الجمعة، 20 أبريل 2018

الفلسفة الحديثة: عوامل نشأتها وخصائصها العامة؛ أشرف منصور.




 

الفلسفة الحديثة: عوامل نشأتها وخصائصها العامة

 


 


مقدمـــة:
درج مؤرخو الفلسفة على تقسيم تاريخها العام إلى أربع حقب أو عصور أساسية:

 حقبة الفلسفة القديمة أو اليونانية، وتبدأ بنشأة التفكير الفلسفي لدى اليونان وخاصة لدى طاليس صاحب أولى التأملات في اصل الكون، وتضم أعلاماً بارزة مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو وما تفرع عنهم من مدارس مختلفة بالإضافة إلى مدارس متأخرة قبل الأبيقورية والرواقية.

 وحقبة فلسفة العصور الوسطى التي تبدأ من القرن الثالث الميلادي عندما أخذ رجال الدين المسيحي يوفقون بين الفلسفة اليونانية والمسيحية صانعين بذلك انساقاً فلسفية دينية، ولذلك يطلق عليها اسم الفلسفة المسيحية، وتضم أعلاماً بارزين مثل أوريجين والقديس أغسطين والقديس توما الأكويني.

وحقبة الفلسفة الحديثة التي تبدأ من عصر النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر وتنتهي بوفاة هيجل سنة 1831. وعند هذا التاريخ تبدأ حقبة الفلسفة المعاصرة والمستمرة حتى الآن. وتضم الفلسفة الحديثة أعلاماً مثل فرنسيس بيكون (1561-1626) ورينيه ديكارت (1596-1650) وسبينوزا (1632-1677) وجون لوك (1632-1704) ولايبنتز (1646-1716)  وديفيد هيوم (1711 – 1776)، وأخيراً إمانويل كانط (1724-1804) الذي يُنظر إليه على أنه آخر الفلاسفة المحدثين.
والحقيقة أن هذا التقسيم لتاريخ الفلسفة يتبع التقسيم التاريخى للعصور إلى العصر اليوناني والروماني والعصر الوسيط، والعصر الحديث، والتاريخ المعاصر، و هو في نفس الوقت تقسيم ثقافي سياسي وليس تقسيماً تاريخياً وحسب. ذلك
لأن تاريخ الفلسفة اليونانية هو نفسه تاريخ سيادة الثقافة اليونانية – الرومانية، أو الهلينية والهلينستية في حوض البحر المتوسط والمناطق المتاخمة له، وهو أيضاً تاريخ انتشار نظام دولة المدينة الذي تحول إلى النظام الإمبراطوري الروماني. وتاريخ الفلسفة الوسيطة هو نفسه تاريخ انتشار وسيادة الدين المسيحي وسيادة نظام الدويلات الإقطاعية والكنيسة الكاثوليكية في الغرب والأرثوذكسية في الشرق. وتاريخ الفلسفة الحديثة هو نفسه تاريخ ثقافة عصر النهضة الأوروبية وعصر التنوير من القرن الخامس عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر، وهو كذلك تاريخ ظهور الدول القومية الحديثة ذات النظام الملكي. ومعنى هذا أن كل عصر من عصور تاريخ الفلسفة يرتبط بثقافة معينة ونظام سياسي معين، مما يدل على أن الفلسفة مرتبطة بعصرها ولا تعيش في برج عاجي كما يعتقد البعض، بل هي تعبير عن عصرها وانعكاس لثقافته ونظمه السياسية والاجتماعية.
اختلف المؤرخون حول الفيلسوف الذي يبدأ عنده تاريخ الفلسفة الحديثة، فالبعض، وهم الأكثرية، ينظرون إلى ديكارت على أنه أول فيلسوف محدث، لأنه أول من وضع للتفكير الفلسفي منهجاً يقوده ويوجهه في بحثه والمتمثل في كتابه «مقال عن المنهج» ولأنه بادئ التيار العقلي في الفلسفة الحديثة والذي سوف يكون أحد أهم تياراتها، ولأنه صاحب أول نسق فلسفي متكامل حديث، يضم نظرية في المعرفة وميتافيزيقا وأخلاق، ولأنه وضع الذاتية كمبدأ أول للفلسفة وللنسق الفلسفي، إذ بدأ ديكارت بعد الشك المنهجي بإثبات وجود الذات ومنها استنبط حقيقة العالم ويقين العلوم وأثبت وجود الله وخلود النفس. ويذهب البعض الآخر إلى أن الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون هو الذي افتتح تاريخ الفلسفة الحديثة( 1)، لأنه كان صاحب منهج تجريبي يستند على الاستقراء من الوقائع وكان بذلك بداية للتيار التجريبي في الفكر الحديث والذي استمر من بعده لدى هوبز ولوك وهيوم، ولأنه واضع قانون جديد في التفكير أحله محل المنطق الأرسطي والمتمثل في كتابه الأساسي «الأورجانون الجديد»
Novum Organum والذي ظهرت فيه نظرية بيكون في الأوهام الأربعة، حيث جسد سعي الفكر الحديث في التحرر من الآراء المسبقة الموروثة والأفكار الشائعة، وكان يقصد بها الفلسفة الأرسطية، إذ قد استطاع تحرير الفكر الحديث من سلطة فلسفة العصور الوسطى والفلسفة الأرسطية ومكنه من البدء بداية جديدة تماماً غير معتمدة على أي مذهب فلسفي سابق موروث، مما مكن الفلسفة الحديثة من امتلاك استقلال وشخصية متميزة وخصائص جديدة.
لكننا فيما يخص بداية الفلسفة الحديثة لن نأخذ فيلسوفاً واحداً باعتباره نقطة الانطلاق، بل سنأخذ ثلاثة أعلام باعتبارهم يمثلون نقاط انطلاق متعددة ومختلفة، وهم بيكون وديكارت وسبينوزا. والسبب الذي يجعلنا نختار هؤلاء باعتبارهم جميعاً يشكلون بداية الفلسفة الحديثة أن كل واحد منهم قد ظهرت لديه توجهات فكرية استمرت بعده وأخذت شكل تيارات. فبيكون هو مؤسس التيار التجريبي، وديكارت مؤسس التيار العقلي. لكن ماذا عن سبينوزا؟ إنه هو الآخر يشكل بداية خاصة للفلسفة الحديثة، أولاً لأنه أدخل عدداً من الأفكار الفلسفية الجديدة التي سوف يكون لها تأثيرات بالغة على كل الفكر الفلسفي اللاحق له، أهمها نظرته إلى الكون باعتباره مكوناً من جوهر واحد يتخذ صفتين هما الفكر والامتداد، وبذلك نجح في القضاء الثنائيات الديكارتية الشهيرة بينهما، وبين العقل والجسد، والروح والمادة، ولأنه أول من وضع نظرية فلسفية في الفصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، ذلك الفصل الذي لم يكن موجوداً من قبله ولم يكن يجرؤ أحد على الإفصاح عنه على الرغم من أن هذا الفصل كان متحققاً في الواقع في بعض البلدان الأوروبية وأهمها هولندا وطنه وسويسرا.


