الأربعاء، 21 فبراير 2018

جدلية العلاقة بين الجسد والعقل في الفكر الفلسفي؛ عماد الدين ابراهيم عبد الرازق.





جدلية العلاقة بين الجسد والعقل في الفكر الفلسفي

عماد الدين ابراهيم عبدالرازق
2016
مقدمة:
مسألة العقل والجسد هي مسألة فلسفية تظهر في مجال الميتافيزيقا وفلسفة العقل، بسبب كون الظواهر النفسية تبدو مختلفة اختلافاً كبيراً في النوع. ويوجد العديد من النظريات التي تحاول أن تحل هذه المسألة المعقدة، أي علاقة العقل بالجسد أو الجسم؛ ومن أهم النظريات النظرية الثنائية "Dualism" التي ترى أنّ العقل والجسم عبارة عن جوهرين متمايزين، ويمكن إرجاع النظرية الثنائية في العلاقة بين العقل والجسم إلى أفلاطون ومدارس اليوجا الفلسفية الهندية. أمّا في الفلسفة الحديثة فهي ترجع إلى ديكارت رائد المذهب العقلي في الفلسفة الحديثة، خصوصاً في القرن السابع عشر. يرى ديكارت أنّ العقل والجسد جوهران متمايزان، بمعنى أنّ العقل جوهر مستقل بذاته، والجسد جوهر مستقل بذاته، ورغم هذا التمايز بين الجوهرين إلا أنه يوجد علاقة متبادلة وعلاقة تفاعل بينهما، فالعقل يؤثر في الجسم، والعكس صحيح، فالجسم (الجسد) يؤثر في العقل. بمعنى أكثر وضوحاً أنّ الظواهر العقلية تؤثر في الظواهر الجسمانية، ويتأثر بها الجسم.
 أيضاً هناك النظرية "الواحدية" في تفسير العلاقة بين العقل والجسد، وترى أنّ الجسد والعقل هما جوهر واحد، فبينما ترى النظرية الفيزيائية أنّ كلاً من العقل والجسد عبارة عن مادة، ترى نظرية "الواحدية المثالية" أنّ العقل والجسد متمركزان، أو كلاهما متمركز في العقل؛ وترى "الواحدية الطبيعية" أنّ كلاً منهما يمكن إرجاعه إلى جوهر ثالث "محايد". والنظرية الواحدية التي ترى أنّ العقل والجسد كيان واحد تعود في جذورها إلى "بارميندس" في القرن الخامس ق. م.
وبعد ذلك تبنى هذا الرأي في العصر الحديث وتحديداً في القرن السابع عشر، "باروخ اسبينوزا". وقد رُفضت نظريتا الثنائية والأحادية، أي تقسيمات جوهرية كحل لمشاكل العقل والجسم، وهذا الرفض بالتقسيم بين العقل والجسم أصبح الأساس الذي قامت عليه الفلسفات الغربية بعد ذلك.
وهناك كذلك بعض النظريات التي تتعرض لعلاقة العقل بالجسم، وتحاول أن تختزل الجسم إلى العقل، وهذه النظرية تُسمى النظريات العقلية، ومن أمثلة هذه النظريات العقلية يوجد نظرية "هيجل" وأنصاره من أتباع النظريات المثالية المطلقة، التي ترى أنّ كل العالم المادي يكون بالفعل عقلياً أو روحانياً في طبيعته. وفي مقابل النظريات العقلية توجد النظريات المادية التي تحاول أن تختزل العقل إلى الجسد؛ وبين هاتين النظريتين توجد نظريات متوسطة. وسوف نحاول في ورقتنا البحثية هذه إلقاء الضوء بالتفصيل على تلك النظريات المختلفة التي تفسر العلاقة بين العقل والجسد.
أولاً: النظريات الثنائية
(أ) الثنائية الديكارتية
تتمثل النظرية الثنائية في القول إنّ العقل والجسد (الجسم) شيئان مختلفان ومتمايزان؛ ويرى صاحب النظرية الثنائية أنّ الإنسان يكون مركّباً من جسم وعقل، الجسم يمثل الشيء المادي، والعقل يمثل شيئاً غير مادي. ومن أشهر هذه النظريات الثنائية نظرية "ديكارت" التي تُعرف باسم "الثنائية الديكارتية". ويرى "ديكارت" أنّ الإنسان مركب من عنصرين منفصلين تمام الانفصال، العقل وماهيته التفكير، والجسم وماهيته الامتداد، ولا توجد خاصية لأحدهما في الآخر، ويرى "ديكارت" أنه لا توجد علاقات منطقية تربط بين ما هو عقلي، وما هو جسماني أو مادي طبيعي.
وهذا التمايز بين الجوهر العقلي والجوهر الجسماني هو ما يعرف باسم الثنائية الديكارتية. هذه الثنائية تنفي وجود اتصال بين العالم العقلي والعالم المادي. ويشير إلى أنّ النفس روح بسيطة مفكرة، والجسم امتداد قابل للقسمة، وليس في مفهوم النفس شيء ما يخصّ الجسم، وليس في مفهوم الجسم شيء ما يخصّ النفس.[1]
(ب) الثنائية الحزمية "bundle dualism"
هذه النظرية ترجع إلى "هيوم" الذي يتصور أنّ العقل هو عبارة عن حزمة من الإدراكات الحسية، كما أنّ هذه النظرية تؤكد على أنّ العقل يكون سلسلة متوالية أو تعاقباً وتتابعاً من الموضوعات غير المادية التي تكون متميزة عن الجسم على الرغم من ارتباطها بالجسم. فالعقل عند "هيوم" ليس شيئاً قائماً بذاته، وإنما هو مجموعة من الأفكار والانطباعات والذكريات تتتابع في حركة عجيبة تأتي وتزول ويحل محلها غيرها وتعود إلى الظهور مرّة أخرى. وليست الذات سوى حزمة من الإدراكات المختلفة التي تعقب إحداها الأخرى بسرعة تفوق حد تصورنا. فالمعرفة البشرية في نظر "هيوم" ترجع إلى إدراكات العقل التي تنحل إلى نوعين متميزين: الانطباعات والأفكار، الانطباعات هي الإدراكات التي تدخل العقل بقوة وعنف للمرّة الأولى وتشمل الإحساسات والعواطف، والأفكار هي ما في التفكير والاستدلال من صور باهتة من الانطباعات.[2]
كذلك توجد النظرية التفاعلية "interactions" في تفسير العلاقة بين الجسد والعقل، ويرى صاحب النظرية التفاعلية أنّ العقل والجسم يرتبطان ببعضهما بعضاً أو يؤثران في بعضهما بعضاً، الجسم يؤثر في العقل، والعقل يستجيب لتأثير الجسم. وهذه النظرية ترى أنه توجد علاقة علية بين النفس والجسم من جهتين، فالحالات النفسية والعمليات العقلية تؤدي إلى إحداث تغيرات معينة في الجسم، كما أنّ بعض التغيرات الفسيولوجية في الجسم تكون علة لأحداث حالاتنا النفسية وعملياتنا العقلية. فالنفس تؤثر في الجسم، على سبيل المثال يؤدي الإحساس بالجوع إلى تقلص المعدة، فالبحث عن الطعام، [لماذا يكون الإحساس بالجوع سابقاً لتقلص المعدة؟]، وانفعالات الخوف والغضب يصطحبه مزيد من إفراز العرق وارتعاش العضلات والأطراف ونشاط مفاجئ في خلايا المخ؛ والتفكير قد يصطحبه سرعة نبض القلب. ومن أمثلة تأثير الجسم على حالاتنا النفسية أنّ احتراق إصبعي قد ينشأ عنه إحساس بألم، وضربة قوية على مؤخرة الرأس يتبعها إحساس بألم حاد، وقد يتبعه فقدان الشعور[3].
وكذلك من النظريات الهامة التي حاولت أن تحل وتفسر العلاقة بين العقل والجسد، نظرية الموازاة النفسية الجسمية "Psycho-physical parallelism" وتعود جذور هذه النظرية إلى العالم "فشنر"، وهو أول من استخدم كلمة "موازاة"، وكذلك عالم النفس الألماني "كوهلر".
وتنطلق هذه النظرية من واقعة أساسية، وهي أنّ بين حالاتنا الشعورية وحالاتنا الجسمية علاقة وثيقة مطردة، وترى أنّ هذه العلاقة علاقة علية، على أساس تمسك هؤلاء بقول أستاذهم "ديكارت" [هل فعلاً أن ديكارت هو أستاذ كوهلر؟] إنّ طبيعة حالاتنا الشعورية مختلفة عن طبيعة حالاتنا الجسمية، ويجب ألا تتم العلاقة العلية إلا بين طرفين من طبيعة واحدة، ومع ذلك لا تنكر نظرية الموازاة وجود علاقات علية بين حوادث فيزيائية أو بين حوادث نفسية، فقد يؤدي جرح في يدي مثلاً إلى إثارة الأعصاب المرتبطة باليد ونقل التأثير إلى المخ، وهذه علاقة علية بين حوادث فسيولوجية. كذلك قد يؤدى إحساس بالألم إلى رغبة في أداء عمل ما يخفف من ذلك الألم، وتلك علاقة علية بين حالات نفسية. إذن طبقاً لنظرية التوازي فإنّ كل ما هو عقلي ومادي يوجدان معاً على نحو يوازي فيه أحدهما الآخر، لكنهما غير متصلين معاً سببياً. ويُعدّ مذهب الانسجام الأزلي عند ليبنتز مثالاً على مذهب التوازي.[4]
هذه هي النظريات الثنائية في العقل، ونعرض الآن لبعض النظريات المادية في العقل، والتي تفسر العلاقة بين العقل والجسد. في البداية يرى صاحب النظرية المادية في العقل أنّ الإنسان عبارة عن موضوع مادي أو شيء مادي "Physical object". ومن أشهر النظريات المادية:
1- النظرية السلوكية "Behaveriouism"
وصاحب هذه النظرية السلوكية في العقل يذكر أنّ العقل مجموعة من الموضوعات، ويرى أنه لكي تملك عقلاً يكون ببساطة أن تسلك بطريقة مادية، أي تتصرف بطريقة مادية [؟]. وترجع هذه النظرية السلوكية في نشأتها إلى عالم النفس الأمريكي "واطسون"، وفي العصر الحديث على يد "سكنر"، أمّا أصحاب النظرية السلوكية في العقل من الفلاسفة فنذكر على سبيل المثال "جلبرت رايل" "Gilbert Ryle" في كتابه "مفهوم العقل"، وأيضاً "فتجنشتين" في كتابه: "مباحث فلسفية". [؟]
