصة سواء بشي الحبات (قليها في سوائل حارة وإحداث تغير فيها ومن ثم لونت ببعض الألوان . وبردت ثم صقلت) بهذا الاسم أيضا .
       كذلك كان يؤثر مكان التصنيع على اسم المسبحة ، فقد قيل (مسبحة الكهرب الاستنبولية) أو (مسبحة الكهرب جرخ اسطمبول) بالعامية العراقية ، دلالة على مكان صنع مسبحة الكهرب ، والواقع فإن طريقة صنع وتشكيل الحبات يختلف عن غيرها في هذه الحالة (كما تطرقنا إلى ذلك في مكان سابق ) . وبودنا الإشارة في هذا المكان إلى أن مسابح الكهرب والتي أنتجها وخرطها صناع استانبول - تركيا- في السابق تعتبر اليوم تحفا فنية وأثرية لا يمكن تعويضها من حيث طرافة عملية خراطة الحبات للمسبحة وقدم أحجار الكهرب ونوعيتها والانقراض النسبي لها وابتعاد الصناع في تركيا عن صناعتها اليوم ، ومنها ما يعود (تاريخ صنعها) إلى ما يزيد عن أربعمائة عام ومعظم حباتها من النوع الكبير الحجم نسبيا وبعضها لايزال موجودا في تركيا والعراق ولبنان ومصر وبعدد محدود وعند بعض الأفراد مع وجود الأحجام الصغيرة الحبات أيضا . كذلك فلقد سميت بعض المسابح حسب أماكن صنعها مثل (مسابح الكهرب الألمانية) وهي قديمة أيضا ولم تعد تصنع بشكل كبير حاليا نظرا لارتفاع قيمة الكهرب المصنع في ألمانيا هذه الأيام ودخول مسابح الكهرب المصنعة في روسيا وبولندا وأماكن أخرى . عليه فقد اختلفت المسميات حسب المكان وهنا لا بد أن نشير إلى أن صناع المسابح في مصر والعراق ولبنان قد انتجوا مسابحا من الكهرب في غاية الجودة .
       ومسبحة الكهرب اليوم تصنع بأشكال عديدة وحسب الطلب ومعظمها ينتج في الدول التي تستخرج منها هذه المادة الكريمة وإن كان هناك انتاج وبشكل قليل في مصر والعراق وإيران وبعض الأقطار الأخرى عن طريق تحويل الأشكال القديمة من الكهرب إلى مسابح جديدة ، حسب الرغبة أو السوق أو الطلب الشخصي .
       كذلك يفضل بعض أهل العراق ومصر مسابح الكهرب ذات الأحجام والحبات الكبيرة بينما يفضل معظم الناس الحبات الصغيرة وعلى مختلف أشكالها للملائمة في الشكل والكلفة .
       وتقع قياسات معظم مسابح الكهرب الحديثة بحيث لا يزيد قطر الحبات (كمعدل) عن (5) ملم وأشكالها عموما تقع بين الكروي التام وغير التام أو البيضوي أو على شكل حبات الصنوبر كما فصلنا ذلك في مكان سابق ، إن ذلك يلائم جيوب المشترين من حيث الكلفة أو السعة . وقد لا يقترب جملة من الناس لشراء المسابح القديمة من الكهرب نظرا لارتفاع سعرها أو كبر حجم حباتها في بعض الأحيان .
       أخيرا بودنا الإشارة إلى ظاهرة تتعلق بالمسابح القديمة من الكهرب بصفة عامة . إذ لوحظ أن بعض الحبات تتعرض عبر الزمن إلى حدوث نوع من التآكل على شكل فوهات صغيرة وناعمة أو إلى تخرشات يمكن في بعض الأحيان رؤيتها بالعين المجردة ، ويعزى ذلك إلى حدوث التأكسد الشديد والسطحي لبعض المواد الداخلة في صلب حجر مادة الكهرب مع تأثرها بالاستخدام اليدوي أو تعرضها لمواد كيماوية أحيانا مما يخلق هذا التآكل ويكونه . لذا ننصح ومن غير مبالغة في ذلك ، في الحفاظ على مسبحة الكهرب وتنظيفها بين فترات متباعدة لهذا الغرض . إن حدوث التآكل يقلل من قيمتها ويهدر جماليتها بشكل عام .
مع تحيات موقع الأرقام


الأربعاء، 8 مايو 2019

حوارات: عن ديكارت وروسّو.




بين ديكارت وروسو

يقول روسو في كتابه "إميل" بأن المحسوسات بالنسبة لي "داخليةٌ، إذ تشعرني بأني موجود. لكن أسبابها [أي أسباب المحسوسات] خارجيةٌ، إذ تؤثر فيّ رغماً عني. تظهر وتختفي دون أمرٍ مني. أستخلص بوضوح أن المحسوس الموجود داخلي وسببَه أو موضوعَه الخارجي شيئان مختلفان."
إذا كان ديكارت قد اكتشف بداهة الفكر أو الوعي استناداً إلى الشك، لكنه لم يستطع أن يبرهن وجود المادة أو العالم الخارجي إلا بشكل تلفيقي وبعد إثباته وجود الله قبل ذلك، أيضاً بطريقة قابلة للنقاش، فإن روسو ينطلق من بداهة وجود الوعي ليثبت وجود العالم باستنتاج بسيط وسهل: فبمجرد أن أحاسيسي [بالعالم الخارجي المفترَض] "تظهر وتختفي دون أمر مني"، فهذا يعني أن سبب هذه الآحاسيس أمرٌ موجودٌ بشكل مستقل عني، وبالتالي فله وجوده الموضوعي، لكن دون أن يثبت طبيعة مادية هذه المؤثرات الخارجية، إلا إذا اعتبر أن كل ما يؤثر في من الخارج يمكن تسميته مادة، وهذا يختلف عن تعريف ديكارت للمادة التي يصفها بالامتداد، بينما هو يصف الفكر باللاامتداد، أو الفكر الذي لا يوجد في مكان.
