السبت، 29 سبتمبر 2018

الجامعة اللبنانيّة والتحوّلات البنيويّة المصيريّة؛ مشير باسيل عون




الجامعة اللبنانيّة والتحوّلات البنيويّة المصيريّة
مشير باسيل عون

تردّدتُ قبل الشروع في كتابة هذا المقال لأنّ النقاش الناشط في شأن الجامعة اللبنانيّة سلك مسالك خطيرة أضحى الكلام فيها معرَّضًا للانحراف في التفسير والتحامل على المقاصد. في نهاية المطاف عقدتُ العزم على الإفصاح عمّا أستنسبه من تفكّر فلسفيّ مسؤول، علَّ الإسهام الفكريّ النزيه يرتقي بالنقاش إلى المستوى الذي ينبغي أن يرنو إليه. في مقصدي أن أضع مثل هذا النقاش في سياق التناول الفلسفيّ الأرحب وأقرنه بالتفكّر الرصين في وقائع الاجتماع اللبنانيّ. من الثوابت في قضيّة الجامعة اللبنانيّة أنّ واقعها لا ينفصل عن الواقع اللبنانيّ الراهن، وأنّ النظر في مشاكلها إمّا أن يذهب مذهب الاعتراف والإقرار والعزم على الإصلاح، وإمّا أن ينحو منحى المكابرة والإسقاط الأيديولوجيّ المغرض. من الواضح أنّ جميع الجامعات تتعرّض لانتكاسات وتعثّرات، ويشوب أداءها بعضٌ من التقصير، ويعتورها شيءٌ من الاضطرب المسلكيّ والبنيويّ. غير أنّ مثل هذه المعايب، حين تصيب جامعةً كالجامعة اللبنانيّة، تتفاقم آثارُها لأنّ التركيبة البشريّة فيها منبثقةٌ من صميم الاجتماع اللبنانيّ الفسيفسائيّ. وللمرء أن ينظر إلى الفسيفساء إمّا نظرة إعجاب وامتداح، وإمّا نظرة تقبيح وذمّ. ونحن جميعُنا نعلم أنّ الجامعة اللبنانيّة تكابد من الصعوبات البنيويّة والمسلكيّة ما يوشك أن يرهقها ويصدّها عن الاضطلاع بمسؤوليّتها الأكاديميّة. من بعد التأمّل في طبيعة هذه الصعوبات، تبيّن لي أنّ المشكلة الأخطر التي توشك أن تضعضع بنيان الجامعة اللبنانيّة تكمن في غلوٍّ وانحراف وتراخٍ.
أمّا الغلوّ، فهو في الإصرار على إدارة ممركزة حصريّة تفصيليّة مباشرة لمؤسّسة تضمّ حوالى 80000 طالب وطالبة، وحوالى 7000 أستاذ وأستاذة، وحوالى 2000 موظّف وموظّفة. في المنطق الإدرايّ البحت، أضحى مثل هذا التكاثر لا يطيقه نظامُ الإدارة المركزيّة الواحدة. أمّا في المنطق الاجتماعيّ الثقافيّ اللبنانيّ، فإنّ الديمُغرافيا الراهنة تضطرّ إدارة الجامعة إلى تجاوز أعراف المناصفة الطائفيّة. والظنّ أنّ معايير الكفاءة العلميّة هي وحدها التي ينبغي أن تُعتمد في الانتماء إلى الجامعة اللبنانيّة. هذا القول يصحّ في المجتمعات الموحّدة، ولا يصحّ على الإطلاق في الاجتماع اللبنانيّ الفسيفسائيّ. وليس يُبطل هذه الفسيفساء اعتمادُ المعايير الأكاديميّة في التوظيف الجامعيّ. هذا إنْ اعترف الجميعُ بأنّ الأساتذة الذين يتعاقدون مع الجامعة اللبنانيّة منذ نهاية الحرب اللبنانيّة هم في أغلبهم من أهل الاستحقاق العلميّ الوطيد. النتيجة الوحيدة لاعتماد المعايير الأكاديميّة وحسب هي تهميش المسيحيّين في الجامعة اللبنانيّة لأنّ الاختلال الديمُغرافيّ سيُفضي إلى مثل هذا الواقع الجديد. أمّا إذا اقترنت المعايير الأكاديميّة بمستلزمات المعايشة اللبنانيّة الحقيقيّة، على غرار ما يجري في المجتمعات المتنوّعة (سويسرا، بلجيكا، كندا، ألمانيا)، فإنّ المجتنى يكون أنضج وأخصب وأشدّ قابليّةً للإعمار الإنسانيّ الفكريّ الراقي.
قد تباغت هذه المقاربةُ بعضًا من زملائي في الجامعة، وهم يعلمون أنّي من دعاة العَلمانيّة الهنيّة في لبنان وفي أوطان العالم العربيّ. بيد أنّ النظر المتأنّي في طرحي سيبيّن مدى ثباتي على مبدإ العَلمانيّة الهنيّة. يقيني أنّ الحلّ الواقعيّ الأنسب هو في الزمن الراهن هذه العَلمانيّة الهنيّة، وفي صلب مقتضياتها أن يصون المرءُ التنوّعَ الإنسانيّ في المجتمع، من غير أن ينتصب التصوّرُ الدينيّ الواحد مرجعيّةً حصريّةً في تدبّر المجال العموميّ اللبنانيّ. ذلك بأنّ الاجتماع الساميّ المشرقيّ العربيّ يصعب عليه الانتقالُ من التديّن الفطريّ الذي اختبره منذ أقدم العصور إلى العَلمانيّة الشاملة التي اعتمدتها معظمُ المجتمعات الغربيّة. وفي ظلّ الاحتراب الأيديولوجيّ الضارب في عمق المجتمعات العربيّة لا يمكن المجتمع اللبنانيّ أن ينأى بنفسه، فينصرف إلى عَلمانيّة شاملة في بضع من السنوات. فالطوائف اللبنانيّة، شئنا أم أبينا، ما فتئت هي مصدر الانتماء الأوّل في الوعي الفرديّ اللبنانيّ، وهي مرجع تكوّن الهويّة الذاتيّة، وهي مستند التصوّر الذاتيّ للكون وللإنسان وللتاريخ. وما من دليل على أنّ اللبنانيّين الذين يعيدون إنتاج طبقتهم السياسيّة الطائفيّة يريدون حقًّا أن يبدّلوا في مسالك ذهنيّتهم. ومن ثمّ، فإنّي أنادي بعَلمانيّة هنيّة تضع المجال العموميّ اللبنانيّ في نجوة من هيمنة التصوّرات الدينيّة الذاتيّة، وتسيّجه بأحكام الحياد التشريعيّ، ولكنّها تصون للطوائف اللبنانيّة ذاتيّتها، وتهبها القدرة على الإسهام الإيجابيّ في تهذيب الفسيفساء اللبنانيّة وصقلها وتعزيز بهائها. إنّها العَلمانيّة التي لا تطلب شيئًا لذاتها، بل جلّ مقاصدها أن تحمي الطوائف من غلوائها ومن محن استبداداتها ومن تجارب انحرافاتها. هي العَلمانيّة التي تعصم اللبنانيّين من الاحتراب لأنّها تصون الذات في كلّ ذات جماعيّة، وتراعي الاختلاف، وتعزّز التحاور والتفاعل والتعاون والتقابس. هي عَلمانيّة تقتطف محاسن العَلمانيّة الراديكاليّة الغربيّة ومحاسن الطائفيّة الراديكاليّة المشرقيّة، وتجتنب مساوئهما على حدّ السواء. ليست هي عقيدةً من العقائد، بل وظيفةٌ معياريّةٌ بها ينضبط وينتظم الحيادُ الإيجابيّ في المجال العموميّ اللبنانيّ.
العَلمانيّون الراديكاليّون الذين يريدون للجامعة اللبنانيّة في هذا السياق المتأزّم أن تعتمد حصرًا المعايير العلميّة في اختيار الأساتذة يفوتهم أنّ الجامعة اللبنانيّة يأتي إليها أناسٌ هم من نسيج الاجتماع اللبنانيّ الفسيفسائيّ الذي تنتظم أحكامُه وفاقًا للدستور اللبنانيّ الطائفيّ وللأعراف الطائفيّة السائدة في تأوّله. إصرارُهم على العَلمانيّة الراديكاليّة في الجامعة اللبنانيّة، في حين أنّ المجتمع اللبنانيّ كلّه سائرٌ اليوم في خلاف هذا الاتّجاه، يعني عمليًّا عزل اللبنانيّين المسيحيّين وعزل اللبنانيّين العَلمانيّين أنفسهم عن الاشتراك في تحمّل مسؤوليّة الجامعة اللبنانيّة. من حسنات طرحهم أنّهم يساعدون على تنقية الوعي اللبنانيّ من أضرار الطائفيّة. أمّا الطائفيّون الراديكاليّون، فإنّهم يحافظون على التوزيع الطائفيّ المختلّ باختلال الديمغرافيا اللبنانيّة، ولكنّهم يمعنون في مناصرة مصالح الطائفة وإسقاط مصلحة الجامعة اللبنانيّة، ويفاقمون التقوقعَ الطائفيّ الذي يُفضي حتمًا إلى التصارع الطائفيّ على المناصب وإلى إزكاء الفتنة والاحتراب والتقاتل.
من التطبيقات العمليّة لهذه العَلمانيّة الهنيّة في قرائن الجامعة اللبنانيّة أن يُصار فيها إلى تعزيز التنوّع على أساس الوحدة المصيريّة، وإلى مناصرة الانفتاح على أساس الانتماء المشترك، وإلى رعاية الاختلاف على أساس المسعى الفكريّ الثقافيّ الأكاديميّ الأسمى. هذا كلّه لا يتأتّى للجامعة اللبنانيّة وهي على هذه الحال من الاضطراب الكيانيّ ومن استرهاب التنوّع. عندما كانت الجامعة اللبنانيّة في مهد تأسيسها حاضنةً للنخبة من الطلّاب اللبنانيّين في قرائن الديمغرافيا السائدة في الستّينيّات من القرن العشرين، لم تكن بها حاجةٌ إلى الانتشار والتكاثر. أمّا اليوم، فالحال مختلفةٌ في لبنان، ديمغرافيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا. ومن أخطر التبدّلات الاجتماعيّة تضاؤل أعداد اللبنانيّين المسيحيّين، وتضاعف أعداد اللبنانيّين المسلمين، واندثار الانتماء العَلمانيّ الحقيقيّ الذي كان يحلم به دعاةُ التنوير والإصلاح في الاجتماع اللبنانيّ والعربيّ الحديث. فإذا أراد اللبنانيّون المسلمون، وأخصّ منهم اللبنانيّين الشيعة الذين يضطلعون اليوم بمسؤوليّة إدارة الجامعة اللبنانيّة بحسب التوزيع الطائفيّ السائد، أن يصونوا التنوّع اللبنانيّ في صلب البنى الأكاديميّة والإداريّة في الجامعة اللبنانيّة، كان عليهم أن يسارعوا إلى تعديلات خطيرة في نظام الجامعة اللبنانيّة، ومنها اعتماد معيار الكفاءة العلميّة مقترنًا اقترانًا وثيقًا بمعيار المناصفة العادل، وتعزيز اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة المنفتحة، والاضطلاع بجماعيّة المسؤوليّة المشتركة على نحو ما هو سائدٌ في الإدارة اللبنانيّة. بناءً على هذا التعديل الجوهريّ، يكون الوقت قد آن لتشريع بعض من الاستقلاليّة الإداريّة في الفروع بحيث تنشأ لنا جامعاتٌ لبنانيّةٌ في مستوى المحافظات يجمعها المسعى الأكاديميّ الواحد، والحرصُ التنوّعي الصادق، والمسؤوليّةُ الوطنيّة المرهفة، ويظلّلها مجلسٌ أكاديميّ أعلى يشرف فيها على الروح والجوهر والأسُس والأصول والمبادئ، ويرئسها نوّابٌ لرئيس الجامعة على غرار ما يجري في إدارة مصرف لبنان. أمّا التدابير الإداريّة، فيضطلع بها كلّ مجمّع على حدة. وعلى مثال المدن الإنسانيّة الراقية التي تفرّعت فيها الجامعةُ الواحدة إلى جامعات متعاضدة متكافئة متكاملة، تنصرف كلُّ جامعة لبنانيّة، وقد استرشدت خطّة التوجيه التي يضعها المجلسُ الأكاديميّ الأعلى، إلى تعزيز هذا المنحى العلميّ أو ذاك، وإلى التعمّق في هذا الحقل المعرفيّ أو ذاك، واضعةً طاقاتها في خدمة حاجات المحافظة التي تنتشر فيها. في هذا الاقتراح جرأةٌ كبيرةٌ أستمدّها من خلفيّة تصوّري للواقع اللبنانيّ الأرحب. فالجميع يدركون أنّ الاختلال الديمغرافيّ في لبنان قد يُفضي إلى انعزال اللبنانيّين المسيحيّين وانكفائهم عن المشاركة في المسؤوليّة الوطنيّة. وفي هذا أفدحُ الخسائر للرسالة اللبنانيّة الحضاريّة. وحده فعلُ الاستثناء الحضاريّ يمكنه أن يصون الواقع اللبنانيّ من هذا الانهيار. أعني بهذا الفعل أن يعمد أهلُ الكثرة اللبنانيّة، وفي مقدّمتهم اللبنانيّون الشيعة واللبنانيّون السنّة، إلى فعل تضحية حضاريّة أو إخلاء كيانيّ راقٍ يُملي عليهم فصلَ التكاثر الديمغرافيّ عن الاستئثار بالمجال العموميّ واحتكار الإدارة ومضاعفة القوّة. بفضل هذا الفعل الحضاريّ الخطير يتيح الدهر للبنان أن ينجو من منعطفات التاريخ المقبلة عليه، وتستطيع الإدارةُ اللبنانيّة أن تصون ذاتها من الغلوّ الفتّاك، ويتهيّأ للجامعة اللبنانيّة أن تستمرّ وتزهو وتتألّق. ليس في ذلك استعطاءٌ أو استرحامٌ للبقيّة الباقية من اللبنانيّين المسيحيّين، بل استنهاضٌ للواجب الوطنيّ الذي ينبغي أن تستهدي به الجماعاتُ اللبنانيّة المسلمة. ذلك بأنّ اختلال التوازن الطائفيّ في الجامعة اللبنانيّة، وهي موئلُ التفكير النقديّ والإبداع الحضاريّ في صون الهويّة اللبنانيّة وصون مبدإ التنوّع في الثقافة العربيّة وفي المجتمعات العربيّة، ينبئ عن اختلال التوازن الطائفيّ في البنية اللبنانيّة بأجمعها. وليس ينفع اللبنانيّين المسيحيّين أن يتعزَّوا بجامعاتهم الخاصّة لأنّها لن تقوى على صون الإسهام الفكريّ المسيحيّ في لبنان وفي العالم العربيّ إنْ سقط الإسهامُ الفكريّ المسيحيّ في الجامعة اللبنانيّة. وهو ساقطٌ إذا ما أصاب المسيحيّين في الجامعة اللبنانيّة إضعافٌ وإرباك وتهميشٌ فعزلٌ وإقصاءٌ.
هذا في الغلوّ وفي عواقبه وفي سبُل الانعتاق منه. أمّا الانحراف، فيتجسّد في انصراف جمع غفير من أساتذة الجامعة اللبنانيّة إلى المبايعة السياسيّة والمذهبيّة بحيث يعلو عندهم الانتماءُ الحزبيّ على أولويّات العمل الأكاديميّ البحت. ولكَم يذهلني أن أعاين أساتذةً لامعين متألّقين في ميادينهم العلميّة يُسلمون أمرهم لأولياء البلاطات السياسيّة الحزبيّة، فيلتئمون في المجالس الأكاديميّة في حضن الجامعة اللبنانيّة، وديدنهم أن يعزّزوا موقع هذا الحزب أو ذاك، أو هذه الطائفة أو تلك، أو هذا المذهب أو ذاك. وفي ظنّهم أنّ من أفضل السبُل انتصارًا لهويّتهم ولذاتيّتهم ولمنعتهم الجماعيّة الاستماتة في تفريغ أساتذة ينتمون حصرًا إلى أحزابهم ومذاهبهم، ولا ينطقون إلّا بما يمليه عليهم السلطانُ السياسيّ أو الدينيّ. حين تقتنع الأكثريّة اللبنانيّة بفوائد مثل هذا الفعل الحضاريّ، يعود الالتزام السياسيّ في الاجتماع اللبنانيّ وفي الجامعة اللبنانيّة مصدرَ إلهام وإصلاح وتغيير. أمّا ما أعاينه اليوم في الجامعة اللبنانيّة، فيخالف أبسط مبادئ الالتزام الأكاديميّ والالتزام السياسيّ. فكيف يستطيع الأستاذ الجامعيّ أن يوفّق بين منطق التفكير العلميّ الحرّ ومنطق الائتمار السياسيّ الأيديولوجيّ ؟ أفلم يتّعظ الجسمُ الأكاديميّ من التأمّل في الخيبات الوجوديّة الصاعقة التي جناها كبار أهل الفكر من مخالطة سلاطين الاقتدار السياسيّ ؟ فها هوذا أفلاطون يجرّ أذيال الخيبة من تجربته المريرة في جزيرة صقلية (سيراكوزا) حين زُيِّن له أنّه يستطيع أن يؤثّر تأثيرًا فكريًّا صالحًا في نسيب الملك المعَدّ لوراثة السلطان، فإذا به يهان ويساق عنوةً ويرمى في سوق النخاسة عبدًا للبيع والشراء ؟ وها هوذا هايدغر المفكّر الألمانيّ الشهير يختبر مرارة الائتمار بالسلطان النازيّ حين قبل رئاسة الجامعة في فرايبورغ، فلم يتورّع عن الاستقالة بعد بضعة أشهر، وفي يقينه أنّه أخضع نفسه في لحظة تخلٍّ مريرة للابتزاز والتهديد والتآمر. وها هوذا المفكّر الفرنسيّ الذائع الصيت بول ريكور ينكفئ من جامعة باريس إلى جامعة نانت الهادئة صونًا لنفسه من انحرافات اليسار السياسيّ الذي كان يحاصر العاصمة الفرنسيّة في أيّار 1968 ويضرب عليها طوقًا من الأيديولوجيا المتطرّفة. يقيني أنّ الأستاذ الجامعيّ لا يجوز له أن يخضع للأيديولوجيا السياسيّة، مهما علا شأنها واتّسقت أحوالُها في زمن من الأزمنة لأنّ مقتضيات التفكير الحرّ تناقض مسلّمات المبايعة. ولا يجوز له أن يخضع للسلطة الدينيّة لأنّها تحرمه من حرّيّة النظر الموضوعيّ في وقائع الوجود.
كرامةُ الأستاذ الجامعيّ حرّيّتُه الذاتيّة واستقلاليّتُه الفكريّة وفرادتُه الأخلاقيّة. فكيف يجوز، والحال هذه، أن يجري تعيين المسؤولين في الجامعة اللبنانيّة من رؤساء وعمداء ومدراء على أساس التأييد السياسيّ، فيما المنطق السليم يستوجب الانتخاب الحرّ من قبل الأساتذة أنفسهم، بشرط مراعاة معيار الكفاءة العلميّة وصون مقتضيات المناصفة الحضاريّة ؟ تُبكيني مسرحيّاتُ الانتخاب في مجالس الجامعة اللبنانيّة حيث يُعيَّن الرئيسُ أو العميدُ أو المديرُ وينصَّب سياسيًّا، ومن ثمّ يُنتخب انتخابًا مسرحيًّا. وليس لأحد الجرأة على التنديد بهذه المراءاة التمثيليّة. فإذا أصلحت الجامعة من نظامها، من بعد أن يقتنع أهلُها بالتحوّل البنيويّ الذي أقترحه، أمكن القول بأنّ هذه العمادة أو تلك تعود مداورةً لهذه الطائفة أو تلك، وبأنّ الأكفأ والأنزه والأعلم من هذه الطائفة أو تلك هو الذي يتسابق الأساتذةُ ديمقراطيًّا إلى انتخابه. حيئنذ تعود السلطة السياسيّةُ لا تعيّن أساتذة الجامعة اللبنانيّة ورؤساءها وعمداءها ومدراءها، بل يفرز منطقُ الكفاءة ومنطقُ المعايشة الحضاريّة الراقية أفضلَ الأساتذة للانتخاب المباشر من القاعدة. فإذا كان النظام السياسيّ اللبنانيّ مبنيًّا في جميع دوائر القرار على أصل التوزيع الطائفيّ المنصف، فلماذا لا ينقلب النظام الإداريّ في الجامعة اللبنانيّة شبيهًا بهذا النظام السياسيّ، مراعيًا خصوصيّات الاجتماع اللبنانيّ، حريصًا على ربط المناصفة الطائفيّة العادلة بمعايير الكفاءة العلميّة الراسخة ؟
أمّا التراخي، فأحمله على وجوه شتّى. ثمّة تراخٍ في قبول الأساتذة الجدُد، وتراخ في قبول الطلّاب، وتراخٍ في تجديد البرامج، وتراخٍ في وضع المعايير الأكاديميّة الصارمة وضبط سقوف المعدّلات، وتراخٍ في محاسبة الأساتذة على إنتاجهم العلميّ والموظّفين على أدائهم المهنيّ، وتراخٍ في ضبط شؤون الإدارة، وتراخٍ في ترقية الأساتذة، وتراخٍ في تصنيف الشهادات الآتية من الجامعات الخاصّة، وتراخٍ في تجويد التدريس ولاسيّما في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة والتربويّة المدعوّة زورًا بالعلوم الرخوة، فيما الاجتماعُ اللبنانيّ يعوزه النضجُ الإنسانيّ الذي تضمنه له تنشئةٌ نبيهةٌ رصينةٌ راقيةٌ في هذه العلوم. ولا شكّ في أنّ جميع العهود التي تعاقبت على الجامعة اللبنانيّة كانت تسعى إلى معالجة ضروب التراخي هذه. بيد أنّ الاستنساب في تشخيص مواضع التراخي، والتساهل في الإجراءات التأديبيّة، والتغاضي المتعمّد عن التجاوزات في كلّ حقل من حقول التراخي هذه، هو الذي أفضى بالجامعة اللبنانيّة إلى ما هي عليه من معاثر ومنقلبات. وإنّ أشدّ ما يعثّرني في ضروب التراخي هذه إعراضُ الجامعة اللبنانيّة عن استخدام اللغات الأجنبيّة في نقل المعارف إلى طلّابها، ولاسيّما في العلوم الرخوة. ويُذهلني أن يتخرّج الطلّاب في هذه العلوم وهم جاهلون لكنوز الفكر التي تختزنها آدابُ الحضارات الأخرى التي يعجز العرب عن نقلها كلّها إلى لغتهم نقلًا أمينًا مبدعًا. وتشتدّ المصيبةُ حين يبلغ هؤلاء الطلّاب مرتبة التعليم في الجامعة اللبنانيّة، وهم على هذا الوهن اللغويّ الفاضح. وفي موازاة ذلك، ترتضي الجامعة أن ينتمي إلى جسمها التعليميّ من استحصل على شهادةٍ في الدكتوراه من جامعة خاصّة لا تضع في صدارة معاييرها اكتساب لغة أجنبيّة عالميّة واحدة تهيّئ صاحب الشهادة للاطّلاع الحصيف على مضامين المعارف الكونيّة والآداب العالميّة. أمّا المصيبة الأدهي، فتأتينا في الجامعة اللبنانيّة من بعض الدكاترة المتخرّجين من الجامعات الخاصّة التي تمنحهم شهادة الدكتوراه، ولكنّها تمنع عنهم التدريس في كلّيّاتها، ولسان حالها يقول بدفعهم إلى الانتظام في الجسم التعليميّ في الجامعة اللبنانيّة على سبيل التوظيف الطائفيّ لأنّ ظنّهم بجامعتنا أنّها باتت تأوي لا النابغين من الفقراء الذين ظلمهم النظام الاقتصاديّ المتوحّش، بل فقراء العقول الذين لم يبذلوا الجهود الحثيثة في تأهيل أنفسهم لمثل هذه الرسالة النبيلة.
ليس ينفع أحدًا أن يكتفي بامتداح هذا الإنجاز أو ذاك ممّا تكتسبه الجامعةُ اللبنانيّة اليوم لأساتذتها ولطلّابها من رفيع المعارف ومختمر التنشئة، وهو ما فتئ موضع تقدير وتثمين لجميع محبّيها وأصدقائها. بيد أنّ محبّة الجامعة اللبنانيّة لا بدّ لها من أن تملي علينا الإسهام الطوعيّ المستنير في إصلاحها. والإصلاح عاد لا يستقيم بتكرار المعزوفات الرتيبة المملّة. وحدهما الاعتراف الصادق بخصائص الاجتماع اللبنانيّ، والجهر بإصلاح بنيويّ منبثق من فلسفة العَلمانيّة الهنيّة، يؤهّلان الجامعة للنهوض السليم، ويبثّان في شرايينها روح المبادرة البنّاءة. لقد نظر كثيرون في أحوال الجامعة اللبنانيّة، وأنشأوا الكثير من المشاريع الإصلاحيّة شارك في إعدادها نخبةٌ من أهل الفكر والعلم والقانون في الجامعة. غير أنّ هذه المشاريع ما تجرّأت على قول قولة الحقّ في خلفيّات الانعطاب البنيويّ في الجامعة اللبنانيّة. وهاءنذا أسوق هذا التحليل الدقيق، وأقترح هذا السبيل الخطير، وأناصر هذا الحلّ الاستثنائيّ. فحين يعترف أهلُ الجامعة اللبنانيّة بهذا الغلوّ وبهذا الانحراف وبهذا التراخي، نتنادى جميعُنا إلى تحاور بنّاء يعصم جامعتنا من الانهيار، ويرتقي بها إلى مصفّ الجامعات المستقلّة المسؤولة الواعية الملتزمة المنفتحة المتنوّعة. ما خلا ذلك، خبط عشواء في مسائل متشابكة ملتبسة تزهق النفس وتميت الروح ! وإذا لم نتناصر جميعًا على هذا الإصلاح، فإنّ الجامعة اللبنانيّة ستنقلب ربيبةَ المجتمع اللبنانيّ، تنطق بمنطوقه وتتعثّر بتعثّراته وتئنّ من مصائبه، في حين أنّها هي التي يوكل إليها أن تغدو مربّية المجتمع.
د. مشير باسيل عون
الخميس 30 آب 2018