2- نظرية الحالة المركزية أو المتوسطة في العقل "Central state theory of Mind"
وتعود إلى الفيلسوف الأمريكي "Herbert fugal" "فايجل". وترى هذه النظرية أنّ الحالات العقلية تكون متطابقة مع الحالات المادية في المخ "الدماغ" أو الجهاز العصبي المركزي.[5]
وكذلك تشير هذه النظرية إلى تطابق الحالات العقلية مع الحالات المادية بدرجة كبيرة أو بصورة تامة وكاملة في الجهاز العصبي المركزي، والعقل يملك هذه الحالات العقلية، إذن نستطيع القول وفقاً لهذه النظرية إنّ العقل يكون ببساطة هو الجهاز العصبي المركزي، أو بدرجة أقل دقة لكن أكثر إحكاماً أنّ العقل يكون المخ "الدماغ".
وإلى جانب النظريات الثنائية العقلية، والنظريات المادية التي تفسر العلاقة بين العقل والجسد، يوجد نوع ثالث من النظريات تُسمّى النظريات المتوسطة، أي التي تقع في موقع متوسط بين النظريات العقلية والنظريات المادية؛ ومن أهم هذه النظريات المتوسطة:
(نظرية الخاصة أو الصفة المميزة Attribute theory).
هذه النظرية من النظريات التي ترفض كلاً من الثنائية المجردة والمادية المجردة، وأحياناً يطلق على هذه النظرية الجانب أو المظهر المزدوج "Double Aspect".
وتعتقد هذه النظرية أنّ الإنسان على الرغم من أنه جوهر فردي مستقل، فإنه يملك خصائص وصفات أخرى غير مادية لا يمكن اختزالها وتحويلها إلى خصائص وصفات مادية. وامتلاك هذه الخصائص أو الصفات تجيز لنا أن نقول إنّ الإنسان يملك عقلاً. وترى هذه النظرية أنّ مفاهيمنا وتصوراتنا العقلية تؤيد وتدعم هذه الخصائص المميزة من ناحية، وسلوكنا من ناحية أخرى. ويجب الإشارة إلى أنّ هناك بعض نظريات الخاصية المميزة التي تتخذ من الجوهر الفردي الذي يشكل الإنسان وهو الجسم ليكون شيئاً مادياً، وهذا الجسم يمنح بعد ذلك هذه الخصائص والصفات المميزة؛ ويمثل هذه النظرية "ستراوسن" فهو يتخذ من الشخص مبدأ أساسياً وجوهراً ننسب إليه كلاً من الخصائص والصفات المادية والعقلية[6].
ويرى صاحب نظرية الخاصية المميزة أنّ هذه الخصائص لا تكون خصائص لكل الجسم، ولا لجزء ما خاص، وهذه الخصائص تصبح موضوعاً للحالات العقلية التي توجد بطريقة أو بأخرى مرتبطة بالجسم، على الرغم من أنها تكون مختلفة عن الجسم. وعلى الرغم من أنّ أيّة نظرية في العقل يجب أن تمنحنا الإمكانية المنطقية للوجود العقلي المتحرر من الجسد، إلا أنّ نظرية الخاصية المميزة تجعل الوجود المتحرر من الجسد مستحيلاً منطقياً.[7]
وقد تمّ انتقاد النظريات الثنائية في العقل من جانب عدد من الفلاسفة، نذكر منهم على سبيل المثال الفيلسوف العقلي "آرمسترونج" الذي وجّه انتقاداً هاماً هو: هل النظرية الثنائية تستطيع أن تنهض بأعباء العلاقة بين العناصر الروحانية والمادية في الإنسان بصورة كافية؟ بمعنى آخر هل تستطيع هذه النظرية أن تمدنا أو توفر لنا العلاقة الوثيقة بين العناصر المادية والروحانية في الإنسان؟ والإجابة من جانب "آرمسترونج" أنه يوجد فقط علاقات العلية التي تربط الموضوع الروحاني بالجسم، ومن الطبيعي من وجهة نظره أن نفكر في العقل ونعتقد أنّ مكانه يكون داخل الجسم؛ ومن وجهة نظره أنّ صاحب النظرية الثنائية يمكن أن يلجأ فقط إلى العلاقات العلية بين العقل والجسم، لذلك القائل بالنظرية الثنائية يجب أن يقول إنّ علاقة العقل بالجسم تكون مختلفة تماماً عن تلك العلاقة التي تكون بين الطيار وطائرته.[8]
ويستمر "آرمسترونج" في نقده للنظرية الثنائية، ويشير إلى أنّ صاحب النظرية الثنائية لا يمكنه أن يفسر لنا لماذا نحن نعتقد أنّ العقل والجسم يكونان مرتبطين بإحكام؛ ويرى أنّ وجود الإحساسات الجسمانية ربما يعتقد أنها تشير إلى العلاقة الجوهرية والعميقة بصفة خاصة بين عقل معين وجسم معين.
والنقد الثاني من جانب "آرمسترونج" للنظرية الثنائية أنه يوجد صعوبة بالنسبة لصاحب النظرية الثنائية في قبول التفاعل بين العقل والجسم.
ويوضح أنه لا يوجد صعوبة منطقية في قبول فكرة أنّ الحوادث غير المادية ربما تحدث وتسبب حوادث مادية، أو العكس بالعكس أنها تكون قضية تجريبية تقرر وتحسم بواسطة التجربة. ويحدد آرمسترونج شرطين اثنين يجب أن تفي بهما النظرية الثنائية لتصبح نظرية تفاعلية:
1-  يجب أن يوجد أحداث مادية في المخ يتبعها أحداث أخرى، أي أحداث أولى يتبعها أحداث ثانية، وتكون الأحداث الأولى علة الثانية في المخ.
2-  يجب أن يوجد أحداث عقلية أولية سابقة يتبعها أحداث عقلية أخرى، وتكون الأحداث العقلية الأولى علة للأحداث الثانية في المخ والدماغ، وبناء على ذلك يرى "آرمسترونج" أنّ الأحداث المادية تؤثر في الأحداث العقلية، ويكون الحدث المادي هنا علة وسبباً للحدث العقلي، والأحداث العقلية كذلك تؤثر في الأحداث المادية. وإذا كان العقل يؤثر على المخ أو في المخ إذن يجب أن يوجد مكان في المخ حيث التأثيرات المادية الأولى تؤثر في الأحداث العقلية.[9]
ونقد "آرمسترونج" أيضاً نظرية "الخاصية المميزة"، ورأى أنها يمكن أن تدعي أنّ الخصائص العقلية تتحدد بصورة خاصة عن طريق الحالة المادية الموجودة في المخ؛ لذا يجب أن تسلم هذه النظرية أنّ أجزاء المخ (الدماغ) التي تملك هذه الخصائص العقلية تتميز بواسطة العمل بطريقة لا يمكن أن نعزو إليها أي صفة على أساس القوانين التي تحكم المادة. ويشير كذلك إلى أنّ نشأة وظهور خصائص وصفات عقلية جديدة في "الدماغ" يحمل معها ظهور قوانين جديدة في العمليات المادية في المخ.[10]
خلاصة القول: إنّ هناك نظريات كثيرة ومتعددة تفسر العلاقة بين العقل والجسم، لأنّ هذه العلاقة معقدة ومركبة، وكلّ نظرية تحاول أن تفسر تلك العلاقة من وجهة نظرها، وأنّ هناك نظريات عقلية لتفسير هذه العلاقة المتداخلة بين العقل والجسم، ومن أشهر هذه النظريات النظرية الثنائية، وأشهر ممثليها هو "ديكارت" الذي يرى انفصال واستقلال العقل عن الجسم، بمعنى أنّ كلاً منهما جوهر مستقل قائم بذاته، والتفكير هو جوهر العقل، أمّا الامتداد فهو جوهر الجسم، ومع ذلك لا ينكر حدوث تفاعل بين العقل والجسم، فالعقل يؤثر في الجسم، والظواهر الجسمانية تؤثر في العقل. أيضاً يوجد النظريات المادية في تفسير العلاقة بين العقل والجسم، ومن أشهر هذه النظريات نظرية الحالة المركزية التي تقول بتطابق الحالات العقلية مع الحالات المادية بدرجة كبيرة، وبصورة تامة في الجهاز العصبي المركزي.
ويوجد نظريات متوسطة تقع بين النظريات العقلية والنظريات المادية في تفسير العلاقة بين العقل والجسم، ومن أشهر هذه النظريات نظرية "الخاصية المميزة" التي ترفض كلاً من الثنائية المجردة والمادية المجردة. ومن أهم أفكار هذه النظرية في تفسير العلاقة بين العقل والجسم أنّ الإنسان على الرغم من أنه جوهر فردي مستقل، فإنه يملك خصائص وصفات أخرى غير مادية لا يمكن اختزالها وتحويلها إلى خصائص مادية؛ وامتلاك هذه الخصائص أو الصفات تجيز لنا أن نقول إنّ الإنسان يملك عقلاً.
قائمة المراجع
1- إبراهيم مصطفى إبراهيم: الفلسفة الحديثة من ديكارت إلى هيوم، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، ص 86
انظر أيضاً علي عبد المعطي محمد: تيارات فلسفية حديثة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1984، ص 56
2- Hume, D: A treatise of human nature, london1978, p.2.
3- محمود فهمي زيدان: في النفس والجسد بحث في الفلسفة المعاصرة، دار الجامعات المصرية، الإسكندرية، 1977، ص 184
4- المرجع السابق: ص 191
5- D.M. Armstrong: Materialist Theory of Mind, Rutledge1963, p.11.
6- د. عماد الدين إبراهيم عبد الرازق: العقل عند آرمسترونج، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2007، ص31.
7- Armstrong: Materialist Theory of Mind, p.192.
8- Ibid: p.26.
9- د. عماد الدين عبد الرازق: العقل عند آرمسترونج، ص 28
10- Armstrong: Materialist Theory of mind, p.30.