هل من قيمة فلسفية لهذا البرهان الروسّوي على وجود العالم الخارجي؟
ولماذا تهمل الكتابات عن الكوجيتو الديكارتي هذه الإشارة لروسو حول وجود العالم؟
(م. ح. 8/5/ 2017)

تعليق الدكتور جمال نعيم:
 لا أعتقد أنّ روسو يأتي بجديد. والكوجبتو ليس بعيدًا عمّا يقوله روسو، بمعنى أنا أشك، أنا أفكر، أنا أتخيَّل، أنا أحسّ... وكل أفعال التفكير يتضمّنها الكوجيتو أو الأنا أفكر. وما يقوله روسو متداول وشائع قبل ديكارت وبعده، ودائمًا كان يُقال لمن لا يُؤمن بالعالم الموضوعي، فليُضرب بعصًا، فاذا أحسّ بالوجع، فعندئذٍ سيعتقد بوجود العصا كعصا مفارقة لما يُحسُّ به جوَّانيًّا، داخليًّا. ما يقول به روسو يقول به جميع النّاس، يقول به الوعي السّاذج. لكنّ ميزة ديكارت في محلٍّ آخر. فما يقوله روسو، بل وأكثر ممّا يقوله، يُؤمن به ديكارت، ويتصرَّف في حياته على أنّه صحيح. وديكارت يبتغي أكثر من ذلك، يبتغي أن يصل الى اليقين، الى اليقين القاطع الذي لا يرقى اليه أيُّ شك مهما بالغنا في شكِّنا. وعندما يعتمد ديكارت طريق الشّك، فإنّه يعتمده كطريق موقّت، ريثما يصل الى اليقين، ليس لأنّه لا يُؤمن بما تقوله الكتب السماوية أو بما يقوله علم عصره أو بما يأتينا عن طريق الحواس، بل لأنّه يريد أن يصل الى اليقين انطلاقًا من ذاته، انطلاقًا من النّور الطبيعي، انطلاقًا من النّور الفطري الموجود في كل واحد منّا بالضرورة. من هنا كان طرحه للمسألة الفلسفيّة الجديدة: كيف يمكن لما هو ذاتي أن يقوِّم ما هو موضوعي؟ وبعبارة أخرى: كيف يمكن للمحايث أن يطاول المفارق؟ وهو كان يعترف بنزوعٍ شديد، بميلٍ قويّ لدى النّفس للاعتراف بالعالم الموضوعي بناءً على ما تُحس به من إحساسات، لكن بما أنّ الحواس قد تُخطىء، وبما أنّه لا يمكنني استبعاد وجود شيطان ماكر مخادع يخلق فيّ هذه الأحاسيس، فإنّه استبعد هذه الأحاسيس للقول بالعالم الموضوعي واضطر الى اثبات وجود اله كامل مطلق لا يخدع بناء على فكرته الموجودة في الذهن. لذا، اعتبر الله بمثابة ضمانة ميتافيزيقية لاثبات وجود العالم الخارجي. وهذا ما عابه عليه كنط وهوسرل، لا سيّما هوسرل الذي اعتبر فلسفته بمثابة ديكارتيّة جديدة، شريطة رفض المضمون النظري لفلسفة ديكارت. واعتبر هوسرل أنّ ديكارت اكتشف الحقل، اكتشف الذاتيّة، اكتشف الأنا أفكّر، لكنّه خان المنطلق الذي انطلق منه، أي لم يسر باكتشافه حتى النّهاية حيث كان المطلوب اصلاح الفلسفة اصلاحًا جذريًّا وبالتالي إصلاح العلم وتأسيس الموضوعيّة. لذا، تابع هوسرل طريق ديكارت حتى النّهاية وعلّق وجود العالم الخارجي ووضعه بين مزدوجين وتابع الحفر في بنية الوعي حتى وصل الى الأنا المحض المطلق الذي بإمكانه تأسيس الموضوعية من دون الحاجة الى افتراض وجود اله كامل. وهكذا، نلاحظ أن هوسرل لم يعد الى روسّو، بل الى ديكارت، لكن بعد رفض المضمون الميتافيزيقي لأفكاره. من هنا، بإمكاننا القول إنّ ديكارت ليس أكثر من لاهوتيّ مستنير؛ لأنّه لم يستطع أن يسير بفكرته حتى النّهاية.

الأحد، 5 مايو 2019

مقتطفات من كتاب "دثّريني يا خديجة"؛ سلوى بالحاج صالح.



مقتطفات من كتاب "دثّريني يا خديجة"

سلوى بالحاج صالح


من الملاحظ أن الدارس لا يعثر على أخبار كثيرة عن حياة محمّد وخديجة بعد زواجهما. فكل الكتب تكتفي بذكر أنهما عاشا حياة هادئة ورزقا الولد. وكان القاسم، الذي سيكنّى به محمد (ابو القاسم) أول ولدهما حسب معظم الروايات. لكنه توفي بعد عامين من ميلاده. ولا يُستبعد أن يكون الزوجان تألما من ذلك لحرصهما، شأنهما شأن كل العرب، على إنجاب الولد وخاصة منهم الذكور الذين يضمنون العقب.
ولكن موت القاسم لن يكدّر حياة الزوجين التي ستستمر لتثمر إلى حد البعث أربع بنات بقين على قيد الحياة وهنّ: زينب وأم كلثوم ورقيّة وفاطمة. كما تذكر أن محمداً واصل العناية بتجارة خديجة، وأنه كان يتردد على غار حراء.
وقد يعود الغياب الكامل للإخبار عن تلك الفترة إلى عددٍ من الأسباب: أولها، أن العناية بحياة محمد وسيرته بما في ذلك زواجه بخديجة لم يبدأ إلا في فترة لاحقة بعد وفاته؛ ثانيها، أن اهتمام الرواة كان مركزاً على فترة البعث وبشكل أخصّ على ما بعد هجرة محمد إلى المدينة؛ ثالثها، أن الاهتمام بخديجة كان من زاوية علاقتها بمحمد النبيّ وليس بوصفها شخصية مستقلة؛ رابعها، أن أخبار المصادر قليلة حول خديجة نفسها وخاصةً حول حياتها قبل البعث.