فرانسيس فوكوياما؛ القبلية الجديدة والتقوقع على هوية «متجانسة»... وأزمة الديموقراطيّة




القبلية الجديدة والتقوقع على هوية «متجانسة»... وأزمة الديموقراطيّة

فرانسيس فوكوياما | منذ 5 سبتمبر 2018 / 03:00 - اخر تحديث في 4 سبتمبر 2018 / 20:56
(عن "الحياة")


قبل عقود قليلة، بدأ وجه السياسة الدولية يتغير تغيراً دراماتيكياً. فمنذ مطلع السبعينات الى العقد الأول من القرن الجاري، ارتفع عدد الديموقراطيات الانتخابية من نحو 35 ديموقراطية إلى أكثر من 110 أنظمة ديموقراطية. وفي المرحلة نفسها، تضاعف أربع مرات إنتاج العالم من السلع والخدمات، وطاول النمو أصقاع العالم كله. ونسبة الفقر المدقع انخفضت من 42 في المئة من مجمل سكان المعمورة في 1993 إلى 18 في المئة في 2008. لكن هذه المكاسب لم يقطفها الجميع. ففي عدد من البلدان، وفي الأنظمة الديموقراطية المتطوّرة على وجه الخصوص، تعاظمت هوة اللامساواة الاقتصادية. فمكاسب النمو قطفها الأثرياء والذين تابعوا تعليماً عالياً. وأفضى تعاظم حجم السلع والأموال وحركة الناس من مكان الى آخر، الى تغيرات سريعة ومزعزعة. ففي الدول النامية، وجد القرويون الذين لم يعرفوا الكهرباء في قراهم أنفسَهم يعيشون في مدن كبيرة يشاهدون التلفزيون ويتصلون بالإنترنت على هواتفهم الخلوية. ونمت طبقات وسطى ضخمة في الصين والهند - لكن العمل الذي زاولته الطبقات الوسطى [الجديدة] هذه تربع محل عمل الطبقات الوسطى الأقدم في الدول المتطورة. وانتقل التصنيع من الولايات المتحدة وأوروبا الى شرق آسيا وغيرها من المناطق، حيث كلفة اليد العاملة أرخص. وفي وقت كانت النساء تنتزع من الرجال في سوق العمل وظائف تغلب عليها الخدمات، حلّت الآلات الذكية محل العمال من أصحاب الكفاءات المتدنية. وهذه التغيرات أبطأت سيرورة المضي قدماً في تشريع أبواب النظام العالمي الليبرالي. [؟] ووجهت الأزمة المالية في 2007 - 2008 وأزمة اليورو في 2009 ضربات قاصمة إلى النظام هذا. وفي الحالين (الأزمة المالية العالمية وأزمة اليورو)، نجم عن سياسات صاغتها النخب ركود عظيم ومعدلات بطالة مرتفعة وانخفاض مداخيل ملايين من العمال العاديين. وكانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي النماذج الرائدة في الديموقراطيات الليبرالية. لكن الأزمتين هاتين ألحقتا الضرر بالنظام هذا كله.