[1] د. إبراهيم مصطفى إبراهيم: الفلسفة الحديثة من ديكارت إلى هيوم، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، ص 86
انظر أيضاً: د. علي عبد المعطي محمد، تيارات فلسفية حديثة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1984، ص 56
وأيضاً: يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف، القاهرة، ص 82
[2] Hume, D.: A treatise of Human Nature, London, 1978, p.2.
[3] د. محمود فهمي زيدان: في النفس والجسد بحث في الفلسفة المعاصرة، دار الجامعات المصرية، الإسكندرية، 1977، ص 184
[4] المرجع السابق: ص 191
[5] D.M. Armstrong: Materialist theory of Mind, London, Rutledge & K. Paul. 1963, p. 11-12.
[6] د. عماد الدين إبراهيم عبد الرازق: العقل عند آرمسترونج، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2007، ص 31
[7] Armstrong: Materialist theory of Mind, p. 192.
[8] Ibid: p. 26.
[9] د. عماد الدين إبراهيم عبد الرازق: العقل عند آرمسترونج، ص 28
[10] Armstrong: Materialist theory of Mind, p. 28.



الثلاثاء، 20 فبراير 2018

عن ابن رشد؛ خورخي بورخيس؛ ترجمة صالح علماني.


بحث ابن رشد
خورخي لوي بورخيس
ترجمة: صالح علماني


وكان يتصور أن التراجيديا ليست سوى فن المديح…
إرنست رينان، »ابن رشد«، 48 (1861)

أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد (وسيحتاج هذا الاسم الطويل إلى قرن من الزمان، يتحول خلاله إلى «بن راست«Benraist و»آفين ريز« Avenryz، وكذلك »آبين راساد« Aben-Rassad و»فيليوس روساديس« Filius Rosadis، قبل أن يصير »آفيرّوس» Averroés)، كان يحرر الفصل الحادي عشر من مُؤلَّفه »تهافت التهافت« الذي يؤكد فيه، رداً على الزاهد الفارسي »الغزالي« صاحب كتاب »تهافت الفلاسفة«، بأن الذات الإلهية إنما تعلم قوانين الكون العامة، المتصلة بالأنواع لا بالفرد. كان يكتب بتمهل مطمئن، من اليمين إلى اليسار. ولم يكن انهماكه فـي صياغة الحدود المنطقية والربط بين الفقرات الطويلة ليمنعه من الشعور، كحالة من الرخاء، بالمنزل البارد والعميق الذي يحتضنه. ففي أعماق القيلولة تهدل حمائم متيمة، ومن بهو غير مرئي يعلو خرير ماء نافورة؛ وكان شيء ما فـي لحم ابن رشد، الذي ينحدر أسلافه من الصحارى العربية، يَمْتَنَّ لاستمرار تدفق الماء. وفـي الأسفل، كانت الحدائق.. البستان؛ وإلى أسفل، نهر الوادي الكبير المنهمك، وبعد ذلك مدينة قرطبة العزيزة، التي لا تقل ألقاً عن بغداد أو القاهرة، مثل آلة معقدة ودقيقة. وحولها (وهذا ما كان يشعر به ابن رشد أيضاً) تترامى حتى الأقاصي أرضُ إسبانيا التي ليس فيها إلا أشياء قليلة، ولكن كل شيء منها يبدو مستقراً وأبدياً.
كان القلم يجري على الورقة، والبراهين تترابط، غير قابلة للدحض، غير أن قلقاً خفيفاً شابَ سعادة ابن رشد. لم يكن »التهافت«، هو السبب، لأنه عمل عابر، وإنما هناك مشكلة من النوع اللغوي تواجهه فـي المؤلَّف العظيم الذي سيُرسِّخ مكانته بين الناس: إنه شرحه لأرسطو. فهذا اليوناني، ينبوع كل فلسفة، إنما مُنح للناس كي يعلمهم كل ما يمكن أن يُعرف؛ وشرح كتبه وتفسيرها، مثلما يشرح العلماء القرآن، هو الهدف الشاق الذي يسعى إليه ابن رشد. وقليلة هي الأشياء المؤثرة التي سيسجلها التاريخ وتبلغ مبلغ انكباب طبيب عربي على أفكار رجل يفصله عنه أربعة عشر قرناً؛ ولا بد لنا من أن نضيف إلى الصعوبات الكنهيّة أن ابن رشد، الذي لا يعرف اللغة السريانية أو اليونانية، كان يستعين فـي عمله بترجمة عن ترجمة. وكانت قد استوقفته فـي اليوم السابق كلمتان غامضتان فـي بداية كتاب »فن الشعر«. وهاتان الكلمتان هما: تراجيديا وكوميديا. لقد وجدهما قبل سنوات من ذلك، فـي الكتاب الثالث من »الخطابة«؛ ولم يستطع أن يخمن معناهما أحد فـي ديار الإسلام. وقد راجع حتى الإنهاك، دون جدوى، صفحات أليخاندرو دي أفروديسيا، ودون جدوى كذلك، قارن بين ترجمتي النسطوري حنين بن اسحق وأبو بشر متى. وهاتان الكلمتان اللّغزان تردان بكثرة فـي متن »فـن الشعر« بحيث صار من المستحيل تجنبهما.
وضع ابن رشد الريشة. وقال لنفسه (دون كثير من الثقة) إن ما نبحث عنه يكون قريباً منا عادة، وخبأ مخطوط »التهافت« واتجه إلى خزانة الكتب حيث تصطف عدة مجلدات من كتاب »المُحكم« لابن سيده الضرير، نسخها نساخون فُرس. وكان من السخرية الظن بأنه لم يبحث فيها من قبل، ولكن متعة الاسترخاء دفعته إلى تقليب صفحاتها من جديد. وصرفه عن هذه التسلية الدرسية نوع من الترنم. فأطل من الشرفة المُشبكة، وكان هناك فـي الأسفل، فـي الفناء الترابي الضيق، بضعة صبيان شبه عراة يلعبون. كان أحدهم يقف منتصباً فوق كتفي آخر، ويبدو واضحاً أنه يحاكي المؤذن؛ فهو يطبق عينيه بإحكام مرتلاً: »لا إله إلا الله«. بينما يقف الذي يحمله دون حراك ممثلاً المئذنة. وكان صبي آخر يجثو بتذلل على التراب، كما تفعل جماعة المؤمنين. لم يستمر لعبهم إلا قليلاً، لأن كل واحد منهم يريد أن يكون المؤذن، ولا يريد أي واحد أن يكون جماعة المصلين أو المئذنة. سمعهم ابن رشد يتجادلون بلهجة سوقية، يمكن القول إنها الإسبانية الأولية للمسلمين العوام فـي شبه الجزيرة. فتح »كتاب العين« للخليل، وفكر مزهواً بأنه لا يوجد فـي قرطبة كلها (وربما الأندلس كلها) نسخة أخرى من المُؤَّلف العظيم غير هذه النسخة التي أرسلها إليه الأمير يعقوب المنصور من طنجة. وذكّره اسم هذا الميناء بأن الرحالة أبا القاسم الأشعري، العائد من بلاد مراكش، سيتناول العشاء معه هذه الليلة فـي منزل شيخ العلوم القرآنية المدعو فَرَج. وأبو القاسم يقول إنه قد وصل إلى ممالك إمبراطورية الصين؛ لكن خصومه الساعين للحطّ من قدره، بذلك المنطق المتميز الذي يولده الحقد، يقسمون بأنه لم يطأ أرض الصين قط، وأنهم فـي معابد تلك البلاد يسبُّون الله. ولم يكن هنالك مفر من استمرار اللقاء عدة ساعات؛ ولهذا سارع ابن رشد إلى العودة للكتابة فـي »التهافت«. وواصل العمل حتى انتشار غسق الغروب.
وفـي منزل فرج، انتقل الحوار من الحديث عن فضائل الحاكم الفريدة، إلى الحديث عن فضائل أخيه الأمير؛ ثم تحدثوا بعد ذلك، وهم فـي الحديقة، عن الورود. وأقسم أبو القاسم، الذي لم ينظر إليها، بأنه لا وجود لورود مثل الورود التي تزيّن جنائن البيوت الأندلسية. ولم يستسلم فرَج للإغواء؛ ولاحظ أن العلامة ابن قتيبة يصف نوعاً بديعاً من الورود دائمة التفتح تنمو فـي حدائق هندستان، تظهر على بتلاتها الحمراء القانية، حروف تقول: »لا إله إلا الله، محمد رسول الله«. وأضاف بأن أبا القاسم يعرف، بكل تأكيد، تلك الورود. نظر إليه أبو القاسم بذعر. فإن هو أجاب بنعم، سيحكم عليه الجميع، وبحق، بأنه أشد المنافقين استعداداً وبُعداً عن المألوف فـي النفاق؛ وإن أجاب بلا، اتهموه بالكفر. فاختار أن يُغمغم »وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما فـي البر والبحر وما تسقط من ورقةٍ إلا يعلمها ولا حبة فـي ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابسٍ إلا فـي كتاب مبين«. ولأن هذه الكلمات من إحدى أوائل السّور، فقد قوبلت بتمتمة إجلال وتبجيل. امتلأ أبو القاسم زهواً بهذا النصر الجدلي، وكان على وشك أن يقول إن الله هو الكمال »لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير«، لكن ابن رشد قال عندئذ، مستبقاً بزمن طويل حجج شخص سيُدعى (هيوم) كان وجوده ما يزال مشكوكاً فيه آنذاك:
-
إن صعوبة تقبل أن يكون العالم الفقيه ابن قتيبة أو النُساخ، قد أخطأوا، هي أهون عندي من تقبل أن تطرح الأرض وروداً تجاهر بإيمانها.
-
صدقت. وإنها لكلمات عظيمة ومحقة - قال أبو القاسم:
وتذكر الشاعر عبد الملك:
-
يتحدث أحد الرحالة عن شجرة تثمر طيوراً خضراء. وأراني أجد قدراً أقل من المشقة فـي تصديق ذلك من التصديق بوجود ورود عليها كتابة وحروف.
فقال ابن رشد:
-
إن لون الطيور يُسهِّل كما يبدو تصديق المعجزة. أضف إلى ذلك أن الثمار والطيور تنتمي إلى العالم الطبيعي، بينما الكتابة صنعة. فتحول الأوراق إلى طيور أسهل من تحول الزهور إلى حروف.
أنكر ضيف آخر، بسخط، أن تكون الكتابة صنعة، ما دام القرآن – أم الكتاب – سابق على الخلق ومحفوظ فـي السماء. وتحدث آخر عن الجاحظ البصري الذي قال إن القرآن جوهر يمكن أن يتخذ صورة إنسان أو حيوان، وهو رأي يبدو متفقاً مع رأي من ينسبون إليه وجهين. ثم عرض فرج بإسهاب المذهب الحنيف. فالقرآن هو إحدى صفات الله، مثلما هي رحمته، يُنسخ فـي كتاب، ويُلفظ باللسان، ويُذكر بالقلب؛ أما اللغة والرموز والكتابة فهي من عمل البشر، لكن القرآن قطعي وخالد. وكان بإمكان ابن رشد، الذي شرح كتاب »الجمهورية« أن يقول إن أم الكتاب هو شيء من قبيل نموذجِه الأفلاطوني، ولكنه انتبه إلى أن اللاهوت كان على الدوام موضوعاً بعيداً عن مدارك أبي القاسم.
وانتبه آخرون إلى ذلك أيضاً، فألحوا على أبي القاسم أن يروي لهم إحدى العجائب. لقد كان العالم آنذاك، مثلما هو الآن، مريعاً. يمكن للجسورين أن يجوبوه، إنما يمكن أن يفعل ذلك أيضاً البؤساء، الذين يتكيفون مع أي شيء. وكانت ذاكرة أبي القاسم مرآة لحالات جُبن حميمة، فماذا يستطيع أن يروي لهم؟ وهم يطلبون منه فوق ذلك أعجوبة، والأعاجيب قد تكون غير ممكنة النقل؛ فقمر البنغال لا يشبه قمر اليمن، ولكن يمكن وصفه بالألفاظ نفسها. تردد أبو القاسم، ثم تكلم أخيراً:
-
إن من يتجول فـي المناخات والمدن – أعلن بمداهنة – يرى أموراً كثيرة جديرة بأن تُصدّق. وهذه القصة، التي يمكن القول إنني قد رويتها مرة لملك الترك، وقعت فـي صين كالان (كانتون)، حيث يصب نهر ماء الحياة فـي البحر.
وسأله فرَج عما إذا كانت المدينة على بُعد فراسخ كثيرة من السور الذي رفعه الإسكندر ذو القرنين (الاسكندر المقدوني) لصدّ يأجوج ومأجوج.
-
صحارى تفصل المدينة عنه – قال أبو القاسم بغطرسة غير متعمدة – فالقافلة تحتاج أربعين يوماً لكي تَلمح أبراجه، ومثلها من الأيام، كما يقال، لبلوغه. ولم أعرف فـي صين كالان إنساناً رأى ذلك السور أو رأى من رآه.
انتاب ابن رشد، للحظة، الخوف من اللامتناهي التام، من المكان المحض، والمادة المحضة. نظر إلى الحديقة المتناظرة هندسياً؛ وأدرك أنه قد شاخ،وصار دون نفع، ووهمياً. وكان أبو القاسم يقول:
-
ذات مساء،أخذني تجار صين كالان المسلمون إلى دار مشيدة من خشب مزين برسوم، يعيش فيها أناس كثيرون. لا يمكنني أن أحكي لكم كيف كانت تلك الدار، فهي أقرب لأن تكون حجرة واحدة، فيها صفوف من رفوف متدرجة أو شرفات بعضها فوق بعض. وفـي تلك المقصورات هناك أناس يأكلون ويشربون؛ ومثلهم على الأرض، وكذلك على منصة. وكان من هم على تلك المنصة يقرعون الطبل ويعزفون العود، عدا خمسة عشر أو عشرين منهم (بأقنعة قرمزية اللون) يُصلّون، ويغنون، ويتحاورون. يعانون الحبس، وليس هناك من يرى سجناً؛ ويمتطون الخيل دون أن يُلمح الحصان؛ ويقاتلون، إلا أن السيوف من قصب؛ ويموتون ثم ينهضون بعد ذلك واقفين.
فقال فرج:
-
أفعال الحمقى تتجاوز توقعات الإنسان العاقل.
وكان على أبي القاسم أن يوضّح:
-
لم يكونوا حمقى، بل كانوا يُشخِّصون قصة، كما قال لي أحد التجار.
لم يفهم أحد ما قاله، ولم يبدُ أن أحداً يريد أن يفهم. فانتقل أبو القاسم، مرتبكاً، من الحكاية المسموعة إلى الحجج المزدراة. فقال مستعيناً باليدين:
-
فلنتخيل أن هناك من يعرض قصة بدل أن يحكيها. ولتكن هذه القصة هي قصة أهل الكهف فـي أَفسوس. إننا نراهم ينسلون إلى الكهف، نراهم يُصلّون وينامون، نراهم ينامون بعيون مشرعة، نراهم يكبرون وهم نائمون، نراهم يستيقظون فـي الجنة، نراهم يستيقظون مع كلبهم. شيء من هذا القبيل عرضه علينا أناس المنصة فـي ذلك المساء.
وسأله فرج:
-
وهل كان أولئك الأشخاص يتكلمون؟
-
كانوا يتكلمون بالطبع – قال أبو القاسم، وقد تحول إلى مدافع عن عرض يكاد لا يتذكره، وكان قد أزعجه فـي حينه – إنهم يتكلمون، ويغنون، ويتبادلون الخُطب.
قال فرج:
-
الأمر لا يتطلب فـي هذه الحال، عشرين شخصاً. يمكن لمتحدث واحد أن يروي أي شيء، مهما بلغ من التعقيد.
أيد الجميع هذا الرأي. وأثنوا على محاسن اللغة العربية، التي يخاطب الله بها الملائكة؛ وبعد ذلك على محاسن شعر العرب. وبعد أن أشاد عبد الملك بهذا الشعر بما هو أهل له، وصف الشعراء الذين يتمسكون، سواء فـي دمشق أم فـي قرطبة، بالصور الرعوية، والمفردات البدوية، بأنهم قدماء عفا عليهم الزمن. وقال إنه من السخف أن يتغنى رجل بماء بئرٍ بينما نهر الوادي الكبير يمتد أمام ناظريه. وألح على وجوب تجديد الصور المجازية القديمة؛ وقال إنه عندما شبه زهير القدر بناقة عمياء تضرب خبط عشواء، فتنت هذه الصورة الناس، ولكن خمسة قرون من الإعجاب استنفدتها. وأيد الجميع هذا الرأي، الذي سمعوه مرات عديدة من قبل، ومن أفواه كثيرة. كان ابن رشد صامتاً. وفـي النهاية تحدث، وكان حديثه إلى نفسه أكثر مما هو إلى الآخرين.