لكن غياب المعلومات لا يمنعنا من طرح عدد من التساؤلات ومحاولة الإجابة عنها ولو بفرضيات في ما يخص هذه الفترة الهامة من حياة محمد، أي بين زواجه والبعث، وقد دامت حسب الروايات خمس عشرة سنة، وهو أمر لا يمكن الحسم فيه لعدم دقة الإخباريين والمؤرخين. فهذه الفترة هي، في الواقع، فترة الإعداد الجدّي للنبوّة. فمحمد رشد وتزوج وتوفّر له الاستقرار العائلي والأمن المادي وولدت له خديجة الذرية. وكل هذه العوامل وفّرت له الوقت والطاقة للتفكير والتأمل. والغريب في الأمر أن الرواة عوض العناية بهذه الفترة نراهم أهملوها رغم أنها حاسمة. يخبِرون عن محمد (ولو إخباراً قليلاً) من ولادته إلى يوم زواجه، وينسبون إليه عدة كرامات (ميلاد خاص، شق القلب وتطهيره، السفر إلى الشام وقصة الراهب..) تنبئ من منظور المخيال الشعبي بمستقبل نبوّة. لكن ما الذي جعلهم يوقفون هذه الكرامات عند زواجه بخديجة؟ فطوال مرحلة الزواج التي سبقت البعث والحاسمة في نبوّة محمد ورسابته حسب رأينا، لا نجد ذكراً لخوارق في حياته إلى حدّ اليوم الذي سيظهر له فيه جبرائيل. وهو ما يدعو إلى الاستغراب. فلا محمّد أخبرنا عن هذه الفترة، ولا بناتُه حدثننا بالتفصيل عن حياة أبويهما. أما خديجة فقد ماتت قبل الهجرة بثلاث سنوات ولم تعش لترويَ عن حياتها وحياة محمد عندما بدأت العناية بذلك بذلك تقنيناً للسنّة: ماتت ولم يحرز الإسلام بعد النصر النهائي عقيدةً ودولة. (67)
لا شك في أنّ علاقة خديجة بورقة كانت متطوّرة. تذكر الكتب أنه كان لها أكثر من ابن عمٍّ [واحد]، لكن علاقتها بورقة كانت الأبرز. وإذا بحثنا عن تفسيرٍ لذلك فقد نجده في اهتمامات ورقة الروحية والعقائدية والفكرية التي قد تكون وراء انجذاب خديجة إليه.
وبالنظر إلى هذه العلاقة، فليس من المستبعد أن يكون محمدٌ طرفاً فيها، كما لا نستبعد أن تكون اهتمامات ورقة محور نقاش بين خديجة ومحمد الذي يرجّح، وهو الأكثر منطقاً وقبولاً، بأنه كان مهموماً بدوره بمستقبل قومه. كما يرجّح أنه كان على اطلاع على الأديان والمعتقدات الأخرى في الجزيرة العربية من خلال صلاته وأسفاره.
إن خديجة التي تكبر محمداً سناً والتي كانت تتمتع بشخصيةٍ قويّة قد يكون لها رأي هي أيضاً في الأزمة الإيديولوجية التي كانت تعيشها قريش. وقد يكون لها حتى تأثير إيجابي على محمّد نفسه دعماً لاهتماماته التوحيدية. وعلاقة محمد بورقة عن طريق خديجة قد تكون من بين مصادره للتعرّف على الأديان القديمة لما عُرِف عن ورقة من اطلاع عليها واستيعابٍ لها من خلال الكتب والأسفار والالتقاء بالأحبار والرهبان. (68)
إن كتب التاريخ تكتفي بذكر أن محمداً كان كثير التأمل خلال تلك الفترة، وكانت له خلوات بغار حراء. وكانت خديجة تساعده. وبالنظر إلى ما نعرفه عنها من قوة شخصية، بل ومن تبعية محمد لها (كانت تنفق عليه من مالها)، فلا نخاله يتغيّب للتأمل دون أن تكون سنداً له. كان يعيش من مالها في حراء ويطعم المساكين، وهي ترعى أولادهما. كما تشير كتب السيرة والتاريخ إلى أن محمداً كان يطوف بعد عودته من غار حراء سبعاً حول الكعبة. وبشكلٍ عام لم يظهر عليه في نظر قومه ما يفيد أنه "خرج عن دين آبائه وأجداده"، وهو ما سيؤاخذونه عليه بعد البعث.
إن أغلب الظن أن خديجة أدركت ما يشغل بال محمّد، وهو ما قد يكون يشغل بالها ايضاً، فشجّعته من موقع الاقتناع لا من موقع "التبعية الزوجية" أو "العاطفية". رُويَ عن عبد الله بن عمير: "أن من فضائل خديجة أنها ما زالت تعظم النبي .. وتصدّق حديثه قبل البعثة وبعدها". وبالنظر إلى ما عُرِف عن محمد من ميلٍ إلى العزلة والتأمل والتفكير، وهو ما قد يجعله ذا علاقات قليلة في المجتمع، فالأرجح أن كل شيء كان يقع في الداخل، أي في بيت خديجة، وأن حواراً مستمراً بينه وبينها كان قائماً. وهذا الحوار إن شئنا هو الذي أهملته المصادر. لقد اهتمّت بزواج محمد من خديجة وأهملت ما هو أهمّ وهو العلاقة داخل هذا الزواج، العلاقة بين شخصين متميّزين مثلما ستبيّن ذلك الأحداث. (73)

خديجة تحضر مخاض البعث وترعاه:
يجمع الرواة على أن خديجة كانت ملاذ محمد في أول لقاء له مع جبرائيل. كان استغراق محمد في تأملاته قد اشتد قبيل فترة البعث، وبدأته الرؤيا وأصبح ينزع أكثر من أي وقت مضى إلى الخلوة: "كان أول ما ابتدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة، كانت تجيء مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء"، قالت عائشة. فلم يعد يكتفي بالذهاب شهراً كل سنة إلى غار حراء، بل أصبح يذهب إلى الخلاء بحثاً عن الوحدة، ويغرق في التفكير والتأمل. فكان رمضان (سنة 610م) النقطة التي "انفجر فيها النبع"؛ كان كل شيء قد بلغ من النضج ما أصبح يحتم الانطلاق في ثورة دينية سيكون لها ما سيكون من انعكاسات على مصائر قريش والعرب والعالم. (74)
.. لقد جاء الملَك محمداً وخاطبه، فإذا بمحمد يهرع من شدة الخوف إلى خديجة.. فتدثّره..