أولاً - عوامل النشأة:
نشأ الفكر الفلسفي الحديث في ظل ظروف تاريخية خاصة هي التي عملت على ولادته. فإذا كانت الفلسفة تعبيراً فكرياً عن عصرها وابنة هذا العصر، فإن المناخ العام هو الذي يساعد على إنضاجها. وكانت هناك عوامل عديدة أسهمت في ظهور الفكر الفلسفي الحديث، أهمها عامل تاريخي، تمثل في استرداد الأسبان للأندلس في أواخر القرن الخامس عشر، مستولين بذلك على ذخائر التراث العربي التي وجدوها هناك. بالإضافة إلى ظهور حركة الكشوف الجغرافية، حيث اكتشف ماجلان طريق رأس الرجاء الصالح الذي يدور حول إفريقيا، مما مكن لأوروبا طريقاً آخر للهند وشرق آسيا غير الطريق الذي يمر عبر المشرق العربي والإسلامي، وحيث اكتشف كولومبوس قارة أمريكا سنة 1492، وفتح بذلك آفاقاً جديدة للتجارة مع العالم الجديد والاستيطان به. والحقيقة أن نفس هذه الفترة كانت فترة توسع الأتراك العثمانيون في أوروبا الشرقية، إذ قد نجحوا في فتح القسطنطينية سنة 1453، وكان هذا عاملاً أساسياً على إسراع أوروبا في الكشوف الجغرافية وفي التوسع في العالم الجديد، كي تعوض ما فقدته للعثمانيين في الشرق. كل هذا خلق جواً جديداً لأوروبا، تعرفت فيه على العالم وتاجرت وتوسعت واتسعت بذلك آفاقها الفكرية والأدبية والفنية، إذ لم يكن من الممكن لأوروبا التي كانت محبوسة في قارتها الصغيرة أن تنتج فكراً وآداباً إنسانية وعالمية، وقد وفرت لها الكشوف الجغرافية وحركة التجارة العالمية وحركة استيطان العالم الجديد مجالاً للإبداع الإنساني العالمي. [..]
وتمثل ثاني عوامل نشأة الفكر الفلسفي الحديث في ظهور الروح العلمية الحديثة وازدهار العلوم التجريبية(2 ). وتمثل ذلك في الثورة العلمية التي أحدثها العالم البولندي نيقولاوس كوبرنيقوس (1473-1543) باكتشافه للنظام الشمسي. كان العالم قبل كوبرنيقوس يعتقد، تحت تأثير فلسفات العصور الوسطى التي كانت تعتمد على نظام بطليموس الفلكي، أن الأرض ثابتة وفي مركز الكون، والسماء بما فيها من نجوم وكواكب وشمس وقمر، تدور حولها. لم يقتنع كوبرنيقوس بهذه الفكرة الساذجة واكتشف أن العكس هو الصحيح، أي أن الشمس ثابتة والأرض هي التي تدور حولها، وكذلك اكتشف دوران الكواكب حول الشمس، أي المجموعة الشمسية. كان هذا الاكتشاف من العوامل التي أدت إلى فقدان الثقة بكل الفلسفات والعلوم الموروثة وخاصة فلسفة أرسطو، مما مكن الفكر الأوروبي من التحرر من ثقل تراث الماضي والبحث بنفسه عن أسرار الكون( 3).
وبعد كوبرنيقوس جاء العالم الألماني يوهانس كبلر (1571-1630) الذي أحدث ثورة أخرى في علم الفلك والرياضيات، إذ أضاف إلى نظرية كوبرنيقوس تعديلاً هاماً يذهب إلى أن دوران الكواكب حول الشمس لا يأخذ شكل الدائرة الكاملة بل الشكل البيضاوي، كما اكتشف أن حركة الكوكب تتسارع في مداره عندما يقترب من الشمس وتتباطأ عندما يبتعد عنها، وكان هذا مما ساعد اسحق نيوتن بعد ذلك على اكتشاف القوانين العامة للجاذبية. وكذلك اكتشف كبلر العلاقة الوثيقة بين علم الفلك والرياضيات، حيث أدرك أن الرياضيات هي أداة البحث في الفلك والفيزياء عامة. كما أحدث العالم الإيطالي جاليليو (1564-1642) ثورة علمية أخرى عندما اكتشف العلاقة بين الكتلة والسرعة [..] وبين الساكن والمتحرك في الأجسام في حالة الاصطدام، وظاهرة تسارع وتباطؤ السرعة، ووضع نظرياته في صورة رياضية دقيقة مما مكن العالم من اكتشاف الطابع الرياضي للقوانين الفيزيائية. كما دافع جاليليو عن نظرية كوبرنيقوس في المجموعة الشمسية وأجرى عدداً من الملاحظات الفلكية تؤيد تلك النظرية واكتشف عدداً من أقمار كوكب المشترى. ومن أجل تبنيه ودفاعه عن نظرية كوبرنيقوس اتهمته الكنيسة وخضع لمحكمة التفتيش وصدر في حقه حكماً بالحرق لكنه لم ينفذ، وظل جاليليو تحت الإقامة الجبرية المقيدة في منزله قرب فلورنسا، حيث فقد بصره وتوفى.
وإلى جانب الروح العلمية تطورت فنون الصناعة، ذلك لأن الحروب التي دخلتها البلدان الأوروبية آنذاك أدت إلى زيادة استخدام البارود والأسلحة النارية، مما شجع على تطور الأبحاث الكيميائية والصناعات المعدنية( 4). والملاحظ كيف تداخلت هذه الفنون مع تطور العلم الحديث، فعندما كان جاليليو يدرس سقوط الأجسام والعلاقة بين الكتلة والسرعة والجاذبية ضرب مثالاً شهيراً وهو قذيفة المدفع التي تأخذ مساراً منحنياً، ودرس بدقة سرعة القذيفة والعلاقة بين المنحنى والمسافة التي تقطعها. وكان أهم اختراع في هذا العصر هو اختراع المطبعة على يد جوتنبرج. والحقيقة أن هذا الاختراع كان له أبلغ الأثر في أن يأخذ الفكر الحديث طابعاً جديداً مختلفاً عما سبقه.
إذ انتشر الكتاب المطبوع وأصبح للقراءة جمهور واسع، ولم تعد الفلسفة مقيدة بفئة محددة من المتخصصين بل أصبحت شأناً عاماً لكل المثقفين، حتى أصبحت مؤلفات الفلاسفة تقرأ من جمهور عريض مثل الأعمال الأدبية، وبذلك لم يعد الحكم على الأفكار في يد طائفة من رجال الدين أو الأكاديميين بل احتكم الفلاسفة إلى كل من له عقل سليم وفكر حر وبصيرة ذاتية، وكان هذا عاملاً على انتشار النزعات العقلانية والإنسانية في الفكر الغربي.
وثالث عوامل نشأة الفكر الفلسفي الحديث هو ظهور عصر النهضة الأوروبية ابتداء من القرن الخامس عشر، وقد كانت نهضة شاملة، فكرية وأدبية علمية. ظهرت بدايات عصر النهضة عندما فتح الأتراك القسطنطينية سنة 1453 واسترد الأسبان آخر جزء من الأندلس وهو غرناطة في تسعينات القرن الخامس عشر، وانتقل بذلك التراث اليوناني والروماني إلى غرب أوروبا، فظهرت حركة واسعة لإحياء الآداب اليونانية واللاتينية( ). كانت هذه الآداب تركز على الإنسانيات مما أدى إلى ظهور نزعة إنسانية قوية في الفكر الأوروبي، ولم يمنع إحياء التراث اليوناني الفكر الأوربي من أن يأخذ موقفاً نقدياً منه، فقد توافق هذا الإحياء مع نقد واسع وشامل لفلسفة أرسطو عن طريق الاستعانة بفلسفة أفلاطون وأفلوطين والأفلاطونية المحدثة، وظهر هذا بصورة واضحة لدى جيوردانو برونو (1548-1600) وتوماسو كامبانيلا (1568-1639)، أو الاستعانة بالمنهج التجريبي في حالة فرنسيس بيكون، إن نقد المنطق الصوري الأرسطى الذي يعتمد على مقدمات عامة نظرية وعقلية صرف وأكد على ضرورة الاعتماد على الملاحظة والتجربة والاستقراء.
وتمثل رابع عوامل نشأة الفكر الفلسفي الحديث في حركة الإصلاح الديني بقيادة مارتن لوثر (1483-1546) وجون كالفن. هدفت هذه الحركة تجديد الدين المسيحي بالتخلص من سيطرة الكنيسة الكاثوليكية والعودة إلى جوهر المسيحية الصافي في منابعها الأولى دون أية تأويلات أو عقائد نظرية جامدة يفرضها رجال الدين، وظهرت بذلك الحركات البروتستانتية والبيوريتانية التي تركز على الجوانب الأخلاقية من رسالة المسيحية، وتؤكد على قيم الزهد والعمل، وعلى الضمير الإنساني اليقظ، وعلى استقلال الإنسان بحيث يكون موجهه الأول هو الكتاب المقدس نفسه دون وساطة من كهنوت أو مؤسسة دينية( 5). وأعطت حركة الإصلاح الديني الحرية لكل إنسان في أن يفهم الكتاب المقدس وحده دون استعانة بأحد، واثقة بذلك من قدرة العقل الإنساني والضمير الحي على الفهم وعلى تبني الرسالة والعمل بها. ولذلك عمل لوثر على ترجمة الكتاب المقدس الذي كان مكتوباً باللاتينية وحكراً في يد رجال الدين وعلماء الكنيسة والمثقفين، إلى الألمانية وهي أول لغة أوروبية حديثة يترجم إليها الكتاب المقدس، وتوالت الترجمات بعد ذلك إلى كل اللغات الأوروبية، مما وضع الكتاب المقدس أمام الجمهور الأوروبي في كل قومياته، وكان هذا عاملاً على إتاحته للنظر والفهم المختلف والتفسيرات المتعددة. أكدت حركة الإصلاح الديني على أهمية الإنسان وضميره الفردي ومسئوليته الشخصية، وكانت عاملاً على نضوج النزعة الإنسانية الفردية والاستقلال الفكري.
والملاحظ في تعدادنا لعوامل نشأة الفكر الحديث ورود شخصيات عديدة من إيطاليا مثل جاليليو وجيوردانو  برونو، بالإضافة إلى رواد عصر النهضة الإيطاليين أمثال ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو وتوماس كامبانيلا. فقد بدأت النهضة الأوروبية في إيطاليا والتي كانت لها جذور لدى دانتي في ملحمته «الكوميديا الإلهية»، وبدأت النهضة الفكرية مع برونو، وبدأت النهضة الفنية مع دافنشي ومايكل أنجلو، وكذلك النهضة العلمية مع جاليليو. ومن هنا نستطيع القول إن بدايات الفكر الفلسفي الحديث كانت فى إيطاليا بالتحديد. فبالإضافة إلى هؤلاء، نجد أن ميكافيللي هو أول واضع لعلم السياسة الحديث الذي لم تشغله المثاليات السياسية بل وضع نظرية واقعية انطلاقاً من التجارب التاريخية السابقة والخبرة العملية في كتابه «الأمير»، كذلك فقد نقد المفكر الإيطالي بومبناتزي
Pomponazzi الأدلة التقليدية التي قدمتها الفلسفات السابقة في خلود النفس، وكان بذلك سابقاً على هيوم صاحب نفس الموقف من أدلة خلود النفس، وكامبانيلا الذي انطلق في فلسفته من نقطة بداية أولى وهي إثبات وجود الذات المفكرة وكان بذلك سابقاً على ديكارت ونظريته في الكوجيتو، ونيقولا الكوزي Nicola De Cusa (1401-1464) الذي دافع عن الرؤية الجديدة للكون والتي أتى بها كوبرنيقوس، وعن العقل الذي هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس، وأوضح قدرة العقل على الوصول إلى الألوهية بفكره وحده وفي نفس الوقت اعترف بقدرة العقل المحدودة بالقياس إلى لا تناهي العلم الإلهي وكان بذلك سابقاً على ديكارت وعلى كانط في نفس الوقت.
ولنا أن نتساءل عن السر الذي يكمن في ظهور بوادر الفكر الحديث في إيطاليا واستباق المفكرين الإيطاليين للمشكلات والقضايا الفلسفية التي شغلت فلاسفة العصر الحديث. والإجابة عن هذا التساؤل تتمثل في أن إيطاليا في عصر النهضة كانت هي الإقليم الأقرب اتصالاً بالشرق العربي، ففيها تم انتقال التراثين اليوناني والعربي الإسلامي إلى أوروبا، وفيها أيضاً تمت ترجمة الأعمال الأدبية الكلاسيكية والأعمال الفلسفية العربية إلى اللغة اللاتينية. كما أن إيطاليا آنذاك قد شهدت جمهوريات مزدهرة من الناحية التجارية بسبب مراكز التجارة البحرية المزدهرة مع شرق المتوسط مثل جنوة والبندقية وفلورنسا. إذ ظهرت في هذه المدن بدايات الاقتصاد النقدي والبنوك ذات النشاط الدولي، وتراكمت فيها الثروة وظهرت فيها الطبقة البروجوازية المشتغلة بأعمال المال والصناعة والتجارة. وبالتالي فإن حركة النهضة الأدبية والفنية والفكرية هناك استندت على أساس اقتصادي مزدهر، على الرغم من عدم توحد إيطاليا في دولة واحدة وانقسامها إلى العديد من الدويلات أو الجمهوريات التي نشأت حول المدن التجارية. وبعد أن انتقل مركز الثقل الاقتصادي من المدن الإيطالية إلى غرب أوروبا وخاصة فرنسا وإنجلترا في القرن السابع عشر، انتقل معه مركز الثقل الفكري والثقافي، وبذلك وجدنا الحركة الفلسفية تزدهر في هذين البلدين، بالإضافة إلى هولندا وألمانيا في القرن الثامن عشر.