-
لقد دافعتُ ذات مرة – قال ابن رشد – بقدر أقل من البلاغة، ولكن بحجج مجانسة، عن القضية التي يدافع عنها الآن عبد الملك. لقد قيل فـي الإسكندرية بأن الوحيد غير القادر على ارتكاب الخطأ هو من ارتكب الخطأ وندم عليه؛ ونضيف نحن، بأن الخلاص من الخطأ يتطلب الاعتراف به. وزهير يقول فـي معلقته إنه خلال ثمانين حولاً من المعاناة والمجد، رأى القدر فـي أحيان كثيرة يخبط البشر، مثل ناقة عمياء؛ ويرى عبد الملك أن هذه الصورة لم تعد تدهش أحداً. وهذا التحفظ يتسع لردود كثيرة. أولها، أنه إذا كان الهدف من القصيدة هو الإدهاش، فإن زمنها لا يقاس بالقرون وإنما بالأيام والساعات، وربما بالدقائق. والرد الثاني هو أن الشاعر المشهور يكون مبتكراً أقل مما هو مكتشف. ومن أجل امتداح ابن شرف البرجي(1)، قيل مراراً وتكراراً إنه الوحيد الذي استطاع أن يتخيل النجوم فـي الفجر تتساقط ببطء مثل أوراق الشجر؛ وإذا ما كان ذلك صحيحاً، فإنه يكشف أن الصورة مبتذلة. فالصورة التي يمكن لإنسان وحيد أن يشكّلها هي تلك التي لا تؤثر فـي أحد. هناك أشياء لا حصر لها على الأرض؛ ويمكن لأيّ منها أن يُشبّه بأي شيء آخر. فتشبيه النجوم بأوراق الشجر لا يقل اعتباطية عن تشبيهها بأسماكٍ أو طيور. ولكن ليس هناك بالمقابل من لم يشعر يوماً بأن القدر قوي وأهوج، وأنه بريء، ولكنه غير إنساني كذلك. من أجل هذه القناعة التي يمكن أن تكون عابرة أو متواصلة، إنما لا يمكن لأحد أن يتجنبها، كُتب بيت زهير. ولن يقال ما قيل هناك بأفضل مما قاله. أضف إلى ذلك (وربما كان هذا هو جوهر تأملاتي) أن الزمن، الذي يعري القصور، هو الذي يُثري الأشعار. لقد أفاد بيت زهير، عندما نظمه فـي جزيرة العرب، فـي مقارنة صورتين: صورة الناقة العجوز وصورة القدر؛ ويفيد ترديده الآن فـي حفظ ذكرى زهير والخلط بين همومنا وهموم ذلك العربي الميت. لقد كان للصورة البلاغية حدان، فصار لها اليوم أربعة حدود. فالزمن يوسع نطاق الأشعار، وأنا أعرف أن بعضها، جنباً إلى جنب مع الموسيقى، هو كل شيء فـي نظر الناس كافة. وهكذا، حين كنتُ أتعذب، قبل سنوات، فـي مراكش، وأنا أتذكر قرطبة، كنتُ أشعر بالرضى فـي ترديد بيت الشعر الذي توجه به عبد الرحمن إلى نخلة افريقية، وهو فـي بساتين الرصافة:
نشأتِ بأرض أنت فيها غريبة فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي(2)
إنه انتفاع فريد بالشعر؛ فكلمات قالها ملك يحن إلى الشرق، تنفعني أنا، المُبعد فـي أفريقية، للتعبير عن حنيني إلى الأندلس.
ثم تحدث ابن رشد بعد ذلك عن الشعراء الأوائل، عن أولئك الذين قالوا، فـي عصر الجاهلية، السابق للإسلام، كلَّ شيء باللغة غير المتناهية للصحاري. ولأنه انزعج، وهو محق، من ترهات ابن شرف، فقد قال إن الشعر كله قد اختُصر فـي القدماء وفـي القرآن. واتهم كل تطلع إلى التجديد بالأمية وعدم الجدوى. واستمع إليه الآخرون بسرور، لأنه ينتصر للقديم.
كان المؤذنون ينادون لصلاة الفجر عندما عاد ابن رشد للدخول إلى مكتبته (وكانت الجاريات ذوات الشعر الأسود، فـي جناح الحريم، قد عاقبن جارية ذات شعر أحمر، ولكنه لن يعلم بذلك إلا فـي المساء). لقد كشف له شيءٌ ما معنى الكلمتين الغامضتين، فأضاف، بخط ثابت ودقيق، هذه الأسطر إلى المخطوط: يُطلق أرسطو تسمية تراجيديا على المدائح، وكوميديا على الأهاجي وكشف المثالب. وهناك وفرة وفيرة من التراجيديات والكوميديات العظيمة، تزخر بها صفحات القرآن الكريم والمعلقات على جدار الكعبة.
أحس بالنعاس، وأحس بقليل من البرودة. وبعد أن نزع العمامة، نظر إلى نفسه فـي مرآة معدنية. ولستُ أدري ما الذي رأته عيناه، لأن أحداً من المؤرخين لم يصف لنا ملامح وجهه. إنني أعرف أنه اختفى فجأة، كما لو أن ناراً دون ضوء قد صعقته، واختفت معه الدار والنافورة غير المرئية والكتب والمخطوطات والحَمائم والجواري الكثيرات ذوات الشعر الأسود والجارية المرتعدة ذات الشعر الأحمر وفرج وأبو القاسم والورود وربما نهر الوادي الكبير.
* * *
أردت فـي القصة السابقة أن أروي سيرورة هزيمة. وقد فكرت أولاًً بأسقف كانتربري، ذاك الذي عزم على البرهنة على وجود الإله؛ ثم فكرت بعد ذلك بالخيميائين الذين بحثوا عن حجر الفلاسفة؛ ثم ببطلان القطاعات الثلاثية للزاوية، وبمقومي الدائرة. وفكرتُ، بعد ذلك، بأن الحالة الأكثر شاعرية هي حالة رجل يروم هدفاً غير محظور على الآخرين، ولكنه محظور عليه. فتذكرت ابن رشد الذي لم يستطع قط، وهو منغلق فـي نطاق الإسلام، أن يدرك معنى كلمتي تراجيديا وكوميديا. رويتُ الحالة، وكلما تقدمتُ كنتُ أشعر بما لا بد أن يكون قد شعر به ذلك الإله الذي أتى على ذكره »بورتن«، والذي نوى أن يخلق ثوراً وإذا به يخلق جاموساً. شعرت بأن العمل يسخر مني، وأن ابن رشد، إذ أراد أن يتخيل ما هي الدراما دون أن تكون لديه أي فكرة عما هو المسرح، لم يكن أكثر عبثية مني، عندما أردت أن أتخيل ابن رشد دون أن تتوفر لي أي مادة عنه سوى نتف من »رينان« و»لين« و»آسين بلاثيوس«. لقد شعرت، وأنا فـي الصفحة الأخيرة، بأن قصتي هي رمز للرجل الذي كنته فـي أثناء كتابتها، وأنه كان عليّ، لكتابة هذه القصة، أن أكون ذلك الرجل، وأنه لكي أكون ذلك الرجل، عليّ أن أملي هذه القصة، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية. (وفـي اللحظة التي أتوقف عن الإيمان به، يختفي »ابن رشد«).