.. وتذكر رواية أخرى [ابن هشام] أن خديجة قالت لمحمد: "ابشر يا ابن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمّة". فخديجة لم تفاجأ ـ حسب هذه الروايات ـ بما حصل لزوجها ولم تفزع ولم تخف عليه، بل إنها تتصرّف تصرّفاً متزناً، حكيماً، فتجيب محمداً: "ابشر إنها النبوّة"! فلو لم تكن خديجة متعوّدة على الخوض في هذا الموضوع وفي أحوال أهل مكة عامة وما يلزمها من تغييرات، ولو لم تكن عارفةً بشخصية محمد وما تكمن فيها من طاقات وقدرات هائلة، لما أجابته مثل ذلك الجواب الهدئ واليقيني! إنها "المدثّرة" بحكمتها واتزانها وواقعيتها. (78)
.. إن خديجة التي كانت تقدمت في السن في ذلك الوقت أدركت بحسّها وعقلها ما يحصل. تقول عائشة: "انطلقت به خديجة (أي بمحمد) إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قالت: اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره محمد حبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزِل على موسى بن عمران. ليتني فيها جذع! ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك! قال محمد: أمخرجيّ هم؟ قال: نعم، إنه لم يجئ رجل قط بما جئت به إلى عودي، ولئن أدركني يومُك أنصرك نصراً مؤزرا. وفي رواية أخرى، تذهب خديجة منفردة إلى ورقة لتعلمه، فتخبره بما أخبرها به محمد فيقول: "قدوس قدوس (أي طاهر طاهر) والذي نفس محمد بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنه لنبيّ هذه الأمة، فقولي له: فليثبت. ثم يتم اللقاء بين محمد وورقة في الكعبة أثناء الطواف حولها، فيعيد محمد خبره فيقول له ورقة: "والذي نفسي بيده، إنك لنبيّ هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الذي جاء موسى.."
إن لجوء خديجة إلى ورقة في أول حادث من أحداث البعث يؤكد ما قلناه سابقاً من أن علاقتها به كانت علاقةً بمرجع في الأمور الدينية. كان رد فعلها الأول طمأنة محمد عندما أخبرها بما حصل. ولم يكن تطمينها له من باب جبر الخاطر، بل كان تطميناً جاداً. ثم أخذته إلى ورقة للحصول على اليقين. ورقة أيضاً سأل عن "الرؤيا" أولى علامات النبوّة، ليتحقق من أن ما حصل لمحمّد يندرج ضمن هذا الصنف من "الرؤيا" وليس مجرد خيال أو هلوسة: "ماذا ترى؟" سأل ورقةٌ محمداً. وبعد أن قص عليه قصته، ردّ عليه جازماً: "إنه الناموس".. (82)
ولا تقف خديجة عند هذا الحد، بل تنادي محمداً وتقول له: "أي بان عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم، قالت فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبرائيل كما كان يأتيه، فقال رسول الله لخديجة: يا خديجة هذا جبرائيل قد جاءني، فقلت: نعم، قم يا ابن عم، فاجلس على فخذي اليسرى، فقام .. قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول.. فقالت: فهل تراه؟ قال: نعم. قالت: فتحوّل فاجلس في حجري، فتحوّل.. قالت: هل تراه؟ قال نعم، فتحسّرت فألقت خمارها.. قالت هل تراه؟ قال: لا. فقالت: يا ابن عم، اثبت وابشر فوالله إنه لملَك وما هو بشيطان.
فعلت خديجة ذلك لأن محمداً ما زال يعتقد أنه واهم وأنه مجنون. وهي كعادتها تتصرّف، في علاقة به، تصرف الأم من ناحية، والحكيمة من ناحية ثانية: تضعه على فخذها الأيسر فالأيمن ففي حجرها كما تضع الأم طفلها. ومحمد يطاوعها كما يطاوع الطفل أمه وهي تسأله لتقول له في النهاية: "اثبت، إن من أتاك هو الملك جبرائيل وليس الشيطان".
وبالتالي فهي عالم بمن هو جبرائيل ومن هو الشيطان وبسلوكهما في المخيال الروحي الشعبي: واحد رمزٌ للطهارة والحياء، والآخر لـ "الرجس والفساد".. (83)

خديجة من التصديق إلى نهاية سرّية الدعوة:
 لقد كانت خديجة ذات سلطة معنويّة كبيرة في اسرتها، فهي عملياً العائلةُ لها، وقد كان محمّد يأخذ بآرائها. لذلك ليس من الغريب أن تكون هي التي توجهت إلى بناتها لإعلامهنّ بما حدث لأبيهنّ ومطالبتهنّ بتصديثه. وفيما عدا بناتها، لا يوجد ذكرٌ بكونها استقطبت أخريات أو آخرين للإسلام في تلك الفترة الأولى. ورغم إشارة المصادر إلى اعتتناق ولديها [ابنتيها] هالة وهند من زوجها أبي هالة التميمي وبنتها هند من زوجها عتيق المخزومي الإسلام وذكرهم ضمن الصحابة، فإننا لم نعثر على أخبار حول كيفية دخولهم الإسلام. وفي المصادر أيضاً إشارةٌ إلى أن خديجة كانت تتابع حديث محمّد مع أبي بكر قبل إسلامه، فلما أسلم قالت من وراء الباب: "الحمد لله الذي هداك يابن أبي قحافة".
وقد روى ذلك عبدالله بن مسعود.
هذه الفترة الأولى من الدعوة التي لم تتصل فيها خديجة إلا ببعض أفراد عائلتها لم تكن لتتميّز حسب المصادر بنشاط حثيث للدعوة حتى من قِبل المسلمين الآخرين. فمحمّد نفسه لم يدخل على يديه سوى الصبيّ عليّ بن أبي طالب والمولى (الابن) زيد بن حارثة. فقد كان دوره في الأساس ـ وسيتواصل إلى فترة ـ عقائدياً. ناهيك بأنه لمّا توجّهت إليه عمّاته اللاتي زرنه في البيت في آخر فترة سرّية الدعوة وسألنه عن حاله، أجابهنّ بأن الله طلب منه أن ينذر عشيرته، فكان ردّهن أن طلبن منه أن يتوجّه إلى أزواجهنّ: "وخرجن من عنده، وهنّ يقلن: إنما نحن نساء".