ثانياً - الخصائص العامة:
تميزت الفلسفة الحديثة بمجموعة من الخصائص العامة، وهي عامة لأنها تطبع أغلب التيارات والمذاهب الفلسفية على الرغم من اختلافها في المنهج والتوجهات. وما يجعلنا نختار الخصائص التالية باعتبارها تميز الفلسفة الحديثة بالذات أنها هي ما يفرق بينها وبين الفلسفات الأخرى، القديمة والوسيطة والمعاصرة. وليس معنى هذا أن هذه الخصائص لم توجد إلا في تيارات الفلسفة الحديثة، بل على العكس، إذ ظهرت فلسفات أخرى غيرها ذات توجهات عقلانية وإنسانية وفردية ونسقية، بل يعني ذلك أن هذه الخصائص لم تجتمع معاً إلا في عصر فلسفي واحد هو عصر الفلسفة الحديثة. وما كان إرهاصاً للعقلانية أو الفردية أو النسقية في الفلسفات السابقة عليها، تمتع بنضج وتطور مكتمل في الفلسفة الحديثة بالذات. ومن جهة أخرى فإن هذه الخصائص سوف تنتهي عن أن تميز الفلسفة في الفترة المعاصرة
. ففي مقابل العقلانية سوف تظهر في الفلسفة المعاصرة اتجاهات لا عقلانية تعتمد على أسس أخرى غير العقل، مثل الحدس والطاقة الروحية عند برجسون، والمنفعة عند بنتام وجون ستيوارت مل، والوسلية عند الاتجاه البراجماتي، واللغة عند فلاسفة التحليل وعلى رأسهم رسل وفتجنشتين وآير، والاتجاه المادي الاقتصادي عند الماركسية. وفي مقابل الفردية سوف تظهر مذاهب جماعية في الفلسفة المعاصرة عند برديائيف وأونامونو وأورتيجا أي جاسيه، ومذاهب اشتراكية لدى التوجهات الماركسية.
1 - العقلانيـــة:
ويجب أن نميز في البداية بين العقلانية باعتبارها خاصية عامة للفلسفات الحديثة
Rationality عن التيار العقلي Rationalism. أغلب فلاسفة العصر الحديث عقلانيون، أي يتمسكون بقدرة العقل على إدراك الواقع ويذهبون إلى أن كل سلوك إنساني صادر عن التفكير وعن استخدام الملكات الذهنية العليا، لكنهم ليسوا كلهم عقليون. التيار العقلي هو التيار الذي يضم ديكارت والمدرسة الديكارتية، وسبينوزا ولايبنتز ومالبرانش، وهو يتصف بكونه يعطي الأولوية للعقل في المعرفة وينظر إليه على أنه المصدر الأساسي لكل معرفة وكل علم، وذلك في مقابل المذهب التجريبي الذي يتصف بإعطاء الأولوية للخبرة التجريبية كمصدر أساسي للمعرفة، وما العقل في هذا المذهب سوى ملكة تنشأ عن الانعكاس على عمليات الإدراك الحسي(6 ). وليس معنى هذا أن التجريبيين ليسوا عقلانيين، بل على العكس، إذ هم عقلانيون تماماً، لكن تصورهم عن العقل يختلف عن تصور المذهب العقلي؛ إنهم يعترفون بدور العقل في المعرفة، لكنهم ينظرون إليه على أنه ملحق بالحس والخبرة التجريبية. والعقل عندهم نتاج التفكير في الخبرة التجريبية وليس مستقلاً عنها أبداً، إذ يدخل في هذه الخبرة وهو غير محمل بأي أفكار مسبقة فطرية، أي صفحة بيضاء كما يذهب لوك وهيوم. أما العقل لدى المذهب العقلي فهو كل شئ، يدخل في التجربة ليضفي عليها النظام والترتيب بفضل ما لديه من أفكار فطرية، مثلما يذهب ديكارت ولايبنتز.
ظهرت العقلانية باعتبارها خاصية للفلسفة الحديثة في مقابل اعتماد فلسفة العصور الوسطى على سلطة التراث الديني والنظام الكهنوتي. فقد واجه الفكر الأوروبي منذ بدايته في عصر النهضة إشكالية العقل والنقل
( 7)، وهي نفس الإشكالية التي شغلت الفكر الإسلامي. وكان أمام الفكر الأوروبي عدد من الخيارات، فإما أن يتمسك بما انتقل إليه من تراث ديني كما هو وبالتالي يلغي العقل تماماً، أو أن يحاول التوفيق بينهما مثلما حدث في بداية عصر النهضة وخاصة في إيطاليا، أو أن يجعل العقل قادراً على إثبات صدق التراث الديني بإثبات قدرته على التوصل إلى نفس الحقائق الدينية بالاعتماد على البرهان العقلي وحده لا على أي سلطة موروثة، أو أن يجعل العقل وحده المعيار الوحيد للحكم على سلوك الإنسان ومعرفته. ولم يتجه الفكر الأوروبي إلى التضحية بالعقل في سبيل النقل، بل ظهرت فيه باقي المحاولات السابقة. إذا ظهرت محاولات لإثبات العقائد الدينية عن طريق العقل وحده عند ديكارت وباسكال وبالبرانش، كما ظهرت محاولات للحصول على الاستقلال التام للعقل بعيداً عن أي سلطة تراثية موروثة عند سبينوزا وفولتير وروسو والماديين الفرنسيين أصحاب الموسوعة في أواخر القرن الثامن عشر، وظهرت محاولة للتوفيق بين العقل والعقائد الإيمانية لدى كانط في كتابيه «نقد العقل العملي» و«الدين في حدود العقل و حده».


2 - الإنســـانية:
ظهرت النزعة الإنسانية في بداياتها الأولى في عصر النهضة، واتخذت أشكالاً فنية وأدبية قبل أن تتحول إلى مجال الفكر والفلسفة، وكان من بين بواعث ظهورها حركة إحياء التراث اليوناني. أمد هذا التراث عصر النهضة الأوربية برؤية مختلفة للإنسان، تُعطي الأولوية للخبرات الإنسانية الحية وتعلي من قيمته وتنظر إليه على أنه سيد الطبيعة وأعلى الموجودات. كما تهتم بتصوير الطابع الدرامي للحياة الإنسانية وتتخذ الرؤية الإنسانية باعتبارها مقياساً لكل شئ، بعد أن كانت الرؤية اللاهوتية هي المسيطرة في العصور الوسطى( 8). ففي الفن ازدهر النحت على يد مايكل أنجلو الذي يهتم بتجسيد الجسم الإنساني في حالة الحركة والاهتمام بتعبيرات الوجه، وفي التصوير الزيتي اهتم ليوناردو دافنشي برسم وجوه من الحياة اليومية وتصوير الإنسان وهو منشغل في أنشطته اليومية المختلفة، وفي الأدب ظهر شكسبير الذي اهتم بالدراما البشرية وبالصراع والقيم التي تتنازع في النفس الإنسانية، وظهر سرفانتيس الأديب الأسباني مؤلف رواية «دون كيشوت» التي صورت آمال وأحلام الإنسان عندما تصطدم بأرض الواقع وتتكسر.
ثم انتقلت النزعة الإنسانية إلى مجال الفكر والفلسفة، وصار الإنسان مقياس صدق وحقيقة المعرفة. واختلفت التيارات الفلسفية في ذلك، فالمذاهب التي تؤكد أولية العقل الإنساني جعلت من التفكير المجرد والوعي الذاتي مقياساً للحقيقة، والمذاهب التي تؤكد أولوية الحواس والإدراك الحسي جعلت الخبرة التجريبية البشرية مقياساً للحقيقة. فعلى الرغم من اختلاف العقليين عن التجريبين إلا أنهم جميعاً ينطلقون من أساس واحد، وهو إعطاء الأولوية للرؤية الإنسانية، سواء كانت هذه الرؤية حساً أو عقلاً. ولذلك ينظر إلى ديكارت على أنه أبو الفلسفة الحديثة، لأنه بدأ مذهبه بعد الشك بإثبات وجود الذات المفكرة وانطلق منها إلى إثبات وجود الإله والعالم وخلود ا لنفس. كما تعد فلسفة هيوم تطوراً في النزعة الإنسانية في الفلسفة، إذ ركز على جانب آخر في الطبيعة الإنسانية غير الفكر، وهو الجانب الانفعالي، وركز على دور الإحساس والإدراك الحسي في المعرفة، وأقام أول مذهب فلسفي على أساس نظرية سيكولوجية في الانفعالات، وذهب إلى أن علم النفس البشرية هو الفلسفة الحقة وهو أساس علوم الأخلاق والسياسة. وظهرت كذلك فلسفة كانط التي أحدثت ثورة في مجال نظرية المعرفة، وأصبح معيار صدق المعرفة هو اتفاقها مع قوانين العقل الإنساني لا مع الظواهر التجريبية المتغيرة، وقدم صورة للمعرفة باعتبارها صادرة عن إخضاع الخبرة التجريبية للقوانين العامة الكلية والضرورية للفهم البشري، بحيث أصبح الفهم البشري هو الذي يضفي الانتظام والموضوعية على عالم الخبرة التجريبية، وأن هذه الخبرة لا توجه المعرفة بل الفهم البشري هو الذي يوجهها وينظمها صانعًا منها معارف وعلوماً.


3 - الفرديـــة:
نظر الفكر الفلسفي الحديث إلى الإنسان على أنه مقياس الأشياء جميعاً، سواء كان عقلاً أو إحساساً أو انفعالاً، وبذلك فإن هذا المقياس فردي في الأساس( 9)
Individualist فنقطة الانطلاق التي بنى عليها ديكارت مذهبه هي الأنا أفكر، وقد ظهر هذا الأنا أو الكوجيتو على أنه فعل فردي. كما أن نظرية المعرفة عند لوك تتصف أيضاً بالفردية، ذلك لأنها كلها وصف للعمليات الذهنية التي تدور في ذهن الفرد ويؤسس بها المعرفة. كما ظهرت النزعة الفردية واضحة في الفكر السياسي للفلاسفة المحدثين، وازدهرت المذاهب الليبرالية وأهمها مذهب توماس هوبز، وجون لوك وديفيد هيوم، وهي تصف المجتمع على أنه ليس إلا مجموعة من الأفراد، وعلى أن ما يحرك هذا المجتمع المصالح الفردية، ووصفت ظهور السلطة السياسية بفكرة العقد الاجتماعي الذي هو اتفاق بين أفراد على التخلي عن جزء من حقوقهم الطبيعية لتنظيم سياسي يمثلهم. وظهرت كذلك فكرة الحق الطبيعي الذي هو حق الفرد في حفظ حياته وممتلكاته وتنمية قدراته واختيار حكامه، وفكرة الحق المدني الذي هو حق المواطن الفرد في أن تكون له حقوق مصانة ومعترف بها من قبل السلطة السياسية.
وقد كان التأكيد على الفردية كقيمة عليا جديداً على الفكر الأوروبي بعد عصر الإقطاع الذي لم يكن يعرف أفراداً مستقلين عن الأنساق الاقتصادية والسياسية والدينية التي تشملهم. وبذلك ظهر حق الفرد في تقرير مصيره وحريته في اختيار عقيدته وآراءه وشكل الحكم الذي يلتزم به. وتتضح الفردية باعتبارها خاصية للفكر الحديث من مقارنتها بما ساد الفكر المعاصر، إذ لم تعد قيم الفردية تمثل تلك الأهمية التي كانت لها، فقد ظهر المجتمع في الفكر المعاصر باعتباره كياناً مستقلاً عن الأفراد، يمتلك حقوقاً تختلف عن الحقوق الفردية، ويمتلك هوية خاصة به تختلف عن هوية الأفراد المكونين له، وظهر ذلك على يد هيجل وماركس وكل المذاهب الفكرية التي تنظر إلى المجتمع على أنه كيان عضوي مثل الجسد الإنساني الذي يشمل أعضاءً متكاملة الوظائف، حيث يصبح الأفراد أعضاءً متكاملين في هذا الجسد الاجتماعي الواحد، وتمثل ذلك في علماء الاجتماع عند فرديناند تونيز وإميل دوركايم ومعظم المذاهب الاشتراكية المعاصرة. ومعنى هذا أن عصر الفلسفة الحديثة كان عصر الفردية بدون منازع، لأن مقولة المجتمع باعتباره كياناً مستقلاً عن الأفراد لم تكن قد ظهرت بعد، وعندما ظهرت في القرن التاسع عشر لن تعود الفردية هي النزعة المسيطرة على الفكر الأوروبي، إذ سوف تنافسها نزعات أخرى، عضوية وجماعية واشتراكية. والملاحظ أن هذه النزعات سوف تضمحل في النصف الثاني من القرن العشرين، الذي سوف يشهد عودة إلى ظهور النزعات الفردية مرة أخرى والمتمثلة في المذاهب الليبرالية الجديدة.