جريدة “نيويورك تايمز” – 8 مايو 1971


ما يقوم بمقايضته الكاتب أو الشاعر دائمًا غريب. أتذكر اقتباسًا لتشيسترتون[1] يقول فيه: “هناك شيءٌ واحدٌ تبقى له الحاجة مستمرة: كل شيء!”. بالنسبة للكاتب، تعني كلمة “كل شيء” أكثر من كلمة شاملة، فهو يأخذها بشكل حرفي، وتعني له الشيء الأهم والأساسي، وهو التجربة البشرية بشموليّتها. على سبيل المثال، يحتاج الكاتب للعزلة، وينال حصّته منها. ويحتاج أيضًا للحب، ويجد من يشاطره الحب ومن لا يشاطره. وهو أيضًا يحتاج للصداقة.. بل يحتاج للكون بأكمله في واقع الأمر. يجب أن يكون الشخص شاردًا، يعيش حياتين بشكلٍ أو آخر، لكي يصبح كاتبًا.


منذ زمنٍ بعيد، نشرت كتابي الأول “[2]Fervor de Buenos Aires” سنة 1923. لم يكن هذا الكتاب مديحًا لبوينوس آيرس قدر ما كان محاولةً مني لوصف ما أشعر به تجاه هذه المدينة. عرفت لحظتها أن الكثير ينقصني، على الرغم من أنّي عشت في جوٍّ أدبي، فأبي كان كاتب رسائل، ومع ذلك لم يكن الأمر كافيًا. احتجت إلى ما هو أكثر من ذلك، ووجدته فعلًا على يد الصداقات وفي المحادثات الأدبية.


ما يجب أن تمنحه جامعةٌ عظيمةٌ لكاتبٍ شاب هو، وبشكلٍ دقيق، التالي: الحوار، فن النقاش، فن الموافقة، وفن الاختلاف؛ وربما يكون الأخير هو الأهم من بينها كلها. بعيدًا عن كل ذلك، نستطيع أن نقول بأن اللحظة باتت مؤاتية حينما يحس الكاتب الشاب بأنه يستطيع صياغة مشاعره من خلال القصائد. يجب عليه أن يبدأ ذلك من خلال تقليد الشعراء الذين يحبهم. هكذا، يجد الشاعر صوته الداخلي بينما يفقد ذاته أثناء التقليد، أي يعيش حياتين في ذات الوقت، حياته الواقعية بكل ما يمكنه، وحياةً أخرى يتقمص بها، هي حياة يحتاج لخلقها، ويصيغ بها أحلامه واقعًا.


هذا هو الهدف الأساسي في برنامج كلية الفنون بجامعة كولومبيا. أنا – في هذا المقام – أتحدث بالنيابة عن العديد من الشبان والفتيات الذين يناضلون في هذه الجامعة من أجل أن يصبحوا كتّابًا، ولم يجدوا صوتهم بعد. أمضيْتُ أسبوعين في هذا المكان وأنا أشرح لهؤلاء الطلاب التوّاقين للكتابة، وأستطيع أن أرى ما تعنيه هذه الدورات لهم، وأن أرى أهميتها – أي الدورات – للأدب. لا يحظى الشبان في بلادي بمثلها.


دعونا نفكر بكل الشعراء والكتّاب الذي لم يظهروا بعد، وعن احتمال جمعهم سويًا وتعليمهم في مكانٍ واحد. أؤمن بأن هذا هو واجبنا، مساعدة هذه الكفاءات المستقبليّة لتحقيق هدفهم النهائي بكشفهم لأنفسهم، والذي سيخدم الأدب العظيم لاحقًا. الأدب ليس مجرّد ضمٍ للكلمات، ما يهم فعلًا هو ما لم يقل، أو ما يمكن أن يُقرأ بين السطور. ما لم يكن مرتبطًا بالإحساس في دواخلنا، فليس الأدب إلا لعبة، وكلنا نعلم بالطبع أنه أكثر من ذلك.