إن أبا بكر هو الذي سيكون له في البداية دورٌ تعبويّ على غاية من الأهمية، إذ سيجلب خمسة من شباب قريش من ذوي الجاه ينتمون إلى خمس قبائلَ مختلفةٍ وهم: عثمان بن عفّان، الزبير بن العوّام (ابن أخي خديجة)، عبد الرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقّاص، وطلح بن عبيد الله. ولا يمكن أن يكون ذلك عرضاً. فالأرجح أنهم كانوا ينتمون إلى "الحلقة" نفسها، وأنهم كانوا قد بلغوا درجةً معيّنةً من التفكير في نقد الحالة الدينية والروحية عند قريش، سهّلت عليهم قبول الدين الجديد. (90)
.. ومما يلفت الانتباه أن خروج خديجة إلى الصلاة علناً وبالتالي إجهارها بإسلامها لم يجلب إليها سخط قريش حسب ما لدينا من معلومات تارخية، ولسنا ندري أسباب ذلك بالتدقيق إذا صحّت الرواية التي اعتمدناها [عن مشاركة خديجة في الصلاة العلنية الأولى في الكعبة]. فخديجة لم تهاجَم. كما أن محمّداً لم يعيَّر بخروجها وبكونها عائلتَه [معيلته] أو بكونها أكبر منه سنّاً. فهل إن ذلك راجع إلى أخلاق قبليّة أم إلى خوفٍ من ردود فعل قومها؟ ولا نعتقد أن يكون عدم تعرّض قريش لما فعلته من باب اللامبالاة أو الاستخفاف بها كامرأة. (93)
.. وقد كانت خديجة من بين المغادرين إلى الشعاب. وتفيدنا الروايات، على ندرتها، بما جرى خلال هذا لاحصار، واضطلاعها بدور شيخة المسلمين في التخفيف من حدّته. فقد استغلت مكانتها لدى قومها لتوفير المؤونة للمحاصرين. ففي إحدى الروايات، تتوجه خديجة إلى ابن ابن عمها زمعة بن الأسود بن المطلب الأسدي لتشكوه أبا جهل الذي كان يحاول منع وصول أيِّ بضاعة إلى المحاصرين، فيتحرك زمعة وينهى أبا جهل عن فعله فيمسك. وفي الرواية ذاتها أن ابن أخيها حكيم بن حزام بن خويلد بعث إليها ناقةً عليها دقيق.  (100)
إن ما يثير الانتباه هو تعدّد زوجات محمّد بعد هذه الوفاة [أي بعد وفاة خديجة]. فقد عاش حسب الروايات خمساً وعشرين سنة معها دون أن يتزوج عليها أو يتسرّى، في حين أنه تزوّج من إحدى عشرة امرأة في الثلاث عشرة سنة التي تلت وفاتها، بل إنها عاش مع تسع منهنّ في الوقت نفسه. (106)
هنّ: سودة بنت زمعة وعائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر بن الخطاب وزينب بنت خزيمة وأم سلمة وهند بنت أبي أميّة وزينب بنت جحش وأم حبيبة بنت أبي سفيان وجوبريّة واسمها برّة بنت الحارث وصفيّة بنت حيّ (ورد اسمها صافية بنت هويا في تفسير الطبري، ج22، ص47) وميمونة بنت الحارث..
في اعتقادنا أن خديجة بما كان لديها من نفوذ معنوي ومادي على محمد كانت هي من جعله يمتنع عن التفكير بالتزوج عليها. فكما سبق أن بيّنا، كانت خديجة بالنسبة إلى محمد اليتيم والفقير الزوجة ـ الأم من ناحية، والعئلة من ناحية ثانية (ووجدك عائلاً فأغني)، وصاحبة الحكمة في الفترات الحرجة من ناحية ثالثة. لقد كانت تهيمن عليه بشخصها، لذلك كان يصعب على محمد، في مثل هذه الحالة، أن يفكر في غيرها، وكان من الصعب أن تقبل هي بضرّةٍ أو بضرائر. إن زواجها من محمّد بالذات كان في ضمانٌ لكي يكون زواجاً أحادياً. وإلى ذلك، فإن ظروف محمد بعد البعث وطوال المرحلة التي عاشتها معه خديجة كانت على غاية من الصعوبة. كان فيها محمد محل اضطهاد من قريش، وبعبارةٍ أخرى لم يكن له من القوّة والسلطة ما يخوّله، على سبيل المثال، تجاوز سلطة خديجة لسبب من الأسباب والتزوج أو التسرّي عليها. (108)
بعد موت خديجة سيتزوّج محمّد في البداية زواجاً واحداً من امرأةٍ متقدّمة إلى حدٍ ما في السنّ حسب الروايات وهي سودة بنت زمعة بن قيس، من بني عامر بن لؤيّ. لكن هذا الزواج سيُتبَع بزيجات عديدة ومختلفة. ولا غروَ في أن ما حوّل حياة محمد الشخصية يكمن أولاً في موت خديجة، أي في زوال عائقٍ معنوي كبير من حياته هذه كان يصدّه ويثنيه؛ وثانياً في ما أصبح له من نفوذ وقوّة في المدينة بوصفه نبياً وزعيماً سياسياً وقائداً عسكرياً له نصيبٌ من الغنائم، ومنها النساء، مثل: صفية بنت حيّ اليهودية وجويرية (برة بنت الحارث).. لقد عاد محمد إلى العيش كما يعيش عادةً من هو ذوو نفوذ وسلطان، يعددون الزوجات ويتسرَّوْن، وإن كان ذلك في إطار عقائدي وأخلاقي جديد، لم يقضِ على كل العادات والتقاليد الاجتماعية القديمة ولكنه حافظ على البعض منها مع تقنينها والتخفيف من حدّتها أحياناً. كما أنه نزع إلى العيش على غرار من سبقه من الأنبياء حسب ما جاء في القرآن: (ما كان على النبيّ من حرج فيما فرض الله له من سنّة الله في الذين خلوْا من قبلُ وكان أمرُ الله قدَراً مقدورا). ويشير القرطبي تفسيراً لهذه الآية إلى "أن الله أراد أن يعلم الذين ينتقدون محمّداً على بعض زيجاته أنّ هذا ونحوَه هو السّنن الأقدم في الأنبياء أن ينالوا ما أحلّه لهم. أي سنّ لمحمد التوسعة عليه في النكاح سنّة الأنبياء الماضية كداود وسليمان.