4 - النســـقية:
كان الفلاسفة المحدثين مولعين بإقامة أفكارهم في صورة نسق فلسفي متكامل. والنسق الفلسفي
System هو مذهب عام يحتوي توجهاً معيناً ويضم نظرية في المعرفة وأخرى في الأخلاق وثالثة في السياسة، كما يمكن أن يحتوي على مذهب ميتافيزيقي أو لا يحتوي حسب موقف الفيلسوف من الميتافيزيقا سواء بالقبول أو الرفض. ويعبر وضع الفلاسفة لأفكارهم في صورة نسق عن الطابع الموسوعي للقرنين السابع عشر والثامن عشر، وعن إصرار هؤلاء الفلاسفة على الاحتفاظ بدور أساسي ومركزى للفلسفة وسط العلوم الطبيعية الجديدة الناشئة. فقد ظلوا يتمسكون بالدور المشرع للفلسفة بالنسبة للعلوم الأخرى، وبأن المعرفة الإنسانية واحدة ومتكاملة على الرغم من ظهور التخصصات الدقيقة وزيادة انفصال العلم التجريبي عن الفلسفة. ودائماً ما كانت نظرية المعرفة تحتل المكان الأول في كل نسق فلسفي، تليها الميتافيزيقا، سواء بالقبول أو الرفض، ثم الأخلاق وأخيراً السياسة. وقد ظهر هذا التقسيم للمذهب الفلسفي لدى أغلب الفلاسفة المحدثين. وكان هيجل آخر الفلاسفة أصحاب الأنساق الفلسفية الكبرى، ولذلك ينظر إليه على أنه آخر فيلسوف محدث ينتهي عنده تاريخ الفلسفة الحديثة، لكننا أثرنا اعتباره أول الفلاسفة المعاصرين لأن الصورة الجديدة التي وضع فيها الفلسفة، والقضايا والإشكاليات التي طرحها، سوف تكون لها أبلغ الأثر في كل تيارات الفلسفة المعاصرة. بحيث أن الفيلسوف في الحقبة المعاصرة لن يستطيع التفلسف دون العودة إلى هيجل. وعندما نذهب إلى أن النسقية كانت خاصية مرتبطة بالفلسفات الحديثة فنحن نقصد بذلك أنها لم تعد تميز الفلسفة المعاصرة، التي هي فلسفة ضد النسق بصفة أساسية. فقد امتنع الفلاسفة المعاصرين عن وضع أفكارهم في صورة مذهب فلسفي، وآثروا الكتابة في موضوعات مختلفة متنوعة اتخذت شكل المقالات أو المؤلفات الفكرية التي تضم موضوعات متنوعة، مثل مؤلفات الوجوديين وفلاسفة مدرسة فرانكفورت، أو التركيز على قضية واحدة فقط مع الحرص على عدم صنع مذهب فلسفي منها، مثل أعمال برجسون وفلاسفة البراجماتية والتحليل. كما أن تركيز الفلسفة المعاصرة سوف يبتعد عن الفلسفة باعتبارها مذهباً أو نسقاً عاماً ويتحول إلى النظر إليها على أنها منهج، ولذلك سوف تظهر مناهج فلسفية عديدة في الفكر المعاصر: الفينومينولوجيا، التحليل المنطقي،الهرمنيوطيقا أو منهج التأويل، البنيوية، التفكيكية، ومعنى هذا أن الفلسفة باعتبارها مذهباً أو نسقاً كانت ظاهرة مرتبطة بالفلسفة الحديثة على نحو أساسي، وسوف تكف الفلسفة عن أن تكون نسقاً مذهبياً في الفكر المعاصر.
وفي نهاية هذا المدخل بقى أن نشير إلى خاصية أخرى للفلسفة الحديثة، مرتبطة بها وحدها ولن تستمر في حقبة الفلسفة المعاصرة، وهي خاصية في غاية العمومية لأنها مليئة بالاستثناءات. فقد تمثلت هذه الخاصية في ارتباط التيارات الفلسفية بالقوميات. فالتيار العقلي كان إلى حد كبير تياراً فرنسياً، ضم ديكارت ومالبرانش وباسكال، والتيار التجريبي كان إنجليزياً بصورة حصرية: بيكون وهوبز ولوك وهيوم، والتيار النقدي كان كانط الألماني هو ممثله الأساسي. ويبدو أن السبب في ذلك يرجع إلى طبيعة كل شعب من هذه الشعوب، فالشعب الإنجليزي شعب تجاري وعملي، لا يهتم كثيراً بالمثاليات ولا يميل إلى الفكر المجرد وغالباً ما يلجأ إلى احتكام الحس المشترك، ولذلك كان التيار التجريبي إنجليزياً حصرياً. والفرنسيون على العكس أصحاب تفكير عميق، وهم أكثر ارتباطاً بالتراث العقلي اليوناني، ودائماً ما حاولوا التوفيق بين العقل والدين نتيجة لخلفيتهم الكاثوليكية، وغالباً ما ينتج هذا التوفيق فلسفة عقلية. هذه الخاصية ليس لها شأن كبير في الدراسة العينية المتعمقة في تلك التيارات، بل هي تخص علوماً أخرى مثل تاريخ العقليات والتاريخ الحضاري وسوسيولوجيا المعرفة، حرصنا على ذكرها هنا لما لها من علاقة وثيقة بموضوع هذا الكتاب.


( 1) إميل برهييه: تاريخ الفلسفة، القرن السابع عشر، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 1987، ص 6-9.
(2 ) أحمد أمين، وزكي نجيب محمود: قصة الفلسفة الحديثة، الجزء الأول، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1936، ص 36-39.
(3 ) وليم كيلي رايت: تاريخ الفلسفة الحديثة، ترجمة محمود سيد أحمد، تقديم ومراجعة إمام عبد الفتاح إمام، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2001، ص49.
(4 ) الموسوعة الفلسفية العربية، تحرير د. معن زيادة. مادة «فلسفة النهضة»، المجلد الثاني، القسم الثاني، ص 1034. معهد الإنماء العربي، بيروت، 1988.
( 5) المرجع السابق، ص1035-1036
( 6) أحمد أمين وزكي نجيب محمود، مرجع سابق، ص 36-37.
( 7) بول هازار: أزمة المضير الأوروبي (1680-1715)، ترجمة جودت عثمان ومحمد نجيب المستكاوي، مقدمة لطه حسين، دار الشروق، القاهرة، 1987، ص 135-140.
( 8) جون هرمان راندال: تكوين العقل الحديث. ترجمة د. جورج طعمة، مراجعة برهان الدين الرجائي، دار الثقافة، بيروت، 1958، الجزء الأول، ص 30-35.
( 9) المرجع السابق، ص 120-122.
(10 ) وليم كيلي رايت: المرجع السابق، ص 21-22.

 

الأربعاء، 18 أبريل 2018

وظيفة الأسطورة؛ فراس السوّاح.




(الصورة لـ "إيتانا والنسر" وهي من أقدم ملاحم بلاد ما بين النهرين، حيث تتحدث عن أقدم ملك لأقد مدينة: "كيش")
وظيفة الأسطورة
فراس السوّاح

لقد كانت اللغة أول أشكال الترميز الموضوعي التي ابتكرها الإنسان، واكتشف معها مقدرته الهائلة على استيعاب ماحوله من خلال تكوين المفاهيم، تم موضعتها في الخارج عن طريق الكلمات، والاستناد بعد ذلك إلى هذه الكلمات من أجل خلق مستوى آخر من المفاهيم أعلى من سابقه، وهكذا في سلسلة متصاعدة رافقت ارتقاءه.

ولقد اكتشف الإنسان بعد مدة طويلة من استخدامه للغة في المجالات النفعية اليومية، مقدرته على التعامل مع اللغة واستخدامها في مجالات غير نفعية وغير مباشرة. وهذا ماقاده إلى إنتاج الشعر وإنتاج الأسطورة، وهما عنصران في نظام رمزي واحد عمل من خلاله على تحويل وموضعة تجربته الانفعالية مع الكون والنفس الداخلية. والإنسان في ترميزه الأسطوري لهذه التجربة، لا يلجأ إلى التحليل والتعليل الخطي المنظم بل إلى إنتاج بنية أدبية تحاول من خلال تمثيلاتها وصورها الحركية إعادة إنتاج العالم على مستوى الرمز، وذلك في وحدات أدبية تعمل على اختزاله ثم إعادة تقديمة للوعي.

وفي الحقيقة، فإن الفلسفة والعلم اللذين وُلدا من رحم الأسطورة، يقومان بالمهمة نفسها، أي اختزال تجربتنا مع العالم وتقديمه إلى الوعي وقد تم تفسيره وترتيبه. ولكن بينما يلجأ العلم والفلسفة إلى العقل التحليلي الذي يجزيء العالم ثم يعيد تركيبه من أجل فهمه، معتمداً في ذلك على الاختبار في العلم، والبرهان في الفلسفة، فإن الأسطورة تضع الإنسان بكليته في مواجهة العالم، وتستخدم كل المجازات الممكنة من أجل تقديم رؤية متكاملة لهذا العالم، ذات طابع كلاني يعادل تجربة الإنسان الكلانية وغير المتجزئة معه.