وفي الأعوام الأخيرة، انحسر عدد الأنظمة الديموقراطية، وقوضت الديموقراطية في مناطق العالم كلها. وفي الوقت نفسه، فتل عدد من الدول المستبدة، على رأسها الصين وروسيا، عضلاته. وسارت دول بدا في التسعينات أنها ديموقراطيات ليبرالية ناجحة، القهقرى الى الاستبداد، ومنها هنغاريا وبولندا وتايلند وتركيا. وخلخلت الثورات العربية في 2010 - 2011 الأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط، لكنها لم تثمر إلا قليلاً من الديموقراطية. فالأنظمة الاستبدادية احتفظت بسلطتها، وعصفت الحروب الأهلية بالعراق وليبيا وسورية واليمن. لكن أكبر المفاجآت وربما أكثرها أثراً هي نجاح الشعبوية القومية في الانتخابات في 2016 في أقدم الديموقراطيات الليبرالية: المملكة المتحدة، حيث اختار الناخبون الانسحاب من الاتحاد الاوروبي، والولايات المتحدة حيث حاز دونالد ترامب نتيجة صادمة أو مزعزعة [رئيس يزدري أفكار وسياسات ومؤسسات هي في نواة السياسة الخارجية الأميركية ما بعد الحرب الثانية] في السباق الرئاسي الأميركي. وهذه التطورات تعود في شكل ما إلى الانعطافات الاقتصادية والتكنولوجية في العولمة. لكن جذورها تعود كذلك الى ظاهرة أخرى: بروز سياسات الهوية. ففي شطر راجح منه، غلبت على سياسات القرن العشرين المسائل الاقتصادية: إلى اليسار، كانت شؤون العمال والنقابات العمالية وبرامج الضمان الاجتماعي وتوزيع الثروات، محور السياسات. وإلى اليمين، كان مدار السياسة على تقليص حجم الحكومة وتغليب كفة القطاع الخاص. وعلى خلاف ما كانت حالها، لا تغلب على السياسة اليوم المشاغل الاقتصادية أو الأيديولوجية بل مسائل الهوية. واليوم، في عدد كبير من الأنظمة الديموقراطية، يولي اليسار الأولوية لترويج مصالح مجموعات مهمشة، مثل الأقليات الإتنية والمهاجرين واللاجئين ومجتمع المثليين والمثليات والمتحولين جنسياً، ولم تعد المساواة الاقتصادية شاغله الأول. ويرى اليمين اليوم أن مهمته هي حماية الهوية القومية التقليدية، وهذه مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعرق والإتنية أو الديانة.

وفي أصقاع العالم كله، يستميل القادة السياسيون المناصرين من طريق النفخ في فكرة بعث الكرامة ودرء المهانة. ولا يخفى أن مثل هذه الدعوات في الدول المستبدة قديمة. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وصف انهيار الاتحاد السوفياتي بالمأساة، وانتقد أميركا وأوروبا واتهمهما باستغلال ضعف روسيا في التسعينات لتوسيع الناتو. ويشير الرئيس الصيني شي جينبينغ، الى مرحلة الهيمنة الخارجية على الصين التي بدأت في 1839 بـ»قرن الذل». وبلغت عدوى النقمة والشعور بالمهانة والكرامة المجروحة البلدان الديموقراطية. فحركة «بلاك لايفز ماتر» انبثقت من تسليط الضوء على إرداء الشرطة أفريقيين أميركيين، ولفتت أنظار العالم الى ضحايا عنف الشرطة. وفي الجامعات والكليات والمكاتب في أنحاء الولايات المتحدة، ساد الغليان أوساط النساء نتيجة وباء تحرش جنسي واعتداءات، واستنتجت الإناث أن زملاءهن الرجال لا يرون أنهن أنداد لهم. وبرزت حقوق المتحولين جنسياً. وكثر ممن اقترعوا لترامب، يحنون الى وقت مضى، ويرون أن مكانتهم في المجتمع كانت حينها ثابتة وآمنة. فالمجموعات ترى أن هوياتها - سواء كانت هوية قوية أم دينية أو إتنية أو جنسية أو جندرية أو غيرها - لم تحز قدراً من الاعتراف يليق بها. ولم تعد سياسات الهوية ظاهرة ثانوية تقتصر على حرم الجامعات أو مناوشات هادئة الوطيس في»الحرب الثقافية»، بل صارت مفهوماً بارزاً وراء ما يجري في الشؤون الدولية. وهذا التغير يضع الأنظمة الديموقراطية الليبرالية أمام تحدٍّ بارز: فالعولمة حملت تغيرات اقتصادية واجتماعية سريعة، وعظمت تنوع هذه المجتمعات، فزاد الطلب على الاعتراف بمجموعات كانت غير مرئية وعلى هامش المجتمعات. وترتبت على هذه المطالب ردود مجموعات تشعر بخسارة المكانة والاقتلاع أو «الانزياح». وتتذرر المجتمعات الديموقراطية الى هويات ضيقة، ويهدد التذرر هذا إمكان المداولة والعمل الجماعي في المجتمع على أنه كيان موحد غير منفرط العقد. وهذه الطريق تفضي الى الإخفاق والانهيار. وإذا لم تفلح الأنظمة الديموقراطية الليبرالية في العودة الى مفهوم جامع للكرامة الإنسانية، حكمت على نفسها بالنزاعات المزمنة.

ويفترض معظم الاقتصاديين أن البشر تحفزهم الرغبة في حيازة موارد مادية وسلع. وجذور المفهوم هذا ضاربة في الفكر السياسي الغربي وأسس الدراسات الاجتماعية المعاصرة. لكن هذا المفهوم يغفل ما سبق للفلاسفة الكلاسيكيين أن أدركوا أهميته: الرغبة في الكرامة. ورأى سقراط أن مثل هذه الحاجة هو ثالث جزء من الروح البشرية، والجزء الأول هو «الرغبة» والثاني هو الجانب الحسابي أو الذي يحتسب. وفي جمهورية أفلاطون، اشتق الفيلسوف كلمة  thymos، وتنقلها الترجمة الإنكليزية الى كلمة «روح»، وهذه ترجمة فقيرة. وفي السياسة «تيموس» تتجلى على شكلين، أولهما أصفه بـmegalothymia  الرغبة في الإقرار بالتفوق. فالمجتمعات ما قبل الديموقراطية كانت تستند الى تراتبية، وكان تفوق طبقة من الناس- النبلاء والأريستقراطيون، والملكيون - نواة النظام الاجتماعي. لكن كلما كُرّس تفوق أحدهم، شعر آخر بالنقمة وغياب الاحترام. وشعور الناس بالرغبة في أن يكونوا سواسية أو على القدر نفسه من «الجودة» أسميه بـisothymia.  وبروز الديموقراطيات المعاصرة هو مرآة غلبة الـisothymia  على الـmegalothymia.  فالمجتمعات الديموقراطية أقرت بحق الجميع في المساواة. وفي القرن العشرين، بدأت المجتمعات المقسمة الى طبقات تقر بحقوق عامة الناس، وسعت الأمم المُستعمَرة الى الاستقلال. وكان الحادي الى الكفاح العظيم في التاريخ السياسي الأميركي ضد الرق والفصل العنصري، والنضال من أجل حقوق العمال ومساواة النساء، توسيع النظام السياسي دوائر الأفراد المعترف بمكانتهم بشراً كاملين أو أسوياء [من غير عيوب]. لكن في الليبراليات الديموقراطية، لا تترتب على المساواة في الحقوق مساواة اقتصادية أو اجتماعية. فالتمييز ضد مروحة كبيرة من المجموعات قائم، واقتصاديات السوق تتمخض عن لا مساواة كبيرة، تباين اجتماعي كبير. وعلى رغم ثرواتها، تعاظم التباين في المداخيل دراماتيكياً في الولايات المتحدة والدول المتطورة في العقود الثلاثة الماضية. وعانت شرائح وازنة من شعوب الدول هذه ركود المداخيل، وسار بعض الشرائح الاجتماعية القهقرى في السلم الاجتماعي (هبوط المكانة الاجتماعية).

ويساهم شعور المرء بأن مكانته الاقتصادية مهددة في تفسير بروز الشعبوية القومية في الولايات المتحدة وغيرها. ولم تكن أحوال الطبقة العاملة الأميركية، وهي تعرّف بحيازة أبنائها شهادة مدرسية ثانوية أو ما دون، جيدة في العقود الأخيرة. فمداخيلها راكدة والرواتب تميل الى الانخفاض والبطالة تنتشر، وتترافق العوامل هذه مع انهيار اجتماعي. وهذه السيرورة تعود في أوساط الأفارقة الأميركيين الى السبعينات، أي بعد عقود على الهجرة الكبيرة حين انتقل السود الى مدن مثل شيكاغو وديترويت ونيويورك، حيث عثر كثر منهم على وظائف في قطاع توضيب اللحوم والفولاذ أو صناعة السيارات. ومع أفول هذه القطاعات الصناعية، وبدء الرجال خسارة أعمالهم في عملية العودة عن التصنيع، برزت سلسلة آفات اجتماعية، منها ارتفاع معدلات الجريمة، ووباء إأدمان الكوكايين، وتدهور الحياة العائلية. وهذه العوامل ساهمت في توريث الفقر من جيل الى آخر.

وفي العقد الأخير، تفشت عدوى مثل هذا الأفول الاجتماعي الى الطبقة العاملة البيضاء. فنخر وباء إدمان الأفيون [الأدوية المسكنة الأفيونية] صفوف الطبقة العاملة الريفية البيضاء في أصقاع الولايات المتحدة كلها. ففي 2016، أفضى استخدام المخدرات المكثف الى أكثر من 60 ألف وفاة نتيجة جرعة زائدة، أي ضعفي نسبة الوفيات في حوادث السير سنوياً في البلاد. وانخفض متوسط حياة البيض الأميركيين بين 2013 و2014، وهذا أمر غير مألوف في البلدان المتطورة. وارتفعت نسبة أولاد الطبقة العاملة البيضاء، الذين يشبون في كنف عائلة «أحادية» (أب أو أم فحسب) الى 36 في المئة في 2017، بعد أن كانت 22 في المئة في العام 2000.

لكن أبرز ما حفز القومية الجديدة التي حملت ترامب الى البيت الأبيض (والمملكة المتحدة على الاقتراع بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي) هو شعور شرائح من المجتمع بأنها غير مرئية. فالمواطنون الناقمون الذين يخشون خسارة مكانتهم في الطبقة الوسطى يلقون اللائمة على النخب، من جهة، فهم يرون أنها لا تراهم، ومن جهة أخرى على الفقراء، ويرون أنهم يحظون بمساعدات لا «يستحقونها» ( ليسوا أهلاً لها). وغالباً ما يرى الناس الضيق الاقتصادي على أنه خسارة الهوية أو انتقاص منها أكثر مما يعتبرون أنها خسارة موارد. ويفترض بالعمل الشاق أن يسبغ الكرامة على العمال. لكن كثيرين من العمال البيض الأميركيين يشعرون بأن الإقرار بمكانتهم وكرامتهم غائب، وبأن الحكومة تمنح مستحقات (مساعدات) وحوافز الى ناس لا يلتزمون القوانين.

وتساعد العلاقة بين الدخل والمكانة على تفسير أسباب رجحان كفة جاذبية القومية أو المحافظة الدينية على جاذبية اليسار التقليدي المستند الى اقتصاد الطبقات. فالقوميون يقولون للساخطين أنهم أبناء أمة عظيمة وأن الأجانب من المهاجرين والنخب، يتآمرون عليهم لإبقائهم في مرتبة دنيا. ولسان حالهم هو «بلدكم لم يعد لكم... لم تعودوا محترمين في أرضكم». ولسان حال اليمين الديني مشابه: «أنتم أبناء أمة مؤمنين عظيمة خانها غير المؤمنين. وهذه الخيانة أدت الى الفقر وهي جريمة في حق البارئ». وغلبة مثل هذه السرديات هي وراء تحول الهجرة الى مسألة مثيرة للخلاف والنزاع في عدد كبير من البلدان. وشأن التجارة، ترفع الهجرة الناتج المحلي، لكن المكاسب لا تجنيها غير مجموعات ضيقة، عوض مجموعات المجتمع كله. وغالباً ما يُنظر الى غالبية إتنية على أنها خطر على الهوية الثقافية، خصوصاً حين تدفق سيول ضخمة عبر الحدود على ما كانت الحال في العقود الأخيرة. لكن الغضب من الهجرة لا يفسر وحده استقطاب اليمين القومي أصوات الناخبين الذين درجوا على التصويت لأحزاب اليسار في الولايات المتحدة وأوروبا. ويبدو أن الأحزاب اليساريةَ الميلِ أخفقت في التوجه الى من خسروا نسبياً مكانتهم نتيجة العولمة والتغيرات التكنولوجية. وفي العصور السابقة، استمال التقدميون الناس من طريق خطاب تجربة جامعة ومشتركة: استغلال العمال والنقمة على الأثرياء الرأسماليين. ووسعهم رص الصفوف تحت راية «يا عمال العالم اتحدوا!». وفي الولايات المتحدة، أيدت الطبقة العاملة الحزب الديموقراطي منذ إصلاحات الـ»نيو ديل» في الثلاثينات الى حين بروز رونالد ريغين في الثمانينات. واستندت الديموقراطيات الاشتراكية الأوروبية إلى نقابات تجارية والتضامن العمالي. لكن في عهد العولمة، غيّر شطر راجح من الأحزاب اليسارية استراتيجياته. وعوض ترجيح كفة التضامن بين جماعات واسعة مثل الطبقة العمالية أو المستغلين اقتصادياً، بدأت الأحزاب هذه بالتركيز على مجموعات صغيرة تجد نفسها مهمشة. ومبدأ الاعتراف بالسواسية الجامعة تحوّل الى دعوات الى الاعتراف الخاص [غير الجامع] بمكانة جماعة صغيرة. ومع الوقت، انتقلت الظاهرة هذه من اليسار الى اليمين.