إن الأطروحات الإسلاموية التي تحاول أن توجِد تبريراتٍ "موضوعيةً" لزيجات محمّد المتعددة، تسقط في مواقف لاتاريخية وتخرج بمحمّد من كينونته الاجتماعية ظناً منها أن في ذلك "صيانةً" لنبوّته، فيصبح بذلك السلوك الاجتماعي لمحمّد، الذي يتنزّل في فترةٍ تاريخية محدّدة، قوالب قدسية و"رموزاً" لا صلة لها بسلوك البشر العاديين، بل "أستثناءٌ إلهيّ".
ونحن نعتقد أن هذا الأسلوب يسهّل مهمّة "الخصوم الذاتيين" للعرب والمسلمين ويقف حاجزاً أمام تطوّر الفكر الديني نفسِه الذي يتحوّل إلى فكرٍ مسقَط ومتحجّر، غير خاضع للتطوّر التاريخي.
أما أطروحات بعض المستشرقين التي تريد أن توجِد في زيجات محمد استجابة لعقد نفسية، فإنها لا تختلف في شيء عن الأطروحات سابقة الذكر من زاوية عدم إلمامها بالواقع الاجتماعي الذي عاش فيه محمد بدون مكيّفات ميتافيزيقية وقدسيّة. فلم تأخذ بعين الاعتبار ما كان فيه من تقاليد وعادات بما فيها الزواج ببنات صغيرات السنّ.
وعلى صعيد آخر، ينبغي الإقرار بأن زواج محمّد الأحادي من خديجة كان ضمن له استقراراً كبيراً على المستوى العائلي والنفسي ساعده على عدم تشتيت طاقته وتركيزها على نشاطه الروحي والديني. بينما حياته متعدّدة الزوجات نشأت فيها مشاكل وقضايا جديدة.
إن فارق السنّ بين محمّد وزوجاته علاوة على كثرتهنّ سيكون سبباً لغيرةٍ عميقة: غيرة محمد على نسائه وغيرةُ نساء محمّد من بعضهنّ البعض ومن كل امرأةٍ تقربه. ومن ثم ستتكاثر منازعات الرسول الزوجية. ستطالبه زوجاته بالتسوية بينهنّ وبين عائشة في المعاملة (في الفراش). وقد وصل الأمر بزينب بنت جحش التي أرسلتها زوجات الرسول لمناقشته في الأمر أن سبّت عائشة بحضوره. وتفيد الروايات أيضاً أن محمّداً تأذى من نسائه إلى حدّ أنه اعتزلهنّ. وفي رواية بسند عائشة أن سبب هذا التأذّي رد زينب هدية الرسول لعدم رضاها بنصيبها، فأقسم بهجرهنّ شهراً، فمكث تسعاً وعشرين ليلةً ثم دخل عليهنّ.
وهنالك روايةٌ لابن عبّاس تقول إن الرسول اعتزل نساءه تسعاً وعشرين ليلةً بسبب إفشاء حفصة حديثاً إلى عائشة يخصّ وطء محمّد جاريةً يوم حفصة وفي دارها. وقد طلب منها التكتم على ذلك فلم تفعل. وفي هذا الإطار نزلت آية "التخيير" حسب رواية الزهري بسند عائشة. لقد دعا القرآن نساء محمّد للتخيير بين البقاء معه وبين الطلاق. وحذّرهنّ من ارتكاب الفاحشة لأنّ عقابهنّ في هذه الحالة سيكون مضاعفاً. وفي المقابل وعدهنّ خيراً إن بقين معه: (ي أيها النبيُّ قل لأزواجك إن كنتنّ تردنَ الحياةَ الدنيا وزينتَها فتالين أمتّعكنّ وأسرّحكُنّ سراحاً جميلاً، وإن كنتنّ تردن الله ورسوله والدارَ الآخرةَ فإن الله أعدّ للمحسِناتِ منكنّ أجراً عظيماً، يا نساء النبيِّ مَنْ يأتِ منكنّ بفاحشة مبيّنةٍ يضاعَف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا).
وإلى ذلك كانت نساء محمّد وخاصةً الصغيرات والجميلات منهنّ (عائشة، أم سلمة، زينب بنت جحش، جويريّة، صفيّة بنت حيّ) عرضةً للإزعاج كلما خرجنَ إلى المدينة. وكان خصوم محمّد يثيرون حولهنّ الإشاعات ويتحرّشن بهنّ. (عن ابن سعد)
وقد وصل الأمر في فترةٍ لاحقة إلى التشكيك في سيرة بعضهنّ خصوصاً عائشة التي اتُهِمت بالزنا بعد غزوة "بني المصطلق". أرّق كل ذلك محمداً وخصوصاً قضيّة عائشة التي كادت أن تؤدي إلى مواجهة بين القبائل في المدينة. ولم ينفرج الأمر إلا بتدخّل السماء التي برّأت عائشة. (سورة النور؛ 24/11 وما بعدها).
لقد واجه محمّد على المستوى الشخصي العائلي مشاكلَ كثيرةً بعد موت خديجة. وهي مشاكل اجتماعية طبيعية في ظل زواجٍ تعدّدي. إن صفته كنبيّ ورسول وما كانت تضفي عليه من هالةٍ قدسية لم توفّر عليه تلك المشاكل لأن الاجتماعي، الحيّ، الملموس، يبقى في الحقيقة أقوى من كل قالب ديني. لقد وصل الأمر بعائشة أن قالت له: "..ما أرى ربَّك إلا يسارع في هواك.." (عن البخاري) عندما نزلت "تُرجي من تشاء منهنّ"، تشرّع له العلاقة بمن يريد (زواجه من زينب بنت جحش)، وبعد أن كانت عائشة عبّرت عن ضيقها وتعجّبها من اللاتي يعرضن أنفسهنّ دون حياء على "رجل" (تقصد الرسول). وقد كانت كل المشاكل التي اعترضت محمداً في حياته العائلية سبباً في بعض الأحيان لنزول آياتٍ سيكون لها الأثر العميق على وضع النساء المسلمات. سيستغلها الفقهاء والحكّام لإنزال المرأة إلى الدرك الأسفل، ونعني هنا خصوصاً آية "الحجاب" الذي تحوّل إلى "حجبٍ" للمرأة حتى عن الشمس والهواء والحياة.