إن كلاً من الأسطورة والفلسفة والعلم يستجيب على طريقته لمطلب النظام، لمطلب أن يعيش الإنسان ضمن عالم مفهوم ومرتب، وأن يتغلب على حالة الفوضى الخارجية التي تتبدى للوعي في مواجهته مع الطبيعة. فالفلسفة تُنتج نظاماً مترابطاً من المفاهيم التجريدية يدَّعي تفسير العالم؛ والعلم يخلق نظاماً من المبادئ والقوانين التي يعتمد بعضها على بعض، وتنتهي إلى ترميز العالم في بنى رياضية عالية التجريد. وفي مقابل هرمية نظام المفاهيم الفلسفي وهرمية نظام القوانين العلمي الرياضي، فإن الأسطورة تعمد من جانبها إلى خلق نظام قوامه الآلهة والقوى الماورائية، التي يعتمد بعضها على بعض أيضاً، في هرمية متسقة للأسباب والنتائج. وهي إذ تؤنسن الكون حين تبث فيه عنصر الإرادات الفاعلة والعواطف المتباينة، فإنها تصنع صورة لكون حي لايقوم على مبادئ ميكانيكية متبادلة التأثير، بل على إرادات وعواطف تتبدى في شكل حركي. وهي تفتح خزاناً لا ينضب معينه من وسائل الترميز، كما تفتح البوابات على مصاريعها بين الوعي واللاوعي، في تجربة كلانية تحافظ على علائق الإنسان الطبيعانية مع عالمه.

من هنا ينبع سلطان الأسطورة وسطوتها على النفس، حتى في دولة العلم العالمية التي نعيشها اليوم. ذلك أن الأسطورة تعطينا ذلك الإحساس بالوحدة بين المنظور والغيبي، والحي والجامد، بين الإنسان وبقية مظاهر الطبيعة والحياة. والنظام الذي تخلقه الأسطورة ليس نظام العقل المتعالي الذي يجعل نفسه خارج العالم ثم يفسره عن بُعد وكأنه شيء غريب عنه، بل هو نظام الإنسان المتعدد الأبعاد الذي لايستطيع أن يرى نفسه خارج العالم الذي يعمل على تفسيره، ويدرك بطريقة ما أن المفسِّر والمفسَّر وجهان لعملة واحدة. من هنا فإن ما يميز متلقي الأسطورة عن دارس نظام فلسفي أو نظرية علمية، هو أن متلقي الأسطورة لا يشعر بأنه قد أضاف إلى معارفه شيئاً جديداً، وإنما غدا أكثر توافقاً وانسجاماً مع نفسه ومع العالم.

وتعتمد الأسطورة في تقنياتها على استخدام الظلال السحرية للكلمات. فالكلمات في أي لغة ذات وجهين، وجه دلالي يرتبط بالمعاني القريبة والمباشرة للمسميات، ووجه آخر سحري متلون بظلال متدرجة بين الخفاء والوضوح، قادرة على الإيحاء بمعانٍ غير مباشرة واستثارة مشاعر وأهواء متباينة. ولقد استفاد الشعر بدوره من هذه الخصيصة السحرية للغة، ومن هنا يأتي ذلك الطابع النبوي للغة الشعرية؛ فالشعر هو السليل المباشر للأسطورة وابنها الشرعي، وقد شق لنفسه طريقاً مستقلاً بعد أن أتقن عن الأسطورة ذلك التناوب بين التصريح والتلميح، بين الدلالة والإشارة، بين المقولة والشطحة؛ وبعد أن أتقن عنها أيضاً كيف يمكن للغة السحرية أن تقول الكثير من خلال القليل، وأن تشبعك بالمعنى دون أن تقدم معنى محدداً ودقيقاً، وذلك من خلال رسالة كلانية غير تفصيلية. من هنا نستطيع فهم السبب الكامن وراء هجوم الفلسفة على الشعر، فلقد رأى أفلاطون في كتابه “الجمهورية” ضرورة استبعاد الشعراء من الجمهورية الفاضلة التي تقوم على العقل، لأن السماح بالشعر يعني فتح الطريق أمام الأسطورة.

يمثل تاريخ الفلسفة صراعاً لاهوادة فيه مع الأسطورة. وقد استطاعت الفلسفة التوصل إلى تحديد مهامها وصياغة مفاهميها الخاصة من خلال نقدها للأسطورة. ومع ذلك فإن فلاسفة الإغريق الذين تصدوا لإقامة نظم فلسفية عقلانية، لم ينجوا تماماً من سحر البيان الأسطوري. لقد ركز أفلاطون بشكل خاص على أن الخبرة بالقدسي لايمكن اكتسابها من خلال نشوة صوفية يخلقها الطقس، ولا من خلال رؤية ميثولوجية تقدمها الأسطورة، وإنما عن طريق العقل الصاحي الذي يبدأ بمعرفة الجزئيات وترابطاتها صعوداً نحو مبادئها وعللها؛ ولكنه على الرغم من محاربته للنزعة غير العقلانية في النفس الإنسانية، والتي يعمل الشعر والأسطورة على إرضائها، فإنه عمد خارج كتاب “الجمهورية” إلى تأليف أساطير من صنعه، مثل أسطورة أسرى الكهف، وأسطورة اختيار النفس لمصيرها، وأسطورة الحساب بعد الموت، وذلك لغاية شرح وتوصيل أفكاره المجردة، كما أنه وافق على صياغة أساطير يجري تلقينها للصغار وفق خطة مدروسة من شأنها تدريبهم على تلمس فكرة الخير الكامنة وراء العالم، وذلك لعلمه بما للأسطورة من سلطان على النفوس ومقدرة على تثبيت الأفكار والمعتقدات، وبما في النفس من نزع طبيعي نحو البيان والإيمان وعزوفها عن البرهان.
وقبل أفلاطون بزمن كان فلاسفة الإغريق الأوائل من أصحاب المدرسة الأيونية قد تأثروا بشكل خاص بأساطير ديانة الأسرار الأورفية وبالعديد من تصوراتها الماورائية. كما تأثرت المدرسة الفيثاغورثية بالأساطير الأورفية، وإلى درجة يصعب معها التفريق بين العناصر الفيثاغورثية والعناصر الأورفية، وعلى الخصوص عندما ننظر إلى الأفكار المتعلقة بتناسخ الأرواح، ومبدأ الثواب والعقاب في الحياة الأخرى، وما إليها من الأفكار والمبادئ والرموز والتحريمات المشتركة بين هذين النظامين. ويبدو هذا التأثر في أوضح أشكاله في فلسفة أمبيدوقليس حكيم صقلية والتلميذ النجيب لفيثاغورث، التي يعتبرها العارفون بالأورفية بمثابة نسخة دنيوية عنها.

هذا الطابع السحري للأسطورة، وأثرها الفعال في توصيل الأفكار المجردة وتثبيت المعتقدات، يفسر لنا تلك الوحدة المصيرية بين الدين والأسطورة، مما سأتعرض له بكثير من التكثيف والإيجاز فيما يلي:
إن الدين في قاعه السيكولوجي الأعمق هو اختبار للقدسي من خلال حالة انفعالية سابقة على أي تصور عقلاني. هذه التجربة لا تختص بفرد دون آخر ولا بفئة دون أخرى، وإنما يتعرض لها الجميع وإن بدرجات متفاوتة من الشدة والوضوح، ويتعاملون معها بدرجات متفاوتة أيضاً من القبول والاعتراف. غير أن هذه
الخبرة الدينية، الفردية من حيث الأساس والمنشأ، لاتبقى حبيسة السيكولوجيا الفردية، بل يجري عادةً تحويلها لتصب في تيار عقيدةٍ مؤسسةٍ ومصاغةٍ في قوالب، تنشأ حولها طقوس وأساطير تلعب دور المُرشِّد والمنظم للخبرة الدينية، وتدفع عن الفرد وطأة المجابهة المباشرة مع الإحساس بالقدسي. فهنا تقوم الأسطورة الجمعية بترميز الخبرة الدينية الداخلية وتعمل على موضعتها في الخارج، ثم تأتي الطقوس لتلعب دور المطهر للانفعالات الدينية العنيفة. عند هذا المستوى تتحول التجربة الانفعالية إلى مجموعة صور، ويتبلور المعتقد الديني يداً بيد مع الأساطير التي تعيد الانفعال الديني إلى الوعي وقد تحوله إلى معتقد.

تنشأ الأسطورة إذن عن المعتقد الديني وتكون بمثابة امتداد طبيعي له؛ فهي تعمل على توضيحه وإغنائه وتُثَبِّته في صيغ تساعد على حفظه وعلى تداوله بين الأجيال، كما أنها تزوده بذلك الجانب الخيالي الذي يربطه إلى العواطف والانفعالات الإنسانية. ومن ناحية أخرى، فإن الأسطورة تعمل على تزويد فكرة الألوهة بألوان وظلال حية، لأنها ترسم للآلهة صورها، وتعطيها أسماءها وصفاتها وألقابها، وتكتب لها سيرتها الذاتية وتاريخ حياتها، وتحدد صلاحياتها وعلاقات بعضها ببعض.
وبما أن الخبرة الدينية ليست في أساسها خبرة عقلية بل انفعالية، فإنها لاتتطلب بطبيعتها البرهان ولا تتطلع إليه، وإنما تتطلب معادلاً موضوعياً يموضعها في الخارج ويسبغ عليها مشروعية ومعقولية، وذلك من خلال ميثولوجيا تجعل التجربة الدينية مشتركة مع الآخرين. وهنا تعمد الأسطورة إلى استنفاذ القوى السحرية للغة من أجل موضعة خبرة كلانية بالقدسي لا تستطيع توصيلها مفردات اللغة المستمدة من التجربة اليومية. وهذا يفسر لنا لماذا لم يعمد كهان الديانات وأصحاب الرسالات الدينية عبر التاريخ إلى مخاطبة الناس بصيغة البرهان بل بصيغة البيان.
إن الاستماع إلى بضع آيات من أي كتاب مقدس (وليكن التاو الصيني أو أناشيد الغاثا الزرادشتي، أو الأوبانيشاد الهندوسي، أو المزامير التوراتية، أو الإنجيل) تغني المؤمن عن قراءة مئات الصفحات التي تخاطب عقله بالمنطق والبرهان. يضاف إلى ذلك أن مثل هذه الآيات هي صيغ رمزية غير خاضعة للنفي أو الإثبات بالتقصي العلمي أو التحليل الفلسفي، شأنها في ذلك شأن الخبرة الدينية التي نشأت عنها. من هنا تأتي تلك المناعة التي أظهرها الدين حتى الآن أمام النقد الفلسفي والعلمي، واستمراره فاعلاً ومؤثراً في الحضارة الإنسانية على الرغم من لامعقولية تعبيراته الرمزية.