*
باحث في معهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية في جامعة ستانفورد ومدير مركز موسباشر للديموقراطية والتنمية وحكم القانون، عن «فورين أفيرز» الأميركية [من كتابه الصادر حديثاً «الهوية: السعي الى الكرامة وسياسات النقمة» فارار، ستروس أند جيرو)، 9-10/2018، إعداد منال نحاس


الخميس، 27 سبتمبر 2018

السعادة بين اللذة والفضيلة؛ الفيتوري الرابطي.



السعادة بين اللذة والفضيلة
ﺍﻷﺳﺘﺎﺫ : ﺍﻟﻔﻴﺘﻮﺭﻱ ﺍﻟﺮّﺍﺑﻄﻲ
__________
ﻟﻌﻞّ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻫﻲ ﺃﻛﺜﺮ ﻭﺃﻫﻢّ ﻣﺎ ﻳﻨﺸﺪﻩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻓﻼ ﺃﺣﺪ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻃﻼﻕ ﻳﺘﻤﻨّﻰ ﺍﻟﺸّﻘﺎﺀ ﻭﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥّ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻫﻲ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﺍﻟﻘﺼﻮﻯ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺘﺸﻮّﻕ ﻟﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺃﻧّﻬﺎ ﻛﻤﺎﻝ ﻟﻪ . ﻏﻴﺮ ﺃﻥّ ﺍﻻﺗّﻔﺎﻕ ﻋﻠﻰ ﻃﻠﺐ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻻ ﻳﻀﺎﻫﻴﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﺸّﻴﻮﻉ ﻭﺍﻟﻜﻮﻧﻴّﺔ ﻏﻴﺮ ﺍﻻﺧﺘﻼﻑ ﺣﻮﻝ ﻃﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﺍﻟﻤﺮﺟﻮّﺓ ﻭﻃﺮﻕ ﻧﻴﻠﻬﺎ. ﻭﻟﻌﻞّ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﺠﻮﺓ ﺍﻟﻘﺎﺋﻤﺔ ﺑﻴﻦ ﻛﻮﻧﻴّﺔ ﻧﺸﺪﺍﻥ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻭﺧﺼﻮﺻﻴّﺔ ﺿﺒﻄﻬﺎ ﻭﻛﻴﻔﻴّﺔ ﻧﻴﻠﻬﺎ ﻫﻲ ﻣﺎ ﺗﺠﻌﻞ ﻣﻮﺿﻮﻉ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻣﻮﺿﻮﻋﺎ ﺭﺍﻫﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺪّﻭﺍﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻜﺮ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﺑﻤﺎ ﻫﻮ ﺃﻛﺴﻴﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﺗﺒﺤﺚ ﻓﻲ ﻣﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺎﺕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﻭﻏﺎﻳﺎﺗﻬﺎ ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻹﻃﺎﺭ ﺗﻨﺪﺭﺝ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻮﻟﺔ ﺣﻮﻝ ﻛﻴﻔﻴّﺔ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ . ﻣﺎ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ؟ ﻭﻫﻞ ﻳﻔﺘﺮﺽ ﺍﻟﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺍﻟﺴّﻌﻲ ﺇﻟﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﻠﺬّﺍﺕ ﻭﺍﻟﻤﺘﻊ ﺍﻟﺤﺴّﻴﺔ ﺃﻡ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﺑﻤﻘﺘﻀﻰ ﻣﺎ ﺗﻤﻠﻴﻪ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ؟ ﻭﺇﺫﺍ ﺳﻠّﻤﻨﺎ ﺑﺄﻥ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﻭﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﺍﻷﺧﻼﻗﻲ ﻫﻮ ﻣﺎ ﻳﻮﻓّﺮ ﺍﻟﻬﻨﺎﺀ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﻲ ﻓﻬﻞ ﻳﻘﺘﻀﻲ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺰّﻫﺪ ﺍﻟﺘّﺎﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻠﺬّﺍﺕ ﻭﻣﺴﺮّﺍﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻤﺎﺩّﻳّﺔ؟
ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻫﻲ ﺃﻗﺼﻰ ﻣﺎ ﻳﻨﺸﺪﻩ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻬﻲ ﺍﻟﻐﺎﻳﺔ ﺍﻟﻘﺼﻮﻯ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺪّ ﺳﺎﺋﺮ ﻣﻤﺎﺭﺳﺎﺕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺍﺧﺘﻴﺎﺭﺍﺗﻪ ﻣﺠﺮّﺩ ﻭﺳﺎﺋﻞ ﻟﺘﺤﻘﻴﻘﻬﺎ . ﻓﻼ ﺃﺣﺪ ﻳﺮﻳﺪ ﺍﻟﺸّﻘﺎﺀ ﻛﻤﺎ ﺃﺳﻠﻔﻨﺎ . ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺗﻌﺮﻳﻒ ﻛﻠّﻰ ﻟﻠﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻳﺘّﻔﻖ ﺣﻮﻟﻪ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ. ﻳﻘﻮﻝ ﻛﺎﻧﻂ " ﻓﻤﺸﻜﻠﺔ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺃﻱّ ﻓﻌﻞ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺠﻠﺐ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻟﻜﺎﺋﻦ ﻋﺎﻗﻞ ﺗﺤﺪﻳﺪﺍ ﻳﻘﻴﻨﻴّﺎ ﻭﻋﺎﻣّﺎ ﻫﻲ ﻣﺸﻜﻠﺔ ﻻ ﺣﻞّ ﻟﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻃﻼﻕ". ﻓﻬﻲ ﻣﺜﻞ ﺃﻋﻠﻰ ﻟﻠﺨﻴﺎﻝ ﻭﺗﺘّﺼﻞ ﻋﺎﺩﺓ ﺑﺎﻟﻤﻌﻴﺶ ﺍﻟﺨﺒﺮﻱ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻟﺬﺍ ﻓﺈﻥّ ﻟﻜﻞّ ﻓﺮﺩ ﻣﻔﻬﻮﻣﻪ ﺍﻟﺨﺎﺹّ ﻟﻬﺎ ﻭﻃﺮﻳﻘﺔ ﺍﻟﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻭﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻈﻔﺮ ﺑﺘﺤﺪﻳﺪ ﻳﻘﻴﻨﻲ ﻛﻠّﻲ ﻟﻠﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻓﺈﻥّ ﻣﻌﻈﻢ ﺍﻟﻨّﺎﺱ ﻋﻤﻠﻴّﺎ ﻳﺮﺑﻄﻮﻥ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﺑﺘﺤﻘّﻖ ﺍﻟﺮﻏﺒــﺎﺕ ﻭﺍﻟﺘﻤﺘّﻊ ﺑﺎﻟﻤﻠﺬّﺍﺕ ﺍﻟﻤﺘﺮﺗّﺒﺔ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ. ﻓﻬﻲ ﺗﻨﺘﺞ ﻋﻦ ﺍﻟﺮّﻏﺒﺎﺕ ﺍﻟﻤﺸﺒﻌﺔ ﻭﺍﻷﻣﻨﻴّﺎﺕ ﺍﻟﻤﺘﺤﻘّﻘﺔ ﺳﻮﺍﺀ ﻣﺎ ﺗﻌﻠّﻖ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﺎﻟﺠﺴﺪ ﺃﻭ ﺑﺎﻟﻮﺿﻊ ﺍﻟﻨّﻔﺴﻲ ﻭﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ. ﻓﻠﻴﺲ ﺍﻟﺤﺮﻣﺎﻥ ﻭﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﺍﻟﺤﻆّ ﺍﻟﻌﺎﺛﺮ ﻭﻧﻜﺪ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﺳﻮﻯ ﻋﻼﻣﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺸّﻘﺎﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻤﻞ ﻛﻞّ ﻛﺎﺋﻦ ﻋﺎﻗﻞ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﻼﺹ ﻣﻨﻪ ﺑﺄﻱ ﺛﻤﻦ. ﻭﻓﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺇﻥّ ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺎﺕ ﺍﻧﺘﺼﺎﺭﺍ ﺇﻟﻰ ﺟﻌﻞ ﺍﻟﻠﺬّﺍﺕ ﻃﺮﻳﻘﺎ ﻟﻠﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻫﻲ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻷﺑﻴﻘﻮﺭﻳﺔ. ﻳﻘﻮﻝ ﺃﺑﻴﻘﻮﺭ "ﺇﻥّ ﺍﻟﻠﺬّﺓ ﻫﻲ ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺴّﻌﻴﺪﺓ ﻭﻏﺎﻳﺘﻬﺎ ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﺍﻷﻭّﻝ ﺍﻟﻤﻮﺍﻓﻖ ﻟﻄﺒﻴﻌﺘﻨﺎ" ﺗﺄﻛﻴﺪﺍ ﻋﻠﻰ ﺃﻥّ ﺍﻟﻠﺬّﺓ ﻫﻲ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﺍﻷﻋﻈﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺠﺐ ﺃﻥ ﻧﺤﺘﻜﻢ ﺇﻟﻴﻪ ﻛﻤﻌﻴﺎﺭ ﻟﺘﺪﺑﻴﺮ ﺣﻴﺎﺗﻨﺎ ﻭﺗﻨﻈﻴﻢ ﺃﻓﻌﺎﻟﻨﺎ. ﻭﻫﻮ ﻳﺪﻋﻮ ﺇﻟﻰ ﺣﺴﺎﺏ ﺍﻟﻠّﺬّﺍﺕ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺸّﺮﻭﻉ ﻓﻲ ﺍﺗّﺨﺎﺫ ﺃﻱّ ﻗﺮﺍﺭ ﺃﻭ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺑﺄﻱّ ﻓﻌﻞ ﻣﻨﺒّﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﺄﺭﺑﻊ ﻗﻮﺍﻋﺪ: ﺍﻷﺧﺬ ﺑﻜﻞّ ﻣﺎ ﻳﺠﻠﺐ ﺍﻟﻠّﺬّﺓ، ﺗﺠﻨّﺐ ﻣﺎ ﻳﺆﺩّﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻷﻟﻢ، ﺭﻓﺾ ﺍﻟﻠّﺬّﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺆﺩّﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺮﻣﺎﻥ ﻣﻦ ﻟﺬّﺓ ﺃﻛﺒﺮ ﻭﻗﺒﻮﻝ ﺍﻷﻟﻢ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺨﻠّﺺ ﻣﻦ ﺃﻟﻢ ﺃﻛﺒﺮ ﺃﻭ ﻳﺆﺩّﻱ ﺇﻟﻰ ﻟﺬّﺓ ﺃﻛﺒﺮ. ﻓﺎﻟﻠّﺬّﺓ ﺑﻤﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﻤﺘﻌﺔ ﺍﻟﺤﺴﻴّﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴّﺔ ﻫﻲ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻹﺭﺍﺩﺓ ﻭﻏﺎﻳﺔ ﺍﻟﻔﻌﻞ. ﻭﻳﻜﻔﻲ ﺍﻹﺻﻐﺎﺀ ﺇﻟﻰ ﻣﺎ ﻳﻘﻮﻟﻪ ﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻞ ﺍﻟﻨّﻔﺴﻲ ﻟﻠﺘﺄﻛّﺪ ﻣﻦ ﺃﻥّ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﻠّﺬّﺓ ﻫﻮ ﺍﻟﻤﺒﺪﺃ ﺍﻷﺻﻠﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﻜﻢ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴّﺔ ﻭﻫﻮ ﻳﻤﻠﻚ ﺳﻠﻄﺎﻧﺎ ﻛﺒﻴﺮﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻄﻔﻮﻟﺔ ﻭﻳﺴﺘﻤﺮ ّ ﻣﺆﺛّﺮﺍ ﺣﺘّﻰ ﺑﻌﺪ ﺗﻜﻮّﻥ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺮﺍﺣﻞ ﺍﻟﻼّﺣﻘﺔ. ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﺆﻛّﺪ ﺃﻥ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﺑﺎﻟﺘﻼﺯﻡ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻠﺬّﺓ ﻭﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﺇﻧّﻤﺎ ﻳﺘﺄﺳّﺲ ﻋﻠﻰ ﺗﺼﻮّﺭ ﻣﺎﺩﻱ ﻹﻧﻴّﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ. ﻓﻠﻴﺲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻛﺎﺋﻨﺎ ﻣﻼﺋﻜﻴّﺎ ﺧﻠﻮّﺍً ﻣﻦ ﺍﻟﺮّﻏﺒﺎﺕ ﻭﺍﻟﺸّﻬﻮﺍﺕ ﺑﻞ ﻫﻮ ﻛﺎﺋﻦ ﺭﻏﺒﺔ ﺑﺎﻣﺘﻴﺎﺯ. "ﻭﻟﺪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻟﻠّﺬّﺓ" ﻛﻤﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﺑﺎﺳﻜﺎﻝ ﻓﻬﻮ ﻛﺎﺋﻦ ﺭﻏﺒﺔ ﻭﺍﻋﻴﺔ ﺑﺬﺍﺗﻬﺎ ﻭﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺇﻟﻴﻪ ﺻﺮﺍﻉ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺮّﻏﺒﺎﺕ. ﻭﺍﻟﺴّﻌﻴﺪ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻳﻮﺍﻓﻘﻪ ﺍﻟﺤﻆ ﻟﺘﺤﺼﻴﻞ ﺃﻛﺒﺮ ﻗﺪﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﻠﺬّﺓ. ﻟﻜﻦ ﺃﻻ ﻳﺆﺩّﻱ ﺍﻟﺠﺮﻱ ﻭﺭﺍﺀ ﺍﻟﻤﺘﻊ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻂّ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴّﺔ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ؟ ﺃﻳﻦ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﻴّﺔ ﻭﺗﺒﺪﺃ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴّﺔ ﺇﺫﺍ ﺳﻠّﻤﻨﺎ ﺑﺄﻥّ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﻠﺬّﺓ؟ ﻣﻦ ﺍﻟﻮﺍﺿﺢ ﺃﻥّ ﺍﻟﺘﺸﺪﻳﺪ ﻋﻠﻰ ﺃﻫﻤﻴّﺔ ﺍﻟﻠّﺬّﺓ ﻭﻋﻠﻰ ﺃﻧّﻬﺎ ﺷﺮﻁ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﻟﻨﻴﻠﻬﺎ ﻳﻔﻀﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻂّ ﻣﻦ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ ﺍﻷﺧﻼﻗﻴّﺔ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻭﺇﻟﻰ ﺍﺧﺘﺰﺍﻝ ﺇﻧﻴﺘﻪ ﻓﻲ ﺑﻌﺪ ﻭﺍﺣﺪ. ﻓﺎﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﻛﻮﻧﻪ ﻛﺎﺋﻦ ﺭﻏﺒﺔ ﻫﻮ ﺃﻳﻀﺎ ﻛﺎﺋﻦ ﻋﻘﻞ ﻳﻔﺮﺽ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺍﺟﺒﺎﺕ ﻭﻳﺤﺜّﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺰﺍﻡ ﺍﻟﻔﻀﺎﺋﻞ ﻭﺍﻟﺘﻌﻔّﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﺸّﻬﻮﺍﺕ. ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻡ ﺃﻥّ ﺍﻟﻌﻔﺔ ﻫﻲ ﺇﺣﺪﻯ ﺍﻟﻔﻀﺎﺋﻞ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴّﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﻄﻲ ﻣﻌﻨﻰ ﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ. ﻛﻤﺎ ﻳﻔﻀﻲ ﺇﻟﻰ ﺗﺒﺮﻳﺮ ﺍﻷﻧﺎﻧﻴّﺔ. ﻓﺎﻟﺴّﻌﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠّﺬّﺓ ﻳﻜﺮّﺱ ﺍﻧﻐﻼﻕ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻪ. ﻭﻛﻠّﻤﺎ ﺍﻋﺘﺒﺮﻧﺎ ﺍﻟﻠﺬّﺓ ﻣﺒﺪأً ﻋﺎﻣﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ، ﻛﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﻋﺎﻣﻞ ﻫﺪﻡ ﻟﻠﻌﻴﺶ ﺍﻟﻤﺸﺘﺮﻙ ﻭﻣﺒﺮّﺭ ﺻﺮﺍﻉ ﻭﻧﺰﺍﻉ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ. ﻭﻫﻮ ﺃﻣﺮ ﻳﺘﻌﺎﺭﺽ ﻣﻊ ﻭﺟﻪ ﺁﺧﺮ ﻣﻦ ﺍﻹﻧﻴﺔ ﺃﻻ ﻭﻫﻮ ﺍﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻭﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻐﻴﺮ. ﻭﻓﻀﻼ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﺇﻥّ ﺍﻟﻤﺒﺎﻟﻐﺔ ﻓﻲ ﺗﻘﺪﻳﺮ ﺍﻟﻠﺬّﺍﺕ ﻳﺘﻐﺎﻓﻞ ﻋﻦ ﺍﻟﻄﺎﺑﻊ ﺍﻟﻌﺎﺑﺮ ﻭﺍﻟﻌﺮﺿﻲ ﻟﻠﺬّﺓ. ﻓﻔﻜﺮﺓ ﻟﺬّﺓ ﺩﺍﺋﻤﺔ ﻓﻜﺮﺓ ﻣﺘﻨﺎﻗﻀﺔ ﻳﻘﻮﻝ ﻓﺮﻭﻳﺪ "ﻛﻞّ ﺩﻭﺍﻡ ﻟﻮﺿﻌﻴﺔ ﻳﺮﻏﺐ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻟﻠﺬّﺓ ﻻ ﻳﻮﻟّﺪ ﻏﻴﺮ ﻫﻨﺎﺀ ﻓﺎﺗﺮ، ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻧﺤﻦ ﻣﺨﻠﻮﻗﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﻳﺠﻌﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻨﺎﻗﺾ ﻭﺣﺪﻩ ﻗﺎﺩﺭﺍ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﻳﺰﻭّﺩﻧﺎ ﺑﻤﺘﻌﺔ ﺷﺪﻳﺪﺓ" ﻭﺑﺎﻟﻔﻌﻞ ﻻ ﻳﺸﻌﺮ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺎﻟﻠﺬّﺓ ﺍﻟﻨﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﺗﺤﻘّﻖ ﺭﻏﺒﺔ ﻣﺎ ﺇﻻّ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻌﻮﻳﻀﺎ ﻋﻦ ﺣﺮﻣﺎﻥ ﻭﺍﻧﺘﻘﺎﻻ ﻣﻦ ﻭﺿﻊ ﺳﻲّﺀ ﺇﻟﻰ ﻭﺿﻊ ﺟﻴّﺪ. ﻓﻼ ﻧﺸﻌﺮ ﺑﻨﻌﻤﺔ ﺍﻟﺼﺤّﺔ ﺇﻻّ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻤﺮﺽ ﻭﻻ ﺑﻤﺘﻌﺔ ﺍﻟﺸّﺒﻊ ﺇﻻّ ﺑﻌﺪ ﺟﻮﻉ ﺷﺪﻳﺪ. ﺃﺿﻒ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺇﻥّ ﺍﻟﺤﺮﺹ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻠّﺬّﺓ ﻻ ﻳﺨﻠﻮ ﻣﻦ ﺍﺣﺘﻤﺎﻻﺕ ﺍﻻﻧﺰﻻﻕ ﻓﻲ ﺍﻷﻟﻢ فـأﺑﻴﻘﻮﺭ ﻧﻔﺴﻪ ﺩﺍﻋﻴّﺔ ﺍﻟﻠﺬّﺓ ﻳﻨﺎﺩﻱ ﺑﻀﺮﻭﺭﺓ ﺗﻘﻴﻴﺪ ﺍﻟﺴّﻌﻲ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻠﺬّﺓ ﺑﺎﻷﺗﺮﻛﺴﻴﺎ "ﺭﺍﺣﺔ ﺍﻟﺒﺎﻝ" ﻭﺍﻷﺑﻮﻧﻴﺎ ﺳﻼﻣﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺇﺫ ﻳﻘﻮﻝ "ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﻧﻘﻮﻝ ﺇﻥّ ﺍﻟﻠﺬّﺓ ﻫﻲ ﻏﺎﻳﺘﻨﺎ ﺍﻟﻘﺼﻮﻯ، ﻓﺈﻧّﻨﺎ ﻻ ﻧﻌﻨﻲ ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﻠّﺬﺍﺕ ﺍﻟﺨﺎﺻّﺔ ﺑﺎﻟﻔﺴّﺎﻕ ﺃﻭ ﺍﻟﻠﺬّﺍﺕ ﺍﻟﻤﺘﻌﻠّﻘﺔ ﺑﺎﻟﻤﺘﻌﺔ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳّﺔ ... ﺑﻞ ﺍﻟﻠﺬّﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﻧﻘﺼﺪﻫﺎ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺘﻤﻴّﺰ ﺑﺎﻧﻌﺪﺍﻡ ﺍﻷﻟﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺴﻢ ﻭﺍﻻﺿﻄﺮﺍﺏ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺲ". ﺇﻥّ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺘﺤﻔّﻈﺎﺕ ﺣﻮﻝ ﺍﻟﻤﻄﺎﺑﻘﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﻠﺬﺓ ﺗﺒﺮّﺭ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺁﺧﺮ ﻟﻠﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻭﻋﻦ ﻣﻌﻨﻰ ﻟﻬﺎ ﻣﺨﺘﻠﻒ ﻋﻦ ﻣﺠﺮّﺩ ﺍﻟﻤﺘﻊ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳّﺔ.
ﺃﻻ ﺗﻜﻮﻥ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ، ﺇﺫﻥ، ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ؟
ﻻ ﺗﻌﻨﻲ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ ﺍﻷﺧﻼﻗﻲ ﻭﺣﺘّﻰ ﺇﻥ ﺍﺧﺘﻠﻒ ﺍﻟﻔﻼﺳﻔﺔ ﻓﻲ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﺃﺻﻨﺎﻑ ﺍﻟﻔﻀﺎﺋﻞ ﻭﺷﺮﻭﻁ ﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﻬﺎ ﻭﺃﺳﺴﻬﺎ ﻓﻤﻦ ﺍﻟﻤﺆﻛّﺪ ﺃﻥ ﻻ ﺃﺣﺪ ﻳﺮﻓﺾ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﻭﺍﻟﺨﺼﺎﻝ ﺍﻟﻤﺜﺎﻟﻴّﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺮﻭﻡ ﻛﻞّ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺘﺤﻠّﻲ ﺑﻬﺎ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻭﺍﻟﺸّﺠﺎﻋﺔ ﻭﺍﻟﻌﻔّﺔ ﻭﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﺮﻑ ﺑﺎﺳﻢ ﺍﻟﻔﻀﺎﺋﻞ ﺍﻷﺳﺎﺳﻴّﺔ ﺍﻷﺭﺑﻌﺔ. ﻭﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﻗﻮّﺓ ﻭﻗﺪﺭﺓ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺘﺼﺮّﻑ ﺑﻤﻘﺘﻀﻰ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﻭﺇﻟﺰﺍﻡ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﺑﻤﺎ ﻳﻤﻠﻴﻪ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ. ﻭﻫﻲ ﺗﻔﺘﺮﺽ ﺍﻻﻋﺘﺪﺍﻝ ﻭﺍﻟﻮﺳﻄﻴّﺔ ﻭﺗﻔﺴﺪ ﺑﺮﺫﻳﻠﺘﻲ ﺍﻹﻓﺮﺍﻁ ﻭﺍﻟﺘﻔﺮﻳﻂ ﻓﻲ ﻛﻞّ ﺷﻲﺀ ﻛﻤﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﺃﺭﺳﻄﻮ. ﻓﺎﻟﺸّﺠﺎﻋﺔ، ﻣﺜﻼ، ﻳﻔﺴﺪﻫﺎ ﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺍﻹﻓﺮﺍﻁ ﺍﻟﺘﻬﻮّﺭ ﻭﻣﻦ ﺟﻬﺔ ﺍﻟﺘّﻔﺮﻳﻂ ﺍﻟﺠﺒﻦ. ﻭﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻳﻔﺴﺪﻫﺎ ﺍﻟﺴّﻔﻪ ﻭﺍﻟﺒﻠﻪ ﻭﺍﻟﻌﻔّﺔ ﺍﻟﺸّﺮﻩ ﻭﻣﻮﺕ ﺍﻟﺸّﻬﻮﺓ. ﻭﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺃﻥّ ﺃﺭﺳﻄﻮ ﻧﻔﺴﻪ ﺃﻛّﺪ ﻋﻠﻰ ﺃﻥّ ﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ ﻫﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﺮﺿﺎﺀ ﻭﺍﻟﻬﻨﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻐﻨﻤﻬﺎ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻛﻠّﻤﺎ ﺗﺼﺮﻑ ﻃﺒﻘﺎ ﻟﻠﻔﻀﻴﻠﺔ. ﻓﺈﺫﺍ ﻛﺎﻧﺖ ﻭﻇﻴﻔﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﻬﺎ ﻳﻨﻔﺮﺩ ﻫﻲ ﺇﺩﺍﺭﺓ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺑﻤﻘﺘﻀﻰ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻓﺈﻥّ ﺍﻟﻔﺎﺿﻞ ﻫﻮ ﻣﻦ ﻳﻨﺠﺢ ﺑﺎﻣﺘﻴﺎﺯ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻭﻫﻮ ﺑﺴﺒﺐ ﺫﻟﻚ ﻳﻨﺎﻝ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ. ﻓﻠﻴﺴﺖ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﺃﻣﻨﻴﺔ ﺗﺘﺤﻘّﻖ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻭﻻ ﻫﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺳﻜﻮﻧﻴﻪ ﺳﻠﺒﻴّﺔ ﺗﻔﺘﺮﺽ ﺍﻟﻌﺰﻟﺔ ﻭﺍﻟﺘﺤﺼّﻦ ﻓﻲ ﺑﺮﺝ ﻋﺎﺟﻲّ ﺑﻌﻴﺪﺍ ﻋﻦ ﺗﻘﻠّﺒﺎﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻭﺷﻐﺐ ﺍﻷﺣﻴﺎﺀ ﺑﻞ ﻫﻲ ﺣﺼﻴﻠﺔ ﺍﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺪﺍﺋﻤﺔ ﻟﻠﻌﻘﻞ ﻭﺍﻻﻫﺘﺪﺍﺀ ﺑﻪ ﻃﻮﻝ ﺍﻟﻌﻤﺮ. ﻭﻫﻲ ﻓﻲ ﻧﻈﺮ ﺃﻓﻼﻃﻮﻥ ﺍﻟﺘﺼﺮّﻑ ﺑﻤﻘﺘﻀﻰ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺃﻭ ﺑﺎﻷﺣﺮﻯ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺸﺘﺮﻁ ﺍﻟﺰﻫﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻠﺬّﺍﺕ ﻭﺍﻟﺘﺮﻓّﻊ ﻋﻦ ﺍﻟﺸّﻬﻮﺍﺕ. ﺑﻞ ﻳﺆﻛّﺪ ﺃﻓﻼﻃﻮﻥ ﺃﻥّ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﺳﻘﻄﺖ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﻟﻨﻔﺲ ﻫﻮ ﻗﺒﺮ ﻭﺳﺠﻦ ﻟﻬﺎ ﻻ ﺳﺒﻴﻞ ﺃﻣﺎﻣﻬﺎ ﻟﻨﻴﻞ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﺇﻻّ ﻋﻠﻰ ﻗﺪﺭ ﻣﺜﺎﺑﺮﺗﻬﺎ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺍﻟﺘﻔﻠﺴﻒ ﻟﻠﺘﺤﺮّﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﺑﺎﻋﺘﺒﺎﺭﻩ ﻋﺎﺋﻘﺎ ﺃﺧﻼﻗﻴّﺎ ﻭﻋﺎﺋﻘﺎ ﻣﻌﺮﻓﻴّﺎ. ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ، ﺇﺫﻥ، ﻫﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻬﻨﺎﺀ ﻭﺍﻟﻐﺒﻄﺔ ﻭﺍﻟﺘﻮﺍﺯﻥ ﺍﻟﺒﺎﻃﻨﻲ ﻳُﻜﺎﻓﺄ ﺑﻬﺎ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻛﻠّﻤﺎ ﺃﻟﺰﻡ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﺎﻟﻔﻀﺎﺋﻞ ﻭﻛﺎﻧﺖ ﻟﻪ ﻗﻮّﺓ ﺍﻟﻌﺰﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﺗّﺒﺎﻉ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﺑﻞ ﻳﺬﻫﺐ ﺳﺒﻴﻨﻮﺯﺍ ﺣﺪّ ﺍﻟﻤﻄﺎﺑﻘﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﻗﺎﺋﻼ "ﻟﻴﺴﺖ ﺍﻟﻐﺒﻄﺔ ﺟﺰﺍﺀ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﺑﻞ ﻫﻲ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﻋﻴﻨﻬﺎ" ﻭﻟﻴﺴﺖ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﺍﻟﺴّﻌﻲ ﻭﺭﺍﺀ ﺍﻟﺸﻬﻮﺍﺕ ﻭﺍﻟﻤﻠﺬّﺍﺕ ﺍﻟﺠﺴﺪﻳﺔ. ﻟﻜﻦ ﻫﻞ ﻳﻌﻨﻲ ﺍﻟﺘﻼﺯﻡ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﻭﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﺍﻟﺰّﻫﺪ ﺍﻟﺘّﺎﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻠﺬﺍﺕ؟ ﺑﻞ ﻫﻞ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻌﻘﻮﻝ ﺃﺻﻼ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﺎﺿﻼ ﻓﺴﻌﻴﺪﺍ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺸّﻘﺎﺀ ﻭﻧﻜﺪ ﺍﻟﻌﻴﺶ؟ ﺑﺘﻌﺒﻴﺮ ﺁﺧﺮ ﻣﺎ ﻣﺪﻯ ﻣﺸﺮﻭﻋﻴﺔ ﺍﻟﺘﻌﺎﺭﺽ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻘﻴﻤﻪ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻭﺍﻟﻠﺬّﺓ؟ ﺇﻥّ ﺍﻻﺿﻄﻼﻉ ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﻲ ﺑﻬﺬﺍ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻉ ﻳﻔﺘﺮﺽ ﺗﺨﻄّﻲ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺗﺤﻠﻴﻞ ﺃﻃﺮﻭﺣﺘﻪ ﺇﻟﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﺳﺘﻨﻄﺎﻕ ﻣﺎ ﺳﻜﺘﺖ ﻋﻨﻪ ﻭﻣﺴﺎﺀﻟﺘﻬﺎ ﻧﻘﺪﻳّﺎ ﻗﺼﺪ ﺗﻘﻴﻴﻢ ﻣﺎ ﺣﻘﻘﺘﻪ ﻣﻦ ﺇﺿﺎﻓﺎﺕ ﻭﻣﺎ ﻳﺨﺘﺮﻗﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﺣﺮﺍﺟﺎﺕ. ﺇﺫ ﺗﻜﻤﻦ ﺃﻫﻢّ ﻣﺰﺍﻳﺎ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﻮﻝ، ﻓﻲ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﻣﻔﺘﺮﺿﺎﺗﻪ، ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﺍﻟﻀّﻤﻨﻲ ﺑﺄﻥّ ﻟﻺﻧﺴﺎﻥ ﻭﺟﻮﺩﺍ ﺧﺎﺻﺎ ﻣﻤﻴّﺰﺍ ﻋﻦ ﺑﻘﻴّﺔ ﺍﻟﻜﺎﺋﻨﺎﺕ ﻓﻬﻮ ﺇﺫﻥ ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻟﺮّﻏﺒﺎﺕ ﻭﺍﻟﺸّﻬﻮﺍﺕ ﻓﺤﺴﺐ ﺑﻞ ﻳﻮﺟﺪ ﻭﻫﻮ ﻳﺤﻤﻞ ﻋﻠﻰ ﻋﺎﺗﻘﻪ ﻣﻬﻤّﺔ ﺇﻋﻄﺎﺀ ﻣﻌﻨﻰ ﻟﻮﺟﻮﺩﻩ ﻋﺒﺮ ﺗﺄﺛﻴﺜﻪ ﺑﺎﻟﻘﻴﻢ ﻭﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﻭﺍﻟﻔﻀﺎﺋﻞ ﻭﺗﺪﺑﻴﺮ ﺣﻴﺎﺗﻪ ﺑﻤﻘﺘﻀﻰ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﻪ ﻳﻨﻔﺮﺩ ﻭﻳﺘﻤﻴّﺰ. ﻓﻠﻮ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻓﻲ ﺗﺤﺼﻴﻞ ﺍﻟﻠﺬّﺍﺕ ﺍﻟﺤﺴﻴّﺔ "ﻟﺠﺎﺯ ﺃﻥ ﻧﻘﻮﻝ: ﺇﻥّ ﺍﻷﺑﻘﺎﺭ ﺳﻌﻴﺪﺓ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺗﻌﺜﺮ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺗﻘﺘﺎﺗﻪ" ﻛﻤﺎ ﻳﻘﻮﻝ ﻫﺮﻗﻠﻴﻄﺲ. ﻓﺎﻟﻔﻀﺎﺋﻞ ﻭﺍﻟﻮﺍﺟﺒﺎﺕ ﻭﺍﻟﻘﻴﻢ ﻫﻲ ﺍﻟﺨﻂ ﺍﻟﻔﺎﺻﻞ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺤﻴﻮﺍﻧﻴّﺔ ﻭﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴّﺔ. ﺃما ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﺳﺘﺘﺒﺎﻋﺎﺕ ﺍﻷﻃﺮﻭﺣﺔ ﻓﺈﻥّ ﺃﻫﻢّ ﻣﺎ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻧﺴﺠّﻠﻪ ﻫﻨﺎ ﻫﻮ ﺃﻥّ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻟﻴﺴﺖ ﺷﺄﻧﺎ ﺧﺎﺻّﺎ ﻳﻌﻴﺸﻪ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻓﻲ ﺧﻠﻮﺓ ﺍﻟﺘﻠﺬّﺫ ﺑﺎﻟﻤﺘﻊ ﺑﻌﻴﺪﺍ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛﺔ ﺍﻟﻤﺪﻧﻴّﺔ ﻭﺍﻟﺘﻘﺎﺳﻢ ﻣﻊ ﺍﻟﻐﻴﺮ. ﻓﺴﻌﺎﺩﺓ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﻫﻲ ﺳﻌﺎﺩﺓ ﺟﻤﺎﻋﻴّﺔ ﺗﺆﺻّﻞ ﻣﺪﻧﻴّﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺗﻨﻈﻴﻤﺎ ﻭﺷﺮﻭﻁ ﺇﻣﻜﺎﻥ ﻭﺗﻌﻤّﻖ ﻗﻴﻢ ﺍﻟﺘﻀﺎﻣﻦ ﻭﺍﻟﻤﺸﺎﺭﻛﺔ ﻭﺍﻹﻳﺜﺎﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻌﻄﻲ ﻣﻌﻨﻰ ﺣﻘﻴﻘﻴﺎ ﻟﻠﻮﺟﻮﺩ ﻣﻊ ﺍﻟﻐﻴﺮ. ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺘﺄﻛﻴﺪ ﻋﻠﻰ ﺗﻼﺯﻡ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﻭﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻻ ﻳﻌﻨﻲ، ﺿﺮﻭﺭﺓ، ﺍﻟﺰﻫﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻠﺬّﺍﺕ ﻭﻧﺸﺪﺍﻥ ﻧﻜﺪ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﻭﺗﻔﻀﻴﻞ ﺍﻟﺒﺆﺱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮّﻓﺎﻩ ﻭﺫﻟﻚ ﺃﻭّﻻ ﻷﻥّ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻛﺎﺋﻦ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻭﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﻫﻮ ﺃﻳﻀﺎ ﻛﺎﺋﻦ ﺍﻟﺮّﻏﺒﺎﺕ ﻭﺍﻟﺸّﻬﻮﺍﺕ ﺍﻟﺘﻲ ﻻ ﻳﻨﺒﻐﻲ ﺑﺄﻱ ﺣﺎﻝ ﺗﺤﻘﻴﺮﻫﺎ ﺃﻭ ﺍﻟﺤﻂّ ﻣﻦ ﻣﻨﺰﻟﺘﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺗﺼﻮّﺭﻧﺎ ﻟﻺﻧﻴﺔ ﺍﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺃﻭ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﻭﺿﻊ ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺉ ﺍﻟﻨﺎﻇﻤﺔ ﻟﻌﻴﺸﻪ ﻭﺇﻻّ ﺻﺢّ ﻗﻮﻝ ﻧﻴﺘﺸﻪ "ﻫﻢ ﻣﺮﺿﻰ ﻭﻣﺤﺘﻀﺮﻭﻥ ﺃﻭﻟﺌﻚ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺍﺣﺘﻘﺮﻭﺍ ﺍﻟﺠﺴﺪ". ﻭﺛﺎﻧﻴّﺎ ﻭﺑﻐﺾّ ﺍﻟﻨّﻈﺮ ﻋﻦ ﺍﻷﻃﺮﻭﺣﺔ ﺍﻷﻓﻼﻃﻮﻧﻴﺔ "ﺍﻟﻤﺘﻄﺮّﻓﺔ" ﺣﻮﻝ ﺿﺮﻭﺭﺓ ﻗﺘﻞ ﺍﻟﺠﺴﺪ ﻭﺍﻟﺘّﻀﺤﻴّﺔ ﺑﺎﻟﺮّﻏﺒﺎﺕ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﻭﺍﻟﺘﻲ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﺇﻟﻰ ﺗﻘﺮﻳﺮ ﺍﺳﺘﺤﺎﻟﺔ ﻓﻮﺯ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺑﺎﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻣﺎﺩﺍﻡ ﺣﻴّﺎ، ﻭﻋﻦ ﺍﻟﻤﻤﺎﺭﺳﺔ ﺍﻟﺰّﻫﺪﻳّﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺨﺘﺎﺭﻫﺎ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﺘﻘﺸّﻔﻴﻦ ﻭﺍﻟﻤﺘﺼﻮّﻓﻴﻦ ﻓﺈﻥّ ﺃﻏﻠﺒﻴّـﺔ "ﺍﻟﻤﻌﺘﺪﻟﻴﻦ" ﻣﻦ ﺍﻟﻨّﺎﺱ، ﻓﻼﺳﻔﺔ ﺃﻭ ﻋﺎﺩﻳّﻴﻦ، ﻳﻌﺘﺮﻓﻮﻥ ﺑﺄﻥّ ﺗﺤﻘّﻖ ﻗﺪﺭ ﻣﻦ ﻣﺘﻊ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﺤﺴﻴّﺔ ﺷﺮﻁ ﺿﺮﻭﺭﻱ ﻟﻠﻔﻀﻴﻠﺔ ﻳﻘﻮﻝ ﺃﺭﺳﻄﻮ "أﻥ ﻧﺰﻋﻢ ﺃﻥّ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺗﺤﺖ ﻧﻴﺮ ﺍﻻﺳﺘﻌﺒﺎﺩ ﺃﻭ ﻓﻲ ﺷﻘﺎﺀ ﻛﺒﻴﺮ، ﻃﻮﻋﺎ ﺃﻭ ﻛﺮﻫﺎ، ﻫﻮ ﺇﻧﺴﺎﻥ ﺳﻌﻴﺪ ﺑﺸﺮﻁ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻓﺎﺿﻼ ﻫﻮ ﺃﻥ ﻧﻘﻮﻝ ﻫﺮﺍﺀ" ﻛﻤﺎ ﺃﻥّ ﻛﺎﻧﻂ ﻧﻔﺴﻪ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﻯ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻀﻴﻠﺔ ﻗﻮّﺓ ﺍﻟﻌﺰﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﺻﻐﺎﺀ ﻟﺼﻮﺕ ﺍﻟﻌﻘﻞ ﻳﺄﻣﺮ ﺑﺄﻥ ﻻ ﻧﻔﻌﻞ ﺇﻻّ ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﺃﻥ ﻧﺠﻌﻞ ﺃﺛﻨﺎﺀﻩ ﻣﺒﺪﺃﻧﺎ ﺍﻟﺬّﺍﺗﻲ ﻗﺎﻧﻮﻧﺎ ﻛﻠﻴّﺎ ﻻ ﻳﺮﻯ ﺗﻨﺎﻗﻀﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔ ﺑﺘﺤﻘﻴﻖ ﺍﻟﺮّﻏﺒﺎﺕ ﻭﺍﻻﻟﺘﺰﺍﻡ ﺑﺎﻟﻔﻀﻴﻠﺔ. ﻓﺎﻟﺼﺤّﺔ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﺮّﻓﺎﻩ ﻭﻏﻴﺮﻫﺎ ﻣﻦ ﻣﻘﻮّﻣﺎﺕ ﺭﻏﺪ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﺗﺸﺠّﻊ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺗﺄﺩﻳّﺔ ﺍﻟﻮﺍﺟﺐ ﺑﻴﻨﻤﺎ ﻳﺪﻓﻊ ﺍﻟﻔﻘﺮ ﻭﻧﻜﺪ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﺇﻟﻰ ﺧﺮﻗﻪ. ﻟﺌﻦ ﺍﺧﺘﻠﻔﺖ ﺍﻵﺭﺍﺀ ﺣﻮﻝ ﺷﺮﻭﻁ ﺗﺤﺼﻴﻞ ﺍﻟﺴّﻌﺎﺩﺓ ﻓﻤﻦ ﺍﻟﻤﺆﻛﺪ ﺃﻥّ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻨّﺎﺱ ﻳﺮﻏﺒﻮﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﺍﻟﺴّﻌﻴﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻧﺴﺘﻄﻴﻊ ﺑﺄﻱّ ﺣﺎﻝ ﺍﺧﺘﺰﺍﻟﻪ ﻓﻲ ﻭﺟﻪ ﻭﺍﺣﺪ ﻓﺎﻟﻔﻀﺎﺋﻞ ﻭﺭﻏﺪ ﺍﻟﻌﻴﺶ ﻭﺍﻟﻤﺘﻊ ﻭﺍﻟﻘﻮّﺓ ﻭﺍﻟﺼﺤّﺔ ﻭﺍﻟﻤﺎﻝ ﻭﺍﻟﺮّﻓﺎﻩ ﻛﻠّﻬﺎ ﻋﻨﺎﺻﺮ ﺿﺮﻭﺭﻳّﺔ ﻓﻴﻪ. ﻟﻜﻦ ﻣﺎﺫﺍ ﻟﻮ ﺗﺄﻛّﺪ ﻟﻨﺎ ﺃﻧّﻪ ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻣﺨﻄّﻂ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺳﻌﻴﺪﺍ؟ ﻣﺎﺫﺍ ﻟﻮ ﺍﻛﺘﺸﻔﻨﺎ ﻃﺒﻘﺎ ﻟﻠﺪّﺭﺱ ﺍﻟﺘﺤﻠﻴﻞ – ﻧﻔﺴﻲ ﺑﺄﻧّﻨﺎ ﻭﺟﺪﻧﺎ ﻟﻨﻜﻮﻥ ﺃﺷﻘﻴﺎﺀ ﺃﺻﻼ؟ ﺃﻻ ﻳﺘﻮﺟّﺐ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﻋﻨﺪﺋﺬ ﺍﺳﺘﺒﺪﺍﻝ ﺳﻌﻴﻨﺎ ﺍﻟﻤﺰﻋﻮﻡ ﺇﻟﻰ ﺗﺤﻘﻴﻖ ﺳﻌﺎﺩﺓ ﻣﺴﺘﺤﻴﻠﺔ ﺑﻤﺠﺮّﺩ ﺍﻟﺒﺤﺚ ﻋﻤّﺎ ﻳﺨﻔﻒ ﻋﻨّﺎ ﻣﺎ ﻳﻐﻤﺮ ﻭﺟﻮﺩﻧﺎ ﻣﻦ ﺃﻟﻢ ﻭﻣﻌﺎﻧﺎﺓ؟ [هذا يتفق مع ما يذهب إليه بول ريكور]

الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

الحرية بوصفها معرفةً للمطلق؛ جورج زيناتي.



الحرية بوصفها معرفةً للمطلق.

في كتابه "الحرية والعنف" (الصادر عام 2018 عن المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسات) فصل بعنوان "الحرية بوصفها معرفة للمطلق"، يستعرض جورج زيناتي فيه مفهوم الحرية من سقراط إلى برغسون، باحثاً عن المشترك بين أهم الأسماء في تاريخ الفلاسفة، وفي ذلك نوعٌ من القراءة الانتقائية ربما، أو التأويل الباحث عن فكرةٍ واحدة، وهي أن الحرية عند هؤلاء الفلاسفة لا تعني حرية الاختيار بين احتمالين، بل هي حتمية اختيار الخير. وهي فكرة أظنها واضحةً عند سقراط الذي يعتبر بأن الفضيلة معرفة. وكذلك عند أفلاطون الذي يعتبر بأن وظيفة الفلاسفة البحث عن الحقيقة في عالم المثل.
ما يلفت الانتباه إليه زيناتي، أن هذه المعرفة التي كانت تطمح إلى معرفة المطلق الثابت قد تحولت بعد المحطة الكانطية إلى البحث عن المطلق في المتحول وفي التاريخ (وهذا واضح بدرجة واضحة عند هيغل). لكنها لم تشذ عن حتميتها، التي لم تعد حريةً فردية عند هيغل بل حرية جمعية. ليس التاريخ إلا سيرورة نحو المزيد من العقلنة (الروح) والحرية.
الحرية إذاً ليست اختياراً، بل حتمية فعل الخير. (م. ح)

نحن لا نروم هنا أبداً أن نعرض بالتفصيل المفاهيم المتعددة والمختلفة للحرية لدى كبار الفلاسفة في العصور المتعاقبة. ما ننشده عكس ذلك؛ فإن كان عرض أي مذهب عبارة عن تبيان أصالته وبالتالي إظهار ما يميّزه من غيره، فنحن هنا نريد التشديد على أنه على الرغم من الخلافات التي من السهل التعرف إليها، فإننا نؤكد أن مفهوم الحرية الذي دافع عنه معظم الفلاسفة منذ سقراط يمكن أن نرجعه إلى وحدةٍ بيّنة.
هذه الحرية التي يمكن أن ندعوها روحية لديها ثابتة: إنها المعرفة ـ وليست أي معرفة، بل المعرفة الأخيرة ـ هي التي تجعلنا أحراراً، ونحن إن نظرنا إلى تأثيرها، تصبح هذه المعرفة سعادة.
وهذه الحرية هي في جوهرها تأملية، أي إنها بمعنى ما تخشى الممارسة والعمل، وذلك لأسباب سنشرحها لاحقاً. ما تبغيه في الواقع هو الوصول إلى المطلق، أي إلى الكلمة كأصل. (71)
يختصر سقراط في جملة قصيرة شهيرة هذه الحرية الروحية حين يقول: "ليس من شرير بإرادته"؛ فكل شرٍ يأتي من نقصٍ في المعرفة، من استبداد بسبب الجهل، من عبودية للأهواء، ومن تعلق شديد بأشياء هذا العالم. من عرف الحقيقة عرف الغاية الأخيرة لوجوده واتبع سبيله. إنه يتحرر من كل ما لا نفع له ومن كل شرٍ وأذية. الإرادة تحررٌ يأتي بواسطة المعرفة، ومن كان شريراً هو من لا يملك بعد أرادته كاملة. إرادته لا تزال قوةً لم تتحقق بالكامل بسبب نقصٍ في المعرفة.
ثمّة واقعتان يجدر الوقوف عندهما:
1ـ الحقيقة هي سيد مستقل يمارس سلطةً بلا حدود ونهائية لمن تأملها. من عرفها أصبح خادمها دوماً، وحين يدخل في مملكتها لا يستطيع أن يخرج منها، لذا فهو لا يستطيع أن يعمل إلا الخير لأن الخير وحده هو الحقيقة. وبهذا المعنى نستطيع القول إن حرية الالتزام هي من ضمن حرية التحرر. فمن تحرر من طريق معرفة الحق تحرر إلى الأبد من الشر، وبالتالي التزم نهائياً عمل الخير، وما عاد يقوم سوى بأفعال عادلة.
2ـ الحرية، وهي ليست تردداً بين أمرين أو قدرةً على الاختيار بين متناقضات، بل هي تحرر كلي من العبودية للشر؛ من كان حراً لا يختار لأنه سسيقوم بالضرورة بفعل الخير. إن الحيرة بين احتمالات عدة لا معنى لها حين تتحرر الإرادة بفضل المعرفة. سنعود إلى هذه القضية حين نتكلم على ديكارت.
إن كان كل شرٍ يأتي من الجهل، فكيف يمكننا أن نعرف الحقيقة كي لا نفعل إلا الخير؟
يجيب سقراط في خطابه الأخير بما يلي: "ما دمنا في قيد الحياة، فإن أفضل طريقة للاقتراب من المعرفة هي ألا نتعاطى مع الجسد إلا عند الضرورة القصوى، وأن نتجنب أن تفسدنا طبيعته إلى أن يخلصنا الله منه. حين نكون قد تطهرنا من جنون الجسد نصبح على صلة بالأشياء الطاهرة ونعرف كل ما ليس خليطاً، وهذا بالتأكيد هو الحقيقة". (فيدون)
كل حرية تحرر هي إذاً حرية تحرر من الجسد الذي يقف حائلاً بيننا وبين الحق. (72)

السعادة عند أرسطو
"إن النشاط الإلهي المتفوّق بسعادته لا يمكن أن يكون إلا نشاطاً تأملياً، لذا كلما اقترب الإنسان من التأمل ازدادت سعادته، أما باقي المخلوقات الحية فمن المستحيل أن تعرف أيَّ سعادةٍ لأنها لا تستطيع أن تمارس التأمل [..] وكلما ازدادت قوة التأمل ازدادت احتمالات سعادتنا، وليس هذا بالصدفة لكن بفضل طبيعة التأمل[..]، حتى أننا نستطيع القول إن السعادة نوعٌ من التأمل" (الأخلاق إلى نيقوماخوس) (74)

**[يستعرض بعد ذلك زيناتي الحرية عند كل من أفلاطون وأرسطو وديكارت. قبل أن ينتقل إلى الحديث عن اسبينوزا وكانط وهيغل وبرغسون أخيراً.]

اسبينوزا
"مما قلناه كله نستطيع أن ندرك بسهولة ما هي الحرية، وأحدّدها بقولي إنها حقيقة ثابتة يحصل عليها عقلنا بوحدته المباشرة مع الله كي تَنتُج عندئذٍ أفكارٌ [..] تتماشى مع طبيعته". (اسبينوزا)
المعنى الأول للحرية هنا هو التحرر الكامل نحو الأسباب الخارجية من أجل اكتساب الاستقلال الذاتي التام. غير أن حريةً كهذه ليست سوى المقدمة نحو حرّيةٍ أخيرة وهي الاتصال بالله من طريق الحدس الذي يسميه النوع الثالث للمعرفة، والتي تمر أولاً بالمعرفة الحسية ثم المعرفة الاستدلالية، وأخيراً المعرفة المباشرة هذه. هناك مع كل درجة من المعرفة مرور من الوجود إلى وجودٍ أكمل، ومع الدرجة الثالثة هناك خلاص من عبودية الجسد، وعبور إلى غبطة الحرية التي هي المحبة العقلية لله.
مع اسبينوزا هناك عهد ينتهي وهو العصر ما قبل النقدي للماهيات. كانت الماهية قابلةً للإدراك العقلي البشري، وإدراك الماهية الأخيرة كان يعني معرفة النظام الإلهي المستند إلى الضرورة، ومن هنا نستطيع أن نفهم قول اسبينوزا "الحرية ضرورةٌ وقد فُهِمت" ((76)
كانط والأخلاق
قاد كانط انقلاباً كاملاً مع مفهوم الأمر القاطع للعلاقة بين المعرفة والمطلق. ففي مفهوم الحرية نفسه لا يستطيع العقل البشري أن يدرك المطلقَ لأنه ينتمي إلى عالم النومين، أي عالم الشيء كما هو في حقيقته الأخيرة، ومعارفنا العقلية ليس لها من موضوع سوى الظواهر. هذه هي الطريق المسدودة التي قادنا إليها كتابُه نقد العقل المحض. لا تستطيع استدلالاتُنا العقلية أن تقودَنا إلى برهان عن أي شيء خارج الظواهر. فعالم الأشياء في ذاتها مغلق أمام العقل البشري، وهنا بدل أن يقودنا العقلُ المحض إلى المطلق الذي يؤسس حريتنا، يقودنا إلى نقائض، أي إلى القدرة على برهنة الشيء ونقيضه.
غير أن كل شيء في الطبيعة يتصرف بحسب قوانينَ ثابتة، في حين أن الإنسان وحدَه قادر على أن يتصرف طبقاً لمبادئ، أي طبقاً لتمثلاته، أي تصوراته لهذه القوانين، وهو يملك تالياً إرادةً هي مرادفٌ لعقل عملي يتصرف بمقتضى قاعدةٍ معيّنة.
يحدد عقلٌ كهذا المبادئَ الموضوعية للإرادة، غير أن هذه الأخيرة ذاتية، أي قادرة على الاعتراف بهذه المبادئ على أنها شرائع ضروريةٌ موضوعياً وتالياً فهي صالحة، غير أنها [الإرادة] تتصرف تحت تأثير دوافعَ أخرى آتية من الطبيعة الحسية. هذه الإرادة ليست متقبلة وتلين أمام هذه المبادئ الموضوعية، لذا تمثل هذه المبادئ أمامها كإكراه، كوصية من العقل، وصيغة هذه الوصية هي الأمر، وهناك بين هذه الأوامر أمرٌ خاص لا يسعى لبلوغِ أي هدفٍ آخر سوى هدفِه هو، لذا فهو يتحكم مباشرةً في تصرفنا، وهذا الأمر قاطعٌ حاسمٌ غيرُ مشروط وهو الأمر الأخلاقي.
هذا الأمر هو قبلي (سابق للتجربة) آتٍ من العقل، وعلى الإرادة كي تصبح صالحةً وجيدةً وتفعل الخير أن تطيع هذا القبلي بلا شرط. لا تصبح الإرادةُ مستقلةً إلا حين تتماشى مع قانون الأمر الحاسم غير المشروط، لذلك تكون طيّعةً أمام التحديات الموضوعية ومبتعدةً عن جميع التأثيرات الذاتية، عندئذٍ لا يعود هذا الأمر إكراهاً لأن رابطةً لصيقةً تجمع بين الحرية والقانون. إن جعل تصرفنا قاعدةً صالحةً كلياً كما يتطلبه هذا الأمر القاطع يعني إطاعة المطلق من دون معرفة ماهية هذا المطلق، لأن هناك واجباً يفرض نفسه قبلياً، ومن دون أي شرطٍ كان المطلق موجوداً. إن الفعل الأخلاقي، العمل الحر بامتياز، هو غايةٌ في ذاته لأنه لا يبغي أيَّ شيءٍ خارجه، وهو لا يحتاج إلى تبريرٍ قائمٍ على حججٍ عقلية، وإلا وقع في عالم الظواهر الذي يقع بدوره في العالم الحسي. وعند مقاربة هذا الأمر يجب ألا تؤخذ في الاعتبارعواقب تصرفاته، لأن ما يهم هو النية الصِرف.
يمكن القول إن كانط يدفع بالحرية الروحية إلى ذروتها؛ إذ يرى أنني أصبح بواسطة حريتي عضواً في عالم المعقولات من دون أن أعرف بالضبط ما هو فعلاً عالم المعقولات هذا، إذ إن الواجب ينفّذ من دون سؤال أو شرط. (77)
هيغل
حين أعلنت الفلسفة النقدية الكانطية أن المطلق ـ النومين أو الشيء في ماهيّته ـ يقع خارج نطاق العقل البشري، أغلقت أبواب السماء أمام أي نظر استدلالي، فمهدت بذلك الطريقَ أمام توجّه جديد للفلسفة: بدلاً من أن تبحث عن المطلق في الماوراء، في العلاء، ستبحث عنه هنا على الأرض وبين الناس، أي في الزمن الذي يعيشون فيه. ومن هنا نستطيع أن نفهم ونفسّر الأهمية كلها التي اكتسبها التاريخ البشري في الفلسفات كلها التي جاءت بعد كانط، هذا التاريخ الذي قيل عنه بملاحظة شهيرة [لماركس] "إن مهمته هي إقامة حقيقة الحياة الدنيا بعد أن زالت ماورائيات الحقيقة".
مع هيغل هناك انقلاب تام لمفهوم المطلق؛ فهذا الأخير ما عاد ماهيّةً ثابتة لا تتغير ولا تتبدّل يدركها الإنسان بعقله ويحاول أن يقترب منها إلى الحد الأقصى، بل هو ما يفعله البشر وهو يعاني ما يعانونه.
كي نختصر إلى أقصى حدّ نقول إن فلسفة هيغل ـ وهي فسفة التاريخ البشري وتستمد من هذا التاريخ حقيقتها كلها ـ تدور حول ثلاثة محاور أساسية: الفكرة والروح والمفهوم.
الروح هو كل ما هو حقيقي في ذاته ومن أجل ذاته، وكحقيقة هو أبدي . لم يكن هناك قط زمنٌ لم يكن فيه الروح، ولن يكون هناك زمن ينتهي فيه. الروح الذي كان دوماً هو إذاً "حضورٌ مطلق"، وكما أن ليس له أمسٌ ولا غد، فإنه الراهن بامتياز، إنه الآن.
كل ماضي الروح الذي يشكل التاريخ البشري منذ بدايته وحتى أيامنا تحفظه الفكرة. بفضل الفكرة لا تضيع أي حقيقة من حقائق الماضي، كذلك فإنها تلتصق بالحاضر. لذا يتعاطى التاريخ بالمظهر فحسب مع الماضي. وموضوعه الحقيقي هو بالأحرى الحاضر. الفكرة هي إذاً هذه الاستمرارية للحاضر. إنها حاضرة دوماً. يتطور الروح في ذاته في المراحل المتتالية للتاريخ، وحين يتطور يصبح المفهوم. بتعبير آخر، علينا تصور الروح على أنه طاقة صِرف وإمكانيةٌ تسمح بوجود العمل لأنه نبع كل عمل. حين يتحقق هذا الروح من طريق عمله والجهد الذي يقوم به يعي ذاته أكثر فأكثر، وهذا الوعي لذاته، أو هذه الحالة الرهنة التي هو فيها، تشكل المفهوم: إن روح العالم الراهن هو المفهوم الذي يرسمه الروح لنفسه، وهو الذي يرعى العالم ويحكمه، وهو ناتج من جهد ستة آلاف عام: إنه ما فعله الروح من طريق عمل التاريخ وما نتج منه. هكذا يجب أن نفهم التاريخ؛ لآن ما يظهر فيه هو العمل الذي بفضله يتوصل الروح إلى معرفة ما هو وإلى تحقيق ذاته عينها في الحلقات المتنوعة. (هيغل؛ العقل في التاريخ؛ ص 214)
لنقل إن المحاور لثلاثة تتقاطع في المفهوم لأنه النهاية الأخيرة الحاصلة، في حين أن الروح ـ وهو كونه في ذاته، مستداماً، وما هو عليه الآن ـ هو ما كانه دوماً، لكن بفضل المفهوم، أي بفضل عمل الإنسان، بات يملك وعياً أوضح عن ذاته.
بفضل نظرية المفهوم سيُدخِل هيغل العمل إلى قلب التأمل، من طريق إحداثه انقلاباً جذرياً في العلاقة بين الإنسان والمطلق: ما عاد الإنسان هو الذي يحتاج إلى مطلقٍ موجود سلفاً كي يتحقق، بل إن المطلق هو الذي يحتاج إلى عمل الإنسان كي يصبح واقعاً وحقيقة، ذلك أن هدف الروح هو الوصول إلى الوعي المطلق وجعل هذا الوعي الحقيقة الوحيدة؛ فالروح ليس مصنوعاً سلفاً بل يحتاج إلى عمل الإنسان في مسيرة وعيه لذاته، أي إنه يبقى نتيجة تحصل؛ مشروعاً ينتظر أن يتحقق.
الانقلاب جذريٌّ كذلك على مستوى الحرية الإنسانية وعلى المستوى الأخلاقي. فـ"في جميع الفلسفات السابقة التي تكلمنا عليها، كان الخير هو الغاية الأخيرة وكان هذا الخير في متناول قدرة الإنسان فردياً من طريق المعرفة التي تمكنه من التحرر من عبودية الجسد. يبدو هيغل وكأنه يعيب على هذه الفلسفات كلها أنها جعلت من الحياة الدنيوية مجرد وسيلة لتحقيق هذه الغاية، في حين أن الحياة على هذه الأرض هي المطلق عينه". (العقل في التاريخ؛ ص 213)
في فلسفةٍ كهذه، نستطيع بسهولة أن نرى ما تصبح عليه الحرية. الحرية لها مهمة أساس، هي أن تجعل المفهوم يتقدم باستمرار، فكلما تطور المفهوم واغتنى، أصبح الروح حراً من طريق توسيع وعيه لنفسه. هناك إذاً تكوّن متدرج للحرية مرتبط بتاريخ البشرية. إن الطبيعة المنطقية، أو بالأحرى الدينامية للمفهوم عموماً، هي أن يتعيّن بنفسه، وأن يتخطى هذه التعيينات وأن يكتسب في النهاية تعييناً إيجابياً محسوساً وأغنى من السابق. إن الحرية هي إذاً مسيرة منتصرة يقوم بها الروح نحو المطلق بفضل المفهوم الذي يكتسب المواقع الواحد بعد الآخر. المفهوم هنا هو فعلاً جيش يغتني بفتوحاته.
في هذا المفهوم للحرية لا يبقى الكثير للفرد وللفلسفة الأخلاقية، لأن ما يهم هو إعناء المفهوم، لذا يستطيع هيغل أن يقول، من دون أن يناقض نفسه، إن الأوساط المنادية بالفضائل والتواضع ليس لها أي حق في توجيه انتقادات صارمة ضد الأعمال التاريخية الكبرى ومن أنجزها، لأن هؤلاء ليسوا سوى وسائل تنقذ مطامح المسيرة الكبرى للإنسانية.
مع هيغل هناك مرحلة نحو المحسوس، نحو المشاركة للممارسة المباشرة، قد أُنجزت؛ فهو حين جعل من المطلق إنتاجاً أثمره عمل الإنسان، فإن الحرية البشرية تبسط من عليائها التأملية النظرية كي تشارك في تقلبات الحياة العملية.
غير أن مفهوم هيغل للحرية يبقى بصورة جوهرية مفهوماً روحياً لأن الحرية تقوم على البقاء في عنصرها الخاص بها. الواقع أن الروح وحده يفي بهذا الغرض، لأن جوهره (المادة) موجود خارجه. وكلما اتجه الروح نحو مركزه، أصبحت الحرية واقعاً محققاً. يبقى أن نقول إن هذه الحرية الروحية وأمثالها لا تكتسب طابعاً فردياً بل جماعياً؛ فهي ليست عمل فرد بل مسيرة التاريخ المسكوني، لذا ليس هناك إنسان واحد حر كما حصل مع الشرقيين، وليس هناك بعض الأفراد فحسب هم الأحرار، كما في العالمين اليوناني والروماني، لكن جميع الناس هم أحرار "لأن الإنسان، بوصفه إنساناً، هو كائنٌ حر". (ص 78، 79، 80)