كلّنا نملك متعة القارئ، ولكن الكاتب يملك تلك المتعة بالإضافة إلى مهمّة الكتابة؛ وتعدّ هذه التجربة مكافأة بالإضافة لغرابتها. نحن ندين لكل الكتّاب الشّباب بفرصة اجتماعنا سويًّا، وبفرصة الاتفاق والاختلاف، وأخيرًا ندين لهم بالوصول لحِرْفَةِ الكتابة.


ترجمة: محمد الضبع
في مارس من سنة ١٩٨٤، بدأ خورخي لويس بورخيس سلسلة حوارات على الراديو مع الشاعر والكاتب الأرجنتيني أوسڤالدو فيراري، والتي بدأ اهتمام قرّاء الأدب اللاتيني بها يظهر مؤخرًا. تجدون في المحادثة التالية المجموعة الثانية من هذه الحوارات، والتي سوف تصدر في كتاب كامل قريبًا.

أوسڤالدو فيراري: بورخيس، أحد مقالاتك يحمل عنوان "عن تقديس الكتب" يجعلني هذا العنوان أفكر في كتب وفي مؤلفين تذكرهم باستمرار.

خورخي لويس بورخيس: لا أتذكر أي شيء بهذا الخصوص… هل كنت أتحدث عن الكتب المقدسة؟ عن حقيقة أنه في كل بلد هنالك تفضيل ما لكتب معينة؟

فيراري: لقد ذكرت السابق، نعم، ولكنك أيضًا أشرت إلى الأشخاص الذين ينتقدون الكتب لصالح اللغة الشفهية. على سبيل المثال، هنالك مقطع لأفلاطون يتحدث فيه عن القراءة المفرطة التي تؤدي إلى إهمال الذاكرة والاعتماد على الرموز.

بورخيس: أظن أن شوبنهاور قال: “أن تقرأ يعني أن تفكر بعقل شخص آخر.” هذه هي الفكرة ذاتها، صحيح؟ حسنًا لا، إنها ليست الفكرة ذاتها ولكنها عدائية تجاه الكتب. هل تحدثتُ عن هذا؟


فيراري: لا.

بورخيس: ربما كنت أتحدث عن حقيقة أن كل بلد يختار، أو يفضل أن يقدّم بواسطة كتاب ما برغم أن هذا الكتاب لا يمثل بالعادة خصائص البلد ذاتها. على سبيل المثال، يعتبر البعض شكسبير ممثلًا للإنجليزية بالطبع، ولكننا لا نجد أي من الخصائص الإنجليزية التقليدية في شكسبير. يميل الإنجليز للتحفظ والتكتم، بينما يجري شكسبير كنهر عظيم، إنه يزخر بالمبالغة والمجاز، إنه المثال المعاكس تمامًا للرجل الإنجليزي. وفي مثال آخر نجد غوته، لدينا الألمان الذين يصلون بسرعة إلى التعصب، بينما نكتشف أن غوته على عكس هذا تمامًا، رجل متسامح، يحيي نابليون عندما يجتاح نابليون ألمانيا. غوته ليس رجلًا ألمانيًا تقليديًا. الآن يبدو هذا النمط واضحًا، أليس كذلك؟

فيراري: خاصة في حالة الكلاسيكيات.
بورخيس: خاصة في حالة الكلاسيكيات، نعم. وبالنسبة لفرنسا، فإنها بلد تملك تراثًا أدبيًا ضخمًا لدرجة أنها لا تستطيع اختيار اسم واحد، ولكن إن ذهبنا مع فيكتور هيوغو، نجد أن هوغو لا يشبه معظم الفرنسيين.

فيراري: في تلك المقالة أيضًا، أشرت إلى الكتاب الثامن من الأوديسة، حيث تسرد حديث الرب عندما أعطى المصائب وسوء الحظ للبشر، كي يجدوا شيئًا بإمكانهم أن يغنوا له.
بورخيس: نعم، هذا صحيح، كانت الفكرة أن يجد البشر لأجيال وأجيال سببًا مقنعًا للغناء.

فيراري: نعم.

بورخيس: حسنًا هذا سبب كافي لإثبات أن الأوديسة جاءت بعد الإلياذة، لأنه ليس بإمكان أحد تخيل انعكاس كهذا في الإلياذة.

فيراري: بالتأكيد، لأن هومر يعطي فكرة البدايات…
بورخيس: نعم، وكما قال روبن داريو: هومر الواثق كان يملك هومر آخر في داخله. لأن الأدب يفترض دائمًا مقدمة، أو تقليدًا. قد يقول أحدهم إن اللغة بحد ذاتها تقليد، كل لغة تقدم مدى من الاحتمالات والمستحيلات أيضًا، أو الصعوبات. لا أتذكر تلك المقالة، "تقديس الكتب".

فيراري: إنها في محاكم تفتيش أخرى.

بورخيس: أنا متأكد من وجودها، لأنني لا أظن أنك قمت باختلاقها فقط لاختبار ذاكرتي.

فيراري: (يضحك) إنها موجودة، من كتابات سنة ١٩٥١.
بورخيس: آه جيد، حسنًا، في تلك الحالة لدي كل حق في نسيانها. سيكون أمرًا محزنًا تذكري لسنة ١٩٥١.

فيراري: ولكنك انتهيت عند تلك النقطة بواسطة ستيفان مالارميه.
بورخيس: آه نعم، أن كل الأشياء تؤدي إلى الكتب، صحيح؟

فيراري: بالطبع.


بورخيس: نعم، لأنني آخذ تلك الأسطر من هومر وأقول إنها تؤدي المعنى ذاته. ولكن هومر مازال يفكر بالأغاني، بالشعر الذي يصعد في إلهام. وعلى العكس تمامًا، مالارميه كان يفكر حينها بكتاب، وبطريقة ما، في كتاب مقدس. الحقيقة أنهما الشيء ذاته، كل شيء يوجد لينتهي أخيرًا في كتاب، أو كل شيء يؤدي إلى كتاب.


فيراري: هذا يجعلنا نقول إن الأحداث دائمًا تنتهي بأن تصبح أدبًا. ولكن الكتاب الذي طالما نصحت بقراءته، حتى أولئك الذين لا يهتمون بالأدب، كان الإنجيل.


بورخيس: لأن الإنجيل عبارة عن مكتبة. الآن، كم هي غريبة تلك الفكرة عن العبرانيين عندما نسبوا سفر التكوين، ونشيد الأناشيد، وسفر أيوب، إلى كاتب واحد، هو الروح القدس. من الواضح أن هذه الكتب تعكس عقولًا مختلفة وعقودًا وأزمنة مختلفة، وتنتمي إلى فترات متنوعة للأفكار.