إن أي نص فلسفي أو علمي يطرح نظرية ما، ينبغي أن يصاغ بطريقة يمكن معها اختبار هذه النظرية لإثبات صحتها أو بطلانها، وذلك عن طريق البرهان العقلي المنطقي في الفلسفة أو الاختبار التجريبي في العلم. وقابلية النص للاختبار هي في الوقت نفسه قابليته للنفي أو للإثبات، وإن أي نص غير قابل للدحض هو نص زائف من وجهة النظر الفلسفية والعلمية. لقد خرج الفلاسفة الطبيعيون الإغريق، مثلاً، بنظرية عن العواصف الرعدية مفادها أن مثل هذه الظواهر تنجم عن تصادم جزيئات ثقيلة في السحب. وبالطبع فإن هذه النظرية المصممة بطريقة تُعرضها للدحض أو الإثبات، قد دُحضت عندما تم التعرف على الكهرباء وأثر الشحنات الكهربائية السالبة والموجبة في تشكيل العواصف الرعدية. أما قول النص الديني المدعم بالأسطورة بأن العواصف الرعدية هي تعبير عن غضب الآلهة، فإن مثل هذه النظرية محصن ضد النقض ولا يمكن دحضه بالمنطق أو بالتجربة. وحتى عندما تعترف هذه النظرية الدينية بأن للكهرباء دورا في إحداث الرعود، فإنها تؤكد في الوقت ذاته على أن الكهرباء ليست إلا أداة مسخرة في يد الإرادة الإلهية، وأن المسبب الحقيقي للرعد هو الإله الذي يسخّر خصائص الكهرباء.

ثم أن النظرية المفتوحة على الدحض تقدم إرشادات من أجل الممارسة، وهذه الإرشادات إما أن تقودك إلى التثبت من النظرية أو دحضها، أما النظرية المحصنة ضد النقض فلا تعطيك سوى تعليمات لايقودك تنفيذها إلى معرفة صحة النظرية من خطئها. وإليكم هذا المثال البسيط عما أقول: لنفرض أن سائلاً سأل عن الطريق إلى الكنيسة، فقال له أحدهم: “استمر مباشرةً في هذا الطريق ثم انعطف شمالاً وستجد الكنيسة في آخر الشارع قبل النافورة”. إن مثل هذا القول يحتوي إرشاداً لأن السالك بعد بضعة دقائق سيعرف نتيجة عمله بهذا الإرشاد، فإما أن يجد الكنيسة وإما أن لا يجدها. لقد وصل صاحبنا إلى الكنيسة فعلاً، وهناك سأل الكاهن عن الطريق إلى ملكوت السماوات، فقال له: “تبرع لصندوق الكنيسة وأشعل شمعة في المحراب و…إلخ، وحين تموت فإن روحك تذهب إلى ملكوت السماوات”. فدفع الرجل وأشعل شمعة وفعل كل ما هو مطلوب من مسيحي مؤمن. ولكن النظرية الثانية لا تقدم إرشاداً للممارسة كما فعلت النظرية الأولى عندما دلته على الطريق إلى الكنيسة. ذلك أن الموضوع هنا يتعلق أولاً بالروح، وهي ليست مما يمكن التأكد منه بأي طريقة عملية، وثانياً لأن ذهاب الروح إلى الملكوت شأن لا يمكن اختباره بالتجربة. من هنا فإن هذه النظرية لايمكن إثبات زيفها من صحتها. لقد تلقى الرجل في مثالنا هذا تعليمات عليه أن يثق بها دون مساءلة ولم يتلق إرشاداً، لأن الإرشاد من شأنه أن يكشف لك عن صحة ما قيل أم خطئه. لقد وُضعت أمامه تفاصيل الفعل ولكن الهدف الذي يتوجب عليه تحقيقه من وراء هذا الفعل يقع خارج المعرفة العملية، ولا يمكن الجزم بإمكانية تحققه من عدمها.

*
فراس السواح

الجمعة، 13 أبريل 2018

لم تكن الأفكار كافيةً: لوك واسبينوزا وفولتير. مارك كوياما، ترجمة عمرو بسيوني.




لم تكن الأفكار كافيةً: لوك، وسبينوزا، وفولتير
 مارك كوياما

ترجمة: عمرو بسيوني


مجلة الحكمة


 

لوك، وسبينوزا، وفولتير؛ جميعهم كانوا رائعين، ولكنّ الحرية الدينية في أوروبا كانت مدفوعة بالقدرة السياسية لا الفلسفة([1])



 أصبحت الحريةُ الدينية قيمةً رمزية في الغرب. فقد ترسّخت في الدساتير، ويؤيدها السياسيون والمفكرون من مختلف الأطياف السياسية، وهي بالنسبة لكثيرين قيمةٌ مطلقة، وأمرٌ لا يرقى إليه الشك. ولكن كيف ظهرت الحرية الدينية، ولماذا؛ فهذا الذي لا يزال يُساء فهمُه على نطاق واسع.

وفقًا للسردية التقليدية؛ فقد نشأت حرية الدين في الغرب في أعقاب الحروب المدمرة التي استعرت بسبب الدين. وقد حفزتها حججٌ قوية من المفكرين أمثال جون لوك، وباروخ سبينوزا، وبيير بايل، وفولتير. لقد استجاب هؤلاء الفلاسفة والمنظّرون السياسيون لوحشية الحروب الدينية بدعم المفاهيم الراديكالية للتسامح والحرية الدينية. ثم أصبحت، مثلها مثل اللليبرالية؛ جزءًا لا يتجزّأ من المؤسسات السياسية في الغرب، في أعقاب الثورتين الأمريكية والفرنسية.

هذه هي، في هيئتها العامة؛ الروايةُ المقبولة من قِبل معظم الفلاسفة السياسيين وعلماء الاجتماع. ولكنَّ الأدلة لا تدعم هذا التركيزَ على قوَّة الأفكار في تشكيل هذا الصعود للحرية الدينية، والتقليل من شأن الدور الحاسم الذي تقوم به المؤسسات.

لقد كانت أفكار الفلاسفة مهمةً حقًّا. ففي كتابه: القاموس التاريخي للنقد (1697)؛ أشار بايل إلى أنه إذا ادَّعيْنا أن دينًا واحدًا هو الإيمان الحقيقي الوحيد؛ فإن هذا يعني ضِمنًا الحقَّ في اضطهاد جميع الآخرين، وجميع الأديان الأخرى تمتلك الحقَّ نفسَه في تقديم مثل هذا الادعاء. وبإظهار الميْل المتأصّل في المجتمع تجاه مِثل هذه المزاعم الدينية حول الحقيقة؛ جادل بايل أيضًا أن الناس إذا لم يكونوا مُخطئين بحسب دينهم؛ فإنهم نادرًا ما يشعرون أنهم مذنِبون بسبب جرائمهم، في محاولاتهم المخلصة للامتثال لأوامر دينهم.

وجادل لوك أن الإيمان الحقيقي لا يمكن أن يكون بالإجبار. وأتبع ذلك بأن تقييد حقوق الأقليات الدينية ينبغي ألا يحدث إلا لأسباب تتعلق بالدولة، أي ليس لأسباب تتعلق بالإيمان أو الخلاص. واتخذ فولتير مسارًا لا يقلُّ فعاليةً، بتوثيق حالات الاضطهاد الديني، والسخرية منها بلا هوادة. ومرارًا وتكرارًا جعل فولتير المتحمسين والممارسين لفَرْضِ العقائد الدينية؛ يَبْدُون سخيفين. هذه أفكارٌ مقنعة ومترابطة منطقيًّا، وتستحق مواصلة الدراسة والقراءة.

إلا أنَّ التركيز على هذه الأفكار لا يفسِّرُ تمامًا كيف جاءت الحرية الدينية إلى الغرب. فلا تعني الأهمية الفكرية لبايل ولوك وفولتير أن أفكارهم كانت محورية فيما يتعلق بالحرية الدينية عندما تطوّرت وأصبحت واقعًا في الحياة السياسية والاجتماعية.

لقد أكملتُ مؤخرًا مع زميلي بجامعة جورج ماسون، الخبير الاقتصادي نويل جونسون؛ كتاب: الاضطهاد والتسامح (2018)، الذي نبيّن فيه أن الأفكار لم تكن كافيةً لتحقيق الحرية الدينية. والأهم من ذلك أن التغييرات السياسية والمؤسسية – وعلى وجه التحديد نمو وتعزيز قدرة الدولة على خلْق وتطبيق القواعد – قد جعلت الحريةَ الدينية في الغرب ممكِنةً وجذَّابة. لم تكن أفكار بايل أو سبينوزا أو لوك لِتَقودَ صعودَ سلطة الدولة، بل كانت الحاجة إلى جمع الموارد للحُكم والحرب. فبالنسبة لحالة التصاعد المالي العسكري؛ فقد أصبح التوحُّد الديني والاضطهاد، ببساطة؛ مُكلِّفيْن للغاية وغير فعَّالَيْن.

تميّزت أوروبا في العصور الوسطى بحدودٍ سياسية متداخلة ومتعددة. لم تكن هذه “دولًا” بالمعنى الحديث. كان المنتظَر من الحكَّام فحسب هو إنفاذ “قوانين الأرض” القائمة، وليس تمرير قوانين جديدة. ففي العادة، لم ترتفع الضرائب – في الأوقات العادية، وكان الحكَّام يعيشون من عائدات أراضيهم الخاصة. والجيوش لم تكن دائمة، بل تُجمع بطريقة مؤقتة حسب الحاجة. وقد يكون للمناطق والمدن المختلفة داخل المملكة التعريفاتُ الجمركية واللوائح والأوزان والمقاييس الخاصة بهم. كان هناك القليل في طريق البيروقراطية.

تباينت القوانين ُعلى المستوى المحلّي، واعتمد تطبيقُها في العادة على هُوية الفرد. وكثيرًا ما كان يُعْفَى النبلاءُ من دفع الضرائب. وكان للفلاحين حقوقٌ وواجبات مختلفة عن سكّان المدن. والنقابات تسيطر على الدخول في التجارة.

وتُعرَف القواعد والقوانين المختلفة لمختلف الأشخاص على أنها قواعدُ هويةٍ، وكان هذا هو الطبيعي. واعتمدت سياساتُ العصور الوسطى على قواعد الهوية لأنها شكل من أشكال الحكم منخفض التكلفة. فقد افتقرت السياسياتُ في العصور الوسطى إلى القوة اللازمة لتطبيق القواعد العامة، فلذلك فقد كان من المنطقي أيضًا الاعتماد على قواعد الهوية.