برغسون
يدافع برغسون عن مفهوم بيولوجي للحرية، ولا يخلو مفهومه من نقاط تقاطع مع هيغل. ويميّز في كتابه الأول الصادر في عام 1889 بعنوان "بحث في المعطيات المباشرة للوعي"، بين مفهومين للزمان: زمان مادي من السهل قياسه حين نحوّله إلى فضاء، وزمانٍ روحي داخلي هو الديمومة، ويقابلهما مفهومان للأنا: الأنا السطحية، والأنا العميقة عند كل شخصٍ منا. والسؤال هو: أين تقع الحرية في تقسيمٍ كهذا؟ كلما كان الفعل نابعاً من الأنا السطحية، فقدَ من ماهية الحرية فيه. ليس للأعمال الآلية الكثير من الحرية لأنها تأتي من دون تفكير كردّة فعل. تبلغ الحرية ذروتها مع الأفعال التي تعبّر عن النفس بجميع ما فيها من سموّ، فهناك إذاً تدرّجٌ في مساهمة الحرية في أفعالنا، وحين يخرج عملٌ من أعماق الأنا يكون الأكثر حرية لأنه يتماهى معها.
غير أن الأنا الأعمق تعني أن ننتزع أنفسَنا من الزمان الرياضي (القابل للحسبان) وأن نعيش في كنف الديمومة وحدها، إذ نمتلك حينئذٍ ذاتنا وننسى العالم الخارجي المتقلّب. الحرية هنا هي التخلص من الحياة السطحية كي نلج إلى أعماق الأنا، حيث قوةُ إبداع الديمومة وامتلاكُنا ذاتنا بعيداً عن صخب الزمان السطحي ولقاء الأصل الحقيقي للوجود في داخلي.
الحرية هنا بوصفها عودةً للأنا العميقة هي حرية روحية تتطلب مسبقاً التحرر من كل ما يعيق مثل هذه العودة من صعوبات.
غير أن أطروحةً كهذه للحرية لا تتخذ بعدها كلَّه إلا مع كتابه "التطور المبدع" الصادر في عام 1907. ونفهم من العنوان أن برغسون متأثر هنا بالإنكليزيَين تشارلز دارون وكتابه "أصل الأنواع" الصادر في عام 1859، وهربرت سبنسر وكتابه "مبادئ علم الأحياء" الصادر بين عامي 1864 و 1867.
يتخلى برغسون في هذا الكتاب عن مفهوم الديمومة ويتبنى مفهوم الاندفاع الحيوي؛ هذا المبدأ الذي يفسر لماذا كان هناك نشوء وارتقاء وتطوّر. حصل الارتقاء لأن الأمور لم تجرِ منذ البداية بشكلٍ آلي ميكانيكي، بل كان هذا الاندفاع الحيوي موجةً متدفقة تعاكس حركة المادة الانحدارية في العادة، فينشأ عن هذه الموجة وعي هو الحرية: "الوعي ـ بشكلٍ جوهري ـ حر، بل إنه الحرية عينها". (التطور المبدع)
كأنّ برغسون يستعين بهيغل وبمفهومه عن الروح الحي كي يواجه الموجة المادية لمفهوم النشوء والتطور؛ فهذا الروح عند هيغل يعي ذاته أكثر فأكثر، وهو نقيض المادة ويعاكسها، والحرية هي الاسم الآخر لهذا الوعي المتدرج والمتطور كي تصبح الإنسانية كلها مجموعةً من المواطنين الأحرار.
وكما أن الروح عند هيغل هو منذ البدء يحتاج في ذاته إلى أن يتطور في التاريخ الإنساني وشقائه كي يصبح واقعاً جديداً، أي لأجل ذاته، هناك منذ الأصل، منذ بداية الوجود، اندفاعٌ حيوي يتمظهر مع الزمان. "وهكذا فإن جميع الكائنات العضوية [..] منذ أول بدايات الحياة إلى الزمن الذي نعيش فيه، وفي جميع الأمكنة وفي جميع الأوقات، لا تفعل شيئاً آخر سوى إظهار اندفاعٍ وحيد أمام أعيننا معاكسٍ لحركة المادة [..]. جميع الأحياء يتعاصرون وجميعهم يستسلمون لهذا الاندفاع الرائع عينه.. الإنسانية كلها، في المكان والزمان، هي جيش جرّار يزحف، قادر على التغلب على كل مقاومة وتخطي كثير من المعوقات، وربما الموتَ عينه". (التطور المبدع)
كلمات الانتصار هذه عن مسيرة الحياة في حركتها التصاعدية من أجل قهر المادة وانتصار الروح، تذكرنا بهيغل ومسيرة التاريخ التي لا تتوقف، بل تسخر حتى من العظماء وتوظفهم لغايتها.
يبقى أن نقول إن هذا الاندفاع الحيّ هو تعالٍ بالنسبة إلينا، وهو في الوقت عينه محايث لنا؛ أي إنه الأصل الأول لكنه ليس مفروضاً علينا من الخارج لأننا نساهم فيه. هنا يمتزج عمل الله بعمل الإنسان. التدفق الذي كان منذ البدء لا ينقطع والله "هو حياة لا تتوقف، وعمل وحرية، وعملية الخلق ليست سراً عصياً على الفهم، فنحن نحياه في داخلنا ما إن نتصرف بحرّية". (التطور المبدع)
من المفاهيم الفلسفية كلها التي استعرضناها بإيجاز يمكننا أن نستخلص ما يأتي:
ـ هناك حرية إنسانية، وهي بحث عن المطلق، وقد كان هذا المطلق عند هيغل متعالياً لا يدين في وجوده بأي شيء إلى الإنسان. وفي جميع الأحوال، فإن هذه الحرية هي في جوهرها حرية التحرر بواسطة المعرفة (أو وعي الذات) من كل ما يشكل العائق بين الإنسان والمطلق. هذا العائق، وهو الشر بامتياز، كان يحمل أسماء متعددة ربما كانت تعبّر عن واقع واحد: الجسد، الطبيعة الحسية، المادة، إلخ..
ـ كي يحقق الإنسان تماماً هذه الحرية عليه أولاً أن يسيطر على القوى المظلمة الكامنة في كيانه، والناحية المادية كلها في وجوده. هناك إذاً إنسان تحرر بفضل معرفته هو الذي يواجه الدنيا والحياة العملية وتقلبات عالم المحسوس والصراعات بين الناس. تشكل الحرية مثل هذه الناحية النيّرة والنقية لدى الإنسان، وهي تدير ظهرها بالضرورة للعمل الصاخب الحقيقي للحياة، وللعنف المستشري فيها. ومن الصواب أن نقول إن فلسفة هيغل تحمل بذور عنف التاريخ البشري كله بعد أن أدخلت المطلق إلى عالمنا المتوتر باستمرار. غير أن مفهوم الحرية الذي تنادي به يبقى مفهوماً روحياً ـ في الأقل مبدئياً ـ لأنه يستهدف الكوني الكلي.
ـ إن المعنى الأعمق لهذه الحرية الروحية هو في البحث عن أصل الذات كي تجعل من العودة إلى هذا الأصل هدف مصيرها.
ـ الأصل الذي تكتشفه جميع هذه الفلسفات، والتي تسميه الذكاء أو العقل أو النومين أو الروح أو الاندفاع الحيوي، هو أصل جميع الأصول الذي دعوناه في الفصل الأول النطق أو الكلمة. وترجع هذه الحرية إلى بنيتي التي لا تختزلُها بنية. إلى بنيتي ككائن أبدي لامتناهٍ وفرح يتخطى كل ما يمكن أن يحتويه.
ـ الحب والمعرفة هما إذاً الطريقان اللتان تؤديان نحو هذا المطلق، هذا الظمأ إلى اللامتناهي المترسخ داخل كياننا والمالئ لوجودنا.

 (ص 81، 82، 83)

ملاحظة: الكتاب صادر أساساً عام 1972 بالفرنسية عن منشورات جامعة باريس (نانتير)، قام المؤلف بترجمته إلى العربية، مع تعديلات عليه تؤكدها المصادر التي استند إليها المؤلف ـ المترجم، والتي صدرت بعد تاريخ كتابة الكتاب بالفرنسية بزمن طويل.
يتابع في الفصل التالي عن الحرية والمسؤولية والعمل عند سارتر والماركسية وغيرها..
يقع الكتاب الصادر في بيروت عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في 144 صفحة ويتضمن فهرساً عاماً وقائمة بالمراجع.