وإننا لنتساءل هنا، رغم ما في السؤال من مجازفة، كيف كانت ستكون الأمور لو عاشت خديجة؟ إننا نعرف أن الآيات المنظّمة للحياة الاجتماعية كانت لها أسبابُها، أي إنها جاءت رداً على وقائع اجتماعية تقدم لها أجوبة، وتقنّن السلوك الواجب اتباعه. فلو عاشت خديجة، هل كان محمّد سيعدّد زوجاته بحكم موقعه الجديد: النبي والرسول ورئيس الدولة ذو النفوذ الكبير؟ هل كان سيحرّره هذا الوضع من الوزن المعنوي لخديجة؟ أم إنه كان سيظل أُحادي الزواج؟ وفي هذه الحالة بأي وجهٍ كانت ستظهر بعض التشريعات؟ (112)
إن هذه الحياة الجديدة لمحمد بمشاكلها واضطراباتها لم تُنسِه، في حقيقة الأمر خديجة. وكأننا بها بقيت بالنسبة إليه رمزاً شامخاً لتلك الحياة العائلية الهادئة والمستقرة التي قضاها معها والتي لم تكن تتقاذفها الغيرة ولا محاسبة الضرائر و"مؤامراتُهنّ". كان محمد في أكثر من مناسبة يدعو خديجة. ومن أهم ما ذكر من أحديث حول خديجة تعكس علاقة محمد بها ما روته عائشة إذ قالت: "كان رسول الله لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن عليها الثناء. فذكرها يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة. فقلت: هل كانت إلا عجوزاً لقد أخلف الله لك خيراً منها؟ فغضب حتى اهتمز مقدم شعره من الغضب، ثم قال: لا والله ما أخلف اللهُ لي خيراً منها. لقد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدّقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني أولادَها إذ حرمني أولاد النساء. قالت: فقلت بيني وبين نفسي لا أذكرها بسوء أبداً".
.. إذا ما أردنا أن نبحث عن أسباب التمييز الذي حظيت به خديجة وخصوصاً عن العلاقة الممكنة بينها وبين مريم، فقد تكون برأينا في أوجه الشبه القائمة بين المرأتين. فمريم "الطاهرة" اصطفاها الله حسب القرآن لتأتي بنبيّ، وخديجة "الطاهرة"، كما كان يقول عنها العرب "في الجاهلية" وكما لُقّب بها بنو بنتها هند: "بنو الطاهرة"، اصطفاها الله حسب القرآن أيضاً لتكون زوجةً لمحمّد، تعوّض له عن يتمه وفقره وتشدّ أزرَه في الرسالة. وبعبارةٍ أخرى، فكأننا بخديجة أتت روحياً بالنبيّ، فكانت ولاّدةَ محمد النبي التي اصطفاها الله لتكون كذلك. الولاّدة هنا بالمعنى الروحي واليس بالمعنى الحسّي. ومن هذه الزاوية فحتى ولادة عيسى، التي لم تكن عادية، يغلب عليها الجانب الروحي القدسي. فكأننا بها ولادةً روحية قدسية أكثر منها ولادةً مادية. (114)
عن عائشة أن خديجة سألت النبي عن ورقة بن نوفل، فقال: "قد رأيته فرأيت عليه ثياباً بيضاً فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بيض"
ومن الملاحظ أن مآل ورقة الحنيف الذي لم يسلم وإن كان عبّر عن كونه سيدافع عن محمد لو أدرك نبوّته، أفضل من مآل أبي طالب، عمّ الرسول، رغم ما بذله من جه دوتضحيات في سبيل محمد حتى يحميه من أذى قريش. فكونه مات وهو على "دين آبائه"، جعل من مقامه يوم القيامة جهنّم: "نعم، ومن مات على ما مات عليه عبد المطلب دخل النار". قال محمد ذلك في حديث رُفِع إليه رداً على عمه أبي لهب الذي جاء يسأله إن كان مصير أبي طالب النار أم الجنة. (115)
إننا لا نجد ذكراً مباشراً لخديجة في القرآن. لقد أشير إليها فقط بصفةٍ غير مباشرة في الآية (ووجدك عائلاً فأغنى)، شأنها شأن عبد المطلب وأبي طالب المشار إليهما في الآية (ألم يجدك يتيماً فآوى). وكما هو واضح في كلتا الحالتين، فإن عملية الإغناء والإيواء تمت برعاية "الله"، إذ إنه هو الفاعل. كما أننا لا نجد ذكراً لخديجة في أسباب نزول بعض الآيات. ومن المعلوم أن عائشة وزينب الزوجتين اللاحقتين لمحمد ذُكِرتا في القرآن ولو دون تسميتهما. كما أن زوجته الأخرى، أم سلمة، ذكرها المفسرون في تطرقهم إلى أسباب نزول بعض الآيات. وقد كنّ ثلاثتهنّ يفتخرن بهذه الحظوة الإلهية. لكننا لا نعتقد أن في ذلك امتيازاً لهنّ على خديجة. فذكر عائشة جاء بمناسبة "حديث الإفك" الذي خلق مشكلة في صلب المسلمين، وأزّم محمداً أيما تأزيم، لأنه شعر بخدش في كرامته وفي شرف أقرب المقرّبين إلى قلبه ومسّ بأصدق أصدقائه أبي بكر، والد عائشة. فنزل الوحي ليعيد الاعتبار لهؤلاء جميعاً.