وعلى مستوى أعمق؛ فإن قواعد الهوية توفّر الغِراء الذي يلصق النظام السياسي معًا. فمن خلال معاملة الأفراد بشكل مختلفٍ وفقًا لوضعهم القانوني أو دينهم؛ فإن قواعد الهوية تحدُّ من المنافسة الاقتصادية بين المجموعات، وتولّد عوائد اقتصادية يمكن أن تمتصها النخبة السياسية. وتلك العوائد استُخدِمت بدورها للحفاظ على النظام السياسي التمييزي.

وكان كثيرٌ من هذه القوانين التمييزية تقوم على الدين. وأحد الأمثلة على ذلك: ربا اليهود. فإن قانون الكنيسة كان يحظر على المسيحيين إقراض المال بفائدة. لكنَّ اليهود لم يكونوا يخضعون للقانون الكنسي. وبتطبيق هذا الحظر؛ فقد كان يمكن للحكّام فرض ضريبة على الأرباح الاحتكارية التي يحصل عليها المقرضون اليهود. وفي المقابل؛ فقد قدَّموا لليهود الحمايةَ من العنف، والحقَّ في إدارة شؤونهم الخاصة.

كما قدَّم الدينُ مصدرًا فعّالًا للشرعية السياسية. فالدول الحديثة تحصل على الشرعية من خلال المؤسسات الديمقراطية أو من خلال توفير المنافع العامة والنمو الاقتصادي، في حين تميل الدول قبل الحديثة إلى الاعتماد أكثر على الدين.

في مقابل منح الحكّام الشرعية السياسية؛ كان يمكن للسلطات الدينية أن تطلب من الحكّام العلمانيين تطبيق الاستقامة الدينية

كان من المنطقي لدول العصور الوسطى أن تعتمد على المؤسسات الدينية في القيام بمهماتها الإدارية. فالمؤسسات الدينية، مثل الكنائس والأديرة في أوروبا، والأوقاف والمساجد في العالم الإسلامي؛ وفّرت التعليم، وإعانة الفقراء، وغيرها من المنافع العامة. وبالمقارنة مع المنظّمات غير الدينية؛ فقد كانت أفضل في استبعاد الأشخاص غير الرسميين، وجذب التبرعات من الأعضاء.

كانت الشراكة بين الكنيسة والدولة المتقدّمة؛ شراكةً ذات عواقب مهمة على الحرية الدينية في عالم ما قبل الحداثة. ففي مقابل منح الحكّام الشرعية السياسية؛ كان يمكن للسلطات الدينية أن تطلب من الحكّام العلمانيين تطبيق الاستقامة الدينية. واستلزمت الصفقةُ أيضًا أن يعتقد الحكّام أن المنافسة الدينية من شأنها أن تولّد عدم الاستقرار السياسي.

فالاستقامة [المطابَقة] الدينية، ومِن ثَمَّ اضطهاد المعارضة الدينية؛ كانت بمثابة المحافظة على النظام السياسي. وفي مثل هذا العالَم؛ لا يمكن تصوُّرُ الحرية الدينية.

إنَّ طبيعة هذه الصفقة السياسية واضحةٌ في تطوُّر آراء مارتن لوثر عن الحرية الدينية. فعندما فُصِل لأول مرة من روما؛ دعا لوثر للحرية الدينية. وفي أعماله المبكرة، مثل: رسالة مفتوحة إلى النبلاء المسيحيين (1520)؛ اعترف بحقّ أي مؤمن في قراره الخاص، وجادل ضد الإجبار على المعتقد الديني. إلّا أن موقف لوثر تغيَّر. وكانت حرب الفلاحين (1524- 25) هي السبب المباشر لهذا التغيُّر. فقد عارض الحريةَ الدينية للأنابابتيست، ثمَّ أدان أتباع زميله الإصلاحي هولدريتش زوينجلي في سويسرا. وتشير معارك لوثر الداخلية ضد الحرية الدينية ومعاركه ضد معاصريه؛ إلى أن القوة الضخمة في العمل يبدو أنها تستلزم الإكراه الديني. فقد خلُص إلى أن الإيمان بالاستقامة [المطابقة] الدينية – أي اللوثرية – يجب أن تكون مطلوبة.

هناك أيضًا قضية جون كالفن ومايكل سيرفيتوس. كان سيرفيتوس مفكرًا حرًّا، مشهورًا في تاريخ الطب باكتشافه وظيفة الدورة الدموية الرئوية. وقد نفى الثالوث أيضًا، الأمر الذي جعله عدوًّا للكاثوليك والبروتستانت كليهما. تواطأ كالفن مع المحققين الكاثوليك من فيينا لإدانة سيرفيتوس بالهرطقة. وعندما وجد سيرفيتوس نفسَه في جنيف؛ دفع كالفن في اتجاه محاكمته. أُحرِق سيرفيتوس حيًّا وسط تصفيق بروتستانت أوروبا.

انتقد اللاهوتي الفرنسي سباستيان كاستيليو؛ كالفن، بسبب القتل القضائي لسيرفيتوس، وبذلك فقد خلق حالةً فكريَّةً قوية للتسامح الديني. لقد كانت حجة كاستيليو للتسامح الديني سابقةً على لوك وبايل بقرن ونصف. ولكنَّ كتاباته لم يكن لها تأثير حقيقي، ولا يكرَّم كاستيليو كبطل للحرية الدينية، رغم أنه كان كذلك.

وعلى كل حال، فلم تكن الحرية الدينية ممكنة في الجزء الأول من القرن السادس عشر. لم يكن هذا ببساطة بسبب الدوغمائية. لم يكن الناس في القرن الثامن عشر أكثر ذكاء أو أكثر قدرة على التفكير من خلال الحجج لصالح التسامح عن الناس في القرن السادس عشر. ما تغيَّر هو أنَّ الدين لعب دورًا أكبر في الحفاظ على النظام السياسي في القرن السادس عشر.

فما الذي تغيَّر إذن؟ لماذا جاءت الحرية الدينية إلى الغرب؟ لماذا أصبح لوك وفولتير أبطال الحرية الدينية، وليس كاستيليو؟ الجواب يكمن في التغيرات المؤسسية الأساسية التي حدثت في الدول الغربية بين 1500- 1800.

كان التغير الأول هو التحول في نطاق الدول الأوروبية. في أواخر العصور الوسطى؛ بدأ الحكّام في القرون الوسطى في بناء القدرات الإدارية وزيادة الضرائب بصورة أكثر انتظامًا. ورغم ذلك فإن التطورات الأكثر دراماتيكية قد حدثت بعد 1500، نتيجة للتطورات في التقنية العسكرية التي وصفها المؤرخون بالثورة العسكرية. لقد أجبر سباقُ التسلُّح على نطاق القارة، الذي نجم عن اختراع البارود؛ أجبر الحكَّامَ على الاستثمار في زيادة القدرة المالية والإدارية.

ومن أجل الدفع في سبيل جيوش أكبر حجمًا؛ يجب فرض ضرائب جديدة، وإنشاء نظام دائم للاقتراض الحكومي. وعلاوة على ذلك؛ حدث تحوُّلٌ عن النظم الضريبية المخصصة والإقطاعية واللامركزية؛ والتحرك نحو توحيد المعايير والمركزية. وبدلًا من الاعتماد على ضرائب الفلاحين، التي تقوم الكنيسة أو شركات تجارية برفعها نيابة عنهم؛ فقد استثمر الحكام في البيروقراطيات الواسعة للقيام بذلك مباشرة. كانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكنهم معها أن يدفعوا ثمن الجيوش المتزايدة.

يقدّم حجمُ الجيوش الأوروبية إدراكًا بحجم التحوُّل. فالجيوش التي تحاربت في حرب المائة عام بين إنجلترا وفرنسا معدودة عمومًا بالآلاف. وعندما جمع الفرنسيون قوة تجاوزت بصورة ملحوظة حاجز العشرة آلاف جنديًّا في معركة أجينكورت عام 1415؛ كان ذلك حدثًا غير عادي، ومع ذلك فقد هُزم من قِبَل قوَّة إنجليزية أقل منها بكثير.

وبحلول بداية القرن الثامن عشر؛ قاد القادة الإنجليز والفرنسيون جيوشًا تصل إلى مئة ألف. وفي عهد لويس الرابع عشر؛ كان الحجم الإجمالي للجيش الفرنسي في الميدان أربعمئة ألف.

دَفْعُ ثمنِ هذه الجيوش الضخمة – وعلى حد سواء دفع تكلفة سلاح الأساطيل البحرية التي أنشئت في وقت مبكر من الدول الحديثة -؛ تطلَّب زيادةً كبيرة في الإيرادات الضريبية. فبين الثورة المجيدة في 1688، واختتام الحروب النابليونية عام 1815؛ زادت الإيرادات الضريبية التي جنتها المملكة البريطانية بمعدل 15 مرة. ومع نمو إجمالي للناتج المحلي بنحو ثلاث مرّات؛ فإن هذا يمثل تضاعفًا خماسيًّا للحكم النسبي للدولة. كما نجحت دولٌ أوروبية أخرى في زيادة حجم إيرادات الضرائب التي جمعتها زيادةً كبيرة (على الرغم من أن البعض، مثل فرنسا؛ لم يتمكن من تحقيق ذلك بالمعدل المطلوب لمواكبة ارتفاع النفقات).

والتحولاتُ المؤسسية الدرامية التي تحدث مع هذه التغيّرات؛ هي ما يعرف باسم: صعود الدولة المالية – العسكرية، التي أدّى ظهورها إلى نشوب حروب مكلفة واسعة النطاق. إن القدرة العسكرية والإدارية الهائلة للدول الحديثة في وقت مبكر تعني أيضًا أن لديها القدرة على اصطياد الهراطقة بصورة أكثر فعالية من أسلافهم في القرون الوسطى. فحكَّام مثل هايسبورغ الثاني في هولندا، وماري الأول في إنجلترا؛ أحرقوا مئات الأشخاص من أجل معتقداتهم الدينية.

بالنسبة للدول ذات البيروقراطيات وجامعي الضرائب الموظفين؛ فإن معاملة الجميع على قدم المساواة، ببساطة؛ كانت أقلَّ تكلفةً.

وعلى أي حال؛ فإن تأثير هذه التغيرات على المدى الطويل قد قوَّض الدين كأداة للشرعية السياسية، وعمل على استبدال قوانين أكثر عمومية بالاعتماد القديم على قواعد الهوية. فالدولة الحديثة الجديدة التي ظهرت في أوروبا بعد 1600 قد أخضعت جميعَ مصادر السلطة البديلة – النبلاء، والكنيسة – لسلطة واحدة ذات سيادة. وأصبحت شرعيةُ الدين أقلَّ أهمية كمصدر للشرعية السياسية. ولمَّا كانت الدولُ تعتمد على السلطة الدينية بدرجة أقل؛ فقد أصبحت أقلَّ ميلًا إلى الاهتمام بتطبيق الاستقامة الدينية.