أما ما نزل في زينب بنت جحش فقد كان على أثر تململ شمل الصحابة أنفسهم بسبب زواج محمد بها. والحال أنها كانت زوجة ابنه بالتبني زيد بن حارثة، وهو ما كان محرّماً في "الجاهلية". فأحلّ القرآن ذلك الزواج وحرّم التبنّي: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم). أما أم سلمة فيروى أنها سألت محمداً لماذا يتوجه القرآن للرجال فقط؟ فنزلت السورة اللاحقة لهذا الحديث مخاطبةً الذكور والإناث. (سورة الأحزاب) (116)
.. إن محمداً الأب، الذي كان يحبّ فاطمة حباً استثنائياً ولا يريد أن يكدّرها شيء كتقاسم زوجها مع امرأةٍ أخرى مثلاً، أعلن من فوق المنبر حسب حديث رُفِع إليه: "ألا إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن يُنكِحوا ابنتهم عليّاً. ألا وإني لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن. إنما فاطمة بضعةٌ مني، يريبني ما رابها". ولا شك أن ما راب محمداً الأب وفاطمة البنت قد راب غيرَه من الآباء وغيرها منالبنات، ولنها العادات والتقاليد التي كان يتكوّن منها الوعي الاجتماعي في ذلك العصر، والتي لئن شعر المرء بوطأتها إذا مسّته مباشرةً، انسجم معها إذا كان المستفيدَ منها. (118)
عندما اشتكت امرأة لمحمد أن زوجها الصحابي ضربها، كان محمد على استعداد لتسليط العقاب عليه وفقاً لمبدأ القصاص. لكن الصحابة سيتململون وسيتدخّل عمر لكي ينبّه محمداً إلى خطورة موقفه على المجموعة. وقتها تنزل الآية لتشرّع ضرب الرجال للنساء. فينفجر المكبوت لدى الرجال ويتعرّض في الليلة ذاتها عدد كبير منهنّ للضرب، فتتظاهر في الغد العشرات منهن أمام منزل محمد.
تذكر الروايات أن محمداً قال للمرأة المتضرّرة: "أردتُ شيئاً وأراد الله شيئاً آخر". أراد محمدٌ شيئاً يتماشى مع نزعته إلى المساواة التي وعد بها الناس، وأراد المجتمع الذي يسوسه شيئاً آخر يتماشى مع البنى الاجتماعية والتقاليد السائدة ومع الحالة التي تعوّدت المرأة أن تكون عليها، أي خاضعةً للرجل. وقد كان ضرب المرأة ممارسةً شائعةً في الجاهلية كوجه من أوجه ذلك الخضوع. فجاء القرآن ليقنّن السائد ويسمح للزوج بتأديب زوجته إذا خاف نشوزها. أما في حالة نشوز الزوج، فالحلّ في الصلح بينهما دون عنفٍ أو ضغط! (119)
إن ما أُهمِل في شخصية خديجة هو بالذات تكوينها الروحي ـ المعتقدي؛ فهي تبدو لنا على استعداد لتقبّل دين توحيدي يتجاوز وثنية قريش. وما من شك في أن المحيط الذي عاشت فيه، ومن ضمنه ورقة بن نوفل، كان له تأثيرٌ في ذلك.
إن امتهان خديجة للتجارة لهُوَ من العناصر التي كان لها دورٌ في تكوين شخصيتها. فقد فتح عقلها، ووصلها بالمجتمع، ودرّبها على المعاملات ومعرفة الناس، ومكّنها من الاطلاع على أخبار العرب، علاوةً على ما وفّره لها من استقلالية مادية وقدرةٍ على اتخاذ القرار في ما يخص حياتها الشخصية.
خديجة صاحبة هذه الشخصية هي التي ستقرر وحدَها الزواج بمحمد الذي يصغرها سناً واليتيم الفقير. وهي التي ـ خلافاً لكل العادات والتقاليد السائدة في قريش ـ ستعرض عليه هذا الزواج.
ولا نعتقد أن علاقتها به طوال الفترة التي سبقت البعث كانت تقف عند حدود العلاقات العائلية البحتة. إننا نتصوّرها حبلى بالأحاديث والحوارات حول واقع قريش (وربما العرب) الروحي والمعتقدي والأخلاقي والاجتماعي، وربما استخلصا منها حاجته إلى ثورة دينية تكنّس ما كانا يريانه "باطلاً".
 إن ردّ فعل خديجة على أول تباشير البعث ليس فيه أيُّ لبس، إذ أكدت لمحمّد أن وقت النبوّة قد جاء وأن ليس عليه أن يشكّ في ذلك، وأخذته إلى ورقة ـ "المرجع" ـ ليعيد على مسامعه القول نفسه. ومن تلك اللحظة وخديجة لم يداخلها أيّ شكٍ في ما جاء محمداً وفيما ينبغي أن يقوم به؛ كانت تقابل تردّده وإحباطَه وانهياره أحياناً، سواءٌ بسبب الخوف من عبْء الرسالة أو الضغوط والمظالم المسلّطة عليه من قبل قومه، بصلابةٍ روحيّة وعقلية كبيرة؛ كانت تمتاز ببعد نظر، فلا تخفي يقينها بأنه سينتصر، لذلك كانت تدعوه إلى الثبات والمثابرة.
وستبرز هذه الروح لدى خديجة يوم الجهر بالدعوة بعد ثلاث سنوات من السرّية: خديجة، الشخصية الوقورة، تخرج ـ حسب الروايات ـ إلى الكعبة وتصلي أمام الملأ وراء محمد وعليّ. وحينما تتخذ قريش قرار الحصار ضد بني هاشم وبني المطّلب، ستكون خديجة الأسدية من بين أوائل المغادرين، تاركين مكة في اتجاه الشعاب. وهناك لن تدّخر جهداً لإيجاد الحلول لإطعام المحاصرين، مسلمين ووثنيّين، الذين تجمعهم الحميّة القبلية.
ولما توفّيت خديجة وفارقت محمداً، فإنما تركت الإسلام وهو في عامه العاشر، وقد بدأ عوده يصلب، وكان من الصعب أن تعود الأمور إلى الوراء. فكانت قد خاضت مع محمّد برباطة جأش كبيرة مرحلة التأسيس العقائدي للإسلام، وهي مرحلة حاسمة: التوحيد، مكارم الأخلاق، البعث والحساب، أي القواعد الأساسية للعقيدة الإسلامية التي ستنبني عليها قيم الدولة الجديدة والتنظيم الاجتماعي الجديد.