يوضّح الكاردينال ريشيليو هذه التطورات. دمَّر ريشيليو السلطةَ المستقلة للنبلاء في فرنسا. لقد وسَّع جدًّا من سلطة النظام الملكي. وعلى الرغم من ذلك فقد رفع الكاردينال مصالح فرنسا على مصالح الإيمان الكاثوليكي. جزءٌ مهم من هذا الإنجاز ينطوي على تدمير القوة العسكرية المستقلة للهوغينوت، أو البروتستانت الفرنسي. وكما سحق ريشيليو “الدولة داخل الدولة” للهوغينوت؛ فإنه قد ضمن أيضًا حقَّهم في العبادة وفق الاعتقاد البروتستانتي. أصبح الدين نشاطًا خاصًّا، بدلًا من أن يكون مصدرًا بديلًا للسلطة السياسية. بكل بساطة؛ جاءت حريةٌ دينيةٌ أكبرُ كثمنٍ للسلطة السياسية للدين.

أدّت عملية المركزة والبيروقراطية إلى نتائج مهمة أخرى. فقد كانت تعني وجوبَ التخلي عن قواعد الهوية. وفي مكانها؛ وضعت الدولةُ قواعد أكثر عمومية. فقدت النقابات امتيازاتها الاحتكارية. وأصبحت النظمُ القانونية موحَّدةً بصورة متزايدة، والضرائب أكثر تنظيمًا. فبالنسبة للدول ذات البيروقراطيات وجامعي الضرائب الموظفين؛ فإن معاملة الجميع على قدم المساواة، ببساطة؛ كانت أقلَّ تكلفةً. وأصبحت القواعد التمييزية ضد الكاثوليك والبروتستانت واليهود زائدة عن الحاجة مع مرور الوقت، أو جرى التخلص منها في نهاية المطاف. وعلى الرغم من أن عملية التسوية كانت تدريجية ومتقطعة؛ فقد أثبتت عملية التسوية هذه أنها صلبة، وعلى المدى الطويل: لا رجعة فيها.

وقد حاولت بعض الدول فرضَ الاستقامة الدينية بالقوة. فوضعت سلالة هايسبورغ في أسبانيا محاكم التفتيش وطردت سكّانها اليهود والمسلمين. وطرد لويس الرابع عشر الهوغينوتس من فرنسا. ولكن هذه المحاولات للعودة إلى القرون الوسطى عبر التوحيد الديني أدت إلى أخطاء باهظة، وساعدت على إضعاف الأنظمة والحكومات التي قامت بها.

إن قيام دول “علمانية” قوية نسبيًّا لم تعد معه الحاجة إلى شرعية دينية؛ حوَّل التوازن السياسي لصالح الحرية الدينية وتفكيك النظام القديم لقواعد الهوية. وبمجرد حدوث هذا التغيّر المؤسسي؛ تحوَّل الرأي النخبوي لصالح الحرية الدينية.

وتقدّم حالةُ اليهود مثالًا مهمًّا على كيفية حدوث الحرية الدينية تاريخيًّا. ففي عام 1782؛ أصدر الإمبراطور هايسبورغ جوزيف الثاني واحدًا من أول مراسيم التسامح مع اليهود في قارة أوروبا. وقد منح القانونُ حقوقًا مدنية معينة لليهود بشرط إدماجهم مع بقية السكان كمواطنين فاعلين. لم يصل ذلك إلى حد تقديم المساواة الكاملة لليهود، ولكنه شكّل تغييرًا جذريًّا في الطريقة التي تعومل بها مع اليهود. وقد جاء الدافعُ نحو التحرير بصورة أقل من خلال الالتزام بمبدأ المساواة الدينية، وبصورة أكثر من خلال الاعتراف بأن الإبقاء على النظام القديم بالاعتماد على قواعد الهوية قد فرض تكاليفَ اقتصادية وسياسية كبيرة. فقد اقتنع جوزيف الثاني بكتابات كريستيان فيلهلم فون دوهم، الذي كان يجادل بأن الأنظمة القائمة تقيِّد الحياة اليهودية، مما يجعل الشعب اليهودي غير منتج كمواطنين وعمّال. وقال إن تحرير اليهود من القوانين التمييزية من شأنه أن يعزّزَ الاقتصاد.

كانت إصلاحات جوزيف مثيرة للجدل. لكن فرنسا الثورية تبنَّت سياساتٍ مماثلة، وسرعان ما صدَّرت ذلك إلى الكثير من دول أوروبا الأخرى. وكانت نتائج هذا التحول مثيرة. لقد جرى استبعاد اليهود من معظم الصناعات والمهن، ومُنِعوا من الجامعات، ومن القانون، ومن عضوية النقابات. ونتيجة لذلك فقد اقتصر اليهود إلى حدٍّ كبير على الحِرَف، مثل الربا، وبيع التجوُّل. وكان غالبية اليهود في أوروبا يعيشون في غيتوهات، وكانوا فقراء ومعدمين. بعد التحرر؛ تغيَّر هذا كله في غضون جيل. دخل اليهودُ التعليمَ العالي والصناعة والتجارة على نطاق واسع.

كما أدّت هذه الزيادة في الحرية الدينية إلى تغيير الحياة الثقافية والفكرية لأوروبا. فبين العصور الوسطى والعصر الحديث؛ كانت الثقافة الفكرية اليهودية، في نواحٍ كثيرة؛ مهملةً في أوروبا المسيحية – على الرغم من عبقريات استثنائية مثل سبينوزا أو موسى بن ميمون. وقد أدّى تحريرُ الجالية اليهودية في أوروبا إلى ازدهار هائل في الإنجاز الفكري والفني لليهود، مما أدى إلى إثراء المجتمع الأوروبي.

بدأت الحرية الدينية تبدو بصورة أقل: وصفةً للاضطراب الاجتماعي والحرب الأهلية، وبصورة أكثر: اقتراحًا مربحًا للجانبين.

استكملت التغييراتُ الاقتصادية صعودَ الحرية الدينية، وأبرزها بداية النمو الاقتصادي الحديث. وكما في المثال اليهودي؛ فإن حريةً أكبر تسمح للأقليات الدينية بالازدهار. جلب البروتستانت الفرنسيون الذين طردهم لويس الرابع عشر مهاراتٍ متقدمةً وخبرات صناعية إلى إنجلترا وهولندا وبروسيا. وفي الثورة الصناعية البريطانية؛ كان الكويكرز وغيرهم من المعارضين الدينيين مُمَثَّلين تمثيلًا زائدًا بين رجال الأعمال والمقاولين والمبتكرين.

وكانت العواقب غير المباشرة للانتقال من قواعد الهوية إلى قواعد عامة؛ أكثرَ أهمية. فقد حدَّت قواعدُ الهوية من نطاق التجارة وتقسيم العمل. وبما أن قواعد الهوية قد أزيلت – حيث فقدت النقابات السلطة، وفقدت المدن ومجالس اللوردات قدرتَهم على فرض رسوم داخلية على التجارة-؛ فقد توسّعت التجارةُ والأعمال.

وأدّى نموُ التجارة بدوره إلى تعزيز الاتجاه نحو الليبرالية. فالتجارة، كما جادل مفكِّرو التنوير كمونتسيكيو؛ تشجِّع الأفراد على رؤية العالم من خلال عدسة إيجابية محصِّلَتُها من التفاعل المتبادل للمنفعة، بدلًا من عدسة صفرية محصِّلَتُها من الصراع. فبدأت الحرية الدينية تبدو بصورة أقل: وصفةً للاضطراب الاجتماعي والحرب الأهلية، وبصورة أكثر: اقتراحًا مربحًا للجانبين.

ما انعكاسات حُجَّتِنا على العالَم الحديث؟ الأكثرُ أهميةً ربما هو الحاجة إلى الاعتراف بأن الأفكار الليبرالية ليست بالضرورة مسئولة عن ظهور مجتمعات ليبرالية. فبدلًا من ذلك؛ أدّى صعود نوعٍ جديد من التنظيم السياسي، والدولة الحديثة، لأسباب خاصة؛ إلى حكّام ينفذون قواعد عامة للسلوك – قواعد تتنافى مع التمييز الديني.

ينظر البروتستانت غالبًا إلى حركة الإصلاح باعتبارها تفسّر أصول الحرية الدينية. لكن مثال كالفن وكاستيليو يشير إلى أن البروتستانتية نفسها لم تكن علامة في الطريق إلى الحرية الدينية. الأساطير الوطنية الأمريكية غالبًا ما تعزو أصولَ الحرية الدينية إلى البوريتانيين الذين فرُّوا من الاضطهاد في إنجلترا واستقروا في نيوإنجلاند. لكن البوريتانيين كانوا يعتقدون في الحرية الدينية للبوريتانيين فقط، فقد كانوا أكثرَ صرامةً في تطبيق الاستقامة الدينية من العديد من الدول الأوروبية. لم يتَّبِع التبنّي الفعليُّ لأية ممارسة ذات معنى للحرية الدينية حُجَجَ الفلاسفة، ولا كان نابعًا من طبيعة الإيمان البروتستانتي، ولكن كان نابعًا من الاستحالة السياسية لتحقيق التوافق الديني بعد عام 1600، مع إفشاء البروتستانتية لمزيد ومزيد من الطائفية.

وأخيرًا؛ فإن تاريخ كيف جاءت الحرية الدينية؛ هو تذكيرٌ بأن الالتزام بالقيم الليبرالية وحدها لا يكفي للازدهار الليبرالي. فإنه يتطلب أساسًا سياسيًّا واقتصاديًّا مناسبًا. وكما تشير تجربة ألمانيا في الثلاثينيات؛ فإنه يمكن للاضطهاد الديني أن يعيد الظهورَ بسرعة. فلا يمكننا الاعتمادُ على الأفكار الليبرالية وحدها كي تكون فعّالةً. وإذا كنَّا نقدّر الحريةَ الدينية والإنجازاتِ الأخرى لليبرالية؛ فإنه يجب علينا أن نتطلع إلى حيويةِ أُسُسِها المؤسسية.

 

 

 




([2]) أستاذ الاقتصاد المشارك في جامعة جورج ماسون، وكبير باحثين في مركز ميركاتوس. وهو المؤلف المشارك، مع نويل جونسون، لكتاب: الاضطهاد والتسامح: الطريق الطويل إلى الحرية الدينية. (يصدر قريبًا، 